اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا عيبا إلا أصلحته، ولا حاجة لنا من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضى ولنا فيها صلاح إلا يسرتها وقضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين. كامل وعبد الرحمن وأمجد وصلوا إلى منزل جون بعد رحلة سفر طويلة. كان يقف جون لاستقبالهم وخلفه العديد من الرجال ليحرسوه. نظر اللواء أمجد لكامل ليعرف منه إذا كان هذا هو جون أم لا. فأشار له بعينه، ففهم ذلك. رحب بهم جون ودلفوا للداخل وجلسوا.
صمت المكان لفترة. كان يعبئه التوتر. قطع ذاك الصمت جون وهو ينظر لأمجد: -أنت هو أمجد؟ ليس كذلك؟ هز أمجد رأسه وقال بجمود: -أيوه. وأنت هو جون بذات نفسه؟ جون رمقه مطولاً واعتدل بجلسته ليسند بساعديه على قدميه: -أيوه أنا جون. صمت لبعض الوقت وتابع بحده: -أنا خسرت أحسن رجالي بسببك، خسرتهم هما والمعلومات اللي كنت عايزها.
أمجد كان بداخله يغلي، فها هو قاتل صديقه أمامه. أراد أن ينقض عليه ليقتله، ولكن مهلاً، فهناك أحد آخر قلبه يغلي ويريد الانتقام. -آه فعلاً؟ لأن لمار قتلتهم كلهم؟ جون بهدوء: -إذا، وهي كيف علمت بمكانهم؟ أمجد بثقة وهو يرمقه بحده: -لمار بنت قوية، محدش يقدر عليها أبداً! وفوق شجاعتها في رجاحة العقل، تملك ذكاء بتوقع فيه أجدع راجل مهما كان. جون أدار عينه لينظر لعبد الرحمن:
-أنت بقا هو عبد الرحمن، وكنت محجوز عند لمار، بس الغريب هربت إزاي؟ عبد الرحمن بجمود: -محدش بيقدر على نمر غير نمر زيه. نظر له جون باستغراب والتف بعينه لكامل: -كامل، أنت بقا معرفة قديمة وكنت معانا الأيد بالأيد. أشار له كامل. صمت جون بجمود وهو ينقل النظر بينهما. قطعه بتنهيدة عميقة ونظر لهم وقال: -ولكن لا أستطيع أن أثق بأحد منكم. نظر لأمجد وتابع: -وخاصةً أنت؟! قال أمجد مسرعاً:
-وإيه يثبتلك أن أنا مش هخونك وأنما هساعدك بكل حاجة؟ نظر له أمجد بابتسامة مشرقة وقال: -علشان تكسب ثقتي لازم تعمل حاجة رجال كتير من كل بلد معرفش ينفذها، وكان آخرهم يا ما القبر يا ما الشلل. فهل أنت تستطع تنفيذها؟ إذ فعلتها ستكون يدي اليمين في كل حاجة، وهآمنك على بيتي وشغلي وكل ممتلكاتي. نظر له بترقب وأشار له بعينه: -هااا؟ نظر له أمجد وأجاب مسرعاً: -وأنا قد أي حاجة. إيه بقا اللي يخليك تثق فيا؟
زفر جون بعمق وهب واقفاً. سار بخطي ثابتة ليقف أمامه وقال وهو ينظر لعينه: -تقتل لمار بأي طريقة وتخلصني منها؟ أغمض عينه بعنف، سرعان ما فتحهم لينظر له بثقة وقال: -هقتلها وقريب جداً، وهنريح منها كلنا. لم يكن يتوقع ذاك الرد، فاتسعت أعينه من الصدمة وعدم التصديق. فهل لذاك الشخص حقاً قتلها؟ ألم يكن هو من يريد أن يجلب حق صديقه؟
صمت لبعض الوقت بتفكير، كان فكره حائراً، ولكن عليه الوثوق به ومراقبته. نظر جون مطولاً لعينه فلم يري بهم شيئاً سوى الثقة. زفر بعمق وقال: -وأنا هعطي لك فرصة تثبت لي نفسك بقتلها. أستدار ليعود لمقعده وجلس. أبتسم حتى بدت نواجذه وقال: -أنتم أتيتم من سفر طويل وعليكم أخذ راحة قليلاً وأن تتناولوا شيئاً. دعي عدنان ليأتي وأتي مسرعاً. عدنان بأحترام: -أوامرك مستر جون؟ أشار له:
-تأخذهم إلى غرفة الضيوف ولن أواسيك ها، أهتم بهم وطلباتهم مجابة. عدنان رمق أمجد بكره شديد، فأستغرب نظراته تلك. أشار لهم بكره وحقد وجمود: -اتفضلوا معايا. شعرت بجسد صلب تحت رأسها. وبيد تكبلها كلياً. أنفاس ساخنة تلفح على وجهها. كانت تخشي أن تفتح أعينها. فكل ما تتذكره هو تلك الغرفة المظلمة كحيلة السواد، وذلك القاسي المغرور الذي أصبحت تخشاه وبشدة. حاولت أن تعتدل ولكن يده منعتها من ذلك.
رائحته تلك جعلت قلبها يرجف. رفعت بصرها ببطء، وجدته ينظر لها بتسلية. رأى الخوف بأعينها ولمعة الدمع، فشعر بالخزي وانقباض قلبه. أبعد يده عنها ببطء وهو منتظر انفجارها به. ابتعدت عنه واعتدلت بجلستها. نظرت حولها فعلمت أنها بغرفته. هبت واقفة دون كلمة، وخطت للخارج بصمت. صدمة. لم يستطع فعل أي شيء سوى النظر لها بندم وآسف. تنهد بعمق واعتدل مسرعاً في لهفة ليركض خلفها. كادت أن تدلف لغرفتها، ولكن يده منعتها.
فوقفت دون أن تستدير. أمسك يدها وخفق قلبه بشدة جنونية، فتلك الفتاة لديها سحر خاص. لم يدري ما عليه قوله فصمت لبعض الوقت. قطعه قائلاً: -حبيبة. خرج اسمها متلألئاً بين شفتيه كما تتلألأ الكواكب بالسماء. شعرت وكأنها تستمع لصوتها لأول مرة من جمال نطقه به. خطي ليقف أمامها ونظر لعينها: -أنا آسف. أغمض عينه ليستمع لانفجارها، ولكنه أتصدم عندما هزت رأسها فقط وسحبت يدها من يده وولجت للداخل وصفقت خلفها الباب.
