اقفل الباب وراك! ما كاد أن يقترب منه حتى أستدار له غاضباً: كفاية بقا لامتى هتخبي عليه؟ قولوا إنك أخوه. قالوا إن لمار أخته. قولوا إن أمه هي أمك وأمك هي أمه. قولوا إنك فعلاً أخوه مش صديق. قولوا إنك هترجعه يعيش مع أخته. أنت مش شايف هو بيحبكم قد إيه؟ كفاية قولوا الحقيقة. قولوا إن أبوه عذب أمه اللي هي أمك واغتصبها. اغتصب مرات أخوه. قولوا...
مايكل الكلام لجمه، لم يستطع التحدث، بعيون ملأها التعب والوجع. جلس على المقعد الذي بجواره، وكأن هموم الدنيا على عاتقه. صمت لبعض الوقت وقال بهيام وكأنه يرى شريط حياته وعذابه أمامه. تحدث وكأنه يرى أمامه جل شيء. بوجع وصوت مهزوز قال: هقوله إيه؟ هقوله إزاي؟ هقول له أبويا كان فاتح بيته لأبوك بحسن نية؟ أقول له كان بيحبه كابن ليه؟ أقول له كان بيحبه وبينفذ له أي طلب؟ أقول له مزعلوش ولا مرة كانت طلباته أوامر؟
أقول له كانت سعادته عنده أهم من عياله؟ أقول له وثق فيه أكتر من نفسه وحبه حب الأم لابنها وأكتر؟ وفي الآخر رد كل ده بإيه؟ بدبحه عشان وقف في طريقه؟ عشان مكنش عايز ابنه يغضب ربنا؟ كان عايز ينور طريقه، ويبعده عن القتل والجرم والمخدرات والخطف؟ أقول له بص لمراته وحبها اللي اعتبرته أخوها؟ ها، قولي أقوله إيه؟ أروح أقوله بسهولة كده أنا أخوك؟ لمار أختك؟ إياد أخوك؟ رفع بصره له بعيون مترقرق بالدمع. أقوله إيه ولا أقوله إزاي؟
أنت مفكر إني مبسوط وهو بعيد عني وهما كلهم بعاد عني؟ عارف يعني إيه يكون نفسك تاخدهم في حضنك ومش عارف؟ يعني إيه توحش تشوفهم ومتقدرش؟ عارف يعني إيه تبقى مش قادر تنام من الخوف؟ خايف لتخسر حد فيهم؟ أنا جوه قلبي نار ورب الكعبة ما حد حاسس بيا غيره. أقوله أبوك حرمك من أمك وكان بيعذبها ليل نهار؟ ضحك بهم. عشان محبتوش وفضلت بس عايشة على حب جوزها. هب واقفاً ووقف أمامه: ها، قولي أقوله إيه؟
ولو قلت مش هستحمل أشوفه بيتوجع. ده ابني أنا حاسس إنهم عيالي. أنا بحمد ربنا إن إيهاب جنبي وبشوفه عشان يعوضني غياب أخواته. أنا بفضل صاحي كل يوم لإن ببقى خايف؟ خايف أخسرهم. خايف على أميرتي مع إني عارف إن محدش يقدر يأذيها بس قلب الأب بقى... خايف على إياد ليموت بسبب أبوه. لم يدري فيكتور ماذا يفعل. انسالت دموعه كالمطر وضمه بوجع.
تقف بشرود تعد الطعام. جل ما يشغل فكرها كلمات تالا. نار الغيرة متأججة بفؤادها لدرجة كبيرة. تشعر بالاختناق رويداً رويداً. وكأن روحها تتسحب منها. باختناق يكاد يقتلها. فاض الدمع بأعينها. غمضت عينيها بألم. أحست بيد أحداهما على كتفها. استدارت برأسها وجدت أمامها تالا. رمقتها بعيون قاتلة ورسمت ابتسامة بأعجوبة: خير؟ عايزة حاجة؟ رفعت موبايلها وهي تبعث به وقالت بمكر: آه عايزة أشرب. ممكن؟
رمقتها حبيبة بغيرة. سرعان ما تبدلت لحسرة وهي تنظر لملبسها ومكياجها. استغفرت ربها بذاتها. استدارت لتسكب كوباً من الماء وقدمته لها. أشارت لها تالا بالتلفون: طب ممكن تمسكي التلفون لحد ما أشرب؟ جذبته منها دون كلمة وهي تقول: أنتي مصرية؟ أصلك بتتكلمي مصري عادي! كادت أن ترتشف فتوقفت لتجيب: No مش مصرية بس اتعلمت من مايكل وإيهاب وبابا. رفعت الكوب لترتشف منه وأعينها مثوب عليها بخبث.
بالصدفة وقعت أعين حبيبة على تلك الصورة والتي بها تحتضن تالا مايكل وهو يضمها. خفق قلبها. تسارعت أنفاسها. نغزات كالسهم تخترق فؤادها المحطم الذي انكسر لتوه. شعرت بعدم السيطرة على ذاتها. أرادت أن تصرخ. غيرة شديدة تملكتها لا تدري سببها. كانت واضعة الكأس بين شفتيها وكأنها ترتشف منه. بطرف عينيها تنظر لها. وابتسامة خبث ارتسمت بفرحة. وضعت الكوب جانباً وقالت: إيه مالك كدا؟ ده يوسف وأنا!
أنتي متعرفيش بنات كتير بتحبه وبتتمنى نظرة منه؟ بس اتجوز بقى! سحبتها من معصمها لتجلس وهي تقول في ذات الوقت: قعدي بس أوريكي حاجة؟ جلست بجوارها وجذبت منها الهاتف. قلبت به وجاءت بصور لمايكل معها وإيهاب وكذا فتاة. بقلب مفطور حزين يئن بأنّين الوجع والصدمة تشاهد بصمت رهيب. ظلت تفكر لماذا تلك الغيرة تحتل قلبها؟ متى أحبته؟ ولماذا؟ لم يعاملها سوى بجفاء وغرور وقسوة؟ ولكنها حقاً أحبته فهو يبدو قاسياً ولكن بداخله عكس ذلك؟
خبأت وجعها وابتسمت رغماً عنها. نهضت عن مقعدها وهي تقول: آه مايكل بيحبك أوي كأخته مش بس صديقه. وشكلي أنا كمان هحبك. يلا بقى هكمل تجهيز الأكل؟ توجهت حبيبة بقلب مفطور يصرخ وشغلت نفسها. ولكنها لم تستطع أن تشغل فؤادها بعدم التفكير به. هبطا فيكتور ومايكل وجلسا مع إيهاب. جلسا يتحدثان سوياً بأمور المستشفى.
أعدت حبيبة السفرة ودعتهم. استغربت تالا التي أسرعت لتجلس بجوار مايكل. الذي نظر لها بأسف. أبت حبيبة أن تأكل معهم وغادرت للمطبخ. وقفت بعيداً لتري كم زوجها وتلك الفتاة يتحدثان ويضحكان. استدارت لتسند بجسدها على الحائط. وانسابت دموعها بألم. لماذا أحبته وهي تعلم أنه سيتركها لا محالة؟ لماذا تشعر بالاختناق عندما تفكر بالبعد عنه؟
صمتت قليلاً وأسرعت خطاها لتصعد غرفتها. فتحت الباب وكادت بالدلوف. وقفت بصدمتها محلها. ابتسامة فرحة أشرقت وجهها وهي ترى غرفتها متزينة بجميع الألوان وأغلبها اللون الأحمر وبلونات. تلك الورود المنثورة بأرجاء الغرفة أبهرتها. سارت ببطء وعيناها تطوف المكان بفرحة. لفت نظرها ذاك الكارت الذي برسمة قلب. موضوعاً على التخت يتوسط وروداً بشكل قلب. جذبته بلهفة. وفتحته فوجدت مكتوباً بـ: "إنا آسف يا وردتي... أتمنى تسامحيني...
