الفصل 16 | من 31 فصل

رواية فراشه في جزيرة الذهب الفصل السادس عشر 16 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
22
كلمة
3,312
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

أخيرًا حضر الطبيب، فأصطحبه زيدان لغرفة والده تحت أعين محمود التي اختلط فيها الندم مع المكابرة. وبعد دقائق من القلق، انتهى الطبيب يخبرهم: -الضغط عالي جدًا، وكمان ضربات القلب سريعة عن الطبيعي. نصيحتي أنه يتنقل للمستشفى أفضل عشان لو حصل أي تطور لا قدر الله. فرد زيدان بلهفة: -يبقى ننقله يا دكتور، شوف إيه اللازم ويتعمل. لكن شداد رفض وهمس بخفوت: -لا... مستشفى لأ. مال عليه زيدان مقتربًا وردد: -ليه بس يا حاج؟

خلينا نطمن عليك. -أنا مش هكون مرتاح غير في فرشتي يا زيدان. -بس يابا. -اسمع اللي بقولك عليه، أنا مش هينفع أسيب البيت. راحتي في بيتي وعلى فرشتي. التفت زيدان للطبيب يسأل: -هينفع يا دكتور؟ هز الطبيب رأسه وقال: -ينفع، بس مع الانتظام على الأدوية اللي هكتبها، ونبعد عن أي انفعالات. وأنا هبقى أمر أطمن عليه.

خرج مع الطبيب للباب، فتصادف مع حورية التي كادت أن تلج من الباب. لحظتها سيطر عليه شعور بالقشعريرة وهو يتذكر ما حدث بينهما منذ دقائق. فقد كانا عاريان تمامًا، وقد فعل معها وضع الرجل وزوجته، وأكد أن يمتلكها لولا صوت صرخة والدته. تنهيدة حارة خرجت منه وهو يلاحظ إرتباكها وتهرب عيناها من نظرات عينيه المنصبة عليها، وكأنها تعيد هي الأخرى نفس المشهد على مخيلتها. يسأل: ترى هل تتذكره بالندم، أم بماذا؟

خرج من حيرته وتساؤلاته وهو يلاحظ اتساع عينيها بصدمة، ليتلف خلفه ويرى انتصاب محمود الذي ردد بنبرة تحمل في طياتها الكثير، تبجحًا على برود مع مكابرة وغرور: -إيه يا حورية، مش هتقولي لي حمد الله على السلامة. دقيقة كاملة من الصمت التام وتحفز جميع الأطراف، خصوصًا حورية. مرت الدقيقة كاملة إلى أن قالت حورية: -لا طبعًا، إزاي. حمد الله على السلامة يا محمود، البيت نورت. تجعدت جبهة محمود باستغراب، بينما تجهمت ملامح زيدان وقال:

-اطلعي على فوق. -بس. -مابِش، اسمعي الكلام. ظلت بمكانها لثوانٍ لا تستوعب أمره، فهتف بحدة: -اتحركي. انتقضت على صوته وتحركت بالفعل مغادرة. التف زيدان كي يدخل لعند والده، فتواجه مع محمود الذي سأل ساخرًا: -خليتها تطلع ليه؟ أسيل زيدان جفناه، يسحب نفسًا عميقًا وحاول التحلي بالصبر، ثم قال: -مالكش دعوة يا محمود. -نعم؟!!! لأ، ماعلش، قولها تاني كده عشان سمعت أه، بس ما فهمتش. ماليش إيه؟!!!!! ماليش دعوة؟!!!!! وماليش دعوة بمين؟!

بحورية؟؟؟ أنت أكيد جرى لمخك حاجة يا زيدان؟!! لو أنا اللي ماليش دعوة بحورية، أمّال مين اللي هيبقى ليه؟ مع كل كلمة من فم محمود، كان جسد زيدان كله يتشنج من شدة الغضب، ويزيده محاولته السيطرة على غضبه كي يخفيه، فالوضع لا يتحمل أبدًا. كذلك هو لا يريد الدخول في نزاع مع أخيه، على الأقل الآن، ففتح موضوع شائك مثل هذا لن ينتهي نهاية سعيدة بتاتًا، وتلك هي المعضلة بالضبط.

