الفصل 31 | من 34 فصل

رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
19
كلمة
4,987
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

أستقام بوقفته بتعب شديد. انحنى ليحمل أيهاب. هتف سيف برفض: "استنى بس أسمعني يا يوسف؟ يا أيهاب؟ لم يعطِ أي اهتمام لأحد ليحمله برفق. وصل عدنان وفيكتور، توقفوا أماكنهم بصمت من هول الصدمة. مر يوسف من جوارهم كأنه لا يراهم، يمشي بقلب قد مات لتوه. أشارت لمار بحدة لهم بأن يأخذوا رؤوف وحبيبة إلى البيت. وأسرعت هي لتلحق يوسف، حتى صعدت معه سيارة الإسعاف بصمت. وطول الطريق ترمقه بحب وشغف، وكأن قلبها قد أزهر للحياة عند رؤيته.

دموعه وهو ممسك بيد أيهاب أحرقا قلبها. ربتت على كتفه بحنان: "هيبقى كويس؟ نظر لها قائلاً بدموع تنسال بصمت وصوت مهزوز موجوع: "مش عايزة يسبني. ده لسه معرفش إني أخوه وأنك أخته، كان هيفرح أوي." أغمض عينيه بألم وتنهد بوجع قائلاً: "مكنتش قادر أواجه في الأول وأقوله؟ بس لا، ما يموتش قبل ما يعرف! "مكنتش عارف إنك بتحبني أوي كدا؟ قال تلك الجملة أيهاب، الذي نظر بطرف عينه ليوسف بخوف.

توقفت دموعه وهو يرمقه ببلاهة، غير متأكد أهذا حقاً صوت أيهاب أم أنه يتخيل؟ نظر لأيهاب وجده على مثل حاله. أما لمار، كبتت ضحكتها بصعوبة. بصدمة وزهول ودهشة هتف لها: "إنتي سمعتي اللي أنا سمعته؟ رفعت نظرها به وهي تهز رأسها قائلة برفض: "لا يا يوسف، مسمعتش حاجة خالص!! إنت سمعت حاجة؟ ابتلع ريقه بخوف وهو ينظر لها. فبطرف عينه نظر له "أيهاب" قائلاً: "وبقا كدا تخبي عليا؟ مش مسامحك أبداً! حدق عينيه بصدمة وهو يخشى أن ينظر له،

فقال وهو يشير للمار: "آهووووه، سمعتي صوت أيهاب بيقولي مش مسامحك؟ ادمعت عيناها وهي تقول بأسف: "مالك يا يوسف بس؟ ما أيهاب جنبك أهوووه، يكاد يموت؟ هز رأسه بقوة وهو يقول: "طب والله اتكلم وسمعت صوته؟ هزت رأسها بيأس. لينظر هو لأيهاب بخوف بنصف عين، وجده كما حاله. أما أيهاب، فابتسم وهو يقول بداخله: "ماشي يا يوسف عشان تخبي عليا تاني؟

وتذكر ذاك اليوم الذي كان في منزله. وأخذ فيكتور يوسف لغرفته، واستمع لحديثهم وأنه أخ له، وعلم بكل ما فعله والده بهم. فتح عينيه وهو يقول بذاته: "إن ما وريتك." اعتدل بجلسته وهو محدق عينيه بيوسف، الذي نظر له بخوف شديد وهو يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم، إنت لحقت تطلع عفريت؟ لم يستطع الصبر أكثر، لينفجر ضحكاً هو ولمار. نظر بدهشة لكلاهما. سارعاً ما اقترب ممسكاً بأيهاب بخوف قائلاً: "إنت كويس؟ حصلك حاجة طيب؟ إنت بخير؟

هز رأسه أيهاب. ليحتضنه يوسف بعدم تصديق. توقفت السيارة أمام مشفى يوسف. وما زال يوسف يضم أيهاب بقوة بداخله، يخشى فراقه. شعرت لمار لوهلة بالغيرة، فهذا أخاها الذي كان يخصها هي فقط. حتى بعد طول غياب لم يقل لها "عاملة إيه". غضت بصرها بحزن وأعين دامعة. فتح عينه ليجد ملامحها حزينة، علم حينها بما تشعر به. لكنها نست أنها أول فرحة لقلبه؟ أنها ابنته الأولى! نظر لها باسماً وهتف: "يا أميرتي؟