ومتزعليش. تنقطع يدي أن تمدت عليكي تاني." تذكرت ذاك اليوم فشعرت بالضيق قليلاً. كادت أن تستدير فصرخت بتأوه عندما انصدمت بجسد صلب. كادت بالوقوع ولكن يده تمسكت بها. رفع حاجبيه باستغراب: هو كل شويه هتوقعي وألحقك؟ ابتعدت عنه غاضبة: وأنا مقولتكش ألحقني أصلاً! أشار لها وقال: طب إيه؟ أشارت له بغضب: اطمن مش زعلانة! أنا مبزعلش من حد غريب. أشار لها بضيق وقال: أنا رايح المستشفى! تحبي تروحي؟ أشارت له بجمود: لا.
واستدارت حتى لا تراه وهو يرحل. خرج صافقاً الباب خلفه. استدارت بضيق. وركلت بقدمها الأرض. وجلست على التخت بحزن وهي تهز بقدميها. ظلت هكذا لبعض الوقت. استمعت لصوت سيارته. فهبت راكضة بسرعة للنافذة وراقبته حتى غاب عن نظرها. هبطت للأسفل وولجت المكتب بغيظ. وهي تفكر في تالا. أخذت تأتي ذهاباً وإياباً أمام ذاك التخت المتمددة عليه والدته. وهي تقول بغيظ:
جيالي البيت وبيقولي أختي ومتصور معاها وكمان شفتهم في المستشفى وهي بتحضنه. عااااااا... جلست على التخت ووجهت وجهها لوالدته وظلت تتحدث معها بغيظ وتشكيه. (يا عيني البت اتجننت 😂) اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك 🤲 انتظار، فقد أصبح الانتظار مؤلماً للغالية على قلوب نادمة، عاشقة، مشتاقة... انتظار يليه انتظار ولكنه لا ينتهي.
تمر الساعات كأنها سنين طوال تملؤها الوجع والحزن والكسرة. دموع لا تعرف نهاية. لا تتوقف ولا تفارق تلك الأعين الساهرة باشتياق. انتظار ليس له نهاية. إلى متى سيظلوا ينتظرون؟ لماذا لا ينتهي؟ أصبح الانتظار أوجع شيء ممكن أن تتخيله. تجلس هالة بوجع وجوارها زيد يحمل "طبق" به طعام يحاول بشتى الطرق أن تجعلها تأكل: عشان خاطري يا هالة كلي. أزاحت هالة يده وهي تقول بكسرة وتعب وضعف: مش عايزة يا إياد. سيبني. إياد بحنان:
يا بنتي مينفعش كدا لازم تأكلي. ولج أحمد وزيد بيأس. لأول مرة ترى هالة الوجع على وجه زيد والضعف والقلق والخوف. عرفت من وجوههم وأعينهم ولمعة الدمع أنهم لم يجدوها. نظرة بحزن. ضمت ساقيها وطأطأت رأسها عليهم وأجهشت بالبكاء. جلس زيد وأحمد بها وزفر بقلة حيلة وعجز. أما إياد فكان يعلم أن أخته تحب الهدوء أحياناً ولكنها ستأتي أكيد. انعدل ليجلس بجوار هالة. ورفع رأسها وهو يقول:
والله لمار هترجع. هي بس ممكن في حاجة معاها وإلا مكنتش هتسيبك؟ رفعت بصرها به وأفترقت لمار. لقد كانت تشعر بها في فرحها وحزنها وتكون بجوارها دائماً؟ كانت تترك كل شيء لأجلها. بصوت مهزوز وأنفاس متقطعة: لا هي زعلانة مني ومش هتسامحني. هي ولا مرة سابتني. كانت بتحس بيا ولو في بينا أميال. هز رأسه رفضاً بسرعة: لا لا مش زعلانة منك والله. وهي عارفة إنك متقصدتيش ولا كلمة من اللي قولتيها فهي مستحيل تزعل منك. اطمني.
