الفصل 17 | من 31 فصل

رواية فراشه في جزيرة الذهب الفصل السابع عشر 17 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
25
كلمة
4,122
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

جلس عاصم في مكتبه يضع قدم فوق الأخرى إلى أن دق الباب. دلفت السكرتيرة تخبره: -البنت اللي حضرتك مستنيها جت بره يافندم. -حلو، دخليها وحضري للاجتماع على ما أخلص. -أوكيه. خرجت السكرتيرة. بعدها دلفت فتاة في منتصف العشرينات. استقبلها عاصم بترحاب: -أهلاً أهلاً يا وفاء، مواعيدك مظبوطة. -شكراً. -اتفضلي اقعدي. جلست وفاء بتوتر. فقال عاصم: -ها يا وفاء، إيه الجديد؟ اقتربت وفاء برقبتها وقالت بأعين لامعة يملؤها الطمع:

-محمود رجع والبيت عندهم وعلى آخره. اعتدل عاصم في جلسته ينتبه لكل حرف يقال ثم سأل: -محمود ده اللي كان خاطبها وسابها يوم الفرح مش كده؟ -كده. -كملي وبعدين. -لسه ما عرفتش، بس الأكيد إن البيت قايد حريقة، خصوصاً إني شوفت الدكتور خارج من عندهم امبارح الساعة ١٢ بالليل. -حلو... أنا عايزك تتعرفي عليها وتصاحبيها زي أختها وأكتر الفترة الجاية، مفهوم؟ -طبعاً طبعاً، بس مش هتقولي أيه مكافئتي؟

-عدي على الحسابات وانتِ نازلة، أنا هسيب لهم خبر يظبطوكي. -بس أنا مش عايزة فلوس. -نعم؟ -أيوه، الفلوس مسيرها تخلص، أنا عايزة شغلانة آكل منها عيش. -همممم، ماشي يا وفاء، بتعرفي تعملي شاي وقهوة؟ -شاي وقهوة؟ -اه، هتشتغلي في البوفيه. -بوفيه؟! وماله. ضغط عاصم على أحد أزرار هاتفه. دلفت السكرتيرة. فقال لها: -خدي الانسة وفاء للبوفيه، خليها تستلم شغل هناك. -حاضر يافندم... اتفضلي معايا. ***

وقفت أنجا مقابل رنا، فارِدة ظهرها بتحدي. فيما قالت رنا بلهفة: -سيدة أنجا، من الجيد أنك حضرتِ كي تنقذي تلك الفتاة المسكينة. -من ماذا؟ -من قبيلتها، سيدة أنجا، إنهم عازمون على قتلها. خذيها وأحميها منهم. -أنا بالفعل جئت لأخذها. انتشر الأمل في صدر رنا. والتفتت للفتاة تقول بفرحة: -الحمد لله، أنتي بخير الآن. هيّا لتذهبي مع السيدة أنجا. -لا لا. -لما عزيزتي؟ فالسيدة أنجا ستحميني. -بل ستفعل العكس، السيدة أنجا ستسلمني لقبيلتي.

التفتت رنا تنظر لأنجا بإستهجان وصدمة. ثم سألت: -حقاً؟ تجاهلتها أنجا ولم تجب متعمدة. ثم نظرت للفتاة وأمرتها بغلظة: -هيّا تحركي. تهدّل جسد الفتاة، فهي على مشارف القتل. واقتربت تتمسك بجسد رنا تسجد الشفقة. مما أغضب أنجا. وتقدمت لتسحبها بحدة: -ألم تسمعي ما قلته للتو؟ هيّا تحركي معي. وبدأت أنجا تسحب الفتاة التي أخذت تصرخ مستغيثة برنا. فتحركت رنا بهلع ومدت يدها ليد أنجا التي تسحب منها الفتاة. وقالت: -توقفي!