بفرحة طفل صغير، نظرت له بأعين مشرقة ووجه مبهج. ابتسمت عندما رأت بعينه اشتياقاً كبيراً لها. بهمس وصوت يكاد يكون مسموعاً، حرك شفتيه بدموع قائلاً: "وحشتيني!! امتلأت عيناها بالدمع. لتغمضهم بحزن وشهقت ببكاء. كاد أن يضمها لصدره بحنان، حتى قطع تلك اللحظة فتح الباب وسيف يطل منه قائلاً: "يا عم مش قولتلك اصبر؟ تحرك أيهاب ليهبط، فنكزه سيف قائلاً: "وأنت يا عم، دا مقلب تعمله في أخوك؟ حدق به وهو يهمس ويشير له: "بس اسكت، متفكرش!

نظر ليوسف بخوف، الذي رمقه بغضب وهو يهبط من السيارة. فقال بغيظ يكتمه: "يعني مقلب و بتمثل كمان؟ وقدرت تكتم نفسك؟ لا والمشكلة إني صدقت دمك المزيف ده ولا إنك عفريت! علم أيهاب أنها لن تمر مروراً بخير، فتراجع للخلف بخوف. شعر بلمار خلفه، ليستدير لها مبتسماً، وهو يمد يده لها كي تهبط من السيارة. ابتسم يوسف لها قائلاً: "هدي الواد ده علقة وجايلك." ما كاد أن ينهي جملته حتى ركض خلفه غاضباً. أسرع

أيهاب ليقف خلف لمار بخوف: "الحقي يا لمار، أخوكي اتجنن؟ فأشار له غاضباً: "إنتوا خليتوا فيا عقل أصلاً؟ صمتوا الاثنين على صياح لمار: "بس إنتوا الاتنين اسكتوا! وقفا الاثنين بصمت تام. فرمقتهم هي بغيظ. ليقطع ذاك الصمت ضحكات سيف قائلاً: "إنتوا مجانين عموماً." ابتسم وهو يمد يده ليوسف وأكمل قائلاً: "شكراً على مساعدتك لينا؟ ثم ضمه بلهفة وهو يقول: "ثانياً، ربنا يخليك ليا يا صاحبي؟ ابتعد عنه قائلاً: "ودلوقتي يلا عشان أوصلكم؟

قطعته لمار برفض تام: "توصل مين؟ مش هنمشي غير لما أطمن عليه! ضرب يوسف جبهته بيده وهو يتمتم: "أنا عارف إني مش همشي غير بأمر منها؟ نظر لها مبتسماً وهو يقول جاهداً: "حبيبتي، أنا كويس، يلا نمشي؟ أشارت له بغضب: "يوسف، سمعت أنا قولت إيه؟ رفع حاجبه بدهشة قائلاً: "أنا الأكبر على فكرة! المفروض إنتي تسمعي كلامي مش العكس؟ اقتربت منه بغضب وهتفت: "يوسف، اسمع الكلام، لأنك مستحيل تعدي من قدامي حتى غير لداخل المستشفى؟

يعلم كم هي عنيدة، فأشار بتأفف: "يلا يا لمار، يلا يا حبيبتي؟ حاول أيهاب كبت ضحكته، فلم يستطع، فقال بمناغشة: "شكلكوا حلو كدا وإنتوا بتتخانقوا؟ نظروا له الاثنين بغضب، فهتف بخوف: "إيه ده، إنتوا بتتحولوا مع بعض؟ أشارت لمار بيدها له وجذبت يوسف للداخل، ليلحق بهم مسرعاً. ولج يوسف لزميل له، بينما ظلت لمار بالخارج بقلق وهي تهز بقدمها. لم تشعر سوى بضم أيهاب لها بحب وهو يقول بصوت خائف: "أوعي تسبيني ولا تبعدي عني؟

ضمته بحنان "أم"، وهي تغمض عيناها. نكزته بخفة وهي تقول: "هو في قلب من غير نبض؟ هز رأسه رافضاً. فقالت بتفهم وهي تضربه من مؤخرة رأسه: "أمال إيه، أسيبك دي... قطع جملتها رن جوالها، لتلتقطه بلهفة وهي ترى اسم زيد، لتجيب بفرحة: "أيوه يا زيد، عامل إيه؟ فرد زيد بعدم صبر: "طمنيني عليكي، إنتي عاملة إيه؟ ارجعي يا لمار، يا أما هجيلك... قطعته