وبينما كان زيدان يحاول تفادي الدخول في أي نزاع مع شقيقه، كان محمود مصممًا على استزازه وسأل: -إيه، ما بتردش ليه يا كبير يا محترم يا عاقل.. ولا الكبير مش عنده رد على عملته؟ احمرت عينا زيدان، غير مستوعب مدى بجاحة أخيه، وسأل بصوت حاد: -عملتي؟؟! أنا اللي يتقالي عملتي؟ أنت اللي عامل عُملة، مش أنا. -عملت إيه اللي أنا عملتها إن شاء الله؟ زوى محمود ما بين حاجبيه وردد باستجهان واستنكار تام:

-أكونش مثلًا روحت استغليت الموقف واتجوزت خطيبة أخويا. صرخ بجملته الأخيرة بقهر وغل، وكأنه مجني عليه تمامًا، فخرجت فردوس تردد بغضب: -بس أنت وهو، وطّوا حسكوا. إيه، مش شايفين حالة أبوكم؟ ليرد محمود بتجبر: -لا، مش هسكت. والي حصل ده لازم يتصلح. -ويتصلح إزاي بقى إن شاء الله؟ تسائل زيدان بتحفز وهو يربع يديه حول صدره، فرد محمود ببرود: -والله؟! على أساس إنك مش عارف الحل إيه. أقولك أنا يا سيدي، الحل إن كل حاجة ترجع لأصلها.

-إزاي يعني؟ -زي ما سمعت. -لو اللي بتقول ده هو اللي صح وهو اللي ينفع، ماكنتش هتبقى مكسوف إنك تقوله دلوقتي في وشي. على ما يبدو أن زيدان كان يراهن على شيء غير موجود. زيدان كان يراهن على مدى نخوة أخيه، وأنه مهما كان، فمن المؤكد أنه ما زال يحمل بعضًا من خصال الرجولة، وستقف رجولته وتربيته من التمادي، فلكل شيء حد. لكن فاجأه محمود حين قال ببرود، وكأنه يضحض ويخيب كل آماله، ويقول بأعين واسعة قوية: -تطلق حورية، وأتجوزها.

اسودت عينا زيدان مما يسمعه، لم يتوقع أبدًا أن يصل شقيقه لهنا. كذلك الفكرة بحد ذاتها جعلت قلبه ينتفض. لم يستطع تمالك أعصابه، فهجم عليه ليضربه وهو يصرخ فيه: -أنت شكلك اتجننت بجد وعايز تتربى. فتقدم محمود ليهجم عليه هو الآخر بغل، مقتنعًا أن لديه كل الحق، يرد عليه: -وأنت بقا اللي هتربيني يا كبير، يا اللي بتبص لحاجة مش بتاعتك. -اخرس، ولا كلمة زيادة. -لاااا، ده أنا لسه هقول وأقول، ولا فاكرني هسكت لك.. اسمع...

كل حاجة لازم ترجع لأصلها، وتطلق حورية النهارده مش بكرة، إنت سامع ولا لاء؟ كلمات محمود كانت كالجمر تنهش قلبه، مع كل حرف يتحفز جسده، وضم قبضة يده حتى ابيضت عروقه، وفاجأه بلكمة قوية ليخرسه بها حين ما عاد قادرًا على سماع باقي كلماته. تجهم وجه محمود، إنها أول مرة يضربه فيها زيدان، وصرخت فردوس، فالشقيقان يقفان لبعض وعلى مشارف الدخول في عراك لأول مرة منذ ولدا.

بالفعل رد محمود بضربه قوية على وجه زيدان، فزاد صراخ فردوس، وغاب عقل زيدان، فلم يستطع التفكير بوضع والده الصحي ولا عواقب ما يحدث، وسارع برد الضربة ضربات ليرد عليها محمود. وبلمح البصر حضرت حورية على صوت فردوس تصرخ باسمه: -زيداااان. حاولت أبعده عن محمود، لكنه نفض يدها بقوة كادت أن تخلع ذراعها، فصرخت بجزل. لم تكن مستوعبة، لكن قوة زيدان كانت مخيفة، فهو يضرب بكل بطش.

ولم يوقف تلك المهزلة سوى صوت شداد القوي، رغم تعبه، لكنه استند على باب غرفته وردد بحسم: -بس يا واد منك له. صوت والدهم شداد كان الحد القاطع، رغم تحفز كل منهما للآخر، فأول من عاد لعقله كان زيدان، مذكّرًا نفسه بحالة والده الصحية، فعاد خطوة للخلف، وبمجرد عودة زيدان، انتهى الموقف الذي كان هو سيده. وقف شداد ينظر لأسرته التي تشتت بغمضة عين، وقد ضرب الشقيقان بعضهما، ووقفا لبعض بدلًا من أن يقفا مع بعض، وأخذ يهز رأسه بأسى،

