كان يصعد الدرج بخطوات ثابتة، وهو متلهف أن يراها بشوق، فها هو حلمه سيتحقق وسيراها. استمع لصوت أنين وبكاء، تصنم محله، طاف حول نفسه وعينه تجوب المكان، حتى حاول أن يتبع الصوت. بينما هو يستمع لصوت يطلب المساعدة والاستغاثة، وقع نظره على تلك الشقة التي أخبره مايكل أن تسكن بها. لم يدري ماذا يفعل، ألمه قلبه بشدة، تقدم بخطوات ثقيلة نحو الداخل، فرأى كركبة.
استمع لصوت بكاء وصراخ في آن واحد، ولج وعينه تجوب المكان حتى رأى ريم صريعة أرضاً. ألقى الحقيبة من يده وهرول إليها في قلق، جلس لمستواها ونظر لهالة التي تبكي بوعي وتحاول جعلها تفيق وعمرو الذي يبكي. فصاح بهم بصراخ: -بس اسكتوا، فهموني إيه اللي حصل، ودي مالها؟ نظرت له هالة بلهفة وأمل واستنجاد، فقالت برجاء: -لو سمحت ساعدني أوديها المستشفى؟ نظر إلى دموعها الهالكة وصمت قليلاً حتى قال: -من غير ما تقولي طبعاً.
حملها بين يديه وهرول بها إلى المستشفى. صعدا السيارة وانطلق "أيهاب" بأقصى سرعة لديه، وهو يخطف النظرات لهم، وقد كان بكاء هالة يمزق قلبه. فنظر من المرآة إليها وقال بألم: -هتبقي كويسة، متقلقنيش؟ تلاقت الأعين، وياليتها لم تلتقِ لينشأ حب سينتهي قبل أن يبدأ، وسيلعب القدر لعبته، ليصبح الفراق واليأس رفيقاً لفؤاد "هالة" ويصبح نهارها هو ليلها وليلها هو نهارها وسينطفئ النور من حولها ودنيتها، ويصبح الظلام رفيقها.
نظرة هالة وابتسمت له: -إن شاء الله، شكراً. وها قد وصل أخيراً إلى المشفي. وولجت ريم للفحص، وظلت هالة بالانتظار بقلق، ولم تدري ما عليها فعله لأجل بسنت، هوى الدمع على وجنتيها خشية أن يحصل لها شيء. ضمها عمرو ببكاء، فضمته لتستمد منه الأمان وكأن تلك الضمة هي السند لهم. رق قلب "أيهاب" فاقترب منهم وهمهم حتى تشعر به، فرفعت نظرها إليه ونسيت كل ما هي به. شعرت بتزايد دقات قلبها، فاقت لنفسها فقالت: -شكراً لحضرتك يااا؟
لاحظ صمتها فقال مصافحاً لها: -أيهاب، اسمي أيهاب. صافحته بابتسامة رقيقة ورددت "أيهاب". أستمع لاسمه يترنم من فمها، بصوت شجي مطرب للأذان. صمت قليلاً فأكمل مازحاً وهو يبعد يده ولا يدري ما تلك الرعشة وكأن الكهرباء مسكت به عند ملامستها: -لو مش عاجبك ممكن أغيره عادي ياااا؟ ابتسمت هالة: -هالة. فرد مسرعاً: -الله، اسمك حلو. فنظرت إلى عمرو. ونظرت هالة لما ينظر إليه، فأشارت لعمرو قائلة: -وده عمرو أخويا؟
-هالة، أنتي كويسة، إيه اللي حصل؟ كان هذا صوت "فهد" الذي كان يتقدم منهم راكضاً بخوف. تقدمت له هالة حتى وقفت أمامه فقالت بصوت مختلط بالبكاء: -ألحقني يا فهد، بسنت خدوه. أمسك كتفها لتهدأ فهتف بصوت عالٍ: -اهدى يا هالة، فهمني براحة. هدأت من روعها فقالت: -كنا قاعدين، فجأة سمعنا صوت كسر الباب ودخل منه رجالة كتير وهجموا على بسنت وخدوها. بسنت اتخطفت وريم في واحد منهم زقها جامد وجبتها هنا. فهد محاولاً جعلها تهدأ:
-بس خلاص، مفيش أي حاجة. أنا بلغت لمار وهي في طريقها على هنا، وكمان متقلقيش بسنت هتكون كويسة. ردت بعدم تصديق: -بجد. رد مؤكداً: -بجد. نظر لذلك الشاب الغريب، حاول أن يتعرف عليه فلم يستطع. نظر لهالة وقال: -مين ده؟ هالة تنظر لما ينظر إليه، فابتسمت: -ده الشاب اللي ساعدني وجابني هنا. فهد وهو يتجه نحوه: -هروح أشكرها. قترب منه وقال بابتسامة: -شكراً على مساعدة حضرتك. رد إيهاب مبتسماً بتوتر: -أبداً، مفيش شكر، ده واجبي.
كان نظره مثبت على الدرج على أمل أن تأتي ولكن دون جدوى. عبس بيأس، فكان يتمنى أن يراها، ويريح عقله برؤيتها، ويسكن ويسعد قلبه بها. تمنى أن يحفظ وجهها بذاكرته، وأن يحفر لها مكاناً بقلبه، وأن يطلب منها السماح، على شيء لن يسامح عليه أحد. تمنى أن يضمها ويقول إن ليس له ذنب في ما مرت به وما حدث. تمنى أن يراها ليخبرها أن تستعجل في انتقامه من والده كي يستريح قلبه وتستريح الدنيا من أفعاله الدنيئة.