ذهب لغرفة فيكتور بيأس ولج دون كلمة. وضع فيكتور حاسوبه جانباً وعلم بأنها لم تسامحه بعد. نظر له: -خير، مالك على الصبح كدا؟ زفر بضيق وقال بعصبية: -مش راضية تتكلم معايا، اعتذرتلها و... قطع حديثه كب فيكتور من فمه القهوة التي كاد لتوه أن يرتشفها ونظر له بصدمة: -مين اللي يعتذر، أنت؟ دار بعينه عن شيء وأمسك الوسادة وألقاها عليه وهو يقول في آن واحد: -تصدق أنك رخيم وأنا غلطان إني بحكيلك؟ تلقاها وظل يضحك بهستيريا:
-يعني على الحب لما يبهدل صاحبه! هب مايكل واقفاً وهو يقول: -وربنا أنا غلطان إني بحكي مع رخيم زيك؟ أمسك فيكتور معصمه: -لا لا استنى بس، بهزر، اقعد ياعم. جلس جواره. وكبت ضحكته بأعجوبة وقال: -لا بجد، أنت اعتذرت وليها كمان؟ اعترف أنك بتحبها؟ -إيه؟؟؟ كلمة نطق بها بصدمة وانشغل فكره بها. ضحكتها، شقوتها، كلامها، ثرثرتها، حركاتها، دموعها، شعوره لما تكن جواره. نظر بتمعن له وأجاب: -لا لا، حب إيه بس، مش بحبها؟ فيكتور بتريقة:
-أيوه أيوه صح، مبتحبهاش. هو حد قال غير كدا؟ نظر له بغضب ولكمه: -هتقولي أعمل إيه عشان أصلحها ولا هضيع وقتي معاك وخلاص؟ صمت قليلاً وتابع قائلاً: -استنى طيب أفكر. هب مايكل بزهق: -ام تفكر ابقي قولي والله لما ماشي؟ لم ينتبه له فيكتور. كاد بالخروج ولكنه توقف عندما صاح: -بس لقيتها! خطي مسرعاً إليه بلهفة وجلس: -ها، قولي إيه هي؟ فيكتور نظر له باهتمام وقص عليه ما عليه فعله. صمت مايكل قليلاً وقال:
-امممم، فكرة مش بطالة تمام، ماشي، هجرب. وهب واقفاً ليغادر. فصاح فيكتور به: -إيه قلة الأصل دي، مفيش شكراً؟ استدار برأسه ليرمقه بغضب وذهب. لمار وزيد وأياد عند هالة. جميعهم يبحثون عن عمرو. بكل مكان بالطرقات. هالة منهارة تماماً مع ريم ورد في البيت. أتي أحمد وفهد وبسنت وأدهم بيأس. رفعت هالة بصرها عليهم بلهفة: -عمرو فين؟ جه معاكم صح؟ هااا، فينه؟ هبت واقفة شبه المجنونة وخرجت تبحث عنه خارج الدار فلم تجده. ولجت للداخل ووقفت
أمام أحمد ببكاء حارق: -أحمد فين عمرو؟ هااا، أنت مش قولتلي هترجعه معاك؟ هو عامل فيا مقلب صح؟ مش كدا؟ طب هو فين طيب؟ قولي؟ أحمد متصنم محله لا يدري ما عليه قوله. لمعة الدمع في عينيه. حاول بأن يهديها أملاً ومن جواه يشعر بالعجز والضعف وعنده يقين أن عمرو خلاص. ربت على كتفها بحنان: -هيرجع بس اصبري، لمار هترجعه صدقيني. انفجرت ضحكاً بهستيريا:
-أيوه صح، هو بيحب لمار أكتر مني دلوقتي، هيرجع معاها، أنا عارفه. بيلعب معايا وعامل فيا مقلب، بس مقلب بايخ شوية، بس لما يجي. مرت ساعات بصمت وكثير من العجز والضعف. ولجت لمار للداخل وخلفها زيد وأياد.
لمار كانت تنظر حولها بتوهان. عيناها دارت بكل ركن. وقعت أعينها عليه فابتسمت بدمع. فردت ذراعيها، ولمعة الفرحة في عينيها. بسمة وبهجة أشرقت وجهها. خطت شبه راكضة إليه، كادت باحتضانه فلم تجد شيئاً بين يديه وكأنه كالسراب واختفى. رفعت بصرها ودارت تبحث عنه بعينيها فلم تجده. وها هي تستمع لصوته يناديها وصوت ضحكته. أبتسمت بفرحة وأمل. شعور الفرحة تملكها. ركضت إلى حيث الغرفة فلم تجده. شعرت بيأس شديد وشعور موجع تملك قلبها وذاتها وروحها. كان أمامها واختفى. استمعت لصوته الذي أعادها للحياة واختفى. فأين هو؟
هل يعقل أن يكون بالقبر الآن؟ دمع متحجر في مقلتيها أبي أن يهبط. يقولون أن الموت هو النهاية. لا يعلموا أن فقد أغلى الناس هو النهاية. أن يكون أمامك وفجأة يختفي فهذا هو الموت حقاً. موت يملأه الوجع ونار القلب. أن يبتعد عنك شخصاً فجأة فهذا هو الموت. فأنه يترك قلب محطم بالآلام، عاشق وحيد يتمنى نهاية لأوجاعه وروحه. هل جربت يوماً شعور الموت حياً؟
أنه شعور قاتل يسلب منك راحة الفؤاد والعقل. يهديك وجع لا تدري كيف تعبر عنه أو تقصه لأحد. الموت حياً إذا جاءك فاعلم أن ذاك الغائب قد أخذ فؤادك بلا عودة. اقترب منها زيد بحنان وربت على كتفها يريد بث الأمان لها. خرجت وجلست على أقرب مقعد. فدنت منها هالة وجثت على ركبتيها أمامها وأمscكت يديها. بسمة وخوف بالقلب وحزن لا مثيل له قالت: -لمار فين عمرو؟ هو مجاش معاكي؟ هااا فين هو؟ ليه اختفى فجأة؟
ناديله، أول ما هيسمع صوتك هيجي على طول. هو بيحبك وبيسمع كلامك، ناديله يمكن زعلان منك عشان كدا مستخبي. هو لما كان بيزعل معاكي كان بيستخبي صح؟ يلا ناديله عشان يجي. رفعت بصرها لها بتوهان وأغمضت عينها بعنف وفتحتهم وكأنها لم تكن تدري من تكون. ضمتها بحب فجأة، فبكت هالة بحرقة بحضن أختها الأكبر، ولا تقولوا إنها أخت بل إنها أم.
ضمتها بحنان لتواسيها ولا تسأل ماذا يوجد بداخلها من نار تحرق فؤادها من وجع لا يتوصف. صوت عمرو يتردد بأذانها. إلى حبيبها الذي لم يعد موجوداً بالدنيا، إلى وحيدها الذي تراه ولا تلمسه وتكلمه ولا يرد عليها، إلى طفلها الناعم البريء الذي ذهب إلى القبر ولن يرجع. لقد اشتاقت إليه فتلك الساعات الذي غاب بها. أرادت أن تحضنه وياليتها كانت تستطيع أن تخبئه بقلبها، يا ليت. عجز مسيطر عليها. تردد حديث جون "نفس المكان".
