فتح زيدان الباب وهو لا يعلم بماذا سيعلل سبب عودته، لكنه نسى كل شيء تماماً ما أن ولج للداخل وتفاجئ بها تقف بمنامة محددة الجوانب ملفوفة على قوامها بامتياز ساحق. حورية التي يراها الآن مختلفة تماماً عن حورية التي كانت تمر أمامه في الشارع أو يراها أحياناً مع أخيه. كان كمن لا يملك من أمره شيء، لا يسعه سوى أن يحملق فيها ولسانه يردد جملة واحدة: -بسم الله ما شاء الله.. بسم الله ما شاء الله. لقد أكتشف أنها صهباء.... ربّاااااه.
كانت حورية تمتلك شعر قصير أحمر مموج، وحين تكشف شعرها تصبح كقرص الشمس مضيئة متوهجة خصوصاً وأن كتلة شعرها كلها تقريباً تحاوط وجهها. كان يهز رأسه ببطء... يشعر أن ما يراه كثير عليه. يسأل لما لا تأخذها به أي شفقة أو رحمة.. فلتراعي حالته... فهو رجل يعتبر متقدم في العمر ويبدو أن النساء قد عزفته تماماً وبقدرة قادر يجد في شقته فتاة صهباء طمعت في الجمال كله والبهاء كله فاقتنصته لنفسها... وهو يا روحي....
الصدمة أكبر من استيعابه، لا يعرف كيف يتصرف الآن، خبرته مع النساء صفر. ووقف ملتصقاً بالأرض لا يقدر على التحرك ولا يمكنه ولا يسعه زحزحة مقلتاه عنها، جمالها يسبب الشلل، أو يشفي المشلول .. كلاهما سواء. إنما هي من اتخذت ردت الفعل بعدما تفاجئت بعودته، في البداية وقفت لثواني متيبسة موضعها لكن خجلها منه كان قوي لدرجة نبهت عقلها وصنع رد فعل سريع، فهرولت تجاه غرفة النوم تغلق الباب خلفها وتقف مستندة عليه تشعر بالتخبط...
بينما هو ظل على وقفته، وأخذ الأمر أكثر من دقيقة كاملة حتى استطاع التحرك أخيراً وذهب لأول كرسي قابله جلس عليه يفكر.... كل الأفكار التي تواردت لعقله كانت مريبة. يسأل سؤال وجودي بحت: -وأنا هعيش معاها في نفس الشقة؟ ضرب على فخذيه كمن عجز عن إيجاد حل أو مخرج لمصيبة عويصة سيقع فيها وردد: -يانهار أسود يا زيدان... هتعمل ايه؟ انتبه سريعاً على صوت جرس الباب، زم شفتيه ورفع يده يمسح بها على وجهه، يتوقع هوية الزائر بالطبع.
ولم يجد بد من أن يقف ليفتح وما أن فعل حتى تحققت كل ظنونه... إنها السيدة فوزية جاءت وشقيقتها بزيارة ابنتهن. ونظر بإبتسامة يشوبها القلق لزيدان، بالطبع الأوضاع ليست طبيعية، بالأساس كل ما صار ليس بطبيعي. وحاولت فوزية قطع التوتر فرددت بلطف: -صباح الخير يا عريس. ناظرها زيدان بارتباك... عريس؟!
مازال لتلك الكلمة صدى غريب في أذنه، ربما لأنه غير مستصيغ كل ما حدث ولا إلى أين تطور الوضع ولا يعلم ما ينبغي عليه فعله ولا كيف ستسير الأمور. لكنه ابتسم لها وقال: -صباح النور... اتفضلوا. دلفت فوزية وأختها ثم سألت فوزية: -أمال فين حورية؟ -في أوضتها. اتسعت ابتسامة فوزية وقد ارتاحت قليلاً... دلفت لغرفتها مع جرس الباب يعني أنها كانت ترتدي مالا يصح أن يراها به أحد ودلفت لتبدل ملابسها.
زاد ارتباك زيدان طردياً مع اتساع بسمة فوزية، تقريباً فهم عليها، كانت ابتسامتها مريبة. فتلجلج في رده وهو يقول: -اتفضلوا ادخلوا لها انتو مش أغراب. -تسلم وتعيش ياحبيبي. قالتها فوزية وتحركت للداخل مع شقيقتها التي كانت في عالم آخر تفكر في همها الكبير. وخرج زيدان للشرفة يدخن سيجارة بتوتر يحاول جاهداً أن يهدئ أعصابه ليفكر. أما في غرفة النوم. دلت فوزية وشقيقتها "جنات" تنظر لحورية وقد ارتدت عباءة منزلية باللون الأبيض...
كانت في غاية الذوق وزادها روعتها المنحنى الذي التفت عليه، فقد كانت حورية تمتلك جمال فريد جداً. تقدمت منها وحاولت التماسك تسأل: -صباحية مباركة ياحبيبتي. ناظرتها حورية بصمت تام، تلك الجملة تقال في مواقف محددة غير تلك التي عايشتها. لكنها آثرت التحفظ فزمت شفتيها وقالت: -الله يبارك فيكي يا ماما. تطلعت لها فوزية بحيرة لا تعرف هل تهدأ أم تستمر في حلقات القلق التي صاحبتها منذ مساء أمس.