يسأل: ما العمل؟ *** جلس الملك بكل شموخ يتابع رنا وهي تغرس بذور الورد في الحوض المستدير المواجه لشرفة غرفته الملكية. يراقبها بابتسامة باتت صديقته منذ اقتحمت تلك البيضاء مملكته. وقف متنهدًا وبدأ يقترب منها خطوة فأخرى، إلى أن دنا مقتربًا منها، يمرر أصابع يده القوية على رقبتها. وسحب نفسًا عميقًا محملًا برائحتها، ثم قال: -لما تتعب صغيرتي يداها الجميلة في الزرع، أتركيها وسأمر الخدم بزرع الورود. هزت رنا رأسها وقالت:

-أنا أريد زرعهم بيدي من أجلك، كي تستيقظ كل يوم على ذلك المنظر الرائع وتتذكرني وقتها. هنا تجهمت ملامح الملك حتى باتت مظلمة تمامًا، وسأل: -ولما قد أحتاج، وأنتي معي بالفعل؟ أم أنكِ ما زلتِ تخطين للهرب؟ -لا لا.. لم أقصد. دارت عيناه على ملامحها المرتبكة، فقالت بتلجلج: -أنا فقط بت على علم بحياة الملوك، فقد تعلمت الكثير من الحرملك.

زاد في قربه منها وتعمد زيادة تلبكها، فبدأت يده تداعب رقبتها وتطاول في لمس بروز نهديها الظاهران، متسائلًا بتلاعب: -حقًا؟! وماذا تعلمتي إذاً؟ ارتعش جسدها تحت أنامله، واقشعرّت خلاياها وهي تحاول تمالك نفسها مجيبة: -تعلمت أن للملك الكثير من المحظيات والمفضلات، وأن التعدد والتنوع من عادة الملوك، فالليلة قد تبيت مع جارية، وبالغد مع أخرى. -انظري لي. أمرها بصوت مبحوح، فرفعت عيناها له فقال:

-ما قولتيه حقيقة، لكنكِ تكذبين يا صغيرة. ارتعبت عيناها وهي تنظر له، فأكمل: -بذور التمرد بداخلك مثل بذور الورد التي غرستيها منذ قليل. أنا أعلم أنكِ لن تستسلمي للأمر الواقع، ليست تلك هي شخصيتك. ابتعدت عنه خطوة، كانت حركة جريئة لأن تبتعد عن الملك، فزاد انتباهه، يسمعها وهي تكمل بحزن، وكأنها تتذكر ما كانت عليه: -وهل للجواري شخصيات سيدي الملك؟

الجميع هنا مسلوبو الإرادة، وتلك التي أمامك ليست رنا التي عهدها الجميع. أنت لم ترَ رنا بعد. فتفاجأت به يقول: -أريد أن أراها. اتسعت عيناها تسأل: -ماذا؟؟! -مثلما سمعتي، أن أرى صغيرتي الجميلة على حقيقتها، كما لو كانت في بلادها. -كيف؟ وبلادي ليست كبلادي. -كنت أعتقد أن بلادي باتت بلادك. صمتت لثوانٍ ثم قالت وهي تخفض رأسها: -أنا فاشلة. جعد ما بين حاجبيه وسأل: -لما؟ -لقد فشلت في التلاعب بك. كهتف مندهشًا: -ماذااا؟؟؟؟! هزت

رأسها باستسلام ثم قالت: -كنت أحاول التلاعب بك كي تعطيني الأمان، وبوقتها قد أتمكن من الهرب والعودة لبلادي، لكن... قطعت حديثها بخجل تنظر أرضًا، فسأل بحدة: -لكن ماذا؟ أكملي. رفعت عيناها ليرى لمعتهما، ثم قالت بطريقة ساحرة: -لقد انقلب السحر على الساحر أيها الملك، وبت معجبة بك، وأترقب قربك، ولا أرغب في الابتعاد عنك. رمش بأهدابه وسأل بتوجس: -حقًا؟؟

تنهدت بحرارة وهي تهز رأسها إيجابًا، فشقت الابتسامة وجهه، وأخذت تتسع وهو يقترب منها حتى لفها بين ذراعيه يقول: -أنتِ أغرب فتاة رأتها عيناي.. تقفين بحضرة الملك وتخبرينه أنكِ كنتِ تتلاعبين به. هزت كتفيها كطفلة ثم قالت: -سئمت الكذب. ابتسم عليها وقبل جبينها ثم قال: -أنا سعيد جدًا بكِ وبما قولتيه، يكفي أنكِ بتِ تريدين قربي كما أهفو إليه...