تنهد "أيهاب" بحزن ووجع وهمهم ثم استأذن منهم ورحل بعد ما اطمئن على ريم. *** فاقت "بسنت" فلم ترَ سوى الظلام الحالِك، شعرت أنها داخل شيء يسير فخمنت أنها بسيارة. استشعرت أن يدها مكبلة، وشعرت بجوارها أحد. تملكها الخوف وأجهشت بالبكاء بصمت دون أن يشعر بها أحد. بعد وقت شعرت بتوقف السيارة، وفتح بابها. استمعت لصوت الذي تبغضه بشدة وتكره، فبكت أكثر بخوف، فمن كان لها الأمان أصبح الخوف والرهبة. -جبتوها.
كان هذا صوت عبد الرحمن وهو يخرج من إحدى المنازل. فاستمعت لصوت أخري: -أيوه يا بيه، زي ما حضرتك طلبت، تؤمرنا بإيه دلوقتي؟ أشار لهم بالذهاب: -لا خلاص كده، تفضلوا أنتوا. أقترب من السيارة بابتسامة ماكرة، سحبها بقوة من يدها، خارج السيارة. حاولت أن تبعد يده عنها فلم تستطع، حاولت التحدث فلم تستطع أيضاً بسبب تلك الربطة. سحبها من معصمها بقوة لداخل، وهي لا تفعل شيئاً سوى البكاء.
دلف بها لأحد الغرف فألقاها بقوة على "الفراش"، ثم جلس جوارها وفك يدها، فمسكتهم بألم، فك عيناها ومن ثم فمها ومسح دموعها وقال: -بتعيطي ليه بس؟ أجابت ببكاء: -أنت عايز مني إيه؟ عبد الرحمن اقترب منها أكثر وجعل يمشي يده على وجهها بحب واشتياق وهي تشعر بالتقزز من لمساته فدفعت يده بقوة: -متقربش مني أحسن لك، صدقني هتندم، ولمار مش هتسامحك أبداً. جذبها من شعرها بقوة ورفع عينه بعينها: -بس اخرسي، متجيبيش سيرتها على لسانك.
أرخى قبضة يده وهدأ قليلاً وأكمل: -لمار مش هتعرف توصلك لإني هسافرِك معايا. في الكم يوم دول عرفت مكانتك وقيمتك عندي، أما لمار فهدفعها التمن غالي. ضحكة بتريقة: -هدفعها التمن؟ يا راجل! لا راجل إيه، أنت متحصلش دفر الراجل، أنت حيوان كلب بتسمع اسمها تكش وتخاف. هوى على وجهها بصفعة قوية: -اخرسي. أمسك فكها بحدة وقال: -مش عايز أعمل تصرف تزعلي عليه. نظرت له بعند وأكملت باللامبالاة من كلامه: -أنت عرفت قيمتي؟
وأنا عرفت قيمتك وللأسف ندمت أني اتجوزت شبيه راجل. "وقالت بصوت ممتلئ بالبكاء" -حبيتك أكتر من نفسي واستحملتك كتير، كنت بشوف الرسايل الزفت وأشوف خيانتك ليا ودفنت وجع قلبي ومبينتلكش وكنت بحاول أسعدك، بس أنا دلوقتي ندمت أني حبيت واحد زيك، بكرهك. هوى على وجهها بصفعات متوالية وهو يقول: -أنا هوريك الراجل هيعمل فيكي إيه. أنا تقوليلي كده؟ سال الدم من أنفها وفمها بغزارة وقالت:
-كل مرة بتثبتلي قد إيه أنت حقير، مش عارفة أنا إزاي كنت مخدوعة فيك، صدقني هخلي لمار تلف حبل المشنقة حوالين رقبتك من غير رحمة، وكلها دقايق ومش هشوف وشك ده. -اخرسي. جاء أن يصفعها مرة أخرى فاستمع لدوي نغمة هاتفه جذبه من بنطاله وأتاه ذلك الصوت الغاضب: -أنت عارف هببت إيه؟ بعملتك دي؟ أنت إزاي تخطف بسنت؟
لمار كده مش هتسيبك، أنا أعرفها أكتر منك وعايش معاها ومش بعيد تكون لحقاك دلوقتي. اهرب وسيبك من مراتك دي، هي أصلاً مش مهمة، أنت مهم عندنا. عبد الرحمن بغضب: -لا مستحيل أسيبها، بسنت مقدرش أتخلى عنها، هجيبها معايا. -يبقي استعد لمواجهة النمر، ومتنساش لمار مش هتسيبك. تأذي بسنت. أغلق عبد الرحمن الهاتف وألقاه بغضب بغير اكتراث. شدد على شعره بقوة، ولم يدري ما عليه فعله. جلس على المقعد بتفكير وهم.