بضحكة رقيقة وهي تهتف: "طب اهدي بس، متقلقش عليا، أنا جايه أنا ويوسف وماما وأيهاب وكلنا راجعين؟ صدمة، دهشة، زهول سيطر على زيد، ليهمس ببلاهة: "راجعة إنتي ومين؟ ضحكة برقة وهي تعلم حالته الآن، فلا بد أنه مصدوم تماماً: "زي ما سمعت، هرجع أنا ويوسف وماما وأيهاب وحبيبة كمان؟ فهمس بغباء: "مش فاهم؟ ضحكة بتريقة وقصت له كل شيء. ظلا يتحدثان حتى لمحت خروج يوسف من غرفة الكشف. لتغلق مسرعة وتتوجه

له قائلة ببسمة واسعة: "إنت كويس دلوقتي؟ اكتفى بإيماء بسيطة لها، وهو يتأمل وجهها بحنان بالغ. كأنه يحتضن وجهها بعينيه. تطلعت به بأعين دامعة. فاض به وسحقاً لتلك المسافة الفاصلة بينهم، فالقلب قد لهبه الشوق. رفع يده ليجذبها داخل أحضانه وهو يشدد على ذراعيه. هبطت دموعها على صدره، لتزيحهم فوراً حتى لا ينتبه أحد. ردت لها روحها الآن. شعرت بمجيئها على الحياة من جديد. ابتعدت عنه على صوت أيهاب: "لا لا، خاينة بتخونيني يا لمار؟

مكنش العشم يا أختي، يا وحشة، خدي عيالك يا أختي وهطلقك، مش عايزك." من بين دموعهم ظهرت ابتسامة على وجوههم مبهجة. فقال أيهاب: "مش يلا نرجع طيب؟ وفي البيت حبوا في نفسكم براحتكم؟ تطلع لعيناها لدقائق باشتياق وألتقت يدها بين كفه وأشار لها: "يلا بينا؟ بقوة ضغطت على يده، تخشى بعده، فتمتم هو بداخله بحزن: "ياريتك معرفتي إني عايش عشان متعيشيش وجع موتي تاني." تطلع بيدها التي تشدد على يده كطفل صغير

متعلق بوالده وهمس بخفوت: "ياريت أقدر أطمنك إني مش هبعد، بس الأقدار بيد الله." بفرحة وقلب يرفرف كالطير من شدة الفرحة، ولجت سريعاً للداخل لتحتضن والدتها بشوق كبير. فهتفت "أمل" وهي تضمها: "يوسف كويس؟ أجاب يوسف بابتسامة وهو يدلف من الخارج: "آه يا حبيبتي، أنا تمام! ابتعدت "لمار" لتتجه ليوسف وتحضنه بحب.

نظر لها "أيهاب" بشوق وحنان، محتاج لحنانها الذي افتقده. انتظر أن تأتي لتعانقه كما أخواته. ولكن تفاجأ بنظرات الكره منها، شعر بغصة بقلبه. اندفعت "تالا" تحتضنه بخوف وهمست: "كنت خايفة عليك؟ ربت على كتفها بحنان وأبتعد عنها ليقترب من والدته بابتسامة واسعة. وما كاد أن يقترب حتى أشارت له بيدها: "عندك، متقربليش! وقف مكانه متسمراً وهمس بابتسامة بريئة: "ماما." كاد أن ينطقها "ماما" حتى صاحت به غاضبة: "أنا مش أمك!

