يوسف وقف قدام مريم، عيونه مليانة جدية وحسم، وقال بصوت فيه توتر: "أنا جالي منحة عمل بره، ومش هينفع أأجل الجواز أكتر من كده." مريم حست قلبها بيخفق بسرعة، وبصت له بقلق: "إحنا مخطوبين بقالنا سنة ونص، وأنا خايفة تبقى زيهم... خايفة إنك ما تحبنيش، وأنا بحبك، بحب حنيتك، بس خايفة نسيب بعض يوم." يوسف ارتفع صوته بعصبية غير معتادة: "مريم فوقي! أنا عاوز أعمل أسرة، أتجوز، وتبقي أم عيالي. والفرصة دي لو راحت، مش عارف هعمل إيه."
مريم شافت العزم في عيونه، حست إن القرار اتخذ خلاص. يوسف كمل: "خلاص، نخلي كتب الكتاب والحنة في يوم واحد الأسبوع اللي جاي، والدخلة بعديه بيومين، وبعدها نسافر على طول." مريم وقفت تتأمل الكلام اللي لسه بيتقال، بين الفرحة والخوف، بين الحلم والواقع، وفي قلبها قلق كبير عن المستقبل اللي مستنيها. كان يوم كتب الكتاب، وكل حاجة ماشية زي ما بيقولوا في الأفراح الشعبية المصرية الأصيلة.
الشيخ اللي كتب الكتاب كان واضح إنه كبير في السن، صوته يرنّ وسط القاعة، لكن فجأة ظهر صوت شخص غامض، كان بيكلم بشكل خاص. مريم، أول ما شافت أدهم، جريت واحتضنته بحنان. "وحشتني أوي يا أدهم." قالتها وهي ماسكة إيده. أدهم ابتسم ورد: "وأنتِ أكتر يا مريومة." سألتها بفضول: "هو أنت جيت من السفر لوحدك؟ دنيا أختنا ما جتش معاك؟ أدهم، بحزن مصطنع، قال: "لأ، دنيا ما عرفتش تسافر، وما عرفتش تجيلك." وبدأوا يكتبوا عقد القران، الكتاب الأول.
بعدها، بدأت تحضيرات الحنة، زي كل بيت شعبي مصري أصيل. مريم كانت محاطة بصحباتها، وسط جو من الفرح، لكن الست اللي مسؤولة عن الحنة كانت مخبية وشها بشال، كأنها عايزة تخفي سر. نادت على مريم وقالت لها: "أرسم ليكي إيه يا مريومة؟ مريم استغربت وقالت: "حضرتك تعرفيني؟ الست ضحكت من تحت الشال وقالت: "لا يا مريومة، مش أعرفك." لكن بعدها قالت لها: "ارسم لي الرسمة دي." مر الوقت، وجاءت اللحظة اللي الست دي بتسأل مريم: "إيه رأيك يا عروسة؟
مريم بصدمة قالت لها: "إيه الزفت ده؟ أنتِ متأكدة إنك تعرفي ترسمي؟ الست ضحكت وهي بتشيل الشال عن وشها، وقالت بصراحة: "بصراحة لأ." لكن مريم اتصدمت لما شافت مين الست دي، وقالت: "دنيا أختي؟ يا بكاشة؟ وأنا قولت الصوت ده أنا عرفاه." دنيا ردت عليها وهي بتضحك: "بس عشان أنتِ عبيطة، ياه يا مريم، كبرتي وبقيتي عروسة." مريم نظرت لدنيا وقالت بحنية واشتياق: "وحشتيني أوي، أنتِ وأدهم. يا ريت الوقت يقف هنا وما يعديش."
في اليوم الثاني، فاضل يوم واحد على يوم الدخلة. مريم دخلت على دنيا أختها وهي مترددة وقالت لها: "تعالي ننزل نجيب الفستان، مش عايزة أبقى متأخرة." وصلوا للمحل، مريم بصت عليه من بره بعيون مليانة حزن، كأنها بتودع حاجة كانت نفسها تكون غير كده. رجعت بعد سنة ونص...
رجعت تاني لفاترينة الفساتين اللي كانت واقفة قدامها قبل كده، بس المرة دي مش زي زمان. المرة دي رجعت وهي مختلفة، مش بس في ملامحها، لكن في قلبها اللي اتعلم يتألم ويرتاح في نفس الوقت. قبل كده كانت بتتفرج على الفساتين بعيون مليانة دموع، بتتخيل نفسها فيها عروسة، بتحلم بيوم جميل ما كانش ليها. دلوقتي رجعت عشان تشتري فستان فرحها الحقيقي، مش فستان الأحلام اللي اتكسرت.
اتنين حبوها، وسابوها، وجعلوها تعيش وجع ما يتنسيش، بس السنة ونص دي علمتها إن الحب مش بس كلمة، الحب قرار، واختيار، وإنها تستاهل أكتر من الألم. وهي واقفة قدام الفاترينة، بتختار الفستان اللي هيلبسها يوم فرحها، بعيون صافية، وقلب جريح لكنه قوي. همست لنفسها: "أنا مش هسيب قلبي يتكسر تاني... واللي يحبني، هيلبسني فرح مش وجع."
دخلت المحل، وبصت على الفستان اللي كل حياتها كانت مستنياه، الفستان اللي كانت نفسها تلبسه بس في قلبها في خوف وألم مش قادرين يختفوا. بائعة المحل سألتها بلطف: "تحبي تقيسي ولا لأ؟ مريم بصوت ضعيف وحزين: "لا، هو على مقاسي، وخدته." رجعت البيت، ودخلت أوضتها وقعدت تكتب في الرواية بتاعتها للجزء الثاني، في الصفحة 99. كتبت:
"ها أنا على آخر الطريق، قد أصابتني المصائب كثيرًا، وكنت أنا الضحية، واليوم على وشك أن أكون سعيدة لنهاية عمر كله." بعدها كتبت بالعامية: "بعد بكرة هتنزل الرواية، الجزء الثاني، ومكسرة الدنيا... بس يا ترى مين هيكتب آخر صفحة من روايتي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!