لم تستطع الصمت، إن لم تسألها هي فمن سيسأل، حاولت التحدث: -يعني إنتي بخير يا حورية؟ -الحمد لله ياماما. تنهدت فوزية... رد حورية محايد غير شافٍ فسألت: -الحمد لله على كل حال بس... يعني أنتو يابنتي عرفتوا تاخدوا على بعض؟ رفعت حورية عيناها لها وقالت بسأم: -ناخد على بعض؟! مش مصدقة سؤالك بجد. اقتربت جنات وجلست لجوارها تقول: -يابنتي ماتريحينا. رد حورية بصوت حاد وصل لمسامع زيدان الذي وقف في الشرفة القريبة من الغرفة:
-اريحكوا إزاي؟ أنا مش مصدقاكوا بجد؟ مستنيني أقول إيه أصلاً؟ جاوبت جنات بارتباك وحرج: -إإحنا عارفين إن الحاجات دي خصوصيات وحرمات بس إحنا عايزين نطمن عليكي لو من بعيد لبعيد. فهتفت حورية بنفس الحدة: -خالتو... إنتي بتتكلمي في ايه بجد... عايزين إيه يحصل مثلاً ؟ أنا مش عارفه المفروض عليا أعمل إيه ؟ أقف ولا أقعد... أنام جوا ولا برا، ألبس لبس البيت العادي ولا البس مقفل عشان في حد معايا في البيت.... أنا مش عارفه. صرخت بجملتها
الأخيرة فقالت فوزية: -كلام إيه إلي بتقوليه ده يا بنتي... الحد إلي بتتكلمي عنه ده بقا جوزك على سنة الله ورسوله وقدام الناس كلها. -هو الجواز عقد ومأذون وشهود وبس... حتى لو قولت أه.. حتى لو. أغمضت عيناها وأخذت تهز رأسها بأسى وعقبت: -ماحدش فاهمني.. أو فاهمين بس عايزين يعملوا مش فاهمين وإنه عادي.
صمتت كل منهن.. حورية تشعر بالضياع وكذلك فوزية ومعهم جنات التي كان همها همّان خصوصاً وأن رنا منذ سافرت لم تستطع الاطمئنان عليها وهاتفها مغلق دوماً تسأل هل لا يوجد شبكة اتصال في مكان عملها أم لا... لكن قلب الأم يخبرها أن الأمور ليست على ما يرام. في الشرفة. أسبل زيدان عيناه بأسف على حالها وحاله أيضاً، هو أيضاً يسأل نفسه ماذا يفعل وكيف سيتعاملا معاً، وضعهما مربك حقيقي.
سحق سيجاره في سور الشرفة ثم دلف للصالة وجلس بصمت تام متعب. *** جلست أنچا منكبة على أوراق مالية تخص الحرملك تتابعها بنفسها تسأل إحدى المسؤولات عن أحد البنود وفيما أنفقت. وبينما هي كذلك دلفت خادمتها مهرولة لعندها ثم وقفت بريبة. تطلعت لها أنچا ومن نظرة واحدة فطنت أن هناك أخبار بحوزتها فأشارت لها أن تقترب لعندها. بالفعل اقتربت الخادمة ومالت على أذنها توسوس لها بما علمت وكلما تحدثت استعرت النيران في
عينا أنچا بغل تام وهمست: -هل وصلت الأمور لهنا؟؟ حمام غرفة الملك الخاص؟؟! لم تكف الخادمة ومالت على أذنها تكمل فتحدثت أنچا من بين أنيابها: -ماذا؟!! سماها ماذا؟!! طبقت جفنيها بغضب تحاول استدعاء بعض الهدوء، التصرف مع تلك الدخيلة يحتاج لحنكة و تروي ومن أهل لكل ذلك أكثر من السيدة أنچا؟ سحبت نفس عميق ثم أشارت لخادمتها أن تنصرف وبدأت هي تفكر بهدوء تام. في غرفة الملك راموس.
رفرفت رنا برموشها تجاهد كي تفتح عيناها، حاولت أن تفعل بسبب تسلط الضوء عليهما. أنت بوهن: -أه. انتبهت أنكي عليها وتقدمت لعندها سريعاً تردد: -وأخيراً استيقظتي... فتحت رنا عيناها لترى بوضوح، تطلعت لسقف الغرفة المطلي بالذهب الخالص ومظاهر الثراء التي شملت الغرفة ثم حادت بعينها تنظر لتلك السيدة السوداء. هنا أيقنت أنها لم تخرج من الكابوس الذي ظنت أنها تعيشه وستفوق منه حتماً ما أن ينتهي نومها.
أغمضت عيناها بانهيار تام وأخذت تهز رأسها يميناً ويساراً مرددة: -لأ... لأ.. ماهو لازم يكون كابوس وهيخلص وأنا هفوق منه.. أنا مش هعيش كده. تقدمت منها السيدة أنكي وسألت: -ماذا تقولين... لم أفهم عليكي؟ فتحت رنا عيناها تنظر لأنكي... أي كلام سيقال.. هي تشعر بالعجز تام... شعور قبيح لا يوصف. بدأت رنا تتلفت وتنظر حولها بريبة للغرفة التي غلب عليها اللون الذهبي، وكيف خرجت من الزنزانة المظلمة المميتة فسألت: -أين أنا؟
وما الذي حدث؟ -لقد تم نقلك وإخراجك من السجن بعدما فقدتي وعيك و كانت حالتك خطرة تماماً. -وأين أنا؟ ردت أنكي وكأنها تحسدها على حظها السعيد: -بغرفة الملك شخصياً. -ماذا؟ كيف؟ -هو من حملك لهنا وأمر بذلك. علت أنفاسها حتى هدأت وبدأت تنظر حولها إلى أن أتى الدور عليها فنظرت على نفسها لتصرخ برعب: -ملابسي! ماهذه الملابس.. كيف تبدلت ومن بدلها. ابتسمت أنكي وقالت ببراءة مزيفة: -الملك... شخصياً أيضاً.
انتفضت رنا من السرير قد جأتها العافية رغم الهزال، فاجعة الخبر نفضتها وهتفت بجنون: -نعم يا حلاوة؟؟ أنتي اتجننتي... نهار أبوكو أسود. -رجاءاً تحدثي بلغتي أنا لا أفهم العربية. -ان شاء الله عنك ما فهمتي ده أنا هسود عيشت إلي جابك .... يا جزيرة مهبوشة يا شوية مجانين.
كل هذا والملك يقف بأحد الغرف الملحقة بجناحه يكتم ضحكته على رد فعلها الذي فاق توقعاته وأنصت بانتظار المزيد ممتن لكونه يفهم العربية فلولا ذلك لما استمتع بفهم ما تقول أثناء نوبات جنونها اللذيذ. فيما تقدمت أنكي منها وقالت في محاولة منها لتهدئتها: -حاولي أن تهدئي لا تنسي أنك جارية عنده. نفضت رنا يد تلك السيدة من عليها وصرخت بغيظ: -أنا فتاة حرة... ولدت حرة وسأموت حرة.. لست جارية لأحد... لما لا تفهموووون؟
-أتعجب كثيراً من أفعالك... فتاة غيرك لو كانت بمكانك لكانت أسعد بني آدم على وجه البسيطة، الملك راموس بنفسه مهتم بكِ كثيراً، أتفعلين هذا بدلاً من أن تفرحي وتفكري بذكاء كيف تستغلي الفرصة؟ كل فتيات الجزيرة وأميراتها حتى أميرات الدول الأخرى تتمنى ولو لمحة اهتمام من ملكنا راموس وأنتي تفعلين هذا يا ميرورا؟؟ جحظت عينا رنا ونظرت لها بريبة تسأل: -ومن ميرورا أيضاً؟ -أنتي.. جاوبت أنكي ببساطة فهتفت رنا بجنون: -أهلاً... هل جننتي؟
حسناً.. سأتغاضى عن ذلك.. ربما لم تحفظي اسمي بعد ولكن للتذكير.. أنا أدعى رنا... رنا... رديها خلفي لأختبر الأمر... ها.. هيا.. ر -ا.. هيا قولي كي لا تنسي. لمعت عينا راموس ومازال على وقفته وهو يتعرف على اسمها لأول مرة وبدأت شفتاه تتحرك دون إرادته يردد حروف اسمها كما طلبت من أنكي، فعل وكأنه يتذوق حلواه المفضلة حين همس (ر..ن..ا -ر..ن..ا -رنا) سحب نفس عميق يبتسم لكنها استحالت لضحكة مفاجئة حين سمع ما قالته أنكي:
-لا أنا لم أخطئ أو أنسى.. بل هذا هو اسمك الجديد.. لقد سماكي به مولانا الملك راموس. فجن جنونها وصرخت بوهن: -أنتو عايزين تجننوني مش كده... حرام عليكم. تقدمت أنكي تقول ببعض الشفقة: -أنا لا أعرف العربية ولم أفهم ما تقولين لكن على ما يبدو إنك تعانين مما يحدث... إن أردتي النصيحة، كوني مؤدبة... ومطيعة.. تقربي من الملك واستغلي انجذابه لك فهو نادر الحدوث. تمسكت رنا بكفتي يد أنكي وقالت بتوسل:
-إن كنتي تشعرين بي كما تدعين فأرجوكي ساعديني على الهرب من هنا، سأموت إن عشت هنا ليوم آخر في هذا الجحيم، وأعدك.. أقسم أنني لن أخبر أحد أنك قد ساعدتيني.. لن أذكر اسمك إن فشلت... لكن... أتوسل إليكي وأنا التي لم أتوسل لأحد قط... ساعديني.. يبدو إنك سيدة جيدة وستتفهمي وضعي وحالتي.... ساعديني أرجوكي وإلا سأموت هنا حتى أني سأدفن غريبة في بلاد غير بلادي. لأول مرة تشفق أنكي على أحدهم لكنها تراجعت للخلف ولحظتها خرج الملك
من خلف الستار يردد بحدة: -أمازلتي تريدين الهرب؟ ألم تتعظي مما جرى؟ أم أن التمرد خصلة تجرى في عروقك مجرى الدم؟ نظرت له بكره وغيظ.. تشعر أنه سجانها وقاتلها فرددت: -وسأظل أحاول الهرب مادام بي رمش يرف. اهتزت شفتيه من شدة القهر الذي تذيقه إياه بكل مرة. هز رأسه يأمر أنكي بترفع أن تغادر ففعلت و بدأ يقترب من سريره يردد: -من تظنين نفسك؟ شفتيه يتصنع التفكير وأردف:
-أنتي مجرد جارية، أنصحك بأن تكوني مطيعة، وأعملي جاهدة على إسعادي، على الأقل لتحللي قيمة المال الذي دفع فيكي. كان يريد قهرها كما تفعل به دوماً، تغضنت زوايا فمه بابتسامة جانبية فعلى ما يبدو أنه قد نجح فقد تشنجت كل ملامحها وأظلمت عيناها وقالت: -مال مين يالا.. ده أنا أشتريك أنت وبلدك.
أخذتها الحمية جداً وبتلك الحالة ما كانت ستعبر عنها أي لغة غير لغتها الأم، وعبرت عن غضبها لكن ربما تعبيرها قد اتسع وتمدد بل ترحرح منها كثيراً... تشتريه هو وبلده؟! ربما نسيت أنها أمام ملك جزيرة الذهب وهي حقاً لا تملك أي شيء.. إن الشقة التي تسكنها ووالدتها ليست مثلها وإنما هي إيجار قديم، هي لا تملك بالأساس سوى مرتب حديثي التخرج الذي يعد على الأصابع. كل هذا لم يهمه أو يفكر فيه بل تقدم أكثر يسألها: -ماذا قولتي؟ (يالا)
أتقصديني أنا بها. صرخ صوته في آخر جملة لدرجة أنها انتفضت مرددة: -هو... هو أنت بتفهم عربي؟ كتف ذراعيه حول صدره ثم جاوب بسخرية: -شويه شويه يا هببتي. صرخ بغضب ينادي: -كاكاااا. ابتلعت رمقها بصعوبة بالغة، خصوصاً وهي تراه يقترب أكثر وعيناه لا تبشر بالخير فوقفت تردد باهتزاز: -ما.. ماعلش.. أنت معصب نفسك ليه.. أنا ماكنتش اعرف أنك بتفهم عربي وبعدين أنت هتاخد على كلامي... ده انا بس كانت أخدتني الجلالة مش أكتر...
بالله عليك بلاش كاكا. نظر لها بحاجب مرفوع، يستمع برؤية خوفها وتراجعها، يبدو أنها بحالات، أحياناً شرسة متمردة وأحياناً هرة وديعة. دلف كاكا بحجمه المبالغ فيه ومنظره الذي يخيف وحده ينحني للملك ثم قال: -أمر مولاي. كانت تنظر له بترقب وخوف تنتظر أمره هو الآخر فقال: -استدعي الطبيب. تحرك كاكا ينفذ المطلوب فحاولت التحدث: -طيب بما إنك طلعت بتفهم عربي، شكلك راجل محترم وهتفهمني، أنا لازم أمشي.. أنا ماليش عيش هنا، عارف ليه؟
هقولك ليه. تقدمت تشرح له وهو مستمع كثيراً يسمعها تقول: -أنتو باين عليكوا ناس محترمه... أنا لأ... أنا مش وش ذلك... أنا عايزة أروح. زم شفتيه بضيق ثم حاول التغاضي عما تقوله وتحدث بحلم: -مازلتي مريضة عودي للفراش حتى يأتي الطبيب ميرورا. هنا لم تستطع التحمل، هو ببساطة قد ذكرها فهتفت برفض تام وتمرد: -مين ميرورا دي كمان... أنتو فاكرين نفسكوا مين عشان تجردوني من حريتي ومن اسمي.. مين اللي عطالك الحق ده.