أنا أم لمار ويوسف وأياد بس! أنا مش أمك ولا إنت ابني؟ نظر نظرة حزن "للمار" كأنه يخبرها أنه يتحامى بها أو يستند عليه. لم تحتمل تلك النظرة منه. لتخطو تقف بمحاذاة والدتها قائلة: "ماما، مسمحلكيش تعاملي أيهاب وحش، أيهاب أخويا زيه زي يوسف وأياد وأكتر؟ لوهلة شعرت "تالا" أنها غريبة بينهم، فخرجت بحزن وهي مطأطأة الرأس تشعر بالوحدة. لمحها فيكتور لينهض خلفها تاركاً لهم مجالاً للحديث. أدارت "أمل"

وجهها وهي تقول: "سيبوني دلوقتي، هطلع أنام؟ سرقت نظرة سريعة لأياد وصعدت لأحد الغرف. بلمح البصر وقفت "لمار" أمام أيهاب قائلة: "لا يا حبيبي، متزعلش." احتضنت وجهه بين يديها وتابعت قائلة: "إحنا انهاردة هنفرح وبس، وماما والله شوية وهتهدى، بس إنت متزعلش؟ ابتسم لها بحب وقال بتذكر وهو يرمقها بترقب: "ماشي، مش هزعل، بس بشرط؟ تطلعت به باستغراب قائلة: "أقول يا حبيبي؟ فهمس بطفولة: "يعني الواد يوسف ده الاهبل."

نظر له ليشير يوسف له محدقاً: "أنا؟؟ فأومأ "أيهاب" برأسه مؤكداً وتابع للمار قائلاً: "طول طفولتك وإنتي جنبه، وكمان قلتي إنك مكنتيش تنامي غير جنبه، حتى الواد أياد إنتي شلتيه واهتمتي بيه لحد ما كبر." ابتسم بخفوت وأكمل بطفولة: "بس أنا مخدتش نصيب من كل ده." نظر لها بحذر، فأومأت برأسها بتفهم فأكمل بترقب: "المفروض كل الأيام اللي جاية تبقي ليا وبس، وانهارده تنامي جنبك؟ تضاحكت لمار بخفة وهي تضربه بمؤخرة رأسه: "طفل إنت؟

فأشار بطفولة مؤكداً: "آه طفل؟ تمتمت "لمار" بغيظ: "خلفت ونسيت أنا؟ جذبته من يده وهي تقول: "تعال ياخويا أما أنومك." فضحك أيهاب بمرح. دفعت يوسف بعيداً من أمامها قائلة: "أوعى يا عم إنت كمان كدا! اتسعت عينا يوسف بصدمة وهو يقول: "البت اتجننت." وقع نظره على تلك التي تتأمله بحب. ضاع بعينيها لثوانٍ ببسمته الساحرة. ليحتل الغضب وجهه وهو يغمض عينيه بألم وهمس بذاته: "أنا مش عايزك تحبيني!

اقترب منها بخطوات حاسمة ليجذبها من معصمها بلا كلمة ويصعد بها الدرج. فتح الباب وصفقه خلفه بغضب. وقال وهو ينظر لعيناها بنظرة مميتة: "أنا مش قولت ماما متطلعش من غرفة المكتب؟ ضغط على يدها بقوة وأكمل بنفس النبرة: "ليه مسمعتيش الكلام؟ تأوهت بألم وهي تقول: "إيدي، إيدي يا يوسف! لم يعبأ بألمها ليضغط أكثر وأكمل بغضب وهو يصيح بها: "تعرفي إن أمي ممكن تكون ميتة بسببك دلوقتي؟ ليه مش بتسمعي الكلام! لو حصلها حاجة كنت هعمل إيه أنا؟

إنتي إنسانة غبية مبتفهميش؟ دفعت يده بحدة وهي تقول من بين دموعها: "مسمحلكش يا يوسف تعاملني كدا؟ أمك هي اللي طلبت تخرج وأنا رفضت، بس أصرت، أنا مش ذنبي وهي كويسة الحمد لله، ليه بتعاملني كدا؟ فصاح بصوت عال وهو يدفعها بالحائط: "لأنك مبتسمعيش الكلام وديما بتعملي عكس اللي بقوله." تاركها صافقاً الباب خلفه وهو يستند عليه بألم، فلم يعد بقدرته رؤية دموعها تلك التي تحرق نفسه. تمددت لمار على جنبها، وجهها مقابل وجه أيهاب.