لمار بعدت بعينين متسعتين عن هالة. في ذات الوقت زيد أيضاً عينيه عليها بصدمة. رمقته بصدمة قاتلة. وقفت ببطء، وهو أيضاً لا تعجبوا. فهما ليس اثنين، بل واحد. لقد كانا جنباً بجنب طول الوقت في الشداد والصعاب، فكيف لقلوبهم أن لا تشعر ببعضها. ابتلعت لمار ريقها بخوف تتمنى أن الذي جاء ببالها غير حقيقي. نظروا لبعضهم فركضوا مسرعاً سوياً في آن واحد. هبوا واقفين جميعاً خلفهم.
صعدت لمار السيارة وجوارها زيد. لهثت بقوة وقادت مسرعة. بعد وقت ليس ببعيد، وقفت أمام فيلا الشرقاوي. هبطت ببطء وخوف وقلق ينهش قلبها. رأت الباب منكسراً. تنقلت نظراتهم لبعض وركضوا مسرعين للداخل تتقدمهم القلوب. ولجت للداخل ورأته ملقى على الأرض. وجهه مشوه لا يظهر منه شئ. جذعه العلوي عارٍ ومأخوذة أعضاؤه. رأت كل ذلك كثيراً. رأتها صوراً للأطفال الذين ينخطفون ويحصل بهم ذلك. أجل، كانت تراهم وتتوجع، لكن ما ذلك الوجع الذي تشعر به؟
تصنمت محلها. هل جربت يوماً أن تشعر أنك تختنق ولا تدري ما عليك فعله وبمن ستطلب المساعدة؟ أن تنقطع أنفاسك وتكاد تتنفس بأعجوبة والهواء نفذ من حولك؟ أن تشعر بروحك تتسحب وحدها وحدها ولا تستطيع الصراخ؟ أن تشعر بنار تصهر فؤادك ولا تدري كيف تطفئها؟ بقلبك يخرج من بين ضلوعك ولا تدري كيف تمسكه؟ أن تشعر بالعجز ولا تسوق قدامك على الوقوف وكأنها شلت على الحركة؟ هكذا كانت تشعر هي بألم فظيع بقلبها وروحها وذاتها.
بخطوات بطيئة مهزوزة سارت للداخل. جثت لمستواه. استبعدت زيد عنه وضمته هي. لم تهبط دمعة واحدة ولكن قلبها كان ينزف بغزارة ويبكي ويصرخ ويئن وينتحب. ابتسمت فجأة ونظرت لزيد الذي بدل لها الابتسامة بوجه مشرق. نظرت لثيابه تلك وانفجرت ضاحكة. غمضت عينها بحمد وشكر لله. فضمها زيد بامتنان لله.
ذاك الوقت وصلوا الشباب. تصنموا محلهم من هول الصدمة. أما هالة فذهبت باتجاهه بقدمين لا تحملها. جلست مقابل لمار. مرت يدها على أنحاء وجهه. وهوى الدمع على وجنتيها بحرقة. رفعت بصرها للمار: -لمار حبيبتي ماله عمرو؟ هو كويس صح؟ شوفي قوليله بلاش مقالب عشان المقلب ده وجعني أوي. "شهقت بشدة" مررت يدها على قلبه وانهمر الدمع كالشلال على وجنتها. أحمد دنا منه ونظر بصدمة لهم وبصوت مهزوز، موجوع قال: -عمرو مات!! هالة رفعت
بصرها به وبهستيريا قالت: -لا أخويا مماتش. هو بس بيحب يلعب معانا كدا. "نظرة للمار" مش صح؟ هو بيحب يخوفنا عليه ديما. أمسكت بيده وقبلتها بنهم. أعينها جابت على وجهه فتألم قلبها بشدة وبكت بحرقة. مرت يدها بحزن وألم ووجع على وجهه وقالت: -عموري يلا قوم يا حبيبي عشان نلعب. طب شوف أحمد بيبكي، أنت عاجبك كدا؟ ولما حبيبتك كاتمة في قلبها أهي هي جنبك، مش أنت بتحبها وبتسمع كلامها؟
يلا قوم يا حبيبي. صرخت بعلو صوتها وهي تضمه بحب وحنان. أحمد بألم وتوعد لجون نظر للمار: -جون اللي عمل كدا صح؟ لمار كانت تحاول تهدئة هالة. وأن تقول لها شيئاً فلم تستطع. توقف الدمع بعينها وبصدمة وكره رمقت لمار. هبت واقفة وهي تحرك رأسها برفض وقالت: -أنتي السبب. قتلتيه، قتلتي أخويا. استريحتي دلوقتي. بأعين متسعة نظرت لها. لم تعبئ بكلامها. اقتربت منها بابتسامة: -اسمعيني بس، عمرو؟ دفشتها بعنف وقوة وكره وقالت: -عمرو إيه؟
أنتي مبسوطة أنه مات؟ أهووه مات، استريحتي كدا! "نظرة لعمرو وتابعت: -دا كان بيحبك أكتر مني، عارفة يعني إيه؟ أنتي كنتي أمه، كان بيحبك أكتر مني، بس أنا مش مسامحاكي. بس هقول إيه، أنتي حظك وحش. أي مكان تدخلي فيه بتحوليه جحيم. عمرو مات بسببك، منك لله. بوجع وحسرة وقهر وجمود نظرت لها. قلبها صرخ بقوة. بألم لماذا الجميع يتهمها؟ ما الذي فعلته هي؟
دائماً ما كانت سعادة من حولها أهم منها. دائماً ما كانت تساعد بقلب رحب جميل. ترددت على أذانها كلمات أدهم وهالة. رفعت يدها تغلق أذنيها. اقترب زيد بهجوم وأبعد يدها عن أذنيها ونظر لها بثقة وأشار لها: -متسكتيش. المرة دي إذا سكتي أنا هتكلم وهقول بكل اللي عندي. بثقة خطت لتسير أمام هالة وقالت بجمود: -أيوه أنا السبب صح؟ معاكي حق. أصل مش بجبه سهري معاه وحزني لحزنه ومرضي لمرضي، دا كله مش حب؟ كنتي فين أنتي بقا في كل ده؟
أنا كنت ليه كل حاجة، كنت جنبه من أول ما اتولد، مسكت أيده لحد ما كبر سنة بسنة؟ وجاية دلوقتي تقولي أنا قتلته. هالة بصراخ: -أيوه أنتي السبب. انتقامك السبب. خلاص بقا اللي راح راح والمات مات، محدش هيرجع. بس هنخسر بسبب إصرارك ده. أنتي مصره ليه؟ أنتي خسرتي خلاص. لمار نظرة لها بتريقة. الفيلا أعادت أمام عينيها منظر أهلها وهم يموتون. وقع بصره على أدهم وكلماته التي اخترقت قلبها كسهم مسموم. أو به نار متأججة أحرقته فؤادها فحطمه.