نظر لها بجانب عيناه، ما عاد يتحمل ثم صرخ عالياً من جديد: -كاكاااا. وقفت مكانها بخوف فدلف كاكا منحني: -أمر مولاي... استدعيت الطبيب وهو في طريقه لهنا. التف راموس يوليها ظهره فقد ملئت صدره كره وغضب فقال بحده: -خذها من هنا. تهلل وجهها وصفقت بكلتا يديها تردد: -بجد والنبي؟ نظر لها راموس بجانب عينه وكان فيها من الغضب ما يكفي ثم أمر كاكا: -خذها من أمامي.. لا أريد لمح طرفها أو رؤيتها.. تودع في الحرملك للخدمة هل فهمت.
-أمرك سيدي. ثم تقدم يسحب معه رنا وراموس يبعد أنظاره عنها ويرفع رأسه بشموخ بينما هي تسير عنوة مع كاكا معترضة. *** في اليونان. جلس محمود بعد جلسة تصوير محترفة، يتمدد براحة على أحد الأرائك ثم فتح هاتفه كي يحدث مع حورية ينوي الاطمئنان عليها ليعرف كيف مرت يومها وهدأت والدتها.. كان يعلم أن حورية ستفعل هو دوماً يصفها بالقوة لذا كان متأكداً أنها ستتصدى للقصة كلها وستستطيع تأجيل العرس.
لا يعلم لما لا يفهمه أحد.. أنها فرصة العمر وقد واتته اخيراً، الفرح يمكن تأجيله لكن الفرصة التي ستغير حياته كليا وتجعله شاب مشهور ثري لم تتكرر أو تنتظره، الحياة فرصة إما أن تقتنصها أو تظل طوال عمرك تندم،. هو قد فعل وأقتنص الفرصه. فتح هاتفه كي يتصل بها ولكن فاجأته كثيرة الرسائل المرسلة له على الهاتف كذلك هناك منشورات كثيرة تم ذكره بها. فتح ليرى وهنا كانت الصدمة......... *** في شقة زيدان.
كانت فوزية قد غادرت هي وشقيقتها وبقى زيدان بالصالة وحورية بالغرفة تغلق الباب عليها. لقد مر كل هذا الوقت وهو يفكر إلى أن تشجع أخيراً ووقف يدق عليها الباب. دقة فأخرى و مع الثالثة فتحت الباب لتظهر بعبائتها البيضاء وحجابها. همس بضعف داخله: -يا أللهي... إن ملامحها عن قرب مهلكة. أبتلع ريقه وضبط حاله ثم قال: -مش هتاكلي... إنتي من امبارح ما أكلتيش. نظرت أرضاً ثم قالت: -أيوة... وأنت كمان ما أكلتش... ثواني وهسخن الأكل.
تحركت كي تخرج من الغرفة لكنه كان يسد الباب، رفعت عيناها له ففهم وحمحم بحرج ثم تحرك يفسح لها الطريق. لكنه ناداها وقال: -حورية. التفت له تسأل: -أيه؟ متعود تتغدى مع مامتك؟ ضحك بخفة ثم قال: -لأ أقصد.... إن.. بتهيألي إننا محتاجين نتكلم مع بعض شوية. نظرت أرضاً ثم قالت: -عندك حق. سحب نفس عميق ثم قال: -تعالي اقعدي الأول. تقدمت لتجلس بهدوء على الأريكة. نظر خلفها ثم قال: -حلوة الكنبة مع لون الحيطة. نظرت لهم ثم ابتسمت
ورفعت عيناها له تقول: -أنت إلي مختارهم. لمعت عيناه واتسعت ابتسامته يردد: -سبحان الله. سحب نفس عالي من جديد ثم تحدث بتروي تام: -بصي يا حورية.. لا أنا ولا أنتي محتاجين نشرح لبعض الجوازة دي حصلت إزاي.. بس.. دلوقتي إحنا متجوزين.. ولسه امبارح أكيد مش هينفع يحصل أي انفصال صح؟ -صح. -تمام... كده إحنا اتفقنا في نقطة... النقطة التانية... وجودنا هنا في البيت... أنا زي ما شوفتي كده نزلت أفطر تحت أمي قالتلي شطبنا وتقريباً طردتني.
ضحكت حورية فأبتسم أيضاً ثم أكمل: -والشقة اللي فوق مش جاهزة فلو تسمحيلي أفضل هنا هكون شاكر ليكي جداً. تطلعت له مستغربة، كأنها ترى زيدان لأول مرة ثم همست: -أنت إلي بتقول كده.. دي شقتك أصلا ولا ناسي. -لا يا بنت الناس... الشقة دي بالعفش والأجهزة وكل حاجة بتاعتك وأنا مجرد ضيف.. خلينا نعدي الأيام ونشوف إيه اللي هيحصل إيه رأيك؟ صمتت بتخبط فأردف:
-أوضة النوم بتاعتك وأنا في أوضة الأطفال.. أنا طول النهار في الشغل ومش برجع غير بالليل ويعتبر ماليش طلبات وباكل كل الأصناف يعني اعملي اللي على مزاجك. صمتت ترفع عيناها له.. هناك حديث طويل وكثير داخلها له لكنها أبداً لم تستطع التعبير هي فقط اكتفت بإيماءة من رأسها مع ابتسامة شرحت صدره فتنهد براحة ثم قال: -طيب ممكن نتغدى بقا؟ -حاضر.
ثم وثقت وذهبت للمطبخ وما أن غادرت حتى صدح صوت هاتفه باتصال من رقم غريب.. ففتح المكالمة ليأتيه صوت أخيه يردد بثورة: -صباح الخير يا أخويا يا كبير يا محترم... ولا أقول صباحية مباركة للعريس؟؟؟!! *** تفاجئ زيدان بصوت شقيقه الحاد ومكالمته له في هذا الوقت، لوهلة شعر بالخزي والعار وأنه هو المخطئ. لذا حاول احتواء غضبه وقال بصوت مهتز: -أزيك يا محمود؟ ضحك محمود ساخراً ثم رد باستهزاء: -أزيك يا محمود؟
هه مازييش حد يا حبيب أخوك.. زي ما أنت شايف متخزوق واللي مخزوقني اخويا شقيقي... أخويا الكبير العاقل. استمع له زيدان بحلم يحاول امتصاص غضبه يضع نفسه بمكان محمود يرى أن ربما لديه بعض الحق فقال بعد نفس عميق: -أهدى يا محمود واسمعني الأول. لكن محمود لم يسمع أو يهدأ وإنما صرخ بغضب: -أهدى.. أنت اللي بتقولي أهدى؟! أهدى إزاي وأنا أخويا أخد مني مراتي.. أنت أخدت مراتي أنت فاهم... ماكنتش اعرف أنك بالخسة والندالة دي.
اقتطع زيدان حديث محمود وتدخل بعدما استفزته اتهامات محمود: -خد بالك من كلامك يا محمود.. مش زيدان اللي يتقاله كده. -ههه مش زيدان اللي يتقاله كده؟! أطلع من دول يالا... ما خلاص كل شيء انكشف وبان.. عامل فيها الكبير العاقل اللي بيحب الكل وقلبه على الكل واول ماجت لك الفرصة خطفت خطيبتي مني... تلاقيها حلت في عينك بس نأبك على شونه... حورية عمرها ما تشوف غير عصفور... أنا عصفورها هي اللي مسمياني...
واللي ماتعرفوش أن حورية بتخاف منك أساساً ياما قالت لي كده دي وصلت أنها طلبت مني نسيب البيت والحارة كلها بسببك عشان تهرب من وشك ومن التعامل معاك.. مش عايزه حتى تشوفك صدفة.. أنت فاهم.. وخليك عارف يا زيدان.. طالت الأيام ولا قصرت أنا راجع وهرجع حقي وساعتها مش هسمي على حد وهتشوف. ثم أغلق الهاتف في وجه زيدان الذي ظل على جلسته مصدوماً من كلمات شقيقه. ***
كانت صرخاتها المعترضة تملأ الحرملك بكل مكان، وكاكا يجرها يتقدم بها للأمام غير مبالي لها. بينما وقفت كل فتيات ونساء الحرملك يتابعون ما يحدث وهن يتهامسن عليها بسخرية. كذلك كانت حالة خادمة أنچا التي مالت على أذن مولاتها تهمس بتشفي: -أرأيتي مولاتي، لم يكن هناك أي داعي لكل هذا القلق، لقد لفذها مولانا الملك، مل من صراخها وتمردها وحسها العالي ولم يشفع لها حسنها ولا بياض بشرتها، وها هي أصبحت مثلها مثل بقية فتيات الحرملك.
كانت أنچا تستمع لها وعينها لم تفارق رنا المتمردة، هزت رأسها بسخط وقالت: -هذا رأي السذج فقط، فالحقيقة مختلفة كلياً، إنه شعلة البداية فقط. هزت الخادمة رأسها بحيرة وقالت: -عفواً مولاتي لكني على ما يبدو بت لا أفهمك في الفترة الأخيرة، كل حديثك يصعب علي فهمه، لا أفهم ما قصدك بأنها شعلة البداية فقط، لا أفهم. التفت لها أنچا تقول: -لو كنتي تفهمين لما ظللت خادمة، لكنتي أصبحت أنچا جديدة.
عادت تنظر حيث ألقى كاكا برنا في أحد زوايا الحرملك وهي تكورت حول نفسها بضعف تبكي وأكملت أنجا حديثها: -ما يحدث ما هو إلا انتقام المحبين، مولانا يعنفها على عدم انبهارها به أو اهتمامها له، والصيبة أنه على ما يبدو لا تتصنع أو تمثل هي بالفعل تائهة تشعر بالضياع وتريد الهرب، لو لم تكن مهمة لتركها وشأنها ولم يهتم بمعاقبتها الأمر أكبر من حدود مخيلتك يا مسكينة، وتلك الفتاة خطيرة...
خطيرة للدرجة التي تجعل العنف والشدة معها هما أغبى تصرف.. التصرف معها يلزم هدوء وتروي، يلزم حكمة وحنكة. أنهت أنچا حديثها وعينها مازالت مسلطة على رنا تفكر كيف ومن أين ستبدأ معها بينما خادمتها في الخلفية تحرق بؤبؤ عينيها من شدة شعورها بالغباء وعدم الفهم. أما عند رنا فكانت تبكي كما لم تفعل من قبل. إحساس الضياع والنهاية المأساوية يكتنفها حتى كادت تختنق.
هي بالفعل كادت تختنق من شدة الاختناق وضيق الصدر، أكثر الأمور رعباً هو أنك تواجه المجهول. لا تعلم حتى ماذا ينتظرك كي تستعد له ولو نفسياً. وبينما هي على تلك الحالة من الشعور بالبؤس والضياع تقدمت منها سوتي تجلس بجوارها وتربط على كتفها مرددة بتعاطف واضح: -أمازلتي على تلك الحالة؟ أعتقدت أن ما يحدث معك سيغير من تفكيرك ونظرتك للأمور. لم تهتم رنا لكلامها واستمرت في البكاء، زمت سوتي شفتيها من غباء تلك الفتاة وأكملت:
-البكاء لن يفيدك يا فتاة، الأفضل هو أن تحاولي إيجاد مخرج لما أنت عليه. لكن رنا لم تهتم أيضاً وظلت على بكائها فتنهدت سوتي ووقفت لتغادر قائلة: -حسناً، أبقي هنا وابكي حتى تموتي لكن أرجوكي أبقي بصمت فصوتك يزعجنا ويؤرق نومنا. همت سوتي أن تغادر لكن يد رنا منعتها فقد رفعت رأسها تنظر لسوتي التي ابتسمت تقول: -جيد إذاً، لقد فوقتي اخيراً، عليكي الاعتراف إن البكاء لن يجلب لكِ سوى المزيد من العقاب. استمعت لها رنا بصمت ثم سألت:
-كيف وأنا أشعر أني بكابوس لا ينتهي ولا يمكنني الاستيقاظ منه... لقد غدر بي زميلاتي.. إنها قصة طويلة ربما لن تتفهميها. -لماذا؟ كلنا قد جلبنا بتلك الطريقة أو طرق مشابهة، كنا أحرار مثلك وقادتنا الأقدار لهنا. تنهدت رنا وقالت بأسى: -لكن انتن لستن مثلي أبداً. ضحكت سوتي ساخرة وقالت: -في هذه معكِ حق، فاي منا لم يهتم لها الملك شخصياً أو يلتفت لها حتى وزير، عكسك تماماً بدايتك كانت عالية جداً... من رأيي استغلي الأمر لصالحكن.
