(مريم خارجة من باب بيتها، لابسة لبس بسيط مرتب، شعرها ملموم، ووشها هادي لكن عينيها فيها كسر باين. ركبت ميكروباص وسط الزحمة، وقعدت ناحية الشباك… بتبص على الشوارع كأنها أول مرة تشوفها.) (الصوت الداخلي لمريم) "هو ده الصح؟ ولا أنا بضحك على نفسي تاني؟ بس يمكن… الكمان يعلم قلبي يسمع حاجة غير القسوة." (المشهد: قدام كلية تربية موسيقية) (مريم وقفت تبص على لافتة الكلية، ابتسمت ابتسامة خفيفة حزينة، وقالت لنفسها…) مريم (بهمس)
"لو هتعلم أعيش… لازم أبدأ من هنا." (دخلت، خلصت الورق، وقدمت، وسابوا لها ورقة فيها معاد الكشف والمقابلة.) موظفة –بابتسامة باهتة: "مقبولة تعالي الأسبوع الجاي عشان تبدأي المحاضرات. نتقابل تاني بس وأنتِ متخرجة إن شاء الله شرفتيني." مريم –بابتسامة شبه ميتة: "شكرًا." المشهد: باب كلية تربية موسيقية –بعد ما خلصت التقديم
(الجو كان دافئ بس ساكت، كأن الدنيا واقفة بتتفرج على كلية تربية موسيقية. مريم خارجة من باب الكلية، ووقفت شوية تبص حوالينها… ناس بتضحك، ناس بتصور، هي بس اللي واقفة وسط كل ده مش حاسة بأي حاجة.) (فضلت تمشي ناحية الموقف، تركب مواصلة ترجعها للبيت. وسط الزحمة، ركبت جنب الشباك، وفضلت تبص برا، ساكتة، بتعدي عينها على الناس والبيوت واللافتات، وكل حاجة بتفكرها إنها ماشية في طريق جديد… بس جواها كأنها لسه واقفة في نفس المكان.)
صوت بنت من وراها –بنبرة مدهوشة وحنونة: شيماء –بصدمة بسيطة: "مريم؟! (مريم لفت وهي مش متأكدة من الصوت… لكن أول ما شافتها، ابتسمت ابتسامة مش فاهمة هي فرحانة ولا متضايقة.) شيماء: "إنتِ كنتِ جارتي قبل ما تنقلي… فاكرة؟ مريم –وهي بتضحك بمرارة: "فاكرة كل حاجة…" بفرحة شيماء: (حضنوا بعض بسرعة، وفيه دفء حقيقي في اللحظة.) شيماء: "إزيك؟! ما شفتكيش من سنين…" شيماء –وهي بتقعد جنبها: "أنا كويسة… أنا مش مصدقة! دي صدفة غريبة! وإنتِ؟
إيه أخبارك؟ مريم: "بخير لسه مقدمة في كلية تربية موسيقى." شيماء: "برافو يا مريم… دائمًا كنتِ بتحبي المزيكا… حتى صوتك وإنتِ بتغني من البلكونة… لسه بتغني؟ مريم: "لا." (لحظة صمت بينهم… بعدين مريم تكسر الصمت) مريم –بتردد: "أخبار يوسف أخوكي إيه؟ شيماء –عينيها بتلمع بالدموع: "يوسف؟ (نظرت بعيد شوية، صوتها اختنق بالحزن) "… حب بنت حبها بزيادة. وودته في الإدمان… تعب قوي." (رجعت تبص لمريم)
"بس الحمد لله، بيتعافى… بقاله سنة في طريق الصح. بقى أهدى، أنضج… ويمكن أحسن من قبل." (مريم سكتت… بس جواها حاجة اتحركت. يوسف؟ اللي كان زمان طفل شقي بيعاكسها وبيجري؟! دلوقتي راجل شايل وجع… زيها؟ (الموصلة بتقف) شيماء –وهي بتقوم: "ده موقفنا… تنزلي؟ مريم –وهي بتهز راسها: "آه، يلا." (نزلوا سوا… ومشيوا جنب بعض. الجو بقى مغيم، بس في قلب مريم شعاع بسيط نور.)