نظر لها "أيهاب" متأملاً بهيام وهمس: "تعرفي يا لمار." رمشت بعينها تحسه على الكلام بحب، فأكمل قائلاً: "أنا من قبل ما أعرف إنك أختي، حبيتك أوي من كلام يوسف. ولما جيت القاهرة جيت بس عشان أشوفك. تعرفي بحس بإيه؟ بوجه باسم وأعين باسمة قالت بحب: "إيه؟ فأكمل وهو يمسك يدها: "بحس إنك أمي. أنا بطمن معاكي أوي، بحس إنك سندي، برغم إني أنا المفروض أكون سندك. لما شفتك أول مرة حسيت إني مش عايز أفارقك أبداً!

كادت أن تهم بالحديث، ليقطع خلوتهم تلك، صوت يوسف قائلاً: "لا والله، دا على أساس إنك متعرفنيش؟ إذا هي ليها الحب ده كله." أشارت له "لمار" بضحكة: "وأنت مالك بقى! تحرك ناحية الفراش ليدفشها للداخل بخفة وتمدد جوارها بغيظ وهو يقول: "أوعي يا أختي كدا، وبعدين تنامي جنبه ليه أصلاً؟ تنقلت أنظارها بينهم وهي تقول: "هو إنتوا هتتخانقوا؟ أنام جنب مين؟ رفعت إحدى حاجبيها بغيظ. فجذبها يوسف إليه قائلاً: "لا يا قلبي، مش هنتخانق أكيد."

"لأن معروفة هتنامي جنبي بس! جذبها أيهاب بحدة وهو يقول بغضب: "بطل طمع، ما أنت شبعت منها، أنا لسه؟ صاحت بهم وهي تعتدل بجلستها: "بس تشبعوا مني إيه؟ أكونش أكل وأنا مش عارفة؟ إيه يا أختي ده! تعالى صوت ضحكاتهم. لتنظر لهم لمار بفرحة وتنام جوارهم بسعادة. عانقها الاثنين بأمان وسرعان ما غطوا في نوم عميق كأن لهم سنين لم يناموا. بينما بالأسفل كان يراقب فيكتور "تالا" بحزن. حتى حسم ذاته ليقترب ويجلس جوارها بصمت تام. أحست به،

فنظرت له قائلة بوجع: "هو أنا مليش مكان هنا بينهم؟ جف قلبه من صوتها المتألم ليقول بتفهم: "إمتى أيهاب كان بعيد عنك؟ إمتى احتجتيه وملقتهوش جنبك؟ إمتى احتجتي الاحتواء وهو محتوكيش؟ إمتى طلبتي حاجة ومنفذهاش ليكي؟ إمتى يوسف تأخر عنك عن أي حاجة؟ هزت رأسها نافية وهي تقول: "فعلاً، هما عائلتي وديما جنبي." فأشار لها باسماً: "أهو جاوبتي على نفسك." ابتسمت

بفرحة وهي تقول بذاتها: "بس أنا مش هفرط في يوسف، دا أول حب ليا، هحاول أبعدهم عن بعض على قد ما أقدر؟ كان ينظر لها فيكتور بتأمل وحب في آن واحد. ثم إلى وجع. وما أصعب أن تحب شخصاً لا يصح لك؟ وما أصعب أن تموت وأنت حي؟ وأن يصبح قلبك قبراً في الحياة؟ بغرفة "يوسف" تجلس "حبيبة" مستندة على الباب. مسندة رأسها للخلف تبكي بصمت. لا تعلم ما تلك القسوة والجفاء الذي يعاملها به؟ ليس هو من كان قبل ساعات.

ضمت قدميها بيدها ودفنت وجهها على قدمها وبكت بحرقة. تذكرت كل لحظاتهم، فما الذي غيره لتلك الدرجة. ساندت نفسها لتنهض بخطوات هادئة نحو الفراش. دثرت نفسها جيداً ودفنت وجهها في الوسادة باكية. ألم تشهد الوسائد دموعاً كثيرة، استقبلتها بقلب رحب. لعل تلك الوسادة تأخذ يأسها لتصنعها آمال غداً. فمهما ضاقت الحياة فهناك متسع من الأمل ما زال موجوداً. ورب يعلم ما بالقلوب من أحزان فيبددها بالسعادة.