بخطوات واثقة وعينين جاحدة اقتربت منه ووقفت أمامه وأشارت له: -قولتلي ده جوزك وده ابنك. فعلاً معاك حق. نظرة لأياد بحب ودنت منه احتضنت وجهه بين يديها وبحب قالت: -لأن هو ابني فعلاً. ماتوا بابا وماما وسبهولي وهو لسه رضيع، أنا ربيته وكنت ليه الأم والأخت والصديقة والحبيبة كمان. صح؟ هو ابني. بصدمة جعلت قلبها يتوقف لوهلة: أيعقل أياد عايش ولماذا قالوا أنه مات؟ كادت أن تهم بالحديث فقطعها تلك التصفيقة من هالة
وهي تقول بأعين مشتعلة: -برافوا بجد عليكي. خبيتي أخوكي وقولتي مات واديتيه الأمان. بس أخويا أنا عادي يموت، ما هو ميهمشك. صمتت عندما هوت لمار على وجهها بصفعة قوية. جعلتها تنظر لها بكسرة. لمار نظرة لها بجمود لم تعتاده هالة منها: -دورك لسه مجاش، أهدي. وقفت أمامه مرة أخرى وهتفت بصوتاً عالياً:
-قولت بأني متربتش، بس عايزة أقولك أني اتربيت أحسن منك. اتربيت إزاي أصون العلاقات وأحافظ عليها مش أخسرها، وإزاي أسعد اللي حواليا وإزاي أخلي قلبي أبيض خالي من الحقد والغيرة والطمع والجشع مش زيك أبداً. قولتلي أن زيد جوزك، أني بخونك. هو إحنا كان بينا إيه أصلاً عشان أخونك؟
أنت بس ابن الراجل اللي أنقذ حياتي ليس إلا، وأطمنك زيد أه جوزي وحبيبي وعشرة عمري ونصي التاني، ولو حد في يوم قالي اختاري بينا "نظرت لزيد ومسكت يده بحب" هختاره هو. يمكن أه إحنا مش أخوات، بس رضعنا سوا، أبوه مات وهو بيدافع عن بابا. أنا مقدرش أتخلى عنه، هو السند لما بقع والقوة في عز ضعفي، إحنا الاتنين بنكمل بعض ونسند بعض. إحنا واحد، إحنا بنحس ببعض حتى لو بعاد وبينا أميال، بس قلوبنا قريبة ديماً وروحنا. نظرة لهالة ببأس وحزن:
-قولتيلي اللي مات مات وأني أسيب حق اللي ماته، وأنا معاكي فعلاً، بس هل لو أنتي مكاني هتسيبي حقهم؟ ولو سبتيه هل هتنامي وضميرك مرتاح؟ وفي ناس بتموت كل يوم بسبب كلب كل همه الفلوس. إذا أنتي تقدري، أنا لا. أنا أفدي بيهم برقبتي! عارفة ليه؟
لأنهم مسؤوليتي من أول يوم ليا في الاستخبارات. عايزاني أسيب حق أهلي. فاض الدمع بعينها ونظرة بذاك المكان الذي فقد فيه الأحباب، وقالت بوجع وصوت يكاد يكون مسموع، بصوت مهزوز وأنفاس متقطعة، وقلب توقف عن الخفقان. بصوت عالٍ هتفت: -عارفين يعني إيه تكون واحدة خارجة مع أهلها عشان يحتفلوا بعيد ميلادها؟
الفرحة عارمة من القلب والوجه باسم بسعادة "مع كل كلمة تتخيل أهلها أمامها وتتخيل كل كلمة تلفظها وكأن ذاك اليوم يمر أمام عينها كأنها تشاهد التلفاز". يقضوا يوم حلو جنبها، أخوها اللي بعشقها وبيعملها كل حاجة، بيقضوا أيام متحكيش لأنه كان من القلب، فرحة ولمة العائلة دي ملهاش حدود. بس مكنتش عارفة أن القدر هيهديني أصعب هدية في الدنيا. عارفين بعد ما رجعوا بفرحتهم دي؟
حصل اللي حولها لفتاة قاسية. والديها داخلين البيت "ابتسمت" كانت بتتخانق هو وأخوها عشان يشيل معاها الهدايا. آه بيتخانقوا بس بحب، أصلهم مكنوش يزعلوا من بعض "شعرت وكأنها طفلة حقاً، فما زال بداخلها طفلة مخبئة من العالم تحت قناع القسوة والبرود". كنت عايزة أدخل بسرعة عشان أغلس على زيد وأعاتبه لأنه مجاش معانا. بس قبل ما ندخل بيتنا الحلو الدافئ. وقفنا على ضوء خافت وأمي بيكبوا على وشها مية نار. "تنقلت عينيها عليهم وقالت بدمع فشلت في إخفائه وهي تشير على مكان":
-آه والله هي ماتت هنا قدام عيني وشفتها، بس كنت مشلولة، مش عارفة أعمل حاجة. ذهبت تجاه زيد وأمسكت بقدمه: -أنا مكنتش خايفة عشان يوسف كان جنبي، كنت ماسكة فيه كدا وحاسة بالأمان وعارفة إنه مش هيسمح لحد يأذيني. ولأول مرة أشوف دمع وضعف حبيب غالي خده. كنت أتمنى أزيحهم بإيدي. لقيته بيتنهد كأن حد بيخnقه وأنا مش قادرة أعمل حاجة وهمس "بابا". أشارت لمكان ما خلف إحدى المقاعد:
-ببص لقيت بالمكان ده بابا ماسكينهم وبيهددوه بقتل أمي. ولما سكت عن المقاومة، أنا شفت سكينة بتمشي على رقبته ومات. مات وهو بيدبح قدام عيني. واتنين قاعدين بيضحكوا. مركزتش في أصواتهم غير على صوت حبيبي وهو قاعد قصاد عيني "أشارت على باب الفيلا". هنا كان قاعد قصادي وقلي مهما حصل متطلعيش من مكانك. وسحبني من إيدي لتحت الطربيزة دي اللي هناك. أشارت لهم عليها وتابعت بصوت مهزوز. مسك أيدي وأداني أياد حبيب قلبي اللي ليا في الدنيا،
هو من ريحة الحبايب. قلي خلي بالك منه ومن نفسك وخلاني أديه وعد مطلعش من مكاني. محستش بحاجة غير وهو بينقض عليهم وضربهم. آه والله ضربهم بس طعنوه غدر كذا مرة في جنبه. حسيت بانهيار وكنت هصرخ بس لقيت زيد كتم بقي ومامته خدت من إيدي أياد وسحبوني.