إلى أين ستأخذينها وماذا تفعلين؟ اتسعت عينا أنجا من الغضب مثبتة على كف رنا التي تجرأت ووضعت على جسدها توقفها. ثم قالت: -لقد تعديتي حدودك. كيف تتجرأي وتضعي يدك؟ توقفي! السيدة أنجا، هل جننتي؟ -سأصبح مجنونة حقاً لو تركتك تسوقين تلك الفتاة للقتل. أي قانون هذا؟ أي عادة التي توجب بقتل نفس؟ ألستوا مسلمين؟ ضيقت أنجا عيناها وقالت بنبرة محذرة:

-أنصحك أيتها البيضاء ألا تتدخلي فيما لا يعنيكي. أقترح عليكي بأن تمضي وقتك تفكرين كيف ستسعدين ملكنا فقط، ولا تتدخلي مرة أخرى في شؤون الكبار. التفتت تنظر بحدة للفتاة وقالت: -وأنتي، هيّا بلا أي صوت. وعادت أنجا تسحب الفتاة من جديد باتجاه الخروج. والفتاة يزداد صراخها. مما حفز كل خلايا رنا وجعلها تهتف بحدة وحسم: -أنتي... توقفي.

صدمت أنجا أنها تحدثها هي هكذا. فتوقفت عن السير وتسمرت جسدها في الأرض. ثم أخذت تلتف بجسدها إلى أن أصبحت في مواجهة رنا. ثم قالت: -أنتي؟!!!!! نطقت بإستهجان واستنكار شديد. فتشجعت رنا أكثر وقالت: -نعم، اتركي تلك الفتاة حالاً. تيبست كل معالم وجه أنجا. وبقت بلا أي رد فعل. هي فقط سألتها بهدوء مخيف: -وهل هذا أمر؟ ارتعبت رنا إلى حد كبير. لكنها جمعت شتات روحها وقالت بتجهم: -اعتبريه كذلك.

رمقتها أنجا بنظرة تقسم رنا أنها جمدت الدماء في عروقها وستظل تتذكرها طوال حياتها. ثم همست بعدها: -حسناً. وتركت الفتاة بالفعل. ثم أردفت: -لكن... أحمم... أعذري جهلي. فقط أريد أن أسألك بأي صفة أطلقتي هذا الأمر؟ صمتت رنا ولم تجب. فقالت أنجا: -هل بصفتك مفضلة الملك؟ هل عددتي نفسك زوجته مثلاً؟ أنتي مجرد جارية وظيفتها تتمركز في سرير الملك على شراشفه الحريرية... أنتي للمتعة فقط أيتها النكرة. فار دم رنا وهتفت فيها:

-أنا لست كذلك، وللآن لم أفعل. -بل أنتي كذلك، لا تظني غير ذلك أيتها الموهومة. انتهت أنجا من حديثها وخرجت من الغرفة كلها. حيث بقيت رنا مع الفتاة الباكية. دنت منها وأخذت تربت على كتفها تهدئها وتخبرها، وكلها يقين أن هناك أمل بتدخل الملك. *** جلست على الأريكة بحزن شديد. لقد طلع الصباح ولم يعد ديوان. فقد بات ليلته بالخارج ولا تعلم أين هو، حتى هاتفه مغلق.

لكنها ذكرت نفسها بحالهم. وأنها ليست المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك. ابتسمت بخفوت تتذكر حنانه وهدوئه معها. فهو بعد كل مرة يحدث فيها أي موقف صعب يسهر ليلته بالخارج مع صديقه، ثم يعود معتذراً، يخبرها أنه ليس بسئ وألا تخافه. مجرد تفكيرها بتلك المواقف جلب الراحة والهدوء لصدرها. فبدأت ترتخي في جلستها وتمدد ساقيها براحة تنتظر عودته مع كلماته البلسمية.

تهللت كل خلاياها وهي تستمع لصوت المفتاح في الباب. فقد بات هذا الصوت من أحب الأصوات لقلبها. وما إن دلف حتى هبت واقفة تستقبله بشوق تنتظر كلماته المعتذرة. وبادرت قائلة: -صباح الخير يا زيدان. سبطت عزيمتها وهي ترى تجهم وجهه وتسمع نبرته المقتضبة في الرد: -صباح النور.