ظلت تبكي حتى أن عيناها لم تغفى بتاتاً. تشعر به يخبي شيئاً، ولكن ما هو؟ كأن قلبها أصبح ينبض بالأوجاع. هل هو عايش حقاً؟ نهضت تتهادى كي تصلي ودموع لا تفارق مقلتيها. كانت تهوي بغزارة مع كل آية تقرأها بخشوع. تدعو بقلبها بصمت، حتى سجدة وكأن كل ما بقلبها انسكب على سجدتها وهي تدعو الله بقلبها. دعوة خالصة. شعرت بالسكينة والراحة لتتنهد بارتياح وجفت دموعها وظلت تذكر ربها.

أما "أمل"، فنظرة أيهاب تلك لا تفارقها. كيف استطاعت أن توجعه؟ وما أصعب أن تجرح قلباً وقلبك به آلاف الجراح. ينصهر مع كل كلمة تلفظ بها. بكت بحرقة، فهي إلى الآن لا تقبل به ابنها. تكرهه كما تكره أباه وأكثر. ولكن ما ذنبه هو؟ ذنبه أن والده هذا الشخص "رؤوف". فلا أحد منا يختار والديه. طرق "زيد" عدة طرقات. خفق قلبه بشدة ليرفع بصره مبتسماً بحب وروحه تحلق عالياً. بابتسامة زادته وسامة قال: "إنتي هنا، عاملة إيه؟ أشارت

له بخجل وأنفاسها تزداد: "تمام الحمد لله." تنحت جانباً وأشارت له: "تعال." ولج للداخل وهو يقول: "البنات عاملين إيه؟ تطلعت به هالة من خلف الأريكة قائلة: "كويسين ياخويا! بس خد الواد ده معاك؟ فأشار أياد بغيظ: "مش عايزني يا هالة؟ هزت رأسها نافية وهي تقول: "لا مش عايزك، زهقتني." لم يدري "زيد" ما يقوله أو كيف يبدأ. فهتف بحماس: "طب كلكم كدا اسمعوني." "عايز الشقة دي تلمع كدا ومتزينة، تزينة حلوة؟

لوت هالة فمها بتهكم: "والله وليه إن شاء الله؟ ما تيجي إنت تروق! فصاح بها وهو يكتم غيظه: "اسكتي يا هالة إنتي واسمعوني، لمار راجعة؟ هللوا الفتيات حوله بفرحة. فأكمل قائلاً: "ويوسف راجع وأم لمار راجعة؟ صمتوا الفتيات بعدم فهم. لتقول هالة بسخرية: "أم مين ياخويا اللي راجعة؟ تغاضى عن سخريتها وقال: "اللي سمعتيه يا هالة." "ودلوقتي اعملوا اللي قلتلكم عليه، عندي مشوار! أشار لهم وكاد أن يستدير. فنظر لبسنت بحب لدقائق وغادر.

ظلت الفتيات على صدمتهم وأكثرهم أياد الذي همس بزهول: "هو قال مامت مين اللي راجعة؟ فهمست هالة بزهول: "مامت لمار!! فقالت ريم بتوضيح: "خلاص بقى، هنفهم كل حاجة لما لمار ترجع. يلا نبدأ نرتب كدا ونزين الشقة زي ما قال! أومأت برأسها هالة. فجلس أياد جوار ورد بصدمة وصمت. أما "زيد" أنطلق إلى شركته كالثور الهائج. واندفع إلى شركته فقابله منصور قائلاً وهو يولج معه للداخل: "رؤوف جوه في المخزن وجون وصلته زي ما طلبت!

أشار له زيد: "كويس." فتح الباب بابتسامة خبيثة بث الرعب بقلب رؤوف الذي ابتلع ريقه الجاف بصعوبة. حتى أن قلبه قد جف من خوفه. بحدة استدار زيد برأسه لـ منصور قائلاً: "روح إنت دلوقتي، عايز أقابل الأستاذ رؤوف على انفراد! أومأ برأسه وغادر. ليولج زيد للداخل وهو يصفق الباب بقوة خلفه. تقدم بصمت تام ليجلس على مقدمة الطاولة وقال بهدوء: "أزيك يا رؤوف، عامل إيه؟ رؤوف رفع بصره له بخوف وكله اختفى وهو بيفتكر ابنه. فقال بوجع وحزن بادٍ

على ملامحه: "عايز ابني؟ عايز أشوفه." وأكمل برجاء: "وديني عنده أشوفه بس، أطمن عليه. طب قولي هو كويس؟ لوهلة زيد صعب عليه حالته. فهو خسر والده ويعلم جيداً ذاك الوجع. لكن ها هو قاتل والده أمامه، قتله دون رحمة. فكيف سيرحمه هو! زيد ابتسم وانحنى له قليلاً وهو يقول: "ياااااه، دوق من اللي إنت دوقتهولنا. حرقة قلبنا وإنت قلبك محروق أهووه، بس على الأقل إحنا كنا عارفين إنهم ماتوا. بس إنت" هز رأسه: "لا، متعرفش هو عايش ولا ميت!