نظرة لهالة بوجع. فشعرت بالوجع والندم. لم تكن تتخيل أن كل هذا حصل معها ورأته. أجل، تعلم أنهم توفوا ولكن ليس بتلك الطريقة. كادت أن تخطي إليها بأسف. فأشارت لها لمار بيدها: -خليكي مكانك. بس قوليلي، لز مكاني هتاخدي حقهم. نظرة للأرض بدموع. أما الباقي كانوا يقفون بصمت تام إلا من دموعهم الحارقة. اقترب زيد وضمها بحب هو وأياد واجهشوا بالبكاء. أبعدتهم عنها وقالت لزيد: -خلي بالك منه. رجعت خطوتين للخلف واستدارت لتغادر.
لحقتها هالة وهي تقول: -سامحيني. فلم تعطي لها اهتمام وأكملت طريقها. خطت لمار للخارج بخطوات ثابتة واثقة. كاد أياد أن يلحقها، ولكن يد زيد منعته. صوت بكاء هالة زاد. نظرة لها بسنت بكره وصرخة بها: -أنتي إزاي تكلميها كدا؟ ليه قولتيها كدا؟ بقا لمار هتقتل عمرو؟ دي بتعتبره حتة منها. أنتي ليه مقدرتيهاش؟
ابكي لأنك دلوقتي هتعرفي قيمتها. لمار مش بتقتل حد ولا تجرح حد، لمار بتنشر ورد في كل مكان بتروحه وفي أي قلب بتدخله. لمار دي ملاك ماشي على الأرض. بقا تشكي في وحدة بتضحي بنفسها عشان تنقذ غيرها؟ كلنا قسينا عليها زي الدنيا وأكتر كمان! لما كنا بنحكيلها مشاكلنا وبتسمعنا بقلب رحب مبيشتكيش. صمتت وهي تتذكر كيف كانت تشاركها بأحزانها ومشاكلها وبكت بحرقة وتابعت قائلة:
-دي كانت شايلة هم الدنيا فوق كتفها، ومخبية وجع قلبها، وبتسمعنا كلنا وبتقف معانا. كانت بتحس بينا كلنا، بس إحنا ليه محسناش بيها ليه؟ ليه كنا بنزود عليها؟ لمار دي جبل بتحركه يد خفية عشان تقدر تكمل. دي ياستي عدة حفر كتير، وحتى لو وقعت كانت بتعافر وبتخرج منها أقوى. ليه أزتيها كدا؟ أنا مش مسامحاكي. هالة نظرة لها بأعين يغلفها الدمع والكسرة والندم: -والله مش عارفة. قولت كدا إزاي؟ مش عارفة.
أدهم استمع لحديثهم شعر أنه أكثر شخص مذنب بينهم. تذكر تلك السهرة وكيف كان وجهها مشرقاً بفرحة. وقلبها يرفرف، فمن تلك؟ التي الوجع يغلف وجهها وقلبها وروحها وذاتها. شعر بكره تجاه نفسه، فكيف استطاع أن يوجعها هكذا. غادر المكان بتوهان وكره من الدنيا الغدارة. كيف أتت بهم بسعادة لا توصف وكأنهم ملكوا الدنيا. وفي لحظة الشيطان دخل بينهم دمرها في ثانية. صعد سيارته بقلب مفطور يكاد أن يقف.
شعر باختناق نفسه وذاته. فك زر قميصه وحرره. أسند رأسه للخلف وتنفس بوجع. دموعه هبطت بكسرة. فكيف لها أن تتحمل كل ما حصل معها؟ كيف ظلت صامدة قوية كالجبل الثابت كل تلك الفترة؟ كيف تحملت عبء هذه الحياة وهي صغيرة؟
عفواً يا سيدي، فأنت لا تعلم قوة الفتاة، فلا تظن أنها ضعيفة تخشى منك ومن الحياة. بل أنها أقوى شيء على وجه الأرض. تتحمل آلاماً لا حصر لها. الأوجاع والقسوة تنجح جيداً في كتمانهم بالقلب، ولكنهم يزيدوها قوة وإرادة لا متناهية. وأن كنت تريد أن تسكن قلبها، لما كركبته بالأوجاع والأهات وخرجت، فبئس أنت وبئس الحياة التي جعلتها أن تقابلك. صلى الله عليه وسلم. أمجد وكامل وعبد الرحمن جالسون. كامل بحيرة: -هي هتيجي إمتى؟ أمجد رد:
-بالوقت المناسب هتيجي. استمعا لطرق الباب وولج جون الذي يدلف بخطوات واثقة. ابتسم لهم وجلس. تنهد بعمق ووجه كلامه لأمجد: -عايز أعرف هتخلصني إمتى منها؟ ومين هيقدر يقتلها؟ أنت مخطط لأيه؟ ابتسم بخبث ونظر له بعمق: -زي ما قلك عبد الرحمن، محدش يقدر على نمر غير نمر زيه. هي بنت ساعدتنا وخرجتنا كلنا من قبضة لمار. ودلوقتي هقولك أنها ممكن تخلصنا منها وبسهولة كمان، بس... طال صمته مما زاد من استغراب جون فقال بحيرة: -بس إيه؟
بما أنها هتقدر تمام. أمجد مسرعاً: -ليها شروط؟ جون بهدوء: -وإيه هي؟ أمجد: -تكون شريكة معاكم النص بالنص. صمت جون يفكر بتلك الجملة ويفكر بها جيداً. نظر له وقال: -وأنا موافق أنها تكون شريكة معايا، بس بعد ما أشوفها وأتعرف عليها. أمجد ابتسم بخبث: -تمام، هي هتيجي قريب. خرج جون يفكر فيما عليه فعله. رن هاتفه باسم ديف: -إيه اللي حصل بعد ما شافت الهدية! وأنت راجع إمتى؟ ارتفعت صوت ضحكاته الخبيثة وقال:
-هو مات وهي انكسر قلبها. هتأخد فترة. أما لما تستوعب اللي حصل، دي مجرد هدية بسيطة ولسه هنخلص عليها. ابتسم بمكر: -بس دي فكرة حلوة كدا. هنقدر نعمل حاجة ونستغل الفرصة؟ -بالظبط كدا؟ هسيبك أنا؟ جون: -استنى بس. كامل وأمجد وعبد الرحمن هنا؟ ديف بصدمة: -يعني إيه أمجد عندك؟ إزاي مش فاهم؟ خلي بالك منه، متأمنلوش. جون بهدوء: -متقلقش. هو ناوي يخلص عليها. ديف بصدمة: -مين أمجد؟ جون بتأكيد: -أيوه.
قلق سيطر عليه. لم يصدق أن أمجد يقتل لمار. ظل يفكر فيما يمكن أن يخططون. فلم يصل لشيء. انتبه لذاته وقال: -المهم خلي بالك منه. ضحك فجأة. جون باستغراب: -خير، بتضحك ليه؟ ديف: -افتكرت لم شكت فيا، بس الغلط مش غلطك. لازم نعرف مين بيوقع بينا كدا. جون بتأكيد: -أكيد هنعرفه. متقلقش أنت. صلوا على من بكى شوقاً لرؤيتنا.