رمشت بعينها لا تعرف ماذا هناك ولا ماذا تفعل. لكنها شجعت نفسها وقررت أنه ليس عليه بكل مرة أن يصالحها هو. لما لا تبادر هي وتفعل لتخفف الأجواء عنه، فلديه رصيد مسبق وعالٍ عندها. لذا تقدمت تقترب منه ثم قالت بمرح: -بقا كده تسهر طول الليل برا، ماشي يا سيدي ولا يهمك. ادخل نام لك شوية، تلاقيّك صاحي طول الليل ولما تصحى هتلاقي أحلى فطار معمول. لكنه نظر لها ثم قال: -لأ، أنا نمت في الورشة وفطرت مع العمال. -إيه؟!

وأنا اللي سهرانه مستنياك؟! -ادخلي نامي لو عايزة. أنا جاي آخد فلوس ونازل. نظرت له ببهوت تحول لصدمة وهي تراه بالفعل يفتح أحد الأدراج وياخذ منها المال ثم يغادر. وقفت مكانها لدقيقة لا تستوعب. ثم هرولت خلفه كي تلحق به تستفسر ماذا هناك ولما يعاملها هكذا. فإن كانت أخطأت ستعتذر لتسترضيه. هبطت الدرج بلهفة تنادي عليه: -زيدان! استني يا زيدان.

لكن توقفت وقد اشتعلت عيناها وهي ترى رشا مجدداً. وقفت على السلم تتحدث معه وتضحك بصوت مايع. فنادتها بحدة: -زيدان! التفت لها لتتلبسه شياطينه واحمرت عيناه يصرخ فيها: -أنتي إزاي تنزلي كده؟ أنتي اتجننتي؟ انتبهت حورية على نفسها وصعد كفّها يتحسس خصلات شعرها المنطلقة لتكتشف أنها خرجت بلا حجاب من تسرعها للحاق به. وانتفضت برعب على صوته العاصف: -اطلعي فوق حالاً.

رعبها من تحوله الشديد ألصق قدميها بالأرض ولم تستطع التحرك. مما زاد غضبه. فصرخ فيها بغضب أكبر نتج عنه أسلوب مهين لا يليق بحمار حتى. مما جعلها تصدم ووضعت يدها على فمها وأدمعت عيناها ثم هرولت تصعد الدرج. من شدة غضبه خرج من البيت ولم يذهب خلفها. غيرته ولدت بداخله غضب أعمى عيناه عن الصواب. فقد سيطرت عليه وجلس يحاول أن يهدأ ويفكر في مخرج.

بينما ظلت هي تبكي على الفراش. لكن رغم كل ما جرى هي تجلس بانتظار رسالة اعتذار شديدة منه. هذا ما تتوقعه منه. على خلفية ما عرفته من شخصية زيدان لن يتركها هكذا وسيعتذر ويسترضيها. وبينما زيدان يجلس أمام الورشة يدخن سيجارته بغضب يحاول أخذ أنفاسه ربما يهدأ قاولونه العصبي، فإذا به يرى محمود يترجل من سيارته التي اشتراها مؤخراً ويستعد ليدخل البيت بعدما رمق زيدان بنظرة غاضبة متحدة.

وضع ديوان يده على وجهه يشعر بالتورط. ثم التفت هاتفه وأخذ يسجل رسالة صوتية لحورية. وفي خلال ثوانٍ وصلتها الرسالة. فمسحت دموعها بكف يدها والتقطت الهاتف بفرحة شديدة وتفاؤل تستعد لسماع اعتذاره يعقبها كلمات غزل. ففتحت الرسالة الصوتية لتسمعها. وقد كان محتواها: (لو خرجتي من الشقة ولا لمحت طيفك برا هقتلك، سامعة؟ وإياكي... إياكي تفتحي الباب حتى لو مين بيخبط، حتى لو كانت أمي... سامعة ولا لأ؟

دارت بها الغرفة واسودت الحياة. فهل هذا هو اعتذاره الذي جلست تتمنى نفسها به؟ إنه من سيء لأسوأ. *** جلست في غرفتها تهز ساقيها بتوتر تفكر فيما قالته تلك السيدة ووصفها لها بأنها مجرد جسد للمتعة في الفراش لا أكثر. استرعى انتباهها أصوات الدق على الباب. فسمحت للطارق بالدخول. وقد كانت إحدى الجواري تخبرها بأن الملك يريدها.

وقفت من مكانها بتحفيز شديد. وتقدمت لتذهب إلى غرفة الملك. وأثناء سيرها كان بداخلها العديد من التخبطات. تتذكر كلام أنجا عنها ونعتها بأنها مجرد جسد يقضي الملك فيه رغباته. تتساءل هل سيقتلون الفتاة بالفعل؟ كيف للملك أن يوافق على هكذا أشياء؟ إنها روح بني آدم، هل عدنا للجاهلية حينما كانت تؤد الفتيات؟ يجب أن تخبره بما نعتها تلك الأنجا. يجب أن يرد لها اعتبارها أمامها وألا تتجرأ عليها مجدداً.

لكنها توقفت عن السير بتردد. هل سيفعل الملك لأجلها؟ من أين لها بكل هذا العشم والثقة بأنه سيفعل. نمت على شفتيها ابتسامة مرتاحة وهي تتذكر تصرفاتها العاشقة معها. هي ما شجعتها على الوثوق بأنه سيفعل. هي ليست جسد يرغبه الملك، بل فتاة أحبها. هي متأكدة من ذلك. سحبت نفساً عميقاً. وقفت تفرد ظهرها بثقة وتسير باتجاه الغرفة الملكية. دقات خفيفة على الباب. ثم فتح الحراس الباب سامحين لها بالدخول.

تقدمت للداخل لتعرف أنهما ليسا بمفردها. بل السيدة أنجا هناك كذلك. رفعت رأسها بشموخ وتقدمت تقف أمام الملك. رمقتها أنجا بحقد دفين. فهي إلى الآن لا تنحني بحضرة الملك كما تفعل هي وكذلك الجميع. بل ظلت حتى اليوم لها وضع استثنائي. ولكن صبراً..... وقفت رنا صامتة ترفع رأسها. والملك يرمقها بنظرات صامتة كذلك. وطال الصمت إلى أن تفوه أخيراً. ثم قال: -اعتذري من السيدة أنجا. -ماذا؟!!!! التفت ينظر لها بحدة. ثم قال: -كما سمعتي.

-لكنها قالت لي..... -اعتذري منها فوراً. لا أريد أن أسمع أي كلام. ومرة ثانية لا تتدخلي في شؤون لا تعنيكي. من سمح لكِ بالتدخل في تلك الأمور؟ كيف تجرؤين؟! اتسعت عينا رنا بصدمة. هو ببساطة يخبرها بصحة ما نعتها به أنجا وأنها هنا لإمتاع الملك فقط. فقالت: -ليست أي أمور. فتلك الفتاة لو سلمت لقبيلتها ستقتل. -لا يعنكي. تلك هي قوانينهم. -يعني هذا أنك موافق وستسلم الفتاة لهم؟

كنت أعتقد أن كل ذلك يحدث دون علمك وما إن تعلم ستتدخل على الفور وتوقف تلك الكارثة الإنسانية. هتف فيها بغضب: -تلك الأمور لا تعنيكي. وهيّا اعتذري للسيدة أنجا. انسابت الدموع من عيناها وهي تفكر في حقارة وضعها. والملك مازال ينتظر. إلى أن هتف بحدة جعلتها تتقزز في مكانها: -هل سأنتظر أكثر؟ هيّا اعتذري. التفتت رنا تنتظر لأنجا التي تناظرها بأعين شامته متحدية تخبرها أنها من ربحت وستربح دوماً.

ثم عادت تنظر للملك وكأنها الآن تراه شخصاً آخر جديد. فكرت لثوانٍ. ثم قالت بقوة وحسم: -لن أعتذر. اتسعت عينا أنجا وشهقت بصدمة متعمدة لتزيد من تضخيم الموقف. فيما وقف الملك بغضب شديد وسأل: -ماذا قلتي؟ ردت بعزم: -لن أعتذر. وأمرهم بقطع رأسي الآن كي أرتاح. فأنا لن أفقد حياتي حينها. أنا بالفعل فقدتها منذ غادرت بلادي.