رفع رأسه بضيق وهو يحجب دموعه. تنهد ونظر له بحقد قائلاً: "كم قلب أب وأم حرقته على خطفك بابنهم وسرقة أعضائهم؟ كم شخص حرقته قلبه ونومته مسلوب البال؟ وعشان إيه؟ فلوس هتمتعك كم يوم ومش هتخليك محتاج حاجة نهائي. فلوس صح؟ بس هو إنت واخده معاك لما تموت؟ لما تدفن في القبر تحت التراب، هل هتأخده معاك؟ هتقول إيه لربك؟ هتقوله إيه؟ ما هي ياريت الفلوس هتنفعك يوم القيامة. فكر، فكر في كام قلب حرقته." أقترب منه وأمسكه من ياقة

قميصه وقال بصوت جهوري: "البدلة دي مش هتنفعك ولا أعمالك السودة دي هتنفعك، ولا جمع المال هينفعك. ابنك دفع تمن جرائمك وتستاهل دوق حرقة القلب وناره. دوق بقا." أمسكه من عنقه سائلاً بحدة: "أنا مش هقدر أعملك حاجة، بس وعد أختي مش هترحمك؟ نهض ليغادر وهو يوصد الباب خلفه وتنهد بوجع. يعلم جيداً أن أيهاب بخير، ولكنه أحرق قلبه مثل ما حرق قلوب كثيرة. فتحت عيناها البنية بتكاسل. لتعتدل بجلستها ونظرة يمنى ويسرى وهي تفتح

وتغلق عينيها وهمست بخوف: "هو أنا بحلم ولا هما فعلاً جنبي؟ قال تلك الجملة "يوسف" وهو يعتدل وينظر لها. فابتسمت بحب وأسندت رأسها إلى صدره، فضمها بحنان وطبع قبلة رقيقة على رأسها وهو يقول باسماً: "صباح الخير يا أميرة قلبي؟ رفعت عينيها به قائلة: "وأنت بخير يا حبيبي؟ رمقهم "أياد" بغيظ وهو يقول: "يا سلام، هو حبيبك وأنا إيه؟ ضربته "لمار" جبهتها بيدها وهي تقول بمرح: "هي الساعة كام؟ حاسة إني نايمة ليا سنة."

وهكذا كان يشعر يوسف كأنه لم ينم منذ سنوات. جذبت الهاتف وصاحت بأعين متسعة: "العصر أذن، كل ده نوم؟ دا أنا أول مرة أعملها؟ فقال يوسف بسخرية وهو يجذب منها الهاتف: "عصر إيه بس؟ هاتي كدا." نظر بالهاتف وقال: "يا نهار! مش باين، أنا نمت كل ده؟ دفعته بعيداً وهي تنهض وقالت: "أحسن، مكنتش مصدقني؟ وصلت عند الباب وأستدارت برأسها قائلة بأمر: "ربع ساعة وتكونوا تحت على الفطار، وكمان تجهزوا نفسكم عشان نازلين انهاردة! نظر

لها أيهاب وقال بعدم فهم: "هو إحنا حجزنا عشان ننزل؟ فرمته بسخرية: "لا، أنا بقول كدا وخلاص. يلا قدامكم ربع ساعة هااا... وخرجت صافقة الباب خلفها. نظر أيهاب ليوسف بصدمة: "هي قالت ربع ساعة بس؟ هز رأسه يوسف. ليقف أيهاب ركضاً إلى "الحمام". ارتفعت صوت ضحكات يوسف. خرج متجهاً لغرفته. ولج يوسف لغرفته بقلب متألم. يعلم جيداً كم جرحها وأنها أكيد لم تنم. تنهد بضيق. لمار هبطت للأسفل. تقدمت من