نظرت له بسنت وتوقف قلبها الذي يقتلها وهي ترى همه، لم تدري ما عليها فعله. فكرت أن تسامحه، وأن تهديه فرصة أخيرة. وقفت بتعب متوجهة إليه، جلست لجواره ورفعت يدها على كتفه قائلة: -ليه عملت فيا كده؟ أنا بجد حبيتك أكتر من نفسي! ليه خنتني؟ هو أنت محبتنيش؟ دا أنا محبتش غيرك وكنت مستعدة أضحي بنفسي عشانك، أنت كنت بالنسبالي كل حاجة، ليه عملت فينا كده؟ بعد ما كنت أنت الأمان بقيت أكتر إنسان بخاف منه؟
كان "عبد الرحمن" ينظر إليها بحب، فأتى أن يتحدث فمنعته بإشارة منها وأكملت ببكاء وقلب ينزف وجعاً: -خنتني وقولت عادي، قولت أسامحك عشان بحبك، وهستنى عليك تتغير وهصبر. وضعت يدها على بطنها وقالت بألم: -لما عرفت أني حامل كنت الدنيا مش سيعاني أبداً من الفرحة واني هكون أم لابنك وإن في أمل إنك تتغير. شهقت بصوت عالٍ، عندما تذكرت لما تركها وركض خشية من لمار، فأكملت قائلة ودموعها تهبط كالشلالات على وجنتيها:
-طعنتني بسكينة لمة سبتني ووقعت ومشيت، خفت على نفسك بس مخفتش على ابنك. فقال مدافعاً عن نفسه: -يعني أنتي كنتي عايزني أوديكي المستشفى ولمار تمسكني. ضحكة بهم وأكملت بتريقة: -لا طبعاً، إزاي ما أنت أناني مستحيل تحب. وعشان كده أنا كنت بفكر أديك فرصة تانية بس دلوقتي لا، أنا بكرهك وهفضل طول عمري أكرهك. عبد الرحمن بزهق: -تكرهيني، متكرهنيش. أنا هرجعك لعدتك ومش مهم أي حاجة تانية. هزت رأسها نافية:
-وأنا مش عايزك، ارجعلك ولا أعيش مع واحد زيك. قال بغضب وهو يضغط بقوة على يدها: -أنتي ليا يا بسنت، مش هسيبك أبداً. دوي صوت هاتفه، فجذبه برفق قائلاً: -خلصت كل حاجة. -لا، طالما بسنت معاك يبقي أنت متلزمناش. هو أنت غبي؟
دي أكيد خطة من لمار، ودلوقتي هقولهالك، يا هي يا إحنا. الطيارة مستنياك تنقلك على هنا. أم بسنت فخلص عليها وريح نفسك، لأن مش بعيد تكون متفقة مع لمار. اسمع مني، الرجالة دخلوا بسهولة وخطفوها، هل أنت متعرفش إن لمار محدش يقدر يقرب على بيتها وحاجتها الخاصة؟ صدقني ده ملعوب منهم مش أكتر، وأنت حر، بس المرة دي انسي إننا نساعدك ونسندك ونقف جنبك لأن حياتنا أهم، وأنا مستحيل أسمح إن لمار تكشفني أبداً. فكر سلام.
أغلق ذلك المجهول الخط. وترك "عبد الرحمن" في دوامته، وظل واقفاً منشغل التفكير. ظلت بسنت وحيدة، تشعر أن قلبها قد مات. ظلت تدعو بداخلها وهي خائفة من ما سيحصل لها. فاقت لنفسها على صوت الباب فأنفزعت راجفة برعدة، عندما رأته أمامها جذبها من شعرها بقوة ليقف أمامه وقال بصوت جهوري: -أنا يا بسنت تخونيني وتخدعيني ليه؟ عملتلك إيه بقى تتفقي مع لمار ضدي؟
أنا ما صدقت هربت منها تقوم تساعديها. بس خلاص أنا هخلص منك وأريح. لازم أمشي، بس رجالتي هيعرفوا شغلهم. كنت ناوي آخدك معايا وأعوضك بس متستاهليش. دفعها بقوة للحائط ورحل. رحل وتركها من جديد وتخلى عنها. رحل ولم يدري أنه قد فطر قلبها وكسر بخاطرها وحطم روحها. وكيف يختفي أثره من حياتها؟ كيف تنساه؟ رحل تاركاً إياها تتعذب من بعده وصدمتها به. لماذا كلما حاولت جاهدة أن تصفي قلبها تجاهه طعنها وأهداها وجعاً أصعب مما كان؟ لماذا؟
أغمضت عينها بألم شديد وهبطت دمعاتها على وجنتيها مسترسلة كالآمطار. أسندت رأسها للحائط، وحدثت نفسها بصدمة: -سبني للمرة الثانية، سبني للمرة الثانية يثبت لي أني غلط لما حبيته. جفت دموعها، بل إن عينها كانت تبكي دون دموع تتألم وتتوجع، فل طالما تعودت على الوجع معه. انفتح الباب على مصراعيه، ودخل بعد الشباب. نظرت إليهم باللامبالاة وكأنها غير عابئة بنفسها، فروحها ماتت وظلت منها بواقي محطمة. نظر لها أحدهما بخبث وقال:
-مش حرام في القمر ده كله أنه يموت. -يا عم، إحنا نموتها وخلاص زي ما الباشا طلب منا. -طب ما هي كده كده ميتة، خلينا نتمتع بيها شوية قبل ما تروح. ابتسموا بخبث، فصاح أول شاب دلف للغرفة: -أنا الأول، سيبهولي. وحاول أن يقترب منها. أما بسنت، فكانت تستمع لحديثهم ولكن فقدت الحركة والنطق فقط، مسندة رأسها على الحائط بوجع وإنهاك ومسلمة أمرها، فقد فاض بها والصدمة محتلاها. ***
كان أدهم منطلقاً بالسيارة مسرعاً ويخطف النظرات إليها من الحين للآخر. أم أحمد، فكان ينظر من النافذة بوجع ونغصة بقلبه، يشعر أنه سيفقد حياته وصورة ريم لا تفارقه، حتى ضحكتها وابتسامتها. شعر أن قلبه سيتوقف عن الخفقان. إنهم روح واحدة في جسدين، إذا تأذى أحدهما تألم الآخر. لمار، كل لحظة تخطف نظرة لساعتها وتتصل بهالة لتتطمئن على ريم دون إعلام أحمد. نظر لها أدهم من المرآة: -لمار. فنظرت إليه:
-عرفتي إزاي توصلي للمعلومات دي كلها؟ أبعدت نظرها عنه وقالت: -عادي، كان لازم أحط نفسي مكانهم وأفكر زيهم، واستنجدت أنهم هيبعتوا واحدة تعمل نفسها بتسأل عن حد وتخطف أو شيء مشابه. فرد وهو يخطف نظرة سريعة لها: -طب والولد؟ لمار ابتسمت بخبث: -أظن أنه مستحيل يشتغل الشغل ده تاني. ابتسم أدهم ثم قال: -أكيد، دا لو فضل عايش طبعاً بعد اللي عملتيه فيه؟ لمار ببراءة: -ليه؟ هو أنا عملت حاجة؟ تعال صوت ضحكاته: -خالص، الصراحة.
أسندت "لمار" رأسها للخلف وابتسمت بمكر وهي تتذكر. بعدما جهزوا نفسهم جميعاً، تلاقي ثلاثتهم أسفل المنزل. عبثت بموبايلها قليلاً ومن ثم وجهت الموبايل لوجه أحمد: -أنت تعرفه؟ تمعن أحمد بالصورة جيداً، فهز رأسه نافياً: -لا معرفهوش، بس هو مين يعني؟ أمسكت حقيبتها وتحركت للخارج وهي تقول: -هتعرف دلوقتي، ورايا. هخرجوا خلفها وصعدوا السيارة. ظلت تسأل عن صاحب الصورة حتى عرفت عنوانه، ذهبت إلى منزله.
أطرقت على الباب قليلاً ففتح لها نفس الشاب الذي كان مع المرأة. فتح الباب سرعان ما تلقى لكمة قوية جعلته يهوي أرضاً. دلف للمنزل وجذبته من قميصه وظلت تصد له اللكمات دون كلمة وتجمع كل أهله. حاولوا إبعادها عنه أو أي شيء دون جدوى، فهي لا ترى أمامها غيره. بينما أحمد وأدهم واقفون دون كلمة. دفعت لمار الكل من أمامها وألقته أرضاً تحت أقدام إحدى الأطفال التي كانت بالمنزل وصاحت بغضب وهي ممسكة بوجهه وتؤشر للطفل:
-كنت فرحان وأنت بتسلم طفل، عارف إنهم هيموتوه بشوية فلوس؟ أنت معندكش قلب. لتفترض أنها أختك ولا بنتك هيخطفوها وياخدوا أعضائها حتى قلبها وعنيها ويشوهوا وشها، هترضي؟ ورجعت مرة أخرى تضربه وتركله وهي تصيح: -الفلوس الحرام دي هتنفعك بإيه؟ يوم الحساب هتقول لربنا إيه؟ نظرت لتلك المرأة التي جلست بأرضها باكية وهي تقول بصدمة: -فلوس حرام؟ تيقنت لمار أنها والدته، فأشارت إليها: -هان عليك تأكل أمك من فلوس حرام بتسلم لشياطين أطفال؟
طب إيه مشفتش ضحكتهم ووجوههم الباسمة الناضرة؟ مشفتش روحهم الحلوة اللي مبيعرفوش لا كره ولا حقد بيها. قال والد الصبي بوجه عابس وغاضب: -أنتي مين عشان تقولي على ابني كده، ومين هيصدقك أصلاً؟ يلا طلعي برا بيتي. نظرت إليه بتريقة وقالت: -همشي، بس أما أخلص اللي جيت عشانه، وصدقني مقدرش أقعد في بيتكم ده ثانية واحدة. جذبت الصبي ليقف أمامها بوجه ينزف وجسد دبلا مرهق: -لكمته بقسوة ودون رحمة.
فأقترب أدهم بغضب منه وأمسكه بحدة وصد له اللكمات المبرحة. حتى أبعده أحمد عنه بأعجوبة وهو يهدأ من روعه. لمار تشمر عن سواعديها وتنظر له وتقول وهو يأخذ أنفاسه الأخيرة: -أظن بأن الفلوس اللي قبضتها النهاردة كفيلة تعالجكك ولا إيه؟ ومن ثم خرجت بثبات وبجوارها أدهم وأحمد. فاقت لواقعها الأليم على دوي نغمة هاتفها، ألتقطته من جوارها ورفعته على أذنها وهي تقول: -عملت إيه؟ فقال زيد غاضباً: -مش هسامحك يا لمار لو حصلها حاجة.
قاطعته "لمار" قائلة: -بس أهدى، كل اللي عليك دلوقتي إنك تثبت لبسنت إنه ميستهالهاش، وكمان راقبه أول ما يهرب هيروح فين. صمت قليلاً بتذكر وقال بتساؤل: -هو أنتي مضايقة إني بكلمك؟ ردت مسرعة: -إيه اللي أنت بتقوله ده. فأجاب "زيد": -والله اسألي أحمد عندك، هو اللي قال كل ده. صاحت باقتضاب: -اقفل. أغلقت الهاتف ونظرت لأحمد بغضب. *** بسنت فاقت لنفسها، وحللت تلك الكلمات التي يتفوهون بها، حتى اعتدلت واقفة.
نظرت إليهم وتملكها الخوف والفزع والرعب من نظراتهم المقززة. ابتعلت ريقها بخوف وهي تتراجع للخلف، حتى وقفت محلها دون حركة، وأيقنت أنها النهاية، لمار مسافرة وزيد هيعرف إزاي. أغمضت عينها وذرفت الدموع. فقال ذلك الشاب فرحاً: -إيه بس يا قمر، إحنا هنبسطك، بتعيطي ليه؟ اتسعت عيناها من الخوف وهي ترى حياتها ستنتهي، ومن من؟ من ذلك الشخص الذي أأتمنته على حياتها وروحها الذي اعتبرته كل شيء؟
أقترب بخبث، مد يده وكاد أن يخلع ملابسها، حتى استمعا لكسر الباب ودلوف زيد ذو الوجه الغاضب العابس. رأوا وجهه فامتلكهم الخوف. شعرت أن لا أحد يلمسها، وأحست بكسر أعضاء البعض. فتحت عينها فرأته أمامها يوسعهم ضرباً دون رحمة كالأسد الجائع. ركضت مسرعة واختبأت خلفه برعشة وهي ممسكة بقميصه، مما جعله يتصنم محله وهو يتنفس بصعوبة. استدار إليها فلم يتحدث بأي كلمة، سوى أن أحكم قبضته على معصمها وسحبها خلفه، ليخرج من ذلك المنزل.