بفؤاد محطم، مكسور، مفطور، يئن بأننين الألم تجلس بحزن. تهبط دمعاتها بكسرة. تنظر للفراغ بشرود. وضعت يدها على وجنتها، وتذكرت تلك الصفعة القوية. تذكرت تلك الغرفة المظلمة، فهوى الدمع على وجنتيها بخوف. تذكرت تلك الورقة عقد الزواج والذي كان به والدها وكيلها. لماذا فعل ذلك بها لا تدري. ولكن لديها يقين أن هناك سبباً. ماذا يقصد؟ لأجل مصلحتها. تذكرت ذاك الرجل "جون" وأنها أسيرة لديه لأجل لمار. فهل يعقل أن ذاك مايكل له علاقة بها؟
هل يعمل معه؟ تذكرت عندما أطلق النار على ذاك الرجل بلا رحمة. ضمت جسدها برجفة وخوف. تذكرت تلك السيدة المريضة والذي بسببها هي هنا. تحادث ذاتها قائلة: -أنا لازم أساعدها حتى لو هيقتلني، بس هساعدها. هي ابتدت تتحسن، دا واجبي أني أساعد أي شخص مريض. مش هتراجع؟ تذكرت غضبه عندما رآها، فكيف ستعالجها؟ ذهبت بحرب ما بين عقلها وقلبها. قلبها:
-متهتميش بيه وساعديها. هتتحاسبي عليها. الدنيا مش دايمة وهيجي يوم وهتنتهي. أعملي لآخرتك واللي يرضي ربك. واللي يحصل يحصل، كله عند ربنا. توكلي عليه. عقلها: -لا لا مستحيل. دا واحد ميعرفش ربنا ولا يعرف الرحمة وممكن يقتلك لو شافك. المرة دي عدت على خير خلاص. هتقعدي في أوضتك وحاولي تهربي وخلاص كدا؟ قلبها: -لا متحوليش تهربي ولا حتى تفكري. ركزي بس على المرة المريضة دي. اعملي لآخرتك عشان لما تواجهي ربنا ويسألك؟
هبت واقفة وهي تقول بصوت عالٍ كأنها تريد أن تهدأ من تلك العاصفة التي بداخلها: -ببببببس. لهثت وكأنها تركض. تنفست بعمق وزفرت براحة وقالت بابتسامة: -أنا هعالجها ومش مهم هو يعمل اللي عايزه. توجهت لتتوضأ وخرجت لتصلي. ولكنها كانت تفكر وهي بحضنه ما ذاك الأمان وتلك الحنية. نظرة عينه التي تحمل هموم الكون على عاتقهم وذات الوقت نظرة عاشقة. تمنت أن يكون حقيقياً وتظل دائماً جواره قريبة منه. أنهت صلاتها وهي تقول:
-أستغفر الله العظيم. مالي بفكر فيه ليه؟ هبطت للأسفل وتوجهت للمكتب ولجت للداخل. كادت أن تدلف إليها فرأته أمامها. بارتباك وخوف وتوتر وخجل لا تعلم سببه نظرة له. خفق قلبها وانقطعت أنفاسها وهي تتذكر عندما كان يضمها بشدة وكأنه يريد أن يدخلها بقلبه.
رفعت بصرها بارتباك واحمر وجهها. تفحصت بدلته الأنيقة. أغمضت عينها بمحاولة السيطرة على ذاتها وهي تتنفس رائحة عطره المميزة. تذكرت قسوته فخشيت أن يدور عليها. أرادت أن تضمه في تلك اللحظة وأن تستخبئ بحضنه كي تشعر بالأمان. كان يرمقها بصمت وارتباك في آن واحد من نظراته المتفحصة. سار ليقف أمامها عن قرب وقال: -إيه مالك بتبصيلي كدا ليه؟ شعرت بتبخر روحها، وإهلاك نفسها أمامها. هربت بأعينها عنه وقالت بضيق عندما تذكر ما فعله:
-وهبص عليك ليه؟ تجرؤ ليمد يده ويلامس وجنتها وأدار وجهها. لتتوقف عينه بعينها. شعرت بتوقف الدنيا حولها وهي تنظر لعينه. أبتسم قلبها بفرحة لاول مرة، عكس وجهها الصلب الحزين. دق قلبها وخفق بسرعة، فهل هذا هو الحب؟ ضيق عينيه بدهشة وقال: -هااا، مالك بتبصيلي كدا ليه؟ انتبهت لذاتها لتنظر له بشيء من الصدمة. رمقته بغضب وقالت:
-أنا داخلة أكمل حالة مريضتي. "وجهت سبابتها بوجهه" وأياك تحاول توقفني، لأني مش هسمحلك أبداً واللي عايز تعمله اعمله، إن شاء الله تقتلني؟ اتسعت عينها بصدمة عندما رأيته يبتسم وهو يضع يديها بجبهته ويتنحى جانباً وهو يشير لها أن تذهب إليها. رمقته باستغراب وهي تفكر كيف يكون ذو وجه عابس غضوب وبلحظة ذو وجه باسم مشرق حنين. سارت خطوتين ووقفت على صوته: -حبيبة، لحظة. استدارت برأسها وتابع قائلاً:
-حبيبة لو سمحتي مطلعيهاش من باب المكتب ده أبداً. أومأت برأسها وولجت للداخل. سبحان الله وبحمده.
بعد مرور ساعات تجلس هالة بزيها الأسود، والدموع لا تفارق وجهها. تبكي بحرقة على فقدها، وتبكي على بعد لمار عنها. أما ريم تجلس بحزن وشوق لعمرو، بعدم تصديق أنه توفي. الحزن تملكها كلياً. أنه شعور صعب أن تفقد شخص عزيز عليك. كان يجلس أياد بحزن، فكثيراً ما حكت له لمار عن عمرو. يشعر بوجع لا نهاية له. استمع لبكاء هالة وصوت شهقاتها التي علت لتوها، حتى بدأت بالصراخ. رفع بصره عليها بحزن وهزة قوية هزت جسده برعشة ونفضه من صوتها.
كالمطر هبطت دموعه على حالتها. لم يدري ما عليه فعله، فهب واقفاً وذهب إليها. أمسك يدها بحزن وجثى على ركبتيه أمامها. وبدموع قال: -متبكيش. اقرئ الفاتحة وادعيله بالرحمة، أنتي كدا بتعذبي وهيزعل منك. وبعدين ما أنا أخوكي أهو. اعتبرني عمرو بس على أكبر بقا. رفعت بصره بدموع إليه، سرعان ما ضمته بقوة. وأنكبت على كتفه مجهشة بالبكاء. ضمه بقوة فشعرت وكأنه عمرو. أما هو فضمها بحنان أخ. ريم ظلت تبكي ولكنها لم تستطع أن تواسيها.