نظرت لها رنا بتخبط وهي تمسح دموعها ثم قالت: -ماذا تقصدين؟ قطع حديثهم صوت أنكي التي تقدمت تقول: -هيا ميرورا.. الطبيب بانتظارك. -لست ميرورا.. أنا اسمي رنا... رنا. -هل ستعودي للتمرد من جديد.. تعقلي.. أنه أمر مولانا ولا يستطيع أي من كان مخالفة أمره.. نصيحة لكي كوني مطيعة فهذا هو الأفضل لك. -أنا لا أقبل بأن يتحكم أحد في مصيري.. أنا حرة هل تسلبون الإنسان أبسط حقوقهم.. على الأقل اتركوا لي اسمي الذي سمتني به أمي.
-أنه أمر الملك... غبية ربما لا تعرفين معنى ومكانة هذا الاسم... هيا تحركي.. هياااا. نظرت رنا لسوتي التي غمزت لها بأن تسير مع أنكي وتنفذ ما يقال لها على الأقل الآن. لم تجد رنا حل أمامها سوى أن تفعل فالرفض لم يجلب لها سوى التعب، هي بالفعل بحاجة للذهاب إلى الطبيب.
خرجت مع أنكي خطوات وهي للتو بدأت تنتبه على معالم الحرملك وتصميم غرفه وحجراته، أنها مصنوعة من الحجر والذهب، الفخامة والمهابة هي عنوانها الأساسي والفرش من حرير، الفتيات يلبسن أيضاً من الحرير زي موحد باللون الأخضر لا تعرف لما اللون هذا تحديداً، نظرت على ثيابها لترى أنها ترتدي مثلهن. تأففت بغيظ كظمته بنجاح على الأقل حالياً وانتقلت لغرفة الطبيب الذي وقف لها باحترام استرعى انتباه أنكي وقال: -اهلا ميرورا.. تفضلي من هنا.
لاحظت رنا تيبس وجه أنكي وانفعالها مع تصرف الطبيب، يبدو أن هناك أمور لا تعرفها ولا تريد حتى أن تعرفها. تقدمت بصمت تام دون الاعتراض على الاسم الذي ناداها به تخضع للفحص بصمت تام. تنظر حولها باستغراب، فغرفة الطبيب مغايرة لكل غرف القصر أو التي دلفت لها على الأقل. غرفة الطبيب كانت مجهزة بكافة الأجهزة الطبية الحديثة وكذلك جهاز لوحي حديث، تسأل كيف يعمل ولا توجد هنا أي شبكة اتصال كما قالت سوتي.
ربما عليها دراسة المكان إن كانت تريد الهرب، هنا تردد في أذنها حديث سوتي، ربما عليها الهدوء قليلاً والتوقف عن البكاء والصراخ الذي لن يفيدها وربما لن يجلب لها سوى الانتباه وغضب كل من حولها وربما السجن كما حدث وهي الآن حالتها الصحية ليست بأفضل حال مطلقاً، تحتاج للعناية والدواء. هنا توصلت للقرار وأن الصمت والهدوء هما عنوان الأيام القادمة لها هنا بتلك المدينة إلى أن يأذن الله بالحل. ***
مر الوقت على زيدان وهو على جلسته وقد عاد الهم لرأسه من جديد. استفاق منه بعد فترة على صوت رسالة من صديقه صالح ففتحها ليجده يقول"صباحية مباركة ياحبيب أخوووووك''. سحب نفس عميق ووقف من مكانه ثم تذكر أنها قد تأخرت داخل المطبخ فقرر أن يذهب ليرى لما. لكنه توقف بتردد، لا يعلم هل يذهب لعندها أما يتركها وراحتها.
هز رأسه بارتباك، الأفكار تقذفه يميناً ويساراً، فكرة تطلب منه أن يدلف لعندها وأن يتعامل طبيعي، ولما لا يجعلها تعتاده وفكرة أخرى تذكره بوضعهما وبصلة شقيقه بها. غلبته أفكاره وقرر أن يذهب لعندها فتقدم حتى وصل للمطبخ يناديها: -حورية. انتفضت لحظتها فسقط الكأس من يدها وتهشم متناثراً لشظايا على الأرض. اتسعت عيناه مما حدث وهي أسرعت تميل على الأرض كي تلملم الشظايا وتنظفها فهرول يلحقها قائلاً: -استني هتعوري نفسك. همست بقلق:
-ماعلش أنا آسفة ما أخدتش بالي. تطلع لها ثم عاد يلملم هو الشظايا بينما يردد بحزن: -كل ده عشان ناديت عليكي؟! صمتت ولم تجد، لحظتها تردد في عقله كلمات محمود التي بصقها في أذنه منذ قليل فسألها: -حورية..... أنتي بتخافي مني؟؟ توقفت عن لم شظايا الزجاج وتطلعت له بفم مخروس لا تعلم بما تجيبه. أسبل جفناه بأسى ثم سأل: -ليه يا بنت الناس هو أنا عمري جيت ناحيتك أنتي أو أي حد. -لأ بس.. -بس إيه قولي....