أقترب من سيارته، فتح الباب وصاح بها بحدة: -اركبي. أنفزعت من صوته المخيف فولجت سريعاً للسيارة، أما هو صعد من الناحية الأخرى. ظلت تبكي بصوت عالٍ وتشهق. أما هو فقد كان قلبه يقتله ألماً ووجعاً من دموعها. شعر بالموت فصاح بها غاضباً: -بس بقا اسكتي، متعيطيش. زادت من بكائها. رمقها بألم، هدأ قليلاً ثم قال: -بسنت، اهدى، أنتي كويسة. ظلت مطأطئة الرأس تبكي بحرقة فقط، فقال بصوت عالٍ: -بسنت، أنتي كويسة، بصيلي.
نظرت إليه وصمتت قليلاً فقالت: -مش عارفة لو أنت مجتش كان حصلي إيه، أنا مش مستوعبة إني أنا... وعادت لبكائها. زيد بألم: -طول ما أنا عايش مفيش أي حد يقدر يأذيكي. ونظر أمامه وانطلق. أما هي ظلت تنظر إليه وجملته تتردد على مسامعها، ومن ثم صفنت في ذكريات تجمعها بطليقها. توقفت السيارة بعد وقت وهي لا تشعر. ناداها ولكن هي موجودة جسد دون روح، فلم تسمعه. هبط من سيارته بجاذبيته المعتادة، وفتح الباب الذي يليها وأنزلها برفق.
تطلعت حولها وأخذت عيناها جولة بالمكان. رأى دهشتها فقال: -متفكريش، جبتك أنا عشان تصرخي. نظرت إليه بسنت بزهول: -أصرخ؟ فأجابها مبتسماً وهو مستند بظهره على السيارة: -أيوه، مش حاسة إنك عايزة تصرخي؟ اصرخي يا بسنت وطلعي اللي في قلبك، هترتاحي. وكأنها كانت تنتظر الإذن. ظلت تصرخ وتصرخ كثيراً جداً حتى لم تقاوم قدماها، فسقطت أرضاً وهي تبكي بصوت عالٍ كان يحرق قلبه وتخلعه من جذوره، فتعمد عدم النظر إليها.
لم يستطع تحمل بكاءها، فجلس لجوارها ومسح دمعاتها برقة لا تتناسب مع يده الخشنة. نظرت لعينه مباشرةً وازدادت دقات قلبها، شعرت بالفرحة تسري بأوردتها وهي ترى حزنه عليها، وكأن هو من يتألم. ابتسم قلبها وهو يرى يده تمسح دمعاته ويشعر به. تنهد زيد بعمق ثم قال: -ممكن مشفش دموعك دي تاني؟ أومأت بحزن، فأعتدل بوقفته ومد يده لها كي تقف، فأمسكت به وكأنها غريق قد جاءت نجدته من الغرق.
اعتدلت بوقفتها بمشاعر متلخبطة من ذلك الاهتمام الذي أحيا قلبها. فنح لها السيارة ومن ثم صعد هو وانطلق. بعد وقت تقف السيارة أمام شركته، ليفتح الباب وهو يقول في ذات الوقت: -أنزلي. نظرت حولها باستغراب ثم هبطت منها. تقدم نحوها وقال: -ادخلي. بسنت بدهشة وهي تنظر لافتة كبيرة تحتوي اسمه: -دي شركتك؟ جبتني هنا ليه؟ رد متفهماً: -تهدي ورجعك البيت، يلا ادخلي. دلفت معه للداخل وهي معجبة بالشركة وألوانها ولجأ للمكتب وجلسا.
طلب لها شيئاً تشربه وصمت. فقالت "بسنت": -ألوان الشركة حلوة؟ رد بابتسامة جذابة: -عجبتك؟ أومأت برأسها فقال بوجه باسم: -لأن لمار اللي مختارة. استغربت تلك العلاقة، فيبدو أن لمار قريبة منه أكثر مما كانت تظن. دوي هاتفه معلناً باتصال من لمار. أبتسم بسعادة لا توصف، لاحظتها هي حتى رد بفرحة: -حبيبي، قدامك قد إيه؟ أجابته "لمار" باطمئنان: -خلاص قربت. من صوتك يبدو أن بسنت معاك؟ بفرحة وهو ينظر إلى بسنت: -أه. لمار: -طب بقا ادهالي.
كانت خجلة بشدة من نظراته، حتى قال لها أن لمار تريد محادثتها. جذبت منه الهاتف برفق وردت بحزن: -لمار، أنا محتاجاكِ. شعرت بألم رهيب بقلبها فردت: -حبيبتي، أنا قربت أوصل، بس أنتي كويسة، طمنيني. طأطأت رأسها أرضاً وزلت تبكي. أما لمار فظلت مستمعة لبكاءها حتى تهدأ ومن ثم قصت عليها كل شيء من أوجاع وأهات حتى أغلقتا الخط. زيد رحل قليلاً حتى لا يستمع لبكاءها الحارق. بعدما أخذ منها الموبايل تركها كي تلملم جراح قلبها.