بتلقائية وأمل نظرت له: بجد؟ أومأ برأسه: أيوه والله. بجد وهترجع صدقيني قريب. أغمضت عينيها بألم وقالت باسمة: وهي هتسامحني؟ ما أظن. أنا قولتلها كلام يوجع. أحياناً كثيراً لا تصبح الحياة التي تعيشها كما كانت سابقاً. قد تلفظ بكلمات لا تعي بها شيئاً. ولكنها تترك أثراً لا يتمحى بالفؤاد مهما مر الزمن. وعدت سنين، فكل شيء يمر ويعدي؟
ولكنه لا يمر ويعدي بالسلام. قد يترك أوجاعاً لا تنتهي وهموم. بيترك أنين الوجع. بيترك فؤاد محطم بالآهات. بيترك قلب متكركب لا تعلم كيف تنظف تلك الكركبة. ك مسمار في الحائط وضعته، ورجعت لتجذبه منه، بيترك أثراً مفتوحاً لا يتصد. وهكذا بعد الكلمات تترك أثراً لا يتمحى نهائياً ووجع. قد لا تشعر بمعني الكلمات وبما شعر ذاك الشخص. ولكنها حتماً تترك أثراً بفؤاده حتى لو كان باسمًا أمامك فأحذر من كلماتك فإنها قد تكون أسهم خارقة.
ترددت على مسامعها كل كلمة أوجعتها به. فشعرت هي بوجع لا يحصد أبداً. علمت أن تلك الكلمات صعبة جداً وصعبة الغفران. فكيف استطاعت نطقهم لا تدري؟ تطلعت بها إياد بصمت. جاءت ورد راكضة من صلاتها. فعندما علمت موت عمرو. أصبحت صلاتها هي أهم شيء. لا تترك سجادتها تدعو له. لعينان تتوقان لرؤيته مرة أخرى. ولكن هل للميت أن يعود؟ ربما عوض ربنا لا نهاية له!
ليستجيب لتلك الطفلة التي تجعله هو مولاها. فدائماً ما تذكره وترفع يدها وتدعو للجميع. فإن الله يستحي أن يرد يد عبده خائبة. فما بالك بتلك الطفلة. فإن أردت السعادة الحقيقية؟ أن تمنيت أن ترى الملائكة؟ فانظر لوجه طفل صغير باسم. حينها ستعلم معنى كلمة سعادة وملاك. عيونها الحمراء من أثر البكاء. وجهها الذي يشع نور غلبه قلبها. ذاك الرضا الذي يظهر عليها. تلك البسمة التي تزينها. فاقت توقعاتهم. جذبت ورد الطبق من يد إياد وهي تقول:
هات كدا. مفيش من وراك مصلحة مش طالع لأختك؟ بدهشة نظر له. كبت ضحكته: أنا مش طالع مني مصلحة؟ لوت فمها: أيوه. يا طويل أنت؟ ضربه زيد من مؤخرة رأسه: يا بني هتفضل طفل كدا لأمتى؟ إياد بتزمر: أنت مالك يا عم. هقول للمار؟ ورد بتأفف: أوعي كدا. ابتعد إياد ليجلس بجوار زيد وأحمد. أما ورد فجلست بجوار هالة ونظرت مطولاً بعينيها. قطعت صمتها قائلة بدموع: أنا خايفة. بدهشة، وصدمة، وأعين متسعة نظرت لها: خايفة من إيه؟ أجاب أحمد وزيد:
يا حبيبتي احنا موجودين. مفيش حاجة هتحصلك إن شاء الله. تنقلت أعينها بينهم بدموع مترقرق وبهمس وخوف: بس أنا مش خايفة من الدنيا ولا إني حد يأذيني ويحصل فيا زي عمرو. تطلعت هالة وريم بها بزهول فتابعت قائلة بدمع شق طريقه كال مطر ينهمر على وجنتيها: خايفة أموت وأدخل النار. خايفة تكون صلاتي مش مقبولة. أو بعمل حاجة حرام. لما عمرو مات فضلت أفكر. أنا لما أموت إزاي ومش هكون في الدنيا دي تاني ولا هشوفكم؟
هكون تحت الأرض في مكان كله ظلام وبس. وهتحاسب بس يا ترى أنا عملت خير؟
جدو مات وسابني كان بيوصيني ديماً أدعيله بعد موتي. خايفة أموت وميكونش في حد يدعيلي. أنا عايزة لما أقابل ربنا ويسألني أجاوبه. خايفة أكون ظلمت حد. وخايفة أكون زعلت حد. أنا بخاف من الضلمة. فخايفة أعمالي تكون وحش وقبري مينورش. خايفة أدخل النار ومشوفش محمد والصحابة وزوجته عائشة وخديجة. أنا نفسي أشوفهم أوي وعمر بن الخطاب. أنا نفسي أكون معاهم ونور عيني هتكون لما أشوف محمد.
(اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وأصحاب سيدنا محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد وأصحاب محمد كما باركت على إبراهيم وأصحاب إبراهيم إنك حميد مجيد) . لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) كلماتها اخترقت قلوبهم ك السهم. (وأتمنى أنتم أيضاً)
. هزة قوية. هزة قلوبهم. ك العاصفة اخترقت فؤادهم. بموج على عصف بهم. رجفة أفئدتهم بشدة. جميعهم منشغل البال. ما الذي قالته تلك الطفلة؟ ما بينها وبين ربها ليكون هو كل تفكرها ويكمن بداخلها؟ ما بها وبماذا تفكر؟ إنها لا تترك سجادتها إلا قليلاً. تتلو القرآن بصوت خاشع عذب جميل يومياً. لا تنام إلا القليل وباقي الليل في قيام. لا يعلموا أن مقابلة رب الأرباب هي أهم وأحلى شيء بهذه الدنيا.
ظلوا يفكرون في كلماتها التي زلزلتهم وزلزلت كيانهم وأفئدتهم. فهي تصلي وتقرأ وردها وتقيم الليل تصوم أيضاً. لا ترتدي سوى الفضفاض. وخائفة. فماذا يقولون هم الذين لا يصلون ولا يقتربون للمصحف حتى. ولا يعلمون شيئاً عن كل ذلك. جميعهم في حالة صمت تام. إلا من شهقات ورد.
أحسوا أن الدنيا أظلمت حولهم. وكأنها تضيق بهم. وحسوا ذاتهم بظلام حالك. ولكن من بعيد يوجد نور يضيء. تقف ورد تمد يدها لهم. أحسوا أن الدنيا لن تدوم حقاً. وكأن لا يوجد بها شيء جميل. بتوهان كأنهم تايهين عن ديارهم ولم يجدوه. ولكن تلك الطفلة أعادتهم. شعروا باختناق غريب والدنيا كل مدى بتضيق بهم. نظروا لبعض باستغراب وعدم فهم شديد. للوهلة أحمد حس أن قلبه وقف. هو كان فعلاً قريب ولكن لماذا ابتعد؟ عليه أن يصلح ما فاته!
نهض واقفا وتوجه ليتوضأ ومن ثم يصلي. هالة ضمت ورد بحب: بس يا حبيبتي أنتي بتصلي ومش بتعملي حاجة غلط. ورد بحزن: الشخص ممكن يصلي طول عمره بس صلاته مش مقبولة لأن في مرة في المسجد دخل رجل وصلى فالرسول قال له أعد صلاتك. الصلاة لازم خشوع بكل جوارحك وكيانك وفؤادك إنك تحسي بالسكينة والاطمئنان والأمان. وضعت يدها على وجنتها بحب وتابعت قائلة: وكمان صحتك عليكي حق وهتتسئلي عليها. فلازم تأكلي.
قالت هذه الجملة وهي تطعمها. ببسمة واسعة هادئة أكلت من يدها بحب. "أعوذ بالله من نهار أخره نار" تقف خلف الستائر تنظر من خلفها للنافذة. تنتظر أن يأتي. فكيف سيستريح فؤادها وهو لم يأت بعد؟ تنهدت بضيق وتمتمت: يا ربي طول ليه بس؟ صمتت قليلاً وأسترسلت قائلة وهي تعود لتجلس لتخت: وأنا مالي بيه يتأخر ولا ميتأخرش؟ جال بخاطرها "تالا" فقالت بضيق:
الخاين المغرور اللي مش بيفهم برضه يحب. دي عاااااااا. يا ربي طب أموته وأريح نار قلبي ولا أعمل فيه إيه؟ استمعت لصوت سيارته فنهضت مسرعة تجاه النافذة ومن خلف الستائر راقبته. رأته يدلف بثبات لداخل. ركلت بقدمها الأرض بغيظ وهي تتمتم: آه يا أني يا أمه ولا كأنه عامل حاجة. لا وكمان جيبهالي البيت. يا نهار أبوه أسوح. مش معدي. طب أعمل إيه طيب؟ أكب مياه أزحلقه...