وقفت عن الأرض تحاول رص الكلمات بجوار بعضها كي تعطي أي جملة مفيدة، لكن محاولتها الواضحة تلك زادت من حزنه على نفسه فأشار لها مردداً: -خلاص يا حورية... ماتحاوليش تذوقي الكلام، واضح إن المشكلة من عندي، يمكن ربنا مش حاطت في وشي القبول. -لأ ماتقولش كده أنا بس.. قاطعها وهو يرفع كفه أمامها فتوقفت ثم قال: -خلاص يا حورية... أنا مش زعلان.. كل واحد بياخد نصيبه... يالا عشان تاكلي.
ثم التفت وحمل صينية الطعام التي جهزتها وخرج بها وهي تتبعه بتردد. وضع الصينية على طاولة السفرة ثم قال: -يالا تعالي كلي. -حاضر... بس.. ماتزعلش مني أنا ماكنتش أقصد و.. لم يترك لها الفرصة، لقد اكتفى حقاً وكل ما يحدث كثير عليه فقال: -لأ ما زعلتش.. عادي.. كلي يالا. حاول أن يأكل أمامها رغم فقدان شهيته بعد ما حدث، لكن هيبته منعته وقبلها كرامته، أبى أن يظهر بمظهر الضعيف فهل سيصبح غير مقبول وضعيف الاثنان معاً كثير عليه.
فزيدان كان يعلم بما يقال عنه وعن رفض الفتيات له، ربما رأي حورية كان بمثابة الضغط على دمل كبير وقد آلمه كثيراً. ومع معرفته بكل ما يحدث مسبقاً لم يفكر يوم في محاولة تغيير تلك الفكرة المأخوذة عنه يردد على مسامع صديقه جملة واحدة ''تسلم العين اللي تخوف'' كان يقولها بصوت رجولي مهيب غليظ يفتخر فيه بالهالة المصنوعة حوله حتى لو طفشت منه الفتيات.
لن يلهث خلفهن ولن يفقد الشيء الوحيد الذي تبقى له وهو هيبته، وإلا سيصبح غير مرغوب ضعيف في نفس الوقت والإثنان مع بعض في رجل كارثة. لذا حاول التظاهر باللامبالاة والقوة وهو في قرارة نفسه يعلم أن رأي حورية فيه كان له أثر قوي. ترك الطعام وشرد مفكراً في تلك الكارثة الجديدة.... لماذا رأي حورية على وجه الخصوص كان له الأثر الأبلغ فيه. ولاحظت حورية شروده وتوقفه عن الطعام بصوت واهن واضح فيه تأنيب ضميرها: -زيدان.
تطلعت لها منتبهة يسأل هل هذه هي أول مرة تناديه باسمه أم ماذا؟ ولما انتبهت لها كل حواسه بتلك الطريقة. عض بواتن فمه من الداخل يلجمها بينما عيناه تطلع لها تسأل نفس السؤال من جديد لماذا رأي حورية بالذات؟ ولما تأخر رده ومع تطلعه لها بعيناه الثاقبة وشروده في وجهها عادت تناديه من جديد: -زيدان... مش بتاكل ليه؟ رمش بعيناه مستدركاً ثم حاول لملمت شتات عقله فوقف عن كرسيه وقال: -مش عارف ممكن من قلة النوم... أنا هدخل أنام أحسن.
وقفت هي الأخرى تردد: -أنت زعلت مني مش كده... على فكرة أنا ماكنتش أقصد إلي فهمته بس أنت كده ليك... يعني ليك طلة وهيبة فأنا بحس.. -بتحسي إيه؟ قولي. صمتت وعجزت عن الوصف فقال: -على فكرة أنا مش وحش ولا باكل بني أدمين ومش عارف ليه الصورة دي متاخدة عني.. أنتي شوفتيني مرة آذيت حد. -لأ. -أمال في إيه بقا؟
صمت وعيناه ترغمه على النظر لمنحنياتها الرائعة وجمالها النادر، رغماً عنه مجبور.. للجمال سطوة غير عادية وهكذا خلق الله آدم يحب جمال الأنثى ويرضخ له، وحورية كانت ذات جمال رباني وحسن نوراني يذهبا عقل أي أنسي. ولا يعلم لما أراد أن يختبر شيئاً ما لحظتها فقال: -على فكرة... محمود كلمني. كان ينظر لها بترقب وتدقيق، حريصاً على ملاحظة صدى الخبر عليها، ولا يعلم لما شقت صدره بعض السعادة حين تجهم وجهها وقالت: -والله... تمام.
رفع إحدى حاجبيه باستغراب من ردها وزاد وهو يراها تلتف لتجمع أطباق الطعام على الصينية تستعد لأن تدخلها المطبخ فسأل: -مش هتسأليني قال إيه؟ أو كان عايز إيه؟ وإلي حصل وصله ولا لأ ورد فعله إيه؟ نظرت له ببرود حقيقي ثم قالت: -لأ... دي حاجة ماتخصنيش. -إزاي؟ وضعت الصينية من جديد على سطح الطاولة ثم قالت: -هو إيه اللي إزاي؟ ده واحد سابني بفستان الفرح قدام القاعة وما فكرش فيا ولا في فضيحتي... تفتكر هيهمني عرف ولا لأ؟
ثم أخذت الصينية من جديد ودلفت بها على المطبخ. المريب في الموضوع وما أثار خوف زيدان هو ملاحظته لتلك الراحة التي اكتنفته بعدما استمع لردها، لقد ضبط نفسه متلبساً وهو يسحب نفس عميق مرتاح. صدم قليلاً و ولج لغرفة الأطفال سريعاً يلقي بنفسه على الفراش يحاول النوم كي يتهرب من مواجهة نفسه. لكن عبثاً فقد استغرق في النوم وعلى شفتيه ابتسامة سعيدة. ***
جلس على عرشه يتصنع القراءة في بعض الأوراق الخاصة بشؤون الديوان يمثل الانشغال وعدم الاهتمام بحديث الطبيب الذي أخذ يردد: -صحتها ليست بالجيدة لكن مع الأدوية ونظام غذائي جيد ربما ستصبح بخير، لكن هي قوتها الجسمانية ليست بالجيدة من الأساس سيدي. زم راموس شفتيه يتصنع الترفع وقال: -همم.. جيد.. قدم لها المطلوب... يمكنك أن تغادر الآن. انحنى الطبيب ثم قال: -أمرك سيدي. ثم تحرك يترك المكان ودلفت من بعده أنچا تنحني باحترام: -مولاي.