رن هاتفه برقم لا يعرفه، رفع الموبايل وكاد أن يتكلم فاستمع لذلك الصوت الذي جعله يتصنم محله: -زيود، بعتلك مفاجأة في طريقها ليك، متأكد إنها هتعجبك، ها، طفي نار قلبك شوية وصدقني كنت هنتقم لك منه بنفسي بس قلت أنت تطفي نار قلبك لأني مقدرش أشوف قلبك بيتحرق. ومتنساش ده الورقة الرابحة ليك ولمار، وأظن أن أميرتي هتعرف تلعب إزاي، سلام. وأغلق الخط سريعاً حتى لا يستمع لكلمة. أم زيد فقد جاء أن يقول له لا تغلق ولكن قد فات الأوان،
فردد بذهول وفرحة: -أميرتي؟ بس الكلمة دي محدش غيره بيقولها ليها. هو صمت قليلاً بتفكير وهو يفكر فيما مر بطفولته فقال: -لا لا، لازم أفكر صح، يا ترى مين ده ويقصد إيه بكلامه. ظل صوته يتردد على مسامعه بسعادة. عاد لمكتبه فقال بجدية: -قومي تعالي معايا. رمقته باستغراب: -على فين! ألتقط جاكته وهو يتقدم نحوها: -إيه مش جعانة؟ أنا هموت، يلا يا ستي هتاكلي على حسابي النهارده. أجابت بوهن: -لا مليش نفس. زيد مبتسماً: -تؤ تؤ، اقفي يلا.
سحبها من معصمها خلفه وذهب. *** بعد وقتاً طويل وصلت لمار والشباب لمبتغاهم. ذهبا لمركز الاستخبارات، دلفا لمكتب "لمار" جميعهم. استدعت فهد ورعد كي يأتوا، أنصاعوا لأوامرها، ففي خلال ربع ساعة كانوا أمامها. بدأت بشرح الخطة والموعد إليهم ودور كل واحد فيهم. قصت على مسامعهم كل شيء. أدهم بتثاؤب: -طب بقا أنا هلحق أناملي ساعتين وهجهز؟ رمقته "لمار" بغضب: -نوم إيه بقولك يلا على التدريب. ضيق حاجبيه بدهشة وشعور قاتل للنوم:
-تدريب إيه؟ حرام عليكي، بقولك أنام ساعة. رأت آثار التعب بادية على وجهه، فسمحت للجميع بالرحيل. كاد أحمد بالخروج فمسكت بمعصمه وأشارت له بعينها أن لا يذهب. أنصاع لأوامرها فظل مكانه. رحل الجميع. تخلت عن مقعدها بثبات مخيف وهي ترمقه بغضب قاتل. وقفت أمامه وهي واضعة يدها بجيب جاكتها. أحمد باستغراب: -إيه؟ مالك بتبصيلي كده ليه؟ وعلى آثار كلماته تذكرت ما قصه عليها زيد. مسكته بحدة من ياقة قميصه وصاحت بصوت جهوري غاضب:
-أنت مين عشان تقول لزيد كده؟ أنت مجرد زميل في الشغل، ملكش الحق تدخل في حياتي، أكلم مين ما أكلمش مين دي حاجة متخصكش. وإذا فكرت تعمل نفسك قريب مني متلمش غير نفسك. بتقوله يطلع من حياتي، بس هو مستحيل يطلع، أنا اتخلي عنك آه، أما هو لااااا. أنت فاهم؟ دا هو اللي بقى لي. واسمع يا أحمد، متتخطاش حدودك معايا، لأني ساعتها مش هعرفك ولا هرحمك. أنت فاهم؟ كان ينظر إليها بعدم تصديق، لم يصدق ما قالته وما سمعه.
لقد اعتبرها والدته، فكيف تقول له ذلك؟ شعر أن النار قادت بقلبه فستصهره قريباً. تحكم بذاته بصعوبة وهو يشعر بالاختناق الشديد. رفع يده ليجذب يدها ودفعهم بقوة بعيداً ورحل من مكتبها بحزن لا مثيل له. جلست "لمار" بألم لا تعلم كيف تفوهت بتلك الكلمات القاتلة. همت راكضة للخارج لتلحق به فلم تستطع. توقفت قدماها عن الحركة بعجز وهي تعلم بما يشعر هو وما سببته له. لأمت نفسها كثيراً جداً، ورحلت من المكان.
صعدت سيارتها وهي تتذكر ما قالته له، تألم قلبها. ضغطت على مقود السيارة كي تتحكم بعصبيتها وذاتها. انطلقت بسرعة كبيرة، حتى توقفت في مكان ما، دلفت أحد العمارات، وصعدت الدرج راكضة. وصلت لأحد الشقق ودقت الجرس. فتحت لها تلك المرأة التي خطفت الطفلة. نظرت للمار بخوف فهي تعلم من تكون. كادت بغلق الباب فدفعته لمار بقوة مما أدى لوقعه. زحفت للخلف بخوف، دلفت لمار بابتسامة ماكرة بزاوية فمها وأوصدت الباب.
فحصت المكان وجلست على أقرب مقعد واضعة قدم فوق الأخرى. رمقتها بنظرة هادئة مخيفة وقالت بتزمر: -كنتي هتقفلي الباب عليه؟ مش عيب طيب؟ تخلت عن مقعدها بثبات فتقدمت لتلك الواقفة ترتعش بخوف من موتها المؤكد أمام النمر. ارتسمت ابتسامة مكر على وجهها: -كنتي عايزة تقفلي ليه الباب؟ ردت بتلعثم: -أصلي أنا معرفكيش، انتي مين؟ رفعت يدها لفوق وهي تقول ببراءة مخيفة: -قدرك. استدارت لتعطيها ظهرها وقالت بابتسامة: -أو ممكن أقول ملاك الموت.
وغمزت لها بطرف عينها. خطت للأمام لتدلف المطبخ. أم تلك المرأة، بحثت عن موبايلها لتبلغهم بما يدور. -بتدوري على ده؟ نظرت إليها وابتلعت ريقها بخوف وهي ترى "لمار" تخرج من المطبخ ومعها هاتفها وسكين. نظرت للهاتف بيده وقالت بطفولة: -هو معايا، مش هتاخديه، عايزة ألعب بيه شوية. جلست على المقعد وهي تضع السكين على الطاولة وبعد ذلك أشارت لها أن تجلس. جلست أمامها بخوف ورعب وهي تنظر إليها.
