بيدين مرتعشتين أمسك الهاتف ليرن على فيكتور، لعله يصل قبله فينقذ معشوقة قلب أخيه. جاءه أخيراً صوت فيكتور وهو يقول بمرح: "أوعي تقول أني وحش..... قطع باقي جملته شهقاته العالية وهو يقول: "فيكتور أنت فين، ألحق حبيبة وماما بسرعة بسرعة! كالصاعقة، تلك الكلمات جلجلت فؤاده ليقول بصوت مهزوز: "إيه اللي حصل!؟ قطعه صراخ يوسف به: "بقولك ألحقهم بسرعة!
وأغلق فوراً، وهو يضرب يده بالنافذة بغضب وصوت بكاءها يزلزل قلبه ألماً. فكيف تشعر بالخوف وهو ما زال على قيد الحياة؟ أما فيكتور، فبمجرد أن أغلق معه، حتى هرول بقلق يقود سيارته عائداً للمنزل. كان يقود بسرعة كبيرة بقلب يشتعل بالنار والخوف، يكاد أن يصطدم بالسيارات، ولحسن حظه، تفاداها بأعجوبة. رن هاتفه فجأة برقم غريب. ليلتقطه بلهفة لتكون هي. وقال بصوت مختنق: "الوووو" جاءته ضحكته التي يبغضها كثيراً، ضحك ساخراً وهو يقول:
"أزيك يا بن أخويا؟ مش عيب عليك تكون لسه حي ومتجيش تقول لعمك! وكمان تخطف أمك من عندي. إلا صحيح، أصل رجالتى معرفوش مكانها فجابوا مكانها مراتك، هي عندي؟ فصاح يوسف قائلاً بغضب: "أقسم بالله إن لمست شعرة منها، هدفنك مكانك. أنا استنيت عليك كتير." فقال رؤوف بجدية: "طب أهدي كدا وسمعني، ومتنساش حبيبة القلب معايا. فبسكات كدا، لو عايزها عايشة تيجي على العنوان اللي هبعتهولك دلوقتي! لم يكن منه سوى أن ينصاع له حتى لا تتأذى،
فقال بحقد: "جاي بس متقربلهوش، وستلقي وعدك." ما كاد أن ينهي جملته، وأغلق فوراً، وهو يلقي الفون جواره بعصبية. صف فيكتور سيارته وفتح الباب بلهفة وهلع وهو يركض للداخل بجنون. أفجعه منظر الحراس أرضاً. فأكمل طريقه للداخل بألم وخوف وهو ينادي باسم: "حبيبة." وقف بفناء المنزل وهو يضع يده بجذعه، يحوم حول نفسه وعينه تجوب المكان وهو يردد بوجع: "أنا وصلت متأخر! هقول إيه ليوسف؟ مقدرتش أحميهم؟
ترقرق الدمع بعينه وركض داخل المكتب وإلى تلك الغرفة داخله تحديداً، ليرى والدة يوسف مغشياً عليها. أسرع بفزع ليحملها ويضعها على الفراش برفق. وذهب لإحضار عطر وعاد على الفور قربه من أنفها، لتفتح عينيها ببطء شديد بخوف. وقع بصرها على فيكتور، الذي أسرع ليمسك يدها بحنان ويقول بقلق: "إنتي كويسة؟ حصلك حاجة؟ هزت رأسها بالنفي وهي تقول بصوت وهن: "حبيبة فين؟ غض بصره بأسف، فعلمت حينئذ أنها اختطفت.
بتمر ساعات وساعات دون جدوى، فلم يكن منه إلا أن يرن على إيهاب يطلب منه القدوم هو وتالا. وأغلق معه ليخبر عدنان بشيء. تنهد بقلق وهو يجلس على أقرب مقعد، يشعر بفقدان سنده الوحيد. يرن على هاتفه دون جدوى، وتلك الرسالة تجعله يجن: "هذا الرقم مغلق". وضع رأسه بين كفيه وكأن هموم الحياة على عاتقه بأكملها. لحظات، وكان يهرول إيهاب نحوه بقلق وقال بصوت يعتليه الخوف: "يوسف فين؟ أخويا فين؟ انطق! تخلى فيكتور عن مقعده ليقف أمامه
بثبات خادع وهو يقول بجدية: "كويس متقلقش. عايزك بس تفضل هنا أنت وتالا مع ماما أمل. عندي مشوار صغير وراجع." جذبه إيهاب من معصمه قائلاً بدموع خانته: "طب قولي أخويا فين؟ هو كويس؟ ربت فيكتور على يده المقبضة على معصمه بحنان وهو يقول باطمئنان: "أنا رايح عشان أرجعه ومفيش وقت أحكيلك. لازم أتصرف. خلي بالك أنت من ماما تمام؟
هز رأسه نافياً له، فابتسم له ابتسامة هادئة، وكاد أن يستدير ليقف وتطرق الطبول بقلبه عند رؤياها. هز رأسه نافياً وغادر مسرعاً. بينما اقتربت تالا من إيهاب قائلة ببكاء: "هو يوسف ماله؟ وصحيح بابا مجرم ومطلوب للعدالة! صحيح بابا كان بيسرق أعضاء الأطفال؟ جذبها إيهاب من مؤخرة رأسه لصدره بحنان وهو يقول: "متفكريش يا حبيبتي في الموضوع ده." رفعت بصرها به قائلة: "يعني إحنا مبقاش لينا حد غير يوسف؟ هز رأسه نافياً وقال:
"إزاي يعني ما أنا أبوكي وأخوكي. إنتي ناسيه إن أنا اللي مربيكي. دا إحنا صحاب. طيب وبعدين في يوسف ولمار والباقي، هعرفك عليهم وهتحبيهم؟ تعالت صوت شهقاتها وهي تقول: "إنت كل حاجة ليا وخايفة لتسبيني في يوم وأكون يتيمة. أنا وقتها هحس باليتم دا. إنت هو أبويا وأخويا وصحبي وