الفصل 12 | من 34 فصل

رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
19
كلمة
7,930
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

علامة استفهام كبيرة ارتسمت على وجه زيد. عاود نظره للرسالة ولمنصور بغموض. مسكه من ياقة قميصه وقال بحده: -مين ده؟ أنت بتشتغل لحساب مين؟ نظر منصور له بتوتر شديد وارتباك فقال ببطء: -محدش يا بيه. نظر له زيد بحده وبعيون تكاد أن تفتك به وهتف بصوت مخيف: -أنت بتشتغل تبع مين؟ مين هو الشخص اللي بعتك؟ بتتبعني؟ أجابه مسرعاً وهو يهز رأسه بالرفض: -لا لا لا يا بيه، أنا مبعتكش حضرتك ولا عمري أعملها! أجاب زيد بغموض: -أما تسمي ده إيه؟

رد منصور وهو مطأطأ الرأس: -معنديش أوامر إني أقولك على أي حاجة. أراد أن يفرغ غضبه في أي شيء، فلكم الحائط بيده بقوة. ثم رفع رأسه لينظر لعبد الرحمن الذي بدأ أن يفيق وقال بحده لمنصور ودون النظر إليه: -امشي. أنصاع لأوامره فخرج مسرعاً. أم زيد فقد كان يغلي. طاف أمام نظره كـ السناريو وجه بسنت الباكي ودموعها الحارقة. أقترب منه بخطوات ثابتة ليقف أمام رأسه. أنحني ليجلس لجواره وجذبه بقوة من مؤخرة رأسه وصاح بصوت مخيف:

-أنت خليت دموعها تنزل، بس أنا هخلي دمك ينزل دلوقتي وهكون أسوأ كوابيسك. انعدل وهو يجذبه ليقف أمامه وظل يصد له اللكمات المبرحة. أما هو فلم يستطع النطق بحرف مما هو به. *** أحمد ذهب لشقته، وألقى بجسده على المقعد بدون مبالاة. وكلماتها تتردد بأذنه. أحس بالوحدة فقد كانت هي عائلته. وضع يده على أذنه وهو يصيح: -بس بقى اسكتي، كفاية.

أبعد يده ليسند رأسه للخلف وهو يتذكر كيف ساندته عند وفاة والديه فلم يشعر بفقدانهم. تذكر كلماتها، تألم قلبه بشدة. استمع لنغمة هاتفه معلنة عن اتصال منها. فلم يجب. ظلت تتصل دون ملل، حتى أمسك الموبايل ليلقي به أرضاً. *** بسنت بعدما دلفت للداخل، واطمأنت على الصبايا. كانوا جالسين على التخت. هاله باستغراب وهي تنظر لبسنت التي تشرد كل ثانية وتبتسم:

-اسمع إن اللي بيتخطف يخاف يبكي يزعل أي حاجة، لكن إنه يقعد شارد الذهن ومبتسم دي اللي مش فاهمها. هو الخطف حلو ولا إيه؟ لوت “بسنت” فمها وقالت: -اه الخطف حلووو جدآ. هاله: -نعم يا اختي، أي اللي حلو؟ قالت دون استيعاب: -الخطف. دوي جرس المنزل، لتهب هاله واقفة وهي تقول: -هشوف مين، وانتي يا اختي خليكي سرحانة. ذهبت مسرعة لتفتح لتجد أمامها إيهاب. هاله بابتسامة: -انت تعال اتفضل؟ وتنحت جانباً عن الباب. ليخطي هو للداخل وهو يقول:

-حبيت أطمن على أختك، بقيت كويسة؟ أجابته بابتسامة: -اه الحمد لله أحسن، من غيرك مش عارفة كنت هعمل إيه بجد شكراً. أبتسم برقة: -لا لا مفيش شكر، الأهم إنها تبقى كويسة. أشارت بيديها له أن يجلس: -اتفضل اقعد لحد ما أعملك شاي. قال وعينه تجوب المكان ليبحث عنها: -لا لا شكراً، أنا أصلاً ماشي. هاله: -لا والله ما يحصل، إحنا مش بخلاء، اتفضل ودقيقتين بس وهجي.

دلفت هاله للمطبخ. وقف هو محله وتأخذ عينه جولة في كل ركن من الشقة. ليقع نظره على تلك الصورة التي تحتوي على طفلة وشاب ورجل وامرأة. تأمل الصورة جيداً وقال بهمس: -سامحوني. طاف بعينه ليري تلك الصورة التي تظهر بها لمار، عيونها الحادة وشعرها الأسود وجسدها الرشيق الرياضي وذلك السلاح بيدها. رفرف قلبه فرحاً. تمنى أن تكون أمامه لتظله بجناحيها. فاضت عينه بالدمع. هاله: -انت لسه واقف، اقعد اتفضل.

أزاح تلك الدمعة الهاربة من عينيه بألم، ليعاود النظر إليها بوجهه الباسم: -اه اه هقعد. رأت نظره مثبت لصورة لمار فقالت بابتسامة: -دي تبقى لمار، عميلة في الاستخبارات المصرية، وتبقى بنت خالي. ألقت تلك الكلمات على مسامعه. فهو يدري كل ذلك ويدري أيضاً أن والده السبب في معاناتها وتحولها. قدمت له الشاي، ليجذبه منها برفق ويرفعه ليرتشف منه القليل ويضعه على الطاولة وهو يهب واقفاً: -أنا لازم أمشي بعد إذنك، وحمد لله على سلامة أختك.

لم يترك لها المجال لتتفوه بكلمة وغادر الغرفة. هاله بتريقة: -ماله المجنون ده. *** لمار كانت تتدرب بجهد كبير. دقائق والجميع كانوا أمامها بالمكتب. كادت أن تشرح العملية لولا أنها استمعت لطرق الباب فأذنت للطارق بالدخول. نظروا جميعاً لمن دلفت لتوها. أما لمار عندما طال صمتهم رفعت عينها عن الأوراق التي أمامها. وقفت وهي تقول: -بسنت… ابتسمت بسنت وهي تغلق الباب: -أيوه طبعاً، أنا معاكم في المهمة دي. تخلت لمار عن

مقعدها وتقدمت لتقف أمامها: -أنتي كويسة، أهم حاجة؟ بسنت بحب: -اه متقلقيش، يلا نبدأ. بدأت لمار تشرح لهم الخطة. ومن الحين للآخر تخطف النظرات لأحمد الذي يبادلها النظرات بجمود شديد. قصت على مسامعهم كل شيء، وكل دور واحد منهم. ظلت تأتي أمامهم ذهاباً وإياباً، وعيناها تتنقل بينهما وقالت بجدية:

-إحنا آه هنروح عشان ننقذ أطفالنا، فممكن نتوقع أي حاجة. عايزكم كلكم تبقوا إيد واحدة ولازم الخير ينتصر. وعشان ينتصر يبقى نضحي بروحنا ونحن غير أسفين. عايزكم تعرفوا إننا لو متنا هنكون شهداء وهيفضل اسمنا معلم في قلب كل إنسان على مر الزمن. عايزكم تعرفوا إن أرواحنا مش لينا، دي أمانة رب العالمين ومتى شاء أخذها. لو خسرنا روحنا، هنكون شهداء، عارفين يعني إيه؟

يعني في جنة الخلد، ويكفي إن رسولنا فيها. دعوا، عايزكم تكونوا واحد ونساعد بعضنا البعض. “والله ثم الجنة” خلوا الشعار ده في بالكم. عايزين نمحي من بلدنا كل خاين وارهابي من غير ضمير، خلينا إيد واحدة. والله ثم الجنة وأرواحنا فداء أطفال بلدنا ونشر الخير. “الله أكبر” انتوا معايا؟ فهتفوا: -الله أكبر! معاكي طبعاً، وأرواحنا مش مهمة لو هنموت؟ هنموت بس الأطفال دي ترجع. ابتسمت لمار لهم ومدت يدها، ليضعوا جميعهم يدهم بيدها.

لتقول بجدية وصوت جهوري: -ودلوقتي يلا روحوا عشان تستعدوا. أنصاعوا لأوامرها ورحلوا. كاد أحمد أن يخرج ولكنه توقف على منادتها له. لم يستدر لينظر لها ولم يعطها اهتمام وخرج وهو يصفق الباب خلفه بحده.

تنهدت هي بحزن وشرود. ألتقتت سلاحها ومسكته وهي تتذكر عندما كانت طفلة. كانت طفلة تخاف أن تقترب من سلاح والدها. أما الآن أصبح جزء منها. انظروا لتلك الأيدي الناعمة الرقيقة الصغيرة، تكاد أن تمسك السلاح فينزلق من يدها لشدة رقته. ولا تعجبوا وإذا عجبتم فتعجبوا كيف تحولت تلك الأيدي الناعمة الخشنة التي تمسك السلاح بمهارة دون خوف وكأنه قطعة من جسدها كيف تحولت إلى ذلك. انظروا إلى قلبها الرقيق الخفيف الهش كيف الآن تحول إلى قلب ثابت كـ ثبات الجبل أو أشد. انظروا إليها وهي تمسك سلاحها بيد من حديد تصول وتجول في صفوف أعدائها كالأسد الثأر تزأر بهم زأر الأسد فيفرون خوفاً ورعباً وفزعاً منها ومن وجهها الغاضب العبوس، يفرون من أمامها كمن رأى شبح الموت أمامه.

تتغلغل صفوف أعدائها غير خائفة من الموت، فهي قد علمت أن روحها أمانة متى شاء الله أخذها بل أنها كانت تريد الموت وتبحث عنه كي تكتب “شهيدة” غير عابئة بنفسها، كل ما يهمها هو العدالة وسلامة وطنها فقط. تنهدت لمار بأمل ودموع متلألئة. استمعت لطرق الباب وكانت بسنت. ظلا يتحدثان سوياً. حتى أتى الوقت الذي تنتظره. تحدثت إلى اللواء “أمجد” ورحلوا إلى وجهتهم.

وصلا إلى ذلك المكان وتلك المستشفى القديمة. لمار أعطت لكل واحد منهم اتجاه وأماكن العدو. أما هي فقد دلفت لذلك المبنى. وكلما تلاقت بأحد ضربته بلا رحمة. وصلت لغرفة بآخر الممر فتحت ذلك الباب الحديدي من الجدار وهبطت به فقد كان كـ السرداب. وقفت بأخره، عيناها جابت المكان، هبطت ببطء شديد. كان طفلاً صغيراً نائماً على السرير “متخدراً” وذلك الطبيب واقف أمامه ويكاد أن يفعل لسرقة أعضائه بجواره بعد الرجال.

كاد بأن يشق بطن الطفل، ولكن يده تصنمت محله. نظر ليجد تلك الفتاة التي تخرج من عيناها النار الحارقة. الطبيب بخوف: -مين أنتي؟ وازاي تمسكي إيدي كدا؟ ودخلتي إزاي؟ لمار لوت يده لتسمع صوت كسرها بفرحه وقالت: -أنا أدخل أي مكان مهما كان من غير إذن أي حد. إيدك دي ياترى كم طفل سرقت منه أعضائه ولا كم مريض؟ دلوقتي مش هتقدر تستخدم إيدك دي تاني؟

جاء ليهجموا عليها فضربتهم جميعاً، وكسرت لذلك الطبيب يديه الاثنين دون رحمة، ولم تبالي بصراخه الحاد. تركته يتألم وحملت الطفل وخرجت به من ذلك النفق المظلم. نادت على فهد وأعطتته إياه. ودلفت لإحدى الغرف. كان بها الكثير من الأطفال. أنتفضوا بخوف عندما رأوها، فابتسمت لهم باطمئنان قائلة: -متخافوش خلاص كلكم هترجعوا البيت النهارده.

أشارت لهم على الباب. كادوا أن يخرجوا إلا أنها دفشتهم للداخل بخوف عندما استمعت لإطلاق النار كـ المطر. جاء رعد راكضاً وهو يصيح: -لمار استني متطلعيش الأطفال! فجأة جوه جماعة وابتدوا يضربوا نار وشوية شوية بيزيدوا، إحنا مكناش مخططين لده، هنعمل إيه؟ مسكته من كتفه لتدفشه لداخل الغرفة وأحكمت إغلاقها، ولم تعطي صراخه وطرقه على الباب اهتمام وهتفت به:

-رعد الأطفال دي أمانة في رقبتك، لو حصل لي حاجة رجعهم لأهليهم، طمنهم عشان ميخافوش وأنا مش هسمح لكلب يقرب من الباب.

رفعت هاتفها لتخبر اللواء أمجد بإرسال قوة. أسرعت لخارج المبنى. رأت أن عدد العدو يفوقهم بآلاف المرات، وفهد وأدهم وبسنت وأحمد من يواجه فقط وبعد القوة التي جاءت بها ومختبئين. رفعت سلاحها بغضب يكاد أن يحرقهم جميعاً وتوسطت جموعهم وظلت تهوي بأرواحهم دون رحمة. كان أدهم يغطي ظهرها ويدافع عنها وهي أيضاً. رأت بعضهم يتسحب لغرفة الأطفال. أدت إشارة لأدهم ودلفت هي للداخل، لتمنعهم من الوصول إليه غير عابئة بألمها التي تملكت منها وذلك الجرح الذي فتح رأسها.

ابتدأت القوة تأتي مما أزاح عن أكتافها الكثير. كان أحمد يقاتل دون رحمة كما علمته هي ودربته، ولكن ذهنه كان منشغل في كلماتها يخطف النظرات إليها مما أدى لجروح عميقة بأنحاء جسده. استدار ليري ذلك الرجل الموجه سلاحه للمار. اتسعت عينه من الصدمة وازدادت دقات قلبه. هرول راكضاً إليها صرخ باسمها بعلو صوته فأتته تلك الطلقة لتخترق جسده ليقف مكانه يحاول جاهداً أن يصارع الموت.

استدارت على صوته وانخلع قلبها من مكانه فاض الدمع على عيناها فصرخت باسمه وهي تهول إليه. وقبل أن يهوي جسده على الأرض تلقته هي ليقع بين يديها. أمسكت وجهه وقالت بوجع: -أحمد هتبقى كويس، متخافش. رفعت عيناها للذي أطلق عليها النار بغضب ونظرة لأحمد وصاحت بفهد وبسنت: -يلا اطلعوا بيه على أقرب مستشفى. وقالت بأمل: -مش هيحصله حاجة؟ فهد واقف وعينه تذرف الدمع فأومأ لها. رفعته للمار ولم ترض أن يحمله أحد. أجلسته بالسيارة برفق وطبعت

قبلة على جبينه وقالت: -ليه عملت كدا؟ أنا اللي المفروض أبقى مكانك، أنت متستاهلش كل ده. نظرت لفهد بجمود: -لو حصله حاجة متلومش غير نفسك، يلا بسرعة أنت لسه واقف؟ نظرة بسنت لها: -أنا هفضل معاكي؟ صاحت بها وهي تدفعها للعربية: -قولت اركبي، أحمد أهم، لو حصله حاجة هموتكم.

انطلق فهد بصديقه. أما هي نظرت لذلك الذي يركض، وتحولت عيناها للون الأحمر وبرزة عروق يدها وتحول وجهها للغضب والنار. ظل صوت أحمد يتردد. ركضت بكل قوتها خلفه والذي لم يكن سوى كامل الجبالي. كان يركض وهو يخطف النظرات بخوف إليها وسرعتها الغير طبيعية في الركض. وقفت سيارة سوداء أمامه لتصد طريقه. وقف عاجزاً. أما زيد فتطلع به بغضب من النافذة وابتسم بمكر. تأكد كامل أنه زيد فابتسم وقال: -الحمد لله جيت في وقتك.

كاد أن يفتح الباب ولكنها دفعته للأرض، وأطلقت على يده الرصاص. صرخ بألم يكاد يقتله. وضعت قدميها عليه وصاحت بزيد: -يلا خده من قدامي دلوقتي هرجعله تاني! انحني زيد ليجذبه بقسوة ودفعه داخل العربية. عادت لمار لتقاتل. شعرت أن العدد قل. أشارت لأدهم أن يلحق بها؛ ففعل ذلك. فتحت الباب. ليقول رعد بقلق ينهش قلبه: -انتي كويسة؟ فهد كويس؟ طمنته لمار: -متقلقش، كويسين. بسرعة مفيش وقت، خد الأطفال من هنا.

أومأ لها ومشي خارج ذلك المبنى. وخلفه الأطفال وأدهم ليحميهم. أما لمار فقد تعمدت أن تشتت انتباههم. وركضت مسرعة للأعلى بذلك المبنى وهم خلفها. أحتمت خلف الجدار وظلت تضرب الرصاص. وصل رعد بالأطفال إلى السيارة. استدار لينظر لأدهم: -روح أنت خليك مع لمار، أنا هرجع بالأطفال. ربت أدهم على كتفه: -متأكد؟ أجابه بتأكيد: -أيوه، توكل أنت.

رعد فتح لهم السيارة ودلفوا الأطفال. كاد أن يصعد حتى استمع لإطلاق النار. استدار لهم وصدد لهم إطلاق النار، فأوقع بعدد كثيراً منهم، ولكنهم يزدادون. وعلى غفلة منه، اقترب بعد الرجال من السيارة، ليمسك بأحد الأطفال. لاحظه رعد فهجم عليه بغضب وضربه بقسوة، فترك الطفلة التي أجهشت بالبكاء والارتعاش. كاد أن يقتله وهو يخنقه بقسوة حتى أصيب بيده ورجله فوقع على الأرض بتأوه. كاد بالاقتراب من الطفلة، فزحف رعد إليها ليخبئها خلفه غير مبالٍ بجروحه. ظلا صامداً كـ الجبل أمامهم ولكنهم نجحوا في ملئ جسده بالرصاص، ولكنه لم يستسلم حتى قضى عليهم، ووقع على الأرض.

لمار بتقف على السور لتهوي بنفسها من فوقه وتقع على الأرض في ذات اللحظة. أخرجت ريموت من جيبها، ضغطت عليه، لينفجر المبنى بأكمله. نظرة إلى ذلك بتشفي. اقترب منها أدهم بصدمة فقال بذهول: -يخرب بيتك، فجرته إزاي وامتى عملت كل ده؟ استدارت إليه بغضب وصاحت به بجمود: -أنت إزاي تسيب رعد وتيجي؟ رد بهدوء: -جيت عشانك وهو هيرجع بالأطفال. قالت بأمر: -روح دلوقتي وشوفه، أنت غبي يا أدهم أكيد مش هيسيبوه يعدي، امال أنا ليه بعتك معاه؟

طب انت شفته وهو بيسوق ويمشي؟ حرك رأسه مفكراً وركض إلى حيث ترك رعد. أما لمار فقد ظلت تجوب المكان لتتأكد أن لا يوجد أحد، فذلك المكان مقطوع ليس به أحد. وصل فهد ليجد رعد ملقى أرضاً. اقترب منه وانحنى لمستواه بخوف وقلق: -رعد حصل إيه؟ أما رعد فلم يقول سوى: -لمار عملت إيه؟ أدهم: -لمار إيه بس، أنت جسمك كله مصاب؟ ابتسم رعد ابتسامته الأخيرة وقال: -يلا يا أدهم، الأطفال دول أمانة، امشي من المكان ده. رد أدهم بدموع

فاضت بعيناه وهو محتضنه: -أمشي إيه بس، مش هسيبك لازم آخدك على أقرب مستشفى. رد بألم وتعب وصوت يجاهد على خروجه: -مفيش وقت، متعطلش نفسك، أنا خلاص مت. أدهم ببكاء: -إيه اللي بتقوله ده، قوم عشان فهد هيعمل إيه من غيرك؟ رعد بتعب: -فهد، خلي بالك منه وعرفه إنه أغلى حاجة عندي وإني دي أول مرة أروح مكان من غيره. يلا يا أدهم، دول أمانة لازم تمشي بيهم وإلا مش هسامحك أبداً.

بعد المنهدات استجاب له وصعد السيارة وانطلق راحلاً لأوصال الأمانة. خرجت ورد من مخبئها لتقترب من رعد لترفع رأسه على قدميها وهي تبكي. قال رعد بتعب: -أنتي لسه هنا، أنتي لازم تمشي، لمار هتيجي دلوقتي، امشي معاها. ردت ببكاء حارق: -سامحني يا عمو، بسببي حصلك كل ده.

أزاح دمعاتها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، لتمسد هي على شعره بحنان وتقرأ له القرآن. كادت لمار بالاقتراب من تلك المنطقة فأنتبهت لذلك الجسد الملقي بالأرض وتلك الطفلة. ركضت مسرعة إليهم وعندما علمت من يكون أسرعت وهي تهتف باسمه. لمار اقتربت منه، رأت جسده مليئ بالرصاص حتى يده وقدميه. مدت يده لتغلق له عيناه وهي تقول بصوت حاني موجع ودموع: -أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. شهيد عند الله يا حبيبي.

طبعت قبلة حانية على جبينه ودموعها غرقت وجهه. نظرت لتلك الطفلة التي تبكي بحرقة. جاء زيد ليهبط من سيارته مسرعاً، وانصدم من منظر رعد. دموعه ترقرت بعينه، حمله برفق ليضعه بالسيارة. أما لمار فقد كانت تتأمل وجهه لتحفظ صورته بذاكرتها وتحفر له مكان بقلبها. عاونها زيد على النهوض. كادت أن تذهب فتعلقت بقدميها “ورد”. استدارت لمار نظرت لوجهها الباسم الذي يشع ضوء فأنارت قلبها. انحنت لتحملها وصعدت السيارة. مر الطريق بصمت تام جداً.

ريم استقامت بجلستها وهي تهتف باسم معشوق فؤادها. اقتربت منها هاله قائلة وهي تحاوط كتفها: -مالك يا ريم بتصرخي ليه يا حبيبتي؟ أنا جنبك. كانت دقات قلبها متسارعة وأنفاسها. جذبت هاله كوب الماء وقربته لها: -خدي اشربي شوية مياه عشان تهدي. جذبته منها لترتشف القليل وتهديها لها وقالت بدموع وقلب مفطور محطم: -أحمد حصله حاجة؟ أجابت هاله “بالنفي: -لا يا حبيبتي، هو كويس دا مجرد كابوس مش أكتر. هزت رأسها بالنفي:

-أنا حسيته بينادي عليا وبيقولي الحقني. شفته وهو بيموت قدامي وبيسبني، شفته وهما بيقتلوه. أنا مش هقدر أعيش من غيره والله. أحتضنتها هاله برفق وهي تمسد على خصلاتها لتهدأ، حتى دوي صوت هاتفها. التقطته وردت على فهد: -أيوه يا فهد، طمنيني. أجابها بصوت محتقن بالبكاء والوجع والقلق والانفطار: -هاتي ريم وتعالي على المستشفى. هبت واقفة من جوارها وابتعدت قليلاً: -في إيه يا فهد؟ مالك؟ رد بحزن وخنقة وبكاء:

-مش عارف يا هاله، قلبي وجعني ومخنوق، حاسس إن روحي بتطلع، مش عارف ليه مع إن أحمد كويس الحمد لله والاصابة سطحية بس كسر في كتفه، بس أنا مش عارف مالي، مخنوق أوي. ردت هاله ببكاء على صوته الذي وجعها: -استهدي بالله يا فهد، مفيش حاجة وأنا جايه أهو. وأغلقت هاله معه، وأبدلت ملابسها مسرعة. جهزت ريم التي استغربتها وكلما سألته أجابته باختصار: -هنروح مشوار.

أشارت لعمر وجذبت الكرسي وغادرت الشقة. كانت تغلق الباب بالمفتاح، فأتاها صوته الذي يقول بمرح جعلها تبتسم. إيهاب: -وأخيراً شفنا القمر، عاملة إيه دلوقتي أحسن؟ قالها إيهاب لريم بمرح. ارتسمت ابتسامة على وجهها ابتسمتها بمجهود وردت: -أنت إيهاب اللي ساعدتني صح؟ هز رأسه مؤكداً وقال بغضب مصطنع: -دا ترحيب؟ ريم باستغراب: -مالك مش فاهمها وليه بتزعق كدا؟ قال بضحك كتمها بصعوبة:

-أيوه بقا دا ترحيب، بدل ما ترحبوا بيا وتستقبلوني “ابتسم بهزار” تطلعوني على المستشفى على طول. تعال صوت ضحكات ريم. أما هاله فقد صفنت به ولضحكته التي زادته وسامة. انتبه لشرودها ففرقع أصابعه أمام وجهها. نظرت إليه وعاد لها عقلها. أبعدت عن قصد عيناها عنه وهي تهرب منه وجذبت الكرسي وهي تقول: -عن إذنك، لازم نمشي مستعجلين. رد بقلق ونبرة جدية: -في حاجة ولا إيه؟ ردت هاله وهي تغادر من أمامه: -لا لا مفيش، شكراً. خطت كم خطوة

وبعد ذلك استدارت له قائلة: -هو ممكن أسيب عمرو معاك؟ استدار لها بابتسامة: -أكيد. رد عمرو ببطء: -لا أنا عايز أروح معاكم. هاله أقنعته وأخذه إيهاب. وصلت هاله المستشفى، انخلع قلبها عندما رأت لمار تجلس بكل ذلك الوجع ومنظرها يغني عن ألف سؤال. أما ريم فتسارعت دقات قلبها ظناً أن أصاب معشوق فؤادها شيئاً. اقتربت منها، سرعان ما قالت هاله بلهفة: -لمار أنتي كويسة صح؟ طمنيني. نظرت لعيناها وهزت رأسها. ريم مسكت يدها

قائلة بقلب يكاد أن يقتل: -أحمد كويس مش كدا؟ لم تجد رد فعاودت السؤال. انتبهت لمار لها فهزت رأسها. فغمضت ريم عيناها بارتياح. دقائق وتخرج الطبيبة. اقتربوا منها جميعاً ولكن لمار توجهت لغرفته. ريم تأملت جيداً تلك الطبيبة فقالت بتساؤل: -هو أنا شفتك قبل كدا؟ ابتسمت لها وانحنت لجوار أذنها وهمست: -أيوه يا ريم. نظرت لها باستغراب: -انتي مين؟ الطبيبة:

-أنا اللي أبوها دفع تمن براءتك، أنا بنته لشاهد العيان اللي دفع التمن حياته وأنا هي نفسها اللي جبتلك حقك. ألقت تلك الكلمات على مسامعها وهبت لتغادر دون كلمة أخرى بعدما طبعت قبلة على جبينها. لمار ممسكة بيد أحمد وقالت بصدق وعينان تفيضان من الدمع:

-وحشتني يا أحمد في الكم دقيقة دول، أنا عارفة إن كنت قاسية معاك، بس والله ولا كلمة كانت من قلبي، يا ابني دا أنت صاحبي وأخويا اللي ربنا عوضني بيه، أنت حاجة مقدرش أتخلى عنها أبداً. وبعدين زيد ده أخويا آه والله وبحبك قده وأكتر. صمتت لبعض الوقت وتابعت بضحكة: -طب لو هتفضل نايم على السرير ده قولي مين هيتجوز ريم؟

قوم عشان أجوزك يلا، طب أنا قلبي وجعني وأنا شايفاك كدا ليه وقفت قدامي بس. “صمتت قليلاً” يرضيك تسبني لوحدي أدور لريم على عريس؟ أحمد: -نعم يا اختي تدوري لمين على عريس؟ سمعيني. رفعت نظرها إليه فابتسم بحب، ضربته بخفة وهي تقول: -ما أنت زي القرد أهو برضو مش هجوزهالك؟ جذبها بيده السليمة بخفة عندما أحس بدموعها المتحجرة: -مالك في حد حصله حاجة؟ هبت واقفة وهي تقول بحزن: -لا استريح. قال بألم وكتفه يؤلمه: -حد حصله حاجة؟ جاوبيني.

قالت وهي تستدير لتغادر: -رعد تعيش أنت. ألقت تلك الكلمات عليه وذهبت فبكى بكي وهو يتذكر كل لحظاته وأوقاته مع رعد. دلفت ريم ودموعها على خدها عندما رأت جرح كتفه. أما لمار ذهبت باتجاه عائلة رعد. رآها فهد فاقترب راكضاً إليها وامسك بيدها وقال بصدمة: -لمار بيقولوا رعد مات، قوليلهم إنه عايش. هربت بعينها من عينه وصراخ مها وأيه ونورسين وبكاءهم يحرق قلبها. اقترب أدهم من فهد، حاوط كتفه ليجذبه بحضنه وهمس:

-ادعيله، هو في دنيا أحسن، هو شهيد عند ربنا. قالي حاجة أقولهالك، إن دي أول مرة يروح فيها مكان من غيرك. رفع فهد دموعه الحارقة بوجه أدهم وقال: -آه هو مش متعود يروح مكان من غيري، طب أنت عارف إحنا اتخلقنا سوا، إحنا مش عيال عم وبس، إحنا تربينا سوا وكبرنا سوا، كنا مع بعض في المرة قبل الحلوة، مكنش بنخرج غير مع بعض وتخرجنا مع بعض، حتى اتجوزنا في يوم واحد. “وقال بصوت عالي” وانت جاي دلوقتي تقولي إنه سابني؟

اقتربت لمار من مها لتواسيها على وفاة ضناها. ببطء كانت تخطي إليها. وقفت أمامها وقالت: -شهيد والله شهيد في الجنة، ابنك مات رافع رأسه وساب اسمه معلم في قلب كل طفل وكل بيت. ابنك أنقذ أطفال كتير كانوا هيموتوا وياخدوا أعضاءهم ويرموهم بدون رحمة. ابنك شهيد، ابنك كان عايش بيعمل لآخرته مش لدنيته.

أحتضنتها مها بوجع وقلب مفطور محطم وظلت تصرخ. كانوا أخواته البنات رؤى، أسيل، وجني، يبكوا بدون توقف حتى نورسين وايه. أما جاسر فقد كان يجلس بصدمة وهدوء مخيف وجواره ريان وكنان وحازم.

لمار وأدهم ظلوا معهم لوقت الدفن، وها هو يخرج بذلك الكرب، لترفعه لمار معهم. حاول أدهم يمنعها إلا أنها أبت. رفعته وهي تتخيل الثلاث كروب الذي خرجوا أمامها في ذات اللحظة. كانت تمشي وهي دموعها تهبط. أما عائلته وحبيبة قلبه “ملك” فقد كان البكاء ووجع القلب حليفهم، إلا أن رب الأرباب ألهمهم الصبر. بعد الدفن غادرت لمار لتذهب إلى منزلها بقلب مفطور حزين ومعها هاله، وتركت أدهم معه ريم بالمستشفى بعدما تم الدفن.

دلفت إلى غرفتها دون كلمة. أما بسنت فرجعت لمنزلها مع والدها بعد الدفن. أسرعت هاله خلفها ودلفت قالت ببكاء: -لمار أنتي كويسة؟ ردت لمار بحده: -اطلعي برا. حاولت هاله جهدها كي تبقى ولكنها عجزت عن إقناعها. وقفت أمام التخت نظرت لـ “ورد” بحب وتدثرت بجوارها دون أن تبدل ملابسها، وكأنها شلت لا تستطيع الوقوف. *** وقفت تلك السيارة لتهبط تلك الطفلة وبيدها هدايا كثيرة. نزل هو الآخر وهو حامل بيده أخاه الصغير. نظرت له بتزمر وبراءة:

-جو سيبه وتعال شيل معايا. رد بتهكم: -لا شيلي لوحدك. قالت بحزن مصطنع: -كدا برضو. يوسف: -أيوه شيلي بقا. انحنت لتلتقط ذلك الحجر الخفيف والقته على رجله بحده فنظر لها بحمود: -طب مش هشيل وخبطي رأسك بالحيط. أما تلك الأم الواقفة تنظر إلى أطفالها بضحكة مع زوجها عز بحب: -مش هيبطلوا نقر بحسهم ضرر في البيت. ردت بسعادة: -بس ميقدروش يتخلوا عن بعض؟ ابتسم لها وهو يضمها لحضنه:

-أكيد. إحنا ربناهم على المحبة فمهما يتخانقوا ثانية وتلاقيهم كان ولا حاجة حصلت. يلا بينا ندخل. قالت لمار بغيرة: -أنت بتحبه هو أكتر صح كدا؟ أخرج لها لسانه ليغيظها وقال: -أيوه طبعاً، مش أنا اللي هربيه لازم أحبه أكتر. واستدار ليغادر. أما هي احتضنت تلك اللعبة واسندت بظهرها على السيارة وجلست بحزن. استدار لها وجدها حزينة فعاد لها. أحست بيده على خصلاتها. رفعت عيناها به ودفشت يده بقوة وتزمر، فقال بحب وهو يجلس لمستواه:

-يا بت مفيش في القلب غيرك، أنت هتبقي أمي وأختي وأغلى منه. وضمها بحب وهو يقول: والله خايف تكبري وأحبسك في البيت عشان ميجيش عريس يخطفك مني. بعدت عنه وقالت وهي تتعمق النظر به: -هتعمل إيه لو اتخطفت؟ يوسف: -أهد الدنيا طبعاً. انعدل ليمد يده لها: -يلا ياستي هاتي الهدايا دي ويلا ندخل.

كاد بالولوج للداخل ولكن تصنما محلهما عندما رأوا الفيلا مظلمة. مسكت به بقوة وخوف. ظهر ذلك الضوء الخافت. ليكور يده يوسف بغضب وعينه تشع شرار. أما لمار اتسعت عيناها وظلت ترتعش بخوف وهي ترى ذلك الرجل الذي يضحك بهستيريا وهو ممسك برقبة والدتها ودبحها دون رحمة. أما والدها الذي امتلأ بالدماء صاح بهم ولكنهم تكاثروا عليه ليشلو حركته وذبحوه بلا رحمة. وعمها هارون ملقى على الأرض. حاولت أن ترى وجه ذلك الرجل إلا أنه كان يعطي لها ظهره.

جذب يوسف لمار خلف الحائط وامسك بيدها وقال بجدية وهو يعطي لها أخاها: -خليه معاكي ومهما يحصل متطلعيش من هنا. هزت رأسها بالنفي وعيناها تترجاه أن لا يتركها، ولكنه طمأنها بعينه وهب إليهم كـ الوحش وانكد عليهم وهزم عدد لا بأس به. تجمعوا حوله وطعنوه بسكين ليقع مغشياً عليه.

كادت أن تصرخ وهي متستعة العينين، إلا أنها أحست بتلك اليد على فمها تمنعها من الصراخ، وتلك التي جذبت أخاها منها وابتعدت. جذبها ذلك الصبي للخارج، سرعان ما رأت نفسها وسط الظلام ووجدت ببعض الرجال الذين يحاوطوها وتلك الضحكة التي ترعبها. نادت على زيد فلم يأتي ليساعدها. كانت ترتعش وتنتفض ونادت باسمه ولكنه لم يأت. انعدلت لمار بجلستها وهي تلهث بقوة شديدة وتسارعت دقات قلبها. كانت تنعدل وهي تقول بصوت عالي: -يوووووووسف!

فتحت عينها لتنظر جوارها فلم تجد. علمت أن ذلك الكابوس الذي يطاردها من صغرها سيظل ملازماً لها. ولقد لبى نداء قلبها، وكأن روحها طافت عليه لتفزعه. هب مزعوراً من نومه وهو يقول بصدمة: -متخافيش يا لمار أنا جنبك. أنا هنا أهو، متخافيش.

صمت قليلاً ليعاود اتزان نفسه. هدئت أنفاسه. نظر لجواره وكأنه يتأمل أن يجدها. جذب كوب الماء ليرتشف منه القليل ووضعه مرة أخرى. دلف للتواليت ووقف تحت الماء البارد لعلها تطفئ نار قلبه، ولكن كيف لها أن تنطفئ وهي ليست بجواره. خرج بعد ذلك وبدل ملابسه. وقف أمام المرآة ببدلته السوداء لتزيده وسامة على وسامته. صفف شعره ونثر العطر على ملابسه. ونظر نظرة أخيرة لنفسه بالمرايا. جذب نظارته ومفاتيح سيارته وغادر منزله ليفتح له السائق باب السيارة وصعد بثبات وهيبة.

لمار كانت جالسة بنصف جلسة، مستندة برأسها للخلف بحزن رهيب وهدوء مخيف. استمعت لذلك الصوت الطفولي، مراراً وتكراراً. ذلك الصوت الذي يدعو لها تارة، وبالرحمة والمغفرة لرعد تارة أخرى، ولهاله تارة. استغربت لمار كمية الأدعية التي تقولها دون ملل. تنهدت تنهيدة طويلة وهبت واقفة، لتقترب منها. جلست لجوارها، على المصلى، وقالت بحب بعدما علمت الساعة: -صاحية ليه الصبح لسه مطلعش؟ نظرت لها ببراءة وقالت: -صحيت عشان أصلي قيام الليل.

ردت لمار بفرحة: -بجد والله. ورد بتزمر: -ليه يعني مش مصدقة. أجابتها بنفي: -لا يا بنتي طبعاً. بس ادعيتيلنا كلنا من غير ملل، فإيه بقا. ردت ورد بإجابة أذهلت لمار: -هقولك ليه بدعي لكم كلكم، لأن أبي الدرداء رضي الله عنه قال لما سئل “ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب إلا وكل الله به ملكين يقولان “ولك بالمثل” أفلا أرغب أن تدعو لي الملائكة” يعني أنا لما أدعي لك بيبقى فيه ملكين يقولون لي “ولكي بالمثل” فهمتيني.

ابتسمت لمار لها بحب ومسدت على شعرها. هبت “ورد” واقفة وجذبت لمار لتقف وهي تقول: -يلا قومي انتي كمان اتوضي وصلي. رفضت “لمار” بشدة، ولكن تلك الطفلة لم تسمح لها بذلك، فتوضأت وصلاة. جلست فرأت ورد تنظر إليها بنظرات لم تفهمها. أشارت لها “لمار”: -إيه مالك بتبصيلي كدا ليه؟ ردت بعد تنهيدة طويلة: -قومي صلي. رمقتها لمار باستغراب: -ما أنا صليت. هزت رأسها بالرفض. فقالت لمار بصدمة: -ما أنا يلا أهو، مصلية قدامك. هزت رأسها بتأكيد.

فقالت لمار غاضبة: -طيب امال إيه؟ ردت ورد بصدق: -لأنك كروتي الصلاة وصليتي بسرعة وصلاتك مش مقبولة. لأزم وإنتي بتصلي تستمتعي بكل آية بتقوليها وتحسي معناها، لازم تكوني خاشعة بقلبك وجوارحك وروحك، لازم تحسي بالأمان والاطمئنان والسكينة، لازم تطولي في سجودك وإنتي بين إيدين الخالق. هبت لمار واقفة بذهول تام من كلمات تلك الطفلة. وقفت وهي تنوي الصلاة كما شرحت لها فقالت: -الله أكبر.

كانت تقرأ الفاتحة بخشوع وشعور لم تعتاده من قبل. انهمرت دموعها وهي حقاً تشعر وتفهم معنى كل آية ترددها. سجدت ولكن سجودها طال دون أن تشعر. طال لوقت طويل دون أن تشعر بالوقت. ولكن تلك السجدة قد أراحت وجع قلبها فأنهمرت دموعها لتغرق المصلى. رويداً رويداً ظلت تهدأ ولكن قلبها ظل يبكي. شعرت بالراحة والسكينة وبرودة قلبها. شعرت بالفرحة والسعادة وراحة كبيرة جداً. أنهت صلاتها. بعدما جفت دموعها. نظرت لها ورد بابتسامة

مشرقة تشع وجهها وقالت: -ودلوقتي ارفعي إيدك وادعي واطلبي وسألي ربنا اثني عليه بثناء حسن كي يستجيب لك وكوني على يقين أن الله يستحي أن يرد يدك خائبة. رفعت يدها لرب الأرباب ودعت ظلت تدعو بيقين وثقة. أن يفرج الله همها. ودعت لرعد. استقامت بوقفتها قائلة: -ورد أنا عندي مشوار. ابقي طمني هاله عليا وخلي بالك من نفسك. أومأت لها وعادت لصلاتها.

لمار أبدلت ملابسها وخرجت. لتصعد سيارتها وذهبت مقبلة على منزل أدهم. وقفت السيارة أمام العمارة لتهبط بارتباك وتوتر. ولكن هي بحاجة إلى والدتها “هدي” تلك الأم الحنونة. ولجت للداخل وصعدت كم درجة. وقفت عندما رأت إسماعيل أمامها فأبتسم بفرحة وسعادة طارت بقلبه لترفرف به بفرحة: -لمار أنتي هنا يا حبيبتي وحشتيني وحشتيني أوي أوي. رفعت لمار عيناها لتنظر إليه. ووجد الحزن متملك عيناها والوجع يكسو ملامحها الجميلة. رفع يدها على كتفها:

-مالك يا قلب أبوكي فيكي إيه؟ أحتضنته لمار بحب وهي تهمس بأذنه: -وحشتني وحشتني اوي. مسد على خصلاتها. وقلبه يؤلمه بشدة على وجعها فقال بعد ما تنهد بعمق: -هروح أصلي الفجر، يلا اطلعي فوق. أومأت برأسها له وصعدت الدرج. أما هو ظل يرمقها بحب ووجع حتى غابت عن نظره. طرقات على الباب عدة طرقات. ففتحت لها هدي. تلاقت عيونهم في نظرة طويلة. بها العتاب والزعل. قرأتهم لمار في عيونها. فأحتضنتها بحب وهمست: -محتاجاكِ أوي يا امي.

ذهب كل الحزن والعتاب التي كانت تكنه لها بقلبها فربتت على كتفها بحنان وجذبته للغرفة وأخذتها بحضنها لتنام. غفت لمار. ولج إسماعيل الغرفة بعدما أدى فرضه. قال وهو ينظر لهدي: -نامت؟ أومأت له، فرفعت رأسها لتعدلها لها على الوسادة ودثرتها جيداً بالغطاء وخرجت من الغرفة مع زوجها. فقال إسماعيل بقلق: -هي مالها؟ قالتلك حاجة؟ هزت رأسها بالنفي: -لا مقالتش. هروح أحضر لها لقمة تاكلها.

أشار لها أن تذهب. بعد قليل بتفيق لمار على هزة خفيفة لتزيح تلك اليد بتزمر: -هوووف سيبني أنام يا هاله. قال أدهم بصدمة وهو يأشر على نفسه: -هاله؟ أنا هاله؟ طيب استنى عليا. أمسك الإبريق ليفرغ منه بالكوب. سرعان ما سكبه عليها. لتقوم مفزوعة بسرعة كادت أن تقع على أثرها وقالت في ذات الوقت: -في إيه؟ مين؟ تعال صوت ضحكاته الجذابة بالغرفة عليها وعلى منظر الماء الذي بل شعرها فزادها جمالاً. لمار بغضب: -متضحكش.

ازداد صوت ضحكاته لتمسك الوسادة وتلقيها عليه وهي تصيح به: -في حد يصحى حد كدا يا غبي! اطلع برا. أشار لنفسه بذهول: -اطلع برا؟ أنا بطرد؟ اقتربت منه لتدفشه للخارج وهي تدفعه من صدره: -يلا أدهم من هنا. وقف قائلاً بابتسامة: -اطلع اطلع، أنتي اللي خسرانة كنت جايب لك حاجة بس يلا اديها لأي بنوتة هخرج معاها. هب ليرحل من أمام عيونها الفتاكة التي أشعلت نار. كاد أن يغادر فجذبته من ياقة جاكته وهي تقول بغضب:

-معلش سمعني، بنت مين اللي أنت عايز تقابلها؟ تصنع الخوف وقال: -بنت؟ أنا جبت سيرة بنت؟ قالت بغضب وهي تنظر لعينه: -متكدبش. هدأت قليلاً لتقول: -صح، إيه هو اللي مش هتديهولي؟ هز رأسه نافياً وهو يقول: -لا لا مش هقولك خلاص. اقترب منها لينحني بوجهه أمام وجهها بقرب شديد وهمس وهو ينظر لعيناها وملامحها بتأمل وتعمق: -بس مكنتش أعرف إنك بتكوني قمر كدا أول ما تصحي. ضربته بخجل على كتفه ودفعته بعيداً وقالت:

-يلا بقا قولي عايز كنت تديني إيه؟ شعر بحيائها، فنظر إليها بحب. أربكها أكثر، جذب من جيبه شوكولا. ليمسك بطرفها وهو يمرره أمام نظرها. فقالت بفرحة وهي تصيح كالطفلة: -الله شوكولاتة. اقتربت منه ركضاً وكادت أن تأخذها ولكنه أبعد يده وهو يقول بمزاح: -لا مش هتاخديها. لتقول وهي تحاول جذبها منه: -هات بقا يا أدهم هخدها وربنا. اقتربت منه رويداً رويداً. سرعان ما جذبته منه وركضت. ليلحق بها وتتعالى صوت ضحكاتهم. اتجهت للمطبخ

لتختبئ خلف هدي وهي تقول: -الحقي ابنك اتجنن. هدي ضحكت: -أدهم ملكش دعوة ببنتي ويلا اطلع بقا. قال بتزمر: -خارج أهو، اشبعي ببنتك. جلست لمار على الطاولة بمرح وهي تأكل الشوكولاتة بتلذذ. رمقتها هدي بحب وقالت: -عملت لك الأكلة اللي بتحبيها؟ قالت لمار بمرح: -عملتيلي إيه؟ نظرت هدي إليها بعمق: -تعالي بس رصي السفرة معايا وبعدين أقولك. وقفت لمار لتأخذ منها الطبق تلو الآخر وتدعه على السفرة بينما باليد الأخرى الشوكولاتة. ضحك

أدهم عليها وقال بتريقة: -امسكي الطبق كويس، الشوكولاتة مش هتوه منك. لكمته ببطنه وخطت كم خطوة وعادت أدراجها وهمست بأذنه: -أنت جايب واحد بس؟ رفع حاجبه باستغراب وقال: -أيوه طبعاً، امال أجيب المحل؟ همست بصوت منخفض: -المفروض. نظرت له قائلة بغضب: -إيه البخل ده مش تجيبلي علبة أو علبتين؟ أنا كدا هغير رأيي. كادت أن تذهب فأمسك بيدها وجذبها نحوه: -هتغيري رأيك في إيه؟ فقالت وهي تنظر لعيناه: -فيك، عندك مانع؟ فتراجع عن كلامه:

-أنا مقلتش حاجة، بقول إن جيبت لك علبة كاملة بجميع الشوكولاتات. هزت رأسها له. وذهبت لتعد الطعام مع هدي. بعد انتهاء الطعام. ولجت هدي للمطبخ وبيدها طبق. وضعته أمام وجهها. نظرت لمار للطبق وصاحت بفرحة وعيناها تلمع: -الله كل ده عشاني. وجذبت الطبق وهمت بالأكل فوراً من كل أنواع الحلويات. ابتسمت هدي بفرحة على فرحتها البسيطة من أقل الأشياء وقالت: -عملت لك بلح الشام ولقمة القاضي وصوابع زينب، كلهُم ها. ابتسمت لها لمار بفرحة.

فنظر أدهم لها وقال بتريقة: -طب حتى اعزمي على اللي قاعد جنبك. مدت يدها له بالطبق، مد يده ليأخذ وفي آخر لحظة جذبت الطبق إليها وهي تضربه على يده: -الطبق ده ملكي أنا بس، خلي أمك تعمل لك. تعال صوت ضحكاتهم عليها. أما أدهم فقد صفن بها بضحكتها وروح الطفولة وطريقة أكلها. بعد مدة ذهبت برفقته لمنزل “جاسر” للعزاء ولكي تواسي مها والدة رفيقها. بعد تأدية العزاء صعدت مع أدهم لكي يوصلها. نظر لها من المرآة فقال: -هتعملي إيه النهارده؟

هزت رأسها: -هشوف هاله وعمرو وبعد كدا هشوف أحمد. أنت هتعمل إيه؟ ابتسم بحب وصدق: -ولا حاجة، هروح مكتبي وهتأمل صورة حبيبتي. ابتسمت بخجل. وصل لمبتغاها قبل أن تهبط قال لها بحب وعشق: -خلي بالك من نفسك. ابتسمت وهي ترجع خصلات شعرها خلف أذنها لتتعمق النظر لعيناه لمدة وهو أيضاً. وكأن عيونهم لها لقاء خاص.

هبطت من السيارة لتدلف للداخل ولكنها شعرت بهدوء. شعرت بالقلق. ولكنها استمعت لصوت الندى الذي ترنم بصوت شجي مطرب لآذانها ليخترق قلبها ليفعل به فعل السحر أو أشد. ذلك الصوت الذي دلف حصون قلبها فهزه بقوة. ترنم ذلك الصوت ليخترق قلبها كـ السهم. ما هو ذلك الصوت؟ ما المخبأ لها؟ ما مصير كامل مع زيد؟ يتبع…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...