كلماتك كانت أروع من كلمات الغزل. لأول مرة أتعامل وكأنني رجل مرغوب.. لست الملك الذي سيكن بالطبع مرغوبًا لمكانته. ضحك بسعادة وأكمل: -أرغب في مكافأة تلك السفينة التي حملتكِ لعندي... تعالي. حدثها بخفوت ثم سحبها لأحضان يضمها بقوة، يمسح على خصلاتها، تحت أعين أنجا التي وقفت تراقب ما يجري، فقالت خادمتها: -ماذا ستفعلين يا مولاتي؟ فعلى ما يبدو أن البيضاء قد باتت قريبة من الملك أكثر من اللازم.

-اتركيها، فلا خوف منها. الملك رجل، ومن حقه العيش بقصة حب. -لكن يا مولاتي، تلك الفتاة خطر وقد... بطرت أنجا كلمات الخادمة وقالت: -قد ماذا؟ لن تفعل شيئًا، لأني لن أتركها تفعل. أتركيها تحب الملك ويحبها، مادمتِ ملتزمة حدودها ولم تتعداها. هزت الخادمة رأسها وقد فهمت مقصد سيدتها، فيما وقفت أنجا تتابع مشاهدة ذلك المشهد الغرامي نادر الحدوث.

فقد زاد الملك من احتضان رنا، يقبل وجنتها قبلات خفيفة كالفراشة وهو يستنشق عبيرها، ومن بعيد وقف الوزير على جنب يناديه وهو ينظر أرضًا: -مولاي، يجب أن نتحرك، فالجميع بانتظارك. تنهد راموس بضيق، غير قادر عن الابتعاد عنها، لكنه فعل مرغمًا، وقبل أن يبتعد، همس في أذنها: -اذهبي لغرفتي وأنتظريني هناك، لا تذهبي لأي مكان، ستبيتين معي الليلة. نظر لعيناها ثم أخبرها وكأنه يختبر جوابها ورد فعلها، وأكمل: -في أحضاني.

اتسعت عيناها تفهم ما يرنو إليه، ولم تستطع الرد سوى بهز رأسها طواعية، تخفي توترها. فابتسم لها الملك بسعادة وهو يرى موافقتها، والتفت مغادرًا، لكنه عاد إليها يضمها له، ثم قبل وجنتيها قائلًا بسخونة: -سأشتاق لكِ. فهمست: -وأنا كذلك.

أشرق وجه راموس والتمست عيناه بالحب، لكنه أضطر لأن يتحرك مغادرًا، ومن بعده رنا التي ذهبت تنفذ أمره وتلزم غرفته حتى يعود، وفي الطريق استمعت لبكاء يأتي من أحد الغرف المغلقة، فتتبعت الصوت حتى وصلت وفتحت الباب لتتفاجأ بفتاة طويلة الجزع، ممتلئة القوام، تجلس أرضًا وهي مستمرة في البكاء. دنت رنا منها وسألت: -من أنتِ ولما تبكين؟ رفعت الفتاة عيناها لتدرك رنا أنها هي نفسها تلك الفتاة التي قابلتها حين ذهبت في نزهة خاصة مع الملك.

-أنا أتذكرك، لقد رأيتك مسبقًا. هزت الفتاة رأسها وقالت: -نعم. -من جاء بكِ لهنا؟ ما قصتك ولما تبكين؟ -سيقتلوني سيدتي.. سيقتلوني. اتسعت عينا رنا برعب واقتربت منها تسأل: -من سيقتلك؟ الملك؟ -لا، عائلتي. -ماذا؟ لما؟ أي ذنب اقترفتي؟ -لم أفعل، كل ذنبي أني طويلة وممتلئة الجسد. صفر عقل رنا، فهي لا تستوعب بالفعل ما يحكى لها، وهزت رأسها بجنون تسأل: -ماذا؟!!!! وما المشكلة في وزنك وطولك الذي قد يصل بهم لقتلك. بدأت الفتاة

تحكي وهي مدمعة العين: -أنا من قبيلة مارسا، تعتبر قبيلتي واحدة من أكبر وأقدم قبائل جزر الذهب، لدينا أعرافنا وعاداتنا والكثير من المسلمات والأمور التي لا فصال فيها، وبقبيلتنا يجب أن تكون الفتاة قصيرة لا تتعدى طول معين، ولا يزيد وزنها عن ستون كيلوغرام، وإلا تقتل. صرخت رنا: -نعم؟؟! ماذا؟ -نعم، وقد سبق وحدث مثل ذلك الكثير من حالات قتل للفتيات، لكن... زاد نحيبها ورعبها وقالت:

-لكن أنا لا أريد أن أموت، أريد أن أعيش، لا أريد أن أموت، لا أريد. مالت تقبل كف رنا، فسحبت رنا يدها بسرعة، فيما أكملت الفتاة: -أرجوكي، أتوسل إليكِ... لقد سمعت أن لكِ مكانة عالية عند الملك، أرجوكي تحدثي معه. الأمر لا يخصني وحدي، بل هناك عشرات الفتيات من قبيلتي مهددات بالقتل فقط لأنهن قد خلقن بمواصفات جسدية مخالفة لمواصفات رجال قبيلتنا. -اهدئي وأخبريني.. كيف هذا؟! ولما؟

ما تقولين ليس بأمر عادي أو طبيعي أن تقتل فتاة فقط بسبب زيادة وزنها.