ولج هو للداخل بحزن، باشتياق، بوجع، بحنين، بقلب يئن بألم، بشوق لا حدود له. ذهب لوالدته وجلس بجوارها وقبل يدها وجبينها بحب. أخرج ما بجعبته من ألم وحزن وهم وعذاب القدر. شكا لها مرارة الأيام والليالي. خرج بعد وقت للجنينة. يسير بها بوجع وشوق. واضعاً يده في جيبه. واقفة من النافذة تشعر بألم واختناق شديد وضيق. رأته وأحست به موجوع. فعلمت لما تشعر بهذا الضيق الذي يحتل قلبها. كانت تفكر أتهبط للأسفل أم لا؟
أتذهب إليه وتعلم ما به؟ تلك الحيرة جعلتها تجن! وها قد وصلت لما تريده. جذبت حجابها لتثبته على خصلاتها. وهبطت للأسفل مسرعة تريد وبشدة معرفة ما به من حزن ولماذا ذاك الوجع يحتل قلبه. هبطت الدرج مسرعة وعندما كادت أن تصل إليه شعرت بحياء شديد وخفق قلبها. فكيف ستصل إليه وهي بهذا الارتباك. سارت بخطوات بطيئة تجاهه.
شعر بها فاستدار فرآها أمامه. أحس وكأنه كان وسط غرفة مظلمة حالكة السواد. وهي القمر الذي يضيء هذا الظلام. اقترب منها بثبات فحقا مشتاق لصوتها، وثرثرتها التي اعتادها. يريد أن يرجع للحياة على أوتار قلبها. تسير تجاهه وهي تفرق بأصابع يدها بارتباك شديد وخجل. وهو يتحرك نحوها بثبات أعينهم متعلقة ببعضها وكأن هناك سحراً يجذب أحداهما الآخر. وقفا أمام بعضهما.
صمت المكان إلا من صوت أنفاسهم وخفقان قلبهم. أبعدت عينيها بحياء وقالت بتوتر يتبعه ارتباك ثم قلق وتلعثم: أنت كويس؟ اتسعت ابتسامته لاهتمامها به: يهمني يعني؟ ردت بغيظ وهي تشير له بعصبية: أنت متعرفش تجاوب على قد السؤال أبداً. استدارت وهي تقول: أنا ماشية. أمسك معصمها وهو يقول: استني بهزر. رمقته بغيظ فقال بجدية: آه كويس الحمد لله. رأت الوجع مخبئ بعينه. فشعرت بوجع هي. أحست به يتألم. فتألم فؤادها فقالت برفض قاطع
وعينها مثوبة على عينه: متكدبش عليا وقولي مالك؟ هم بالحديث، فأشارت له وهي ترفع سبابتها بوجهه: أياك تقول مفيش هااا؟ متكدبش عليا أنا مش بحب الكذب ولا الكذابين. أشار لها أن يسيروا فسارت جواره. تنهد بعمق وقال وهو يضع جيبه داخل جيبه وينظر لها: طب أولاً ليه بتسألي السؤال ده؟ ردت بتلقائية دون وعي: لأني شفت الوجع في عنيك وحسيت بأن قلبي وجعني وبضيق يعني قول أني بقيت بفهمك من عنيك كدا!!!