ورد كانت جالسة تبكي. ولج زيد وأحمد وفهد وبسنت بتعب وإرهاق بادٍ على ملامحهم. رفعت هالة بصرها وانعدلت بجلستها وبلهفة قالت: -فين لمار؟ لقيتوها؟ هي فين؟ جت معاكم؟ رد زيد بغضب وهو يشد على شعره ليهدأ: -لا ارتحتي مش لاقينها ومش عارف هي فين. وجه سبابتها عليها وبغضب وعيون كالصقر قال: -أقسم بالله لو جرالها حاجة لهدفنك. هب أياد وأقفا وقال بدفاع:
-متتكلمش معاها كدا. لمار لو كانت هنا كانت حاسبتك على طريقة كلامك دي. وبعدين هي قالت كدا غصب عنها في لحظة غضب وحزن من غير ما تحس هي بتقول إيه. ولمار أنا متأكد أنها مش زعلانة منها أبداً. تعالى صوت بكاء هالة عالياً، فهدأ زيد ورمقها بتعاطف. فكل كلمة نطق بها أياد صحيحة: -متزعليش. إن شاء الله هنلاقيها. أحمد وضع يده على وجهها بألم وخوف. تذكر لمار وأين ممكن أن تتواجد فلم يتوصل لشيء. هب واقفاً:
-أنا هروح أدور عليها وإن شاء الله هلاقيها. نظرة ريم له بحزن فابتسم لها ابتسامة باهتة مليئة بالحزن وغادر. هالة ببكاء حارق: -زيد أنت أقرب شخص ليها بجد مش عارف هي فين؟ رد زيد بصدق: -والله ما عارف بجد. صمت صاد المكان إلا من خطوات زيد الذي يأخذ الطرقة ذهاباً وإياباً بتوتر وقلق لا يدري أين ذهبت ابنته أخته والدته الغالية.
قطع ذاك الصمت رن الجرس. ركض زيد ليفتح ظناً أن قد يكون لمار. فتح بلهفة وشوق، سرعان ما تحول وجهه للعبوس وقال بصوت عالٍ حتى يسمع أياد: -رؤوف. قصدي عمو رؤوف تعال اتفضل. على سماع تلك الجملة. جاب أياد بعينه المكان وركض لداخل. أما ورد هبت لتركض خلف أياد. جاء أن يغلق الباب فأنفتح ووجدها تلك الطفلة. فأشار لها أن تدخل. وأغلق الباب. جلس جوارها وقال: -إيه؟ وأنتي كمان مش عايزة تشوفي رؤوف؟
لم تسمعه. فاكرها شاغل مع جملة عمرو. عندها شعور قوي يخبرها أنه هو من وراء موت عمرو. لم تكن تدري ما عليها فعله. فاقت لواقعها على هزة خفيفة من أياد. رمقته بغضب وقالت: -متمسكنيش كدا تاني فاهم ولا لا؟ مثل الخوف ورفع يده لفوق: -فاهم. فاهم طبعاً. انفجر ضاحكاً وهو يقول بهمس: -فاهم يا شبر ونص؟ نظرة له بغضب وأشارت لنفسها: -أنا شبر ونص؟ هز رأسه موافقاً. فهبت مسرعة وركلته على قدمه. فتأوه بتمثيل. ووضعت يدها بخصرها: -أحسن تستاهل.
بالخارج رؤوف ببكاء: -يعني إيه لمار لحد الآن مش لاقينها. مش كفاية موت عمرو. هالة نظرة له بغيظ وكره فهي لا تستريح له: -لمار دلوقتي ترجع! وهتكون بينا وهترجع حق أخويا. رؤوف: -تاني انتقام؟ كفاية لحد كدا. هخسر مين تاني؟ دا انتوا أمانة أخواتي. كان يجلس زيد يرمقه بدهشة ويستمع إليه باستمتاع. جلست جواره بسنت ونكزته. فنظر لها. بسنت بهمس: -مالك بتضحك ليه؟ أشار لها: -ولا حاجة. ولج أحمد بيأس وهو يقول بحزن وقلق:
-مش لاقياها. مش عارف ممكن تكون فين. لا في المكتب ولا في أي مكان من اللي ممكن تتواجد فيه. ألتمع الدمع بعينه. رؤوف بقلق وهو يغادر: -يعني إيه مفيش؟ أنا رايح أدور عليها بنفسي ومش هرتاح غير لما ألاقيها. في ذات الوقت تخرج ورد راكضة تجاه أحمد نادت عليه. وأشارت له بيدها أن يهبط لمستواها. فجثى على ركبتيه. وهي تشير إليه بهمس: -هو ده. هو ده اللي قتل عمرو؟ أحمد نظر لها بصدمة وأعين متسعة. ورد رأت صدمته تلك فقالت:
-صدقني يا عمو أحمد هو اللي قتل عمرو. وأشارت عليه وهو خارج. نظر أحمد لما تشير بأعين متسعة. كتم فمها وهمس: -هشششش. جذبها من معصمها بعيداً عنهم. أمسك كتفيها وجثى على إحدى ركبتيه أمامها: -ورد ليه بتقولي كدا؟ أنتي شفتي أو سمعتي حاجة؟ هزت مسرعة رأسها بالموافقة. فقال بلهفة: -أحكي. إسمعتي إيه؟ قولي. قصت عليه ورد كل ما أخبرها به عمرو. رمقها بصدمة وتذكر حالة عمرو عندما كانت لمار مفقودة وفاقدة الذاكرة. لما رأه وساءت حالته؟
فكر ما عليه فعله ليعرف إذا هو أم لا. هزته ورد وهي تقول: -عمو أحمد صدقني الراجل ده وحش ومش بيحب لمار. نظر لها مستغرباً: -ليه بتقولي كدا؟ ورد بصدق: -حسيت بكدا. أشار لها أحمد أن تذهب فأنصاعت لأوامره. سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر.
الدمع مغلف أعينها بالكامل ووجهها. استياق وحنين مسيطر عليها لوالدتها. هبطت دموعها بشوق لا يوصف. ندمت كثيراً على قرارها الذي لأجله ظلت هي بهذا المكان لو لم تأتي. هزت رأسها وهي تقول "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، الحمد لله يارب". نظرة لها بحب وقالت بملل:
-تعرفي أني زهقانه، بس يلا هتكلم معاكي أنتي. تعرفي المغرور ده اللي اسمه مايكل ده قاسي ومش بيرحم، معندوش قلب أصلاً. متسأليش ليه هحكيلك. قصت عليها حبيبة كل شيء من أول لحظة للحين. صمتت قليلاً وتابعت بحزن: -مش عارفة أعمل إيه. حاسة إني وحيدة وبكرة. صمتت بحزن وهي تتخيله أمامها. أما والدة مايكل كانت تحادث ذاتها قائلة: -هتحبيه، هتحبي ابني لما تشوفي قلبه الطيب ولما تعرفي أنه مش، وبالعكس هو بيساعد.