صادف الهدوء المكان إلا من خفقان فؤاد تلك المرأة. هبت لمار واقفة بثبات مخيف، كادت أن تحرقها بنظراتها الفتاكة. أسندت بذراعيها على الكرسي لتحاوطها بعدما جذبت السكين. ارتجف جسدها بخوف فقالت لمار وهي ترفع السكين بوجهها: -قوليلي بتبدأوا بإيه وانتوا بتشقوا جسم الطفل بدم بارد. فاض الدمع بعينها وابتلعت ريقها بخوف جاهدت على الحديث قائلة: -أطفال إيه بس مين قالك كده؟
غرست السكين ببرود ودون رحمة بكف يدها لتصرخ هي صرخة هزت جدران العمارة. استقامت لمار بوقفتها وقالت: -أوووف، عصبتيني ومش بشوف نفسي لما أتعصب. اندفعت لتمسك بكفة يدها وضغطت عليها بكل قوتها وهي تقول: -مش دي الإيد اللي كانت ماسكة بالمنديل المخدر وبتكتمي بيه بق الطفل وأنفه. كانت تصرخ بقوة وهي ترجوها أن ترحمها.
تركت لمار يدها وجلست على المقعد الذي يليه بعدما خلعت جاكتها لتجلس ببدي كات أسود ك سواد دنيتها المظلمة، فهل من نور ليخرجها؟ مسكت يدها وهي تمثل التعب. رمقتها بنظرة ثاقبة: -متعرفيش إيدي وجعاني قد إيه، أصل ليا فترة مضربتش حد فلازم ألاقي الدواء لوجع إيدي. ابتسمت بمكر وظلت صامتة لبعض الوقت، فهبت واقفة سرعان ما جذبتها بشدة من رأسها ودفعتها بالطاولة وهي تقول: -أخلصي، قولي تبع مين. صرخت بوجع وهي تبكي وقالت بصوت مختلط بالبكاء:
-معرفش، صدقيني معرفش، كل اللي أعرفه إن واحد اسمه. قطعتها لمار قائلة بتريقة: -كامل الجبالي، غيره يا حلوة. ابتلعت ريقها بخوف فقالت: -ناس بتيجي من بلاد برا، هما بيستلموا كل حاجة، بس سمعت عن واحد اسمه جون وديف ومايكل، دول أساس كل حاجة، ومفيش حاجة بتم من غير إذنهم. الباقيين معرفهمش، لأن كل مرة الصفقات بتكون مضروبة وبيكتشفوا واحد من بينهم خاين، عشان كده فين وفين لما بنعمل أي صفقة سوا، أطفال أو مخدرات أو سلاح.
همست لمار لنفسها: -جون الكلب، زي ما كنت متوقعة. هتفت بصوت عالٍ جعلها تنتفض: -أصلهم إيه دول وجنسيتهم إيه؟ قالت وهي تجاهد الإغماء: -جون معرفش والله معرف. ركلتها "لمار" بقوة وهي تقول: -متجيبيش اسم الله على لسانك، اخلصي احكي. تابعت بالم: -ديف مصري الجنسية، أنا معرفوش ولا قبلته، بس في مرة كنت مع كامل وسمعت صوته بالصدفة. أما مايكل فمعرفش، لأن ده فيك تقولي البوص، محدش بيعرفه ومش بيظهر لمين ما كان.
جذبته لمار من شعرها لتسحبها خلفها كالجارية وهي تهبط بها من العمارة بأكملها. ذهبت بها إلى القسم حيث فتحت الزنزانة ودفعتها للداخل بقوة. وقف جميع النساء لها احتراماً. رمقتهم جميعاً وقالت: -الكلبه دي بتاجر بأرواح أطفالنا، لو بتحبوني أتوصوا بيها. أنصاعوا لأوامرها فوراً واندفعوا وهم يشمرون عن سواعديهم لينهالوا عليها بالضرب المبرح.
شعرت لمار بأن نارها هدأت قليلاً، خرجت من الزنزانة إلى حيث المكان المخصص للتدريب للاستعداد للحرب. حرب بين الخير والشر. ستفقد أعز الناس، فهل ستتحمل ذلك؟ *** زيد وصل أحدى المطاعم، ليلتفت لها وهو يقول: -يلا بقا انزلي. نظرت لذلك المطعم فقالت: -كشري. هبطت من السيارة ليجذبها من يدها بخفة ويسحبها للداخل. طلب الطعام وانتظر ليأتي. رأى دهشتها فقال: -إيه مالك، المكان مش عاجبك؟ هزت رأسها بالنفي. زيد بحيرة: -أمال مالك؟
جاء النادل ليضع لهم الأطباق وهو يرسها بحرفية. أما زيد فكان يأكل باستمتاع فقال دون النظر إليها: -ياريت لمار معانا، بتحب الأكلة دي جداً. نظر إليها وجدها تقلب في الأكل فقط. احتضن وجهه بكلتا يديه وهو يتأمل النظر إليها بحب. لاحظت نظراته فشعرت بالخجل الشديد فقالت: -بتبصلي كده ليه؟ فقال وهو على حاله: -مينفعش يبقي القمر قدامي ومبصولوش. انتبه لنفسه همهم ثم قال: -إيه مالك، كلي بقا، والله هيعجبك. أكلت بحذر ولكن وجدته جميلاً.