والدتها قبلت يدها قائلة: "صباح الخير يا ست الكل." ابتسمت "أمل" بحنان وجذبتها لحضنها قائلة: "كدا برضه تنامي مع أخواتك وأنا لا؟ ابتسمت لمار بخفة: "معلش يا حاجة، إنتي انهاردة." "أمال فين البت حبيبة؟ أشارت ناحية المطبخ: "شوفيها في المطبخ كدا؟ تسللت بخفة ناحية المطبخ وجدتها شارده بحزن ينبع من أعماق قلبها. تملك القلق قلبها. وسارت ناحيتها بحذر.

رفعت يدها على كتفها، فنظرت لها حبيبة بأعين يغلفها الدمع. نظرت لها بحزن واحتياج. وأغمضت عيناها وسالت دموعها على وجنتها. وضمت لمار فوراً وانكبت على كتفها مجهشة بالبكاء. ربتت لمار على ظهرها بخوف. وأبعدت عنها في قلق وهي تحتضن وجهها بين يديها: "مالك يا حبيبة؟ بتبكي ليه؟ يوسف زعلك في حاجة؟ هزت رأسها نافية بدموع تهوي بغزارة. فاكملت لمار بقلق: "أمال إيه يا حبيبتي؟ هو اتجوزك غصب؟ لو مش عايزة تكملي معاه أنا... قطعتها يد حبيبة

على فمها وهي تقول ببكاء: "لا يا لمار، أنا بحبه." أزاحت دمعاتها قائلة ببسمة: "يا بت، هو في حد ميحبش أخوكي؟ أنا بس اتوحشت بابا وماما أوي." نظرت بتمعن لعيونها فوجدت الكذب ينبع جيداً. ابتسمت برقة لطالما لا تريد الحديث لا بأس. ستتركها حتى تخبرها بنفسها. "حبيبتي، خلاص، إحنا هنرجع انهاردة." أشارت لها حبيبة: "هو يوسف صحي؟ غمزة لها قائلة: "آه." فقالت حبيبة وهي تغادر: "هروح أشوفه وأجيلك فريرة."

صعدت ركضاً لفوق. تسللت بخفة وفتحت الباب وطلت برأسها. وجدته يقف بالشرفة. فبهدوء سارت وضمة من ظهره وهي تسند رأسها لظهره. أغمض عينيه بألم وأبعد يديها وهو يدفعها للخلف وهو يصيح: "فوقي بقا! أنا اتجوزتك عشان أحميكي مش أكتر وهطلقك." أغمض عينيه واستدار للجهة الأخرى قائلاً: "أنا بحب واحدة تانية وهتجوزها." سالت دموعها بحرقة وأقتربت منه لتمسك يده: "بتهزر صح؟ أكيد أنا بس اللي في قلبك؟

نظر لعيونها التي تحرق قلبه. أراد أن يضمها ويقول لا، أجل حبيبتي، أنتي فقط التي بقلبي ولا أحد غيرك. نظر لها بغضب وأعين خالية من المشاعر ودفعها بعيداً: "حبيبة، قولتلك أنا اتجوزتك عشان أحميكي مش أكتر." هبطت دموعها قائلة: "إيه؟ تألم قلبه ولم يعد الوقوف أمامها وإلا سينهار. ليسير مسرعاً من أمامها. وهبط للأسفل وهو يصبح على والدته وبعدها أجرى اتصال وجلس جوارها قائلاً: "صحتك عاملة إيه دلوقتي؟ مررت

يدها بخصلات شعره قائلة: "أنا تمام، بس حبيبي ماله؟ شايل هموم الدنيا وأوجاعها فوق رأسه ليه؟ هز رأسه نافياً: "لا يا حبيبتي، أنا تمام." قطعتهما لمار وهي تقدم لوالدتها العصير: "أحلى كوب عصير لأحلى أم بالدنيا." ابتسمت لها أمل بسعادة وجذبته منها. "لماررررر." أتى ذاك الصوت من خلفها، بأعين أشرقت وروح أزهرت وقلب نبض بالحياة. ابتسمت ولمع الدمع بأعينها وهي تستدير ببطء تخشى أن تكون بحلم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...