قطع فكرها صوت فتاة وضحكاتها. اتسعت عينها من الصدمة وهبت واقفة بغضب وهتفت: -يا نهار أبوه مش باين، هو هيخوني. سارت خطوتين ووقفت مكانها وهي تقول بحزن: -وأنا مالي بيه؟ يخوني ميخونيش، يحب ميحبش، أنا مالي. هو قلي هيرجعني وهيطلقني خلاص بقا. زفرة بحزن سرعان ما هتفت: -لا، بس برضو لازم أعرف مين دي. تسللت للخارج على أصابع قدميها. فتحت الباب وأخرجت رأسها، رأت فتاة تلبس ملابس كاشفة لجسدها وشاب يصغره وفيكتور وهو.
شعرت بنار الغيرة تحرق فؤادها. لم تدري ماذا تفعل. استعلى أعينها بغضب وشرار وحزن في آن واحد. رأته يقترب منها وهو يسير مسرعاً. فأغلقت الباب وولجت للداخل. لحقها وأمسك معصمها. استدار برأسها: -عايز إيه؟ روح عند السنيورة بتاعتك؟ ابتسم على غيرتها بتسلية وقال: -طب تعالي جهزي لنا أكل عشان السنيورة هتأكل معايا. كادت أن تقتله وشعرت باحتراق قلبها. أبعدت يدها وهي تقول بغضب: -وأنا مالي؟ روح اعملها أنت وشبع بيها. كبت ضحكته وقال:
-طب معلش تعالي جهزي الأكل. مش أنتي مراتي ومن واجبك تهتمي بالضيوف. رفرف قلبها فرحاناً على تلك الكلمة وشعرت بالخجل. لا تدري ما سبب كل ذلك. كانت مربعة يديها أمام صدرها. اقترب ليفهمها وأمسكها من معصمها وخرج بها. نظر إيهاب بفرحة وهب واقفاً ناحيتها وهو يقول: -أيوه بقا، إيه القمر اللي هل ده؟ مكنتش أعرف أن مرات أخويا حلوة كدا. رمقه بنظرة نارية فقال بهزار: -والله قمر، معكسشي إزاي بقا؟ ضغط على كفه يده، ورفعت
بصرها به باستغراب وهمست: -أخوك؟ استمع إيهاب، فقطع تقابل أعينهم العاشقة وهو يقول: -لا لا، أنا صاحبه بس. إحنا أكتر من إخوات. فيكتور بس أخوه. دنت منه أكثر وهي تمسك يده بيدها الأخرى وقلبها يخفق باضطراب. تقدم إيهاب ليصافحه وهو يقول بضحكته الجميلة البريئة التي غلبها نور قلبه: -أنا إيهاب أخوكي، إيهاب. رفعت بصرها لمايكل بتردد فأومأ برأسه لها أن تصافحه. دارت ببصرها لإيهاب قائلة بحب:
-أنا مش بسلم على رجالة، أسفة. بس تشرفت بيك لأنك شخصية كويسة. أبعد إيهاب يده بتمثيل الإحراج وهو يقول: -يا كسفتك يا إيهاب كدا برضو. حبيبة ابتسمت له بضحكة. أما مايكل واقف بصدمة. أنا مش بسلم على رجالة. كلمة استغربها. تذكر الفتيات التي كان يعرفهم وقارن بينهم. ابتسم بحب وسعادة على عوض ربنا. كان قلبه يخفق بسرعة بفرحة. نظر لها وهام بها بتأمل في ابتسامتها الرقيقة. قطعه من تأمله بها إيهاب وهو يهمس بأذنه:
-إيه يا عم خليك تقيل شوية، مش كدا؟ أنت شوية وهتاكلها بعنيك. رفع قدمه ليهوي على قدمه بضربه قوية تأوه لأجلها. جذبها من يدها تجاه تالا وقال: -إيه يا بنتي مش عايزة تسلمي على مرات أخوكي؟ ابتسمت بمجاملة غصب عنها. بكرة وحقد وغيره لا نهاية لهم. رمقتها نظرة لها من أعلاها لأسفلها بقرف وقالت: -بقا مايكل اللي كل يوم مع بنت في الآخر يتجوز دي. رمقها مايكل بغضب وعيون مشتعلة فأبتلعت ريقها بخوف واقترب بضحكة وهي تقول:
-بهزر. لا تصدقوا. مراتك قمر، أحلى بنت من اللاتي كنت تخرج معهم. نغزة اخترقت قلبها. كل أحلامها تحطمت. بعيون لمع بها الدمع. تركت يده وقالت بتلعثم: -عن إذنكم. اقترب إيهاب ليضغط على يد تالا بعصبية وقال: -ليه قولتي كدا؟ نظرة له ببراءة: -أنا قولت إيه غير الحقيقة؟ هي زعلت. أنا أنا لم أقصد. رمقها مايكل بغضب. نظر لإيهاب فتبخر بالهواء كل غضبه. رفع يده ليحوط كتفه بحب وقال وهو يجذبه ليجلسوا: -هااا، قولي عملت إيه؟ نظر له إيهاب بحب
ووضع رأسه على كتفه وقال: -أقولك إيه؟ أجمل أيام ممكن أعيشها كانت مع هالة وعايزة أتزوجها. بس بعد ما تحلوا كل حاجة. ولمار فدي بقا يا بختك لأنها أختك. انتبه فيكتور لآخر جملته فنظر له بحزن. أبعد مايكل يده من حوله وابتسم: -هالة بنت عمتو؟ أشار له إيهاب بتأكيد: -أيوه هي. نظر له بفرحة: -عيوني حاضر. هب فيكتور واقفاً وهو يقول: -مايكل عايزك في موضوع مهم. تعالي معايا خمس دقايق. مايكل برفض: -لا، هو موضوع مهم يعني خليه بعدين.
فيكتور بتأكيد: -موضوع مهم. تعال. أشار له إيهاب: -روووح يلا معاه. هب واقفاً وذهب معه لإحدى الغرف. ولج فيكتور وهو يقول: -اقفل الباب وراك. ما كاد أن يقترب منه حتى استدار له غصباً: -كفاية بقا. لامتى هتخبي عليه؟ قولوا أنك أخوه. قالوا أن لمار أخته. قولوا أن أمه هي أمك وأمك هي أمه. قولوا أنك فعلاً أخوه مش صديق. قولوا أنك هترجعه يعيش مع أخته. أنت مش شايف هو بيحبكم قد إيه؟
كفاية قولوا الحقيقة. قولوا أن أبوه عذب أمه اللي هي أمك واغتصبها. اغتصب مرات أخوه. قولوا...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!