ابتسم لها مردداً: -تعالي أنچا. تقدمت لعنده فقال: -الملكة ديولا على وشك الوصول للمملكة ارجو أن تشرفي على مراسم استقبالها. ابتسمت أنچا ثم قالت: -رائع جداً مولاي، مر وقت لم تأتي فيه الملكة لعندنا، أظن أنه توقيت مناسب. -نعم أنچا لقد سعدت كثيراً بذلك الخبر، اشتقت لها كثيراً... أريد منكم تحضير حفل كبير ورائع فأنتي تعرفين ديولا تهوى الموسيقى والرقص. -أعلم مولاي. صمتت قليلاً تتطلع على ملامح وجهه بتدقيق ثم قالت بخبث:
-لقد أرهق مولاي اليوم كثيراً وتأخر الوقت، أرى أن يسمح لي مولاي بتحضير ليلة رائعة تنسيه تعب اليوم. صمت راموس وعينه لم ترتفع من على الأوراق لكنه أغمض عيناه بقوة كأنه يكافح إحساس قوي هاجمه ثم سحب نفس عميق، رفع وجهه ينظر لأنچا وقال بصوت بدا وكأنه يتحدى ذلك الإحساس حين قال: -موافق. اتسعت عينا أنچا بتفاجئ لكنها حنت رأسها وقالت: -أمر مولاي. ثم تحركت مغادرة على الفور بينما راموس يتنهد بتعب وحاول بعدها التركيز فيما بين يديه.
في الحرملك. جلست سوتي بجوار رنا تعطيها الدواء الذي تناولته رنا بهدوء وأخذت بعده الماء فقالت سوتي: -عارفه يا رنا.. أنتي جميله جداً. نظرت لها رنا مبتسمة ثم قالت: -شكراً وأنتي كمان. زمت سوتي شفتيها بامتنان لتلك المجاملة ثم قالت: -ليس بمقدار جمالك وليس لكونك بيضاء البشرة الأمر يفوق ذلك، جمالك بالفعل رائع يا رنا، خسارة أن يضيع في الخدمة بغرف الحرملك... لا أعلم لماذا تستغلي الفرص، الملك راموس بجلال قدره مهتم لأجلك.
زجرتها رنا بعينها وقالت: -وأنتي بتتكلمي معايا كلميني مصري. شهقت سوتي بخوف وقالت: -رنا... خدي بالك وبلاش تاني تقولي أنك مصرية لو عايزة تعيشي هنا من غير بهدلة. -نعم؟ شكلك جرى لمخك حاجة ماقولش ليه؟ -اسمعي نصيحتي أنا خايفة عليكي خلي أيامك هنا تعدي على خير. -ده على أساس اني هفضل هنا.. اسمعي يا سوتي أنا يا هنجح في إني أهرب من هنا أو هموت وأنا بهرب بردو... ريحي نفسك. نظرت سوتي أرضاً وقالت:
-وليه كل البهدلة دي لما ممكن تهربي بيخت فخم عليه حراسة ليكي. انتبهت لها رنا تسأل بلهفة: -إزاي.. ايدي على كتفك. -مش على كتفي أنا... على كتف الملك راموس.. سبيه يقرب منك ويطمن لك ساعتها كل حاجة هتتغير والمهمة المستحيلة هتبقى سهلة وممكنة. -لكن ده عايز يحولني لجارية.. يعني عبدة ويغير اسمي و... قاطعتها سوتي تردد: -وعندك ده هيمنع أنك جارية...
جدودك المصريين ماسبوش موقف ما قالوش عنه مثل وفي مثل عندكم بيقول ''لما تبقى الريح عالية طاطي لها'' ومثل تاني بيقول '' لو ليك حاجة عند الكلب قوله يا سيدي'' ومثل تالت بيقول" اتمسكن لحد ما تتمكن'' أمال لو ما كنتيش مصرية هو أنا اللي هقولك. صمتت رنا مفكرة في حديث سوتي فالتمرد والعناد لم يجلب لها سوى السجن والمرض. وبعد فترة وقفت فقالت سوتي: -رايحة فين؟ -هقابل الملك. *** في القاهرة.. مساءً.
خرج زيدان من غرفته يتمطأ بتعب يشعر أن كل عظام ظهره ممزقة ينظر على الشقة باستغراب يسأل أين هو؟ أخذ الأمر منه أكثر من ثانية حتى استوعب الوضع الجديد، لا يعلم لما تسلل له ذلك الشعور بالألفة والراحة هو يرى أنوار الشقة كلها مطفئة هادئة لا ينيرها إلا الضوء الصادر عن التلفاز وأمامه على الأريكة آلتي اختار كل تفاصيلها بنفسه تجلس فتاة في قمة الحسن والروعة يجد نفسه كلما نظر لها يردد بهمس " بسم الله ماشاء الله ''.
تتسلت تلك الهمسة بإحساس خبيث لأذن تلك الحورية ثم لصدرها ومنها لشفتيها تجعلها تبتسم رغماً عنها وتداري ابتسامتها تتصنع أنها لم تسمع ما قال وتسأل نفسها أكلما رآها سيردد نفس الجملة؟ لكنه شعور رائع على الإطلاق هي تقر بذلك. بما أنها تصنعت عدم السمع ستتصنع عدم ملاحظتها له فتقدم منها يقول: -أنتي صاحية؟ رفعت أنظارها له ثم قالت: -أيوة، مش جايلي نوم. -عشان مغيرة مكانك بس. تقدم يجلس لجوارها على نفس الأريكة يسأل:
-همم بتتفرجي على إيه؟ -بحب سعاد حسني قوي. -ومين ما يحبش سعاد حسني. التفت تنظر له مبتسمة، على ما يبدو أنه رائع، عصفور كان يسخر منها كلما رأها تشاهد فيلم عربي وقديم أيضاً على عكس زيدان الذي جلس يشاركها الرأي والاهتمامات فقالت: -حلوة مش كده؟ -أيوة، مافيش حد زيها، جمالها فريد، زيك كده. اتسعت عيناها منبهره من حديثه فاكمل مسحور من قربها: -أنتي حلوة قوي يا حورية.......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!