اشتعلت عينا الملك والغضب يتفاقم بداخله. وقد زاد أكثر وهو يشعر بالغضب لعجزه عن الأمر بقتلها كما هي عقوبة من يعصي الأوامر. -اذهبي لغرفتك. قالها الملك بهدوء حذر وغضب مكتوم. فنظرت له أنجا بصدمة وكادت أن تتحدث. إلا أنه أمر مجدداً بصوت غاضب: -هيّا تحركي.. إلزمي غرفتك ولا تتحركي منها.. هيّاااا. خرجت رنا من عنده والدموع تسري على خديها. تسأل متى الخلاص مما هي به. ***

جلست تهز قدميها بحزن شديد. كلما تذكرت ما حدث اليوم وأمس. ثوانٍ وأضاء عقلها بأسئلة مهمة وخطيرة. ماذا تريد من زيدان؟ وما الذي حدث معها؟ ولما هي مسلوبة الإرادة هكذا؟ لما كانت دوماً رد فعل وليست الفعل ذاته مثل رنا؟ آه، رنا... أين هي وماذا جرى معها؟ لما تتواصل معهم مطبقاً؟

ابتسمت بحزن. فهي دوماً كانت عكس رنا في كل شيء. غير معجبة بشخصيتها المتهورة المنفتحة. رغم حبهما الشديد ببعض، لكن كانتا دوماً عكس عكاس. لا رنا يعجبها طريقة تفكير حورية وإعجابها الغير مبرر بمحمود وخضوعها لتحكمات المجتمع والعيش هكذا. ولا حورية يعجبها اندفاع رنا وتحديها لكل القوالب المجتمعية التي لا مساس بها وسعيها للعمل بشعلة خطرة. فالسفر لوحده مجازفة بالنسبة لأي فتاة.

هنا كان عليها أن تقف وقفة متأملة تسأل من منهما كانت الصواب. خفضت عيناها أرضاً بحزن. فعلى ما يبدو أن ولا واحدة منهما قد ربحت. ثوانٍ وفتح الباب ودلف منه زيدان يبحث عنها في الأرجاء. إلى أن وجدها. فتقدم بخطوات مترددة ثم قال: -سلام عليكم. -وعليكم السلام. لف حول نفسه مهمها. فقد ردت السلام لمجرد الرد لا أكثر. ماذا يفعل لتتحدث معه. دلف للداخل يعتقد أنها ستذهب خلفه لتحضر له ملابسه. لكنها لم تفعل. فعاد للصالة

حتى وقف أمامها وردد بغضب: -مش هتيجي تحضري لي لبس البيت؟ نظرت له بطرف عينها ثم قالت: -ما أنا عارفة إنك هتعرف تجيب لنفسك عادي.. أنا كبيرة كفاية وبتعرف تعمل كل حاجة لوحدك. وبتبيت كمان برا البيت. سرت فرحة لطيفة في كل خلاياه بسبب تلميحها الأخير. لكنها ما زالت لا تنظر ناحيته. فقال: -طيب، أنا عايز آكل.

تحدثت هي. فقط تحركت من مكانها واختفت بالمطبخ. وبعد دقائق كان الطعام معد على السفرة التي جلس عليها يتأملها بشهية مفتوحة. وكاد أن يشرع في الطعام إلا أنه توقف وهو يراها تغادر ولم تجلس للطعام. فناداها: -حورية! أنتي مش هتاكلي؟ -مش عايزة. -فقالت بأمر: اقعدي كلي. -مش عايزة. -وأنا قلت تقعدي تاكلي. إيه هتعيشي من غير أكل؟ -هو أنت بجد؟! نظر لها بإستغراب لا يفهم سؤالها. وهي كذلك تواجهه بإستنكار شديد. فسأل: -مالي؟!! -مالي؟

بتسأل بجد؟ أنت متقلب وكل ساعة بحال. عمال تتعصب وتمشي وتسيب البيت وكمان تبات برا. ومن شوية كنت عمال تزعق لي قدام الست رشا بنت عمك. فاندفع يجيبها: -مانتي اللي نازلة بشعرك. -والله بشعري؟! كنت خارجة بسرعة من غير ما أفكر عشان أوقفك أراضيك. وأنا أصلاً مش غلطانة فيك. لكن نزلت لقيتك مش داري بالدنيا. كنت واقف مع الست رشا... هي صحيح مش رشا دي اللي اتقدم لها كذا مرة وكنت عايز تجوزها.