ابتسم عليها فردد: -طفلة. –أنا.. قالتها وهي تشير على نفسها، فأومأ لها. فقالت بتزمر: -أنا مش طفلة. وربعت يديها أمام صدرها. تعالى صوت ضحكاته الرجولية: -وربنا طفلة، مهما تعملي. قطع كلماته نغمة هاتفه معلناً عن اتصال من كامل الجبالي. رد عليه قائلاً: -خير. كامل: -إيه يا عم، متسيبك من القمر اللي معاك وتيجي عشان عندنا شغل. هب واقفاً بعدما أشار لها بأنه سيتحدث على الباب. صاح به بحدة:
-إياك تجيب سيرتها على لسانك، وبعدين أنت مرقبني ليه؟ كامل: -مش مرقبك ولا حاجة، خلينا في المهم، في شحنات النهاردة عايزك تعديها. زيد: -أنت فين دلوقتي؟ كامل: -عند. زيد: -ثواني وجيلك نتكلم. أغلق السكة دون كلمة أخرى وعاد إليها بوجهه الباسم. انحنى بجذعه عليها وهمس: -يلا عشان أوصلك. أجابته دون أن تشعر: -بالسرعة دي؟ مال عليها قليلاً وهمس: -أنتي عايزه تفضلي معايا. ابتعدت بنظرها عنه بخجل وهي ترجع خصلات شعرها.
هبت واقفة وهي تشير له. مشي يده على شعره ودفع الحساب ثم ذهب خلفها. كانت تنظر من نافذة السيارة بحزن فهي تشعر بالأمان بجواره، تشعر بسعادة قلبها ورفرفته وهو لجوارها وتنسى كل ما مرت به. أرادت أن تخبره بأنها تريد أن تبقى معه لبعض الوقت وأن لا يتركها. وها هي السيارة تقف معلنة عن فراق الأجساد، فأن روحه دائماً معها. نظرت له بحب، رآه بعينها ليطير قلبه سعادة. أقسم أنه سيجعل حياتها جنة وتلك اللمعة سيجعلها رفيقتها الوحيدة.
ألتقى أعينهم بسعادة لتبث لهم الحب والسند والاحتواء. همست بسنت بحب: -شكراً. فقال بحيرة: -على إيه؟ ردت بسنت باندفاع: -على الوقت الجميل، كان أجمل يوم. رد زيد وهو ينظر لعيناها: -هيتكرر كتير، دي بس البداية. ابتسمت له بامتنان وهبطت لتدلف للداخل، وظل هو يتابعها بعينه حتى وصلت إلى الباب، فأستدارت لتنظر إليه ببسمة رقيقة، نست كل ما مرت به، شعرت بلخبطة مشاعرها. بادلها الابتسامة وهو متأملاً بها حتى دلفت للداخل.
بعدما قرت عينه بدلوفها للداخل، أنطلق إلى شركته بسرعة البرق بعدما أخبر لمار بكل شيء. دلف لمكتبه وهو ينظر بغضب قاتل لكامل. أراد أن يخنقه ليستريح منه، ولكن عليه التمهل، فلابد أن رب العالمين سينتقم منه أشد انتقام. كان كامل يتحدث ولكنه لاحظ شرود زيد الواقف، أيقن أنه لم يستمع لحرف مما قاله. وقف أمامه وهزه بقوة وهو يقول: -إيه مالك سرحان في مين؟ ما أنت يلا سيبها.
مد يده ليغرزها برقبته، رفعه من على الأرض بيد واحدة وقال غاضباً: -قولتلك متجبش سيرتها على لسانك، ولا أنت مبتفهمش؟ أنا هشتغل معاك آه، لكن هي خط أحمر، اللي يعديه يبقي دفن نفسه بالحياء. وتركه ليهوي أرضاً ويسترجع أنفاسه. وقف بعد وقت فأشار له زيد أن يجلس. زيد: -معلش، مكنش قصدي، أصل أنا بتعصب بسرعة. كامل بغضب: -أنت كنت هتموتني، عارف يعني إيه؟ يهمس زيد لنفسه: -قريب. رمقه بنظرة غامضة: -خير، إيه الشغل وشحنته إيه؟
أقصه كامل ما يريده واتفقا سوياً. زيد: -تمام، كله هيتنفذ. كامل: -بس الشرطة عينهم علينا الفترة دي. زيد: -أظن بأنك اخترتني لمكاتني عند لمار، ولا إيه؟ كامل بابتسامة: -فهمتنا فعلاً، إحنا اخترناك لأنها مستحيل تشك فيك. زيد بثقة: -أكيددد، بدون شك. ودعه كامل وذهب. كان يجلس حائراً في تلك المكالمة من ذلك المجهول. انتشله من شروده طرق الباب، فأذن للطارق أن يدخل. زيد: -أدخل يا منصور، تعال. منصور باحترام:
-لو بس حضرتك تيجي معايا لحظة. زيد باستغراب: -ليه؟ في حاجة ولا إيه؟ قال منصور: -اتفضل معايا وهتعرف كل حاجة. هب واقفاً بحيرة، سار معه إلى أن ابتعدا لتلك الغرفة بآخر الشركة. زيد باستغراب: -المخزن؟ خير، في حاجة ناقصة. فتح له الباب "منصور" وتنحى جانباً. دلف زيد بزهول ولكنه وقف محله بصدمة وزهول وحقد. رأى ذلك الملقى أرضاً ولا يوجد بجسمه مكان سليم إلا أن جسمه وملابسه مليئة بالدماء. وقف ينظر إليه بحقد. استمع لصوت رسالة
على موبايله ففتحها وقرأ: "أتمنى تكون الهدية عجبتك، خدت لك حقك منه وسلمتهولك، تعمل في ما بدالك، محدش يقدر يوجع قلوبكم طول ما أنا عايش." علامة استفهام كبيرة ارتسمت على وجه زيد. عاود نظره لرسالة والمنصور بغموض. مسكه من ياقة قميصه وقال بحدة: -مين ده؟ أنت بتشتغل لحساب مين؟ منصور يعمل لحساب من؟ من ذلك المجهول؟ هل هو نفسه الذي يساعد لمار؟ من ستخسر لمار في تلك المعركة؟ أحداث نارية قادمة وإعصار سيدمر قلب لمار، فهل ستتحمل؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!