(شيماء وهي ماشية جنب مريم، كانت كل شوية تبص فيها وتبتسم، كأنها مش مصدقة إنها قابلتها تاني.) شيماء –فجأة وهي بتوقف: "مريم؟ تعالي معايا البيت… نسلم على ماما، ويوسف كمان." مريم –بتردد وخجل: "لأ مش حابة أضايقكم… مش لازم يعني." شيماء –بإصرار دافئ: "بطلي الكلام ده. ماما هتفرح بيكي… ويوسف هيحب يشوفك." (مريم بصت بعيد شوية، قلبها دق فجأة لما سمعت اسمه، بس في الآخر وافقت وهزت راسها.)
(وصلوا قدام العمارة… نفس البلكونة، نفس الريحة، نفس السلم اللي كانت بتجري عليه وهي صغيرة… بس قلبها دلوقتي ثقيل.) (الباب اتفتح… صوت خافت من جوه) أم يوسف –من جوه: "شيماء؟ مين معاكِ؟ شيماء –وهي بتدخل: "ماما! بصي مين لقيتها؟! دي مريم يا ماما! مريم بنت الأستاذ إبراهيم! أم يوسف –وهي بتخرج بسرعة من المطبخ، عينيها بتلمع: "ياااااه… مريم؟! بسم الله ما شاء الله! كنتِ فين يا بنتي؟!
(حضنتها بحنية، بس مريم كانت متوترة ومش عارفة ترد، عينها بتزوغ في كل اتجاه… بس مش قادرة تبص لقدام.) (وفي اللحظة دي…) صوت رجولي نازل من فوق السلم الداخلي: "مين يا شيماء؟ (مريم حست بجسمها اتجمد… الصوت ده؟ خشن… لكن فيه دفء مش غريب.) (نزل يوسف… أطول، جسمه أثقل، دقنه خفيفة، وعينيه فيها حزن قديم ومخمور بنضج ما يتوصفش… لابس بيتي بسيط، بس وقفته فيها رجولة.) شيماء –وهي بتبتسم بمكر: "دي مريم… جارتنا القديمة. فاكرها؟
(يوسف وقف مكانه، بص لمريم… لحظة سكون طويلة، ما فيهاش ولا نفس.) يوسف –بهدوء ثقيل: "فاكرها…" مريم –بصوت واطي: "إزيك يا يوسف؟ يوسف –بابتسامة شبه حزينة: "كويس… أحسن. وإنتِ؟ مريم –وهي بتزق جواها كل الوجع وترد ببسمة ضعيفة: "بحاول أكون أحسن برضه." (يوسف ابتسم، بس في عينه كانت فيه دمعة ما اتوقعتش تشوفها…) شيماء –وهي بتكسر الصمت: "يوسف، مريم قدمت في كلية تربية موسيقية النهارده… يوسف لسه بتكتبي أغاني وبتلحني زي زمان؟ يوسف:
"مريم، آه، إنتِ لسه بتغني، صوتها لسه زي زمان." (يوسف –وهو بيبص لها بنظرة مش مفهومة) "أكيد لسه… أحلى من زمان كمان." الأم –وهي بتحط إيديها على كتف مريم: "يلا يا بنتي، اتعشي معانا. ما تسيبينيش كده." (مريم سكتت لحظة… وبعدين ابتسمت بخفة.) مريم –بصوت هادي: "ماشي…" (وهي قاعدة، حست إنها داخلة على فصل جديد… يمكن تلاقي فيه أخيرًا لحن الحياة اللي ضاع منها.)
(خرجت مريم من بيت شيماء، كانت ماشية في الشارع وهي مش حاسة برجليها… قلبها لسه مضطرب، لقاء يوسف فتح أبواب كانت مقفولة جواها من سنين. بس دلوقتي، لازم تروح تقابل الدكتور هشام زي ما اتفقوا.) (وصلت عند العيادة، طلعت السلم بخطوات بطيئة، وفي قلبها حاجة مخنوقة… كأنها داخلة تقابل شخص فاهمها أكتر من نفسها.) السكرتيرة –بابتسامة هادية: "اتفضلي يا مريم… الدكتور مستنيكي."