نظر لها ببهوت وعقله يستوعب. هل تغار عليه حورية؟ وقف عن مقعده يبتسم لها. لكنه توقف مستغرباً وهو يسمع صوت جلبه قادمة من الخارج. تحرك لعند الباب يفتحه. يرى عمال يحملون بعض الأدوات والمعدات ويصعدون السلم. فعاد لعند حوريه وقال محذراً: -ماتتحركيش من هنا وماتفتحيش الباب.

بعدها أختفى نهائياً من الشقة وصعد ليرى ماذا هناك. فوجد باب شقة محمود مفتوحاً على مصراعيه. والعمال يقفون هنا وهناك ومعهم أدوات كثيرة. وهو يقف في المنتصف يلقي عليهم أوامره. نظر لهم زيدان بجهل شديد. ثم سأل: -هو في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ التفت محمود ورد ببرود: -كل خير يا كبير. بوضب شقتي عشان أقعد فيها. -نعم؟ هتقعد فيها؟ -أيوه، إيه؟ مش شقتي دي ولا قررت تاخدها هي كمان.

فهم عليه ولم يتحدث. إنما غادر يحمل معه الغضب. ونزل لعند والده يطمئن عليه. فقابلته والدته معاتبة: -توك ما افتكرت يا زيدان... أنت فين من امبارح وسايب أبوك تعبان. -حقك عليا أنا بس كنت.... -حالك كله بقى متشقلب ومش عاجبني. نظر لها ولم يعقب. فهي محقة في كل ما قالته. بل تحرك للداخل يرى والده. الذي حاول فتح الكلام معه في قصتهم. لكن زيدان منعه. على الأقل حالياً.

مرت أيام كانت هي الأسوأ على زيدان في حياته. كلها عصبية وصوت عالٍ. كان الغضب والشجار هما الأقرب إليه. وكل يوم يزداد الأمر سوء عن ذي قبل. وغيرته لا مثيل لها. ووالدة رنا قد نفذ صبرها. فقد مر شهران وللآن لا حس ولا خبر عن ابنتها. ما يحدث غير معقول. فذهبت لحورية لتأخذها لعند تلك الشركة التي تعمل فيها رنا. وهناك أحدثت فوزية مشكلة كبيرة وهددت بتبليغ الشرطة إذا لم يجدوا لها حلاً.

وظلت هكذا إلى أن حضر عاصم وحاول التحدث معها لتهدئتها قائلاً: -إيه بس اللي مضايقك يا ست الكل؟ -يعني إيه؟ إيه اللي مضايقني؟ أنا بنتي غايبة، أديلها مدة ولا حس ولا خبر. هو ده معقول يعني يا ناس؟ بلد إيه دي اللي مافيهاش شبكة اتصالات؟ -أنا مقدر زعلك يا ست الكل، بس إحنا نفسنا مش عارفين نتواصل مع الطاقم بتاعنا. وده في شغلنا أمر عادي بيحصل كتير لأن معظم شغلنا بعيد عن العمار.

حاول عاصم قدر المستطاع أن يمتص غضب فوزية. لكنها لم تشتري أي من كلماته. كانت موقنة أن بابنتها خطب ما وقلبها غير مطمئن. خصوصاً مع حديث هذا الرجل وهو يحاول بلسمة الموقف لها. غادرت فوزية وهي عازمة على الذهاب لأقرب قسم شرطة. فالوضع لم يعد يتحمل الصمت. لكنها قالت لحورية: -روحي انتي يا حورية، أنا رايحة مشوار. -مشوار إيه ده بس يا خالتو؟ في الجو النار اللي إحنا فيه ده. تعالي نروح وبكرة...

لكن فوزية لم تستمع لها ولم تعطيها الفرصة لتكمل حديثها. بل أوقفت سيارة أجرة وكلها عزم على ما تريد. فقالت حورية: -طب استني أجي معاكي. -لا، روحي انتي. الجو حر عليكي. أنا عارفة الطريق المرة دي. غادرت فوزية وتركت حورية أمام الشركة. تحت أعين عاصم الذي وقف يراقبها وشعر أنها فرصته أخيراً. فترك مكتبه واستقل المصعد حتى وصل لسيارته. فأخذها وتوقف أمام حورية يناديها: -آنسة حورية. التفت له فقال: -تعالي اتفضلي أوصلك.