-الرجال في قبيلتنا قصيرو القامة، ذوو جسد نحيل وقوة جسدية ضعيفة، لذا يَمِلون للفتيات ذوات الجسد الرفيع حتى يتسنى لهم الشعور برجولتهم وفحولتهم بجوارهن.. وقد تمادى الأمر إلى أن وصل لأن أصبح قانونًا يمر فوق الجميع في القبيلة، والفتاة ملزمة بأن تكون قصيرة ورفيعة كالفراشات حتى تجد ذكرًا يحن ويتعاطف، وتُكرّم وتتزوج، ويصبح بذلك بطلًا مغوارًا وهو بالأساس ضعيف، لا يقدر سوى على فتاة ضعيفة الجسد.. ويقومون بقتل الفتيات القويات ذوات الجسد القوي حتى لا يفتضح أمرهم.

كانت رنا تستمع لما تقصه عليها تلك الفتيات، فقد سبق وسمعت عن العادات الغريبة لبعض القبائل وشدتهم، لكنها لأول مرة تقابلهم، لا تصدق أنه يوجد هكذا جبروت. فقالت: -ما هذا؟ لا أستطيع أن أصدق ما تسمعه أذناي؟ -أرجوكي سيدتي، ساعديني.. ساعديني. -سأساعدك. -وكيف ستساعدينه؟!!! كان هذا صوت أنجا التي وقفت بتحدٍ أمام رنا، وعلى وجهها علامات التحفز الشديد. *** وقف شداد يحاول أن يفرد ظهره وقال بصوت قوي:

-والله عال، جه الوقت اللي هشوفكم فيه واقفين تضربوا في بعض. فقال محمود معترضًا: -بس بابا. -ولا كلمة. ثم نظر لزيدان وحورية الواقفتين بجواره وقال: -زيدان خد مراتك واطلع. أمر شداد كان غير قابل للنقاش، فاخرس محمود، وحرك زيدان وحورية. وما إن دلف زيدان للداخل، أغلق الباب بعنف، فانتفضت حورية والتفتت لترى وجهًا آخر من زيدان لأول مرة تراه، خصوصًا وهو يصرخ بغضب: -ممكن أفهم إيه اللي نزلك؟ -سمعت صوت صريخ طنط فردوس خوفت. -خوفتي؟

سأل بنبرة غريبة كأنه يود أن يسألها على من منا؟ فردت: -أيوه والله.. هو أنا عملت إيه؟ بتزعق لي ليه؟ منظرها أعاده لرشده، فأقترب منها يردد بصوت مثقل: -ما علش يا حورية.. حقك عليا أنا بس.... قاطعته تقول بتفهم: -ما تعتذرش يا زيدان، أنا فاهمة وعارفة إنه الوضع عامة من طبيعي، بس أنا والله غصب عني. تنهد زيدان وقال:

-عارف يا حورية، بس لو سمحتي اليومين دول تاخدي بالك من تصرفاتك وبلاش تعملي حاجة ممكن تضايقني أو تخليني أتعصب، خصوصًا الفترة دي. -حاضر.... هروح أعملك حاجة سخنة تشربها.

لم تنتظر رده، بل تحركت للمطبخ، وتركت زيدان يتذكر ما حدث أمس حين وصله خبر باقتراب موعد عودة محمود، فعاد للبيت وكله عزم على ألا عودة وأن يمتلك حورية حتى لو لم تكن تريد. فقد تغيب عقله وسيطرت عليه فكرة واحدة، ما جرى بينهما لم يكن تفاعلًا أو تفاقمًا للمشاعر فقط، هو كان على علم وعزم بما يفعله وأكد أن يمتلكها بالفعل، لكن على ما يبدو أن لله مشيئة أخرى.

وها هو الآن يجلس على أعصابه، لا يدري ماذا يفعل، خصوصًا وهو يشعر أنه بات غير قادر على فراقها. عاد بظهره للخلف، يتنهد ويقر: -أنا حبيتها... حبيتها.... وبقيت بغير قوي... هعمل إيه أنا دلوقتي يا ربي.. هعمل إيه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...