(دخلت، لقت الدكتور هشام قاعد في مكانه المعتاد، مكتبه مرتب، ونظراته فيها دفء بس كمان تركيز حاد.) الدكتور هشام –بابتسامة بسيطة: "أهلًا يا مريم… عاملة إيه النهارده؟ (سكتت… قعدت قدامه، وبصت له بعينين فيها حاجات كتير متكسرة.) مريم –بصوت واطي: "قابلت يوسف…" (الدكتور سكت لحظة… وبعدها قال بهدوء) "يوسف…؟ مريم –وهي بتحاول تتحكم في صوتها المرتعش:
"ابن جارتنا… اللي كنت بلعب معاه زمان… قابلته بالصدفة عند شيماء، وبص لي كأني ما اتغيرتش… بس أنا اتغيرت يا دكتور… اتغيرت قوي." الدكتور هشام –وهو بيكتب حاجة سريعة في نوتته: "وحسيتي بإيه لما شفتيه؟ (مريم بصت للأرض… عضت شفايفها، وبعدين قالت) "حسيت إني لسه واقفة في نفس الحتة… لسه الطفلة اللي بتدور على حضن… لسه البنت اللي بتتمنى حد يصدق إنها تستحق تتحب…" الدكتور هشام –بنبرة حنونة وجادة:
"إنتِ مش واقفة في نفس الحتة يا مريم… إنتِ جيتي لحد هنا، وده لوحده خطوة كبيرة." مريم –بنظرة فيها دموع مكبوتة: "بس أنا تعبت… كل حد يدخل حياتي، بيكسرني أكتر. حتى اللي كنت فاكرة إني ممكن أحبهم… بيطلعوا بيستغلوني. أنا مش واثقة إني هعرف أعيش من غير خوف." (الدكتور بص لها بعمق… وبعدين قال بصوت ثابت) "الخوف مش دليل ضعف… الخوف دليل إنك لسه بتحاولي… ولسه بتتمني… وده لوحده، بداية التعافي."
(سكتوا شوية… كانت اللحظة فيها صمت أصدق من ألف كلمة.) الدكتور هشام –وهو بيقفل النوتة: "ممكن أطلب منك حاجة؟ ما تحكميش على نفسك بعين اللي كسروا قلبك… وشوفي نفسك بعين واحدة بس… بعينك إنتِ. اللي نجت، واللي لسه واقفة رغم كل حاجة." (مريم نزلت دمعة… لكنها مسحتها بسرعة.) مريم –بابتسامة حزينة: "هحاول يا دكتور… أنا تعبت من الهروب." الدكتور –بنبرة مشجعة: "ويمكن ده أول اعتراف حقيقي… إنك مش عايزة تهربي تاني."
(مريم قامت من مكانها، حاسة بخفة بسيطة رغم التعب… كأن قلبها اتفتح شوية، ولو حتى بسطر واحد جديد.) (مريم وقفت تفتح باب العيادة، وخطواتها كانت بطيئة… كل كلمة الدكتور لسه في ودانها، بس جواها كان في عاصفة ما تهدأش.) (طلعت على الرصيف، الهواء كان بارد، والسماء ملبدة بغيوم سوداء، كأنها مرآة لحالها.) (شافت في المراية الجانبية للعربية صورة نفسها… العينين اللي كانوا فيها دموع، دلوقتي شبه غربال بيتسرب منه كل أمل.)
(بتهمس لنفسها بصوت خافت، لكنه مليان كراهية وحيرة) "أنا مين؟ ليه كل ده لازم يحصل؟ ليه الدنيا بتكسرني وأفضل أنا اللي اتكسرت؟ (وفي اللحظة دي، موبايلها رن. كانت رسالة من يوسف.) (فتحت الرسالة، وكان فيها صورة قديمة ليهم، وهتافه بسيط: "لسه فاكر أيامنا، يمكن نرجع نكون زي زمان؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!