-لأ، شكراً. مش عايزة أتعبك. -مافيش أي تعب ولا حاجة. تعالي اتفضلي. -شكراً، هاخد تاكسي. -مش معقول، هتحرجيني يعني؟ اتفضلي، هوصلك. حتى أنا أضمن من التاكسي. ولا إيه يا آنسة حورية؟ نظرت له حورية بعين مقيمة. ثم قالت بحسم: -أنا مش آنسة، أنا مدام يا عاصم. ليه؟ ثم أوقفت سيارة وغادرت فيها. وتركته للشمس تأكله. ***

في قصر الملك راموس مرت أيام جرى فيها الكثير. وجد أكثر. لكن رنا منعزلة. لا تعلم أي شيء عن ما يجري خارج غرفتها التي لزمتها بأمر ملكي. لقد أسودت الحياة بعينها بعد كل ما جرى. وفقدت الرغبة في كل شيء. حتى الحياة نفسها. وكذلك الطعام الذي رفضته. فتحولت لوجه شاحب وجسد هزيل.

دق الباب. فدلت إحدى الجواري تحمل معها صحن الفاكهة. فوجدت طعام الغداء لم يمس. رفعت عيناها تنظر على تلك الفتاة البيضاء التي ما إن قدمت للجزيرة حتى بدأ الكل يتحدث عنها وعن جمالها. والآن أصبحت كالجثة بلا روح أو حياة. فاقتربت منها تقول: -الانقطاع عن الطعام لن يفيدك. الأفضل أن تفكري في حل. -لا أريد. العيش هنا لا يناسبني. وفقدت الأمل في العودة لبلادي. اقتربت الجارية من رنا وقالت:

-سيدتي، أنتي بحاجة للطعام ولصحتك. فقد صنع لكِ حفرة كبيرة ووقعتِ فيها. وللأسف قد زدتي الأمر سوء بعنادك. العيش في القصور يحتاج إلى مكر ودهاء... استقامتك لن تنفعك بل ستضرك كثيراً. انتبهت رنا لما قالته واعتدلت في جلستها تسأل بلهفة: -عن أي حفرة تتحدثين؟ -سأخبرك. لكن وأنتي تأكلين.

بعد ساعة تقريباً. كانت رنا تقف أمام غرفة الملك وهي في أبهى حلة. وقد تغير رونقها. وكأنها تبدلت من فتاة شاحبة هزيلة لأخرى جميلة مغرية. وطلبت مقابلة الملك. فتح لها الحرس الباب. ووقف الملك يوليها ظهره كأنه يرفض رؤيتها. بينما يقول: -لما أتيتِ وكيف خرجتِ من غرفتك؟ ألم آمرك ألا تغادريها. لكنها باغتته حين شعر بها. هجمت عليه تحتضنه من ظهره. ولها همست في أذنه: -أنا آسفة........ *** في القاهرة.

عادت حورية من الخارج وجهزت أصناف لذيذة من الطعام تتمنى أن تنال إعجابه. ثم بدلت ثيابها وأرتدت فستان باللون الأبيض مزركش بورود بنفسجية. وتركت شعرها ينساب حول عنقها بلذاذة. واكتفت بوضع ملمع شفاه لامع. وجلست تنتظر عودته. إلى أن عاد أخيراً. انتعشت روحها وهرولت عليه بلهفة. فنظر لها نظرة غريبة تحمل الكثير. ولقى صامتاً فقط يتأمل جمالها. فقالت هي: -اتأخرت ليه؟ أنا مستنياك من بدري.

لم يجيب. وبقى ينظر لها بصمت حزين. ثم اقترب منها وضمه له. وضع أصابعه أسفل طابع حسنها ينظر لها عن قرب شديد. ثم عاد يحتضنها بقوة حتى تكسر عظمها. وأطال في ذلك. ثم أخرجها أخيراً من بين ذراعيه. ونظر لها داخل عينيها وقال: -أنتي طالق يا حورية............

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...