شعر وكأن سعادة ذاك العالم بين يديه في تلك اللحظة. قلبه رفرف بفرحة. ابتسم بوجه أشرق الدنيا. فأحياناً كلمات بسيطة قد تجعلنا نشعر بسعادة الكون. إنها أشخاص معينة كلماتهم كأنها الحياة لنا. وأحيي أفئدتنا الميتة من غدر القدر وأوجاعه. بخجل بحياء بعتاب طأطأت رأسها أرضاً. وتمتمت بذاتها: يا غبية إيه اللي بتقوليه ده الله يحرقك يا حبيبة متروحي ما رحتي؟ وقالت بصوت عالٍ دون أن تشعر:
منك لله يا "حبيبة" هتدخليني في داهية كدا إيه اللي بتقوليه ده يا أمه بس؟ اتسعت عينيها بصدمة عندما علت ضحكاته الرجولية. فتأملت ضحكته بهيام وحب حتى صمت وهو يقول: بتكلمي مين قوليلي. ما أنتي هي حبيبة اتجننتي؟ صمتا قليلاً ورمقته باهتمام: برضه مش هتقول إيه اللي وجعك؟ أشار لها بالجلوس لذاك المقعد. جلس بجوارها وقال وذكرياته المؤلمة تحاصره:
الوجع دي مجرد كلمة بتتقال. لكن محدش بيعرف إيه معنى الوجع فعلاً. الوجع بيحرق القلب وبيصهره بنار. الوجع بيموت الإنسان بالبطيء. الوجع يعني أن الإنسان ليس عايش. أو عايش جسد بلا روح وبلا فؤاد. لأنهم بيكونوا متحاصرين في دائرة الذكريات. دوامة بتدور بالإنسان بتحصره وسط خيالات كتيرة بلا نهاية ذكريات موجعة بتحلف أنها تتمكن من القلب فتدمره. بتجعل الإنسان يذهب لدنيا الأحلام. ليبني لنفسه ذكريات جميلة يمكن تحييه ويرجع يعيش.
أحست أن بداخله أوجاع لا تحصد. فنظرت له بحب قائلة: مهما كان حجم الوجع بس هينتهي. قطعها قائلاً: مين قال أن الوجع بينتهي. الوجع بيزيد مع مرور الأيام والسنين. قالت بصدق: ربنا ليس ظالم للعبيد. لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. كل شخص ربنا بيرزقه على قد قدرة تحمله لو عبده صبر ورضي ربنا بيكفيه دنيا وآخرة. "إن بعد العسر يسراً". مهما كان الوجع ربنا هيعوضك. ابتسم لها بحب فبادلته الابتسامة. نهضت واقفة بحياء وهي تقول:
هطلع أنا. تصبح على خير. وأنت كمان اطلع نام. نهض هو الآخر. رفعت بصرها إليه: لما تحس بالوجع وذكريات بتهاجمك اصنع ذكريات جديدة مع ربنا. اسجد واحكيله هيسمعك وهيطبطب عليك بكرمه وده وحبه. ارفع إيدك للسماء وأدعي لأن الله يستحي أن يرد يد عبده خائبة. لما تحكيله كل وجعك هيروح. قالتها بشغف وهي تغمض باستمتاع لتلك الجملة وتحرك يده. تحس بأمان وسكينة وحب وراحة بال وسند عمره ما هيخذلك. أشار لها بحب: حاضر. تبعاً
سيرهم للداخل فسألته بفضول: أنت ليه اتجوزتني؟ وليه أنا هنا؟ أنت مين؟ نظر لها مطولاً بصمت حتى صعدا الدرج. وقف أمامها وقال بهمس: اتجوزتك عشان أحميكي مش أكتر. وهرجعك لأهلك لو أنتي عايزة وهتتحرري مني؟ أجابته بتلقائية وهي تشعر بنغزة: ولو مش عايزة؟ بنظرة باسمة نظر لها انحنى على أذنها وهمس: وقتها مفيش أي حد يقدر يبعدك عني. بالوقت المناسب هتعرفي كل حاجة. وعد؟
غمز لها ورحل لغرفته. بأعين متسعة خجلة كانت تقف بزهول. سرعان ما ترجمت جملته. وتذكرت "تالا". لحقت به ركضاً وولجت الغرفة. كاد يخلع جاكته ولكنه استدار ليفتح لها الباب ودخولها ك العاصفة. وقفت أمامه راكضة دون كلمة ودفشته بقوة وهي تقول: إن شاء الله مين تالا دي وتحضنها ليه وليك كام علاقة أصلاً... كبل يدها بكلتا يديه وهو يقول بتسلية: يا بت اهدى والله مليش علاقات مع حد وتالا دي بعتبرها أختي الصغيرة. متتغيريش منها اطمني.
أبعدت يدها بحدة عن يده وقالت بغيظ وهي تدفعه ولكنه لا يتحرك: مين قلك أصلاً إني بغير وهغير ليك عليك؟ كنت جوزي مثلاً. ردد بضحكة: لا بعد الشر. سبحان الله كنتي سه عاقلة. تحولتي فجأة إيه ده مش معقولة. مجنونة. وضعت يدها بخصرها وقالت: أنا مش مجنونة. دي ست تالا هي اللي مجنونة. هدأت من صوتها وهي تقول: بس البت قمر يخرب بيتها أحلى مني. دا أنا بنت وبعاكسها. كبت ضحكته بصعوبة وانحنى ليهمس جوار أذنها: لا لا أنتي أحلى.
اتسعت عينيها سرعان ما ركضت من أمامه هاربة. فتعالى صوت ضحكاته عليها. "أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه."
تحت ظلمة الليل العاشقة. على مرأى من النجوم الساهرة. تسير بهذا الليل الحالك على ضوء القمر. تسير بشغف واستمتاع لهدوء الليل الجميل وهواءه المنعش. وقفت أمام الشاطئ. وجلست على تلك الصخرة الصماء بحزن رهيب وقلب موجوع يئن بالوجع والغدر. تمنت لوهلة أن تكون مثل الصخرة وفؤادها أصم صلب مثلها تماماً. فهي صخرة لا تتألم ولا تتوجع ولا تشعر ولا يغدر بها أحد. وحيدة؟ جال بخاطرها كيف لها أن تكون وحيدة؟
ألم تجلس لتشكو لها حاله هي أيضاً ستغدر بها وستتركها بعدما أدت لها ونسيت وروح للحياة. استدار برأسها لتنظر للبحر وهواءه الذي يداعب شعرها فيتطاير بالهواء ومع نسماته باستمتاع غمضت عينيها وفتحتهم بعنف. تخيلت صورة أدهم تطفو على الماء فأبتسمت بفرحة سرعان ما تلاشت. نظرت مطولاً للبحر تشكو له، مغادرة عصفورها بعدما أوجعها بالكلمات القاسية فلماذا فعل ذلك وحطمها؟ ألم تحبه بما يكفي؟
لقد كان قلبها له الفردوس صنعته له فلماذا حطم كل هذا دون أن يعبئ بشيء. شكت معاناتها للبحر ولكنها أدركت أن البحر كال إنسان. فإنك تحبه وتحب منظره ولونه تثق به ثقة عمياء، وتحكي له مقصوصة حياتك كلها. وعندما يعطيك الأمان يغدر بك ويأخذك لتغرق بقاعه بعد فوات الأوان ويتركك هكذا ويترك قلبك الذي صنعته له جنة.
رفعت بصره للقمر كي تحادثه ولكنها شعرت بمعاناته أيضاً فهو وحيد مثلها. إنه يشرق وكله حنين وشوق ليرى الشمس ولكنها ترحل غير مبالية به. وجع لا مثيل له يحتل قلبها. ظنت أن بغربتها قد تحس بالفرحة والأمان وأن تنسى معاناتها وذكرياتها إن غادرت مكانها. ولكنها نسيت أن الغربة تحتاج لحضن الاحتواء. لقد كان قلبه لها وطن وعندما أوجعها تركت وطنها لتصبح غريبة ببلد الأغراب. شعرت فجأة بيد على كتفها وصوت يقول:
لمار يا بنتي خرجتي من غير ما تقوليلي؟ صوت من هذا؟ أين لمار؟ ما الذي سيحدث؟ من تلك الفتاة التي تحدث عنها اللواء أمجد؟ توقعاتكم ورأيكم... تفاعل ولو بـ لايك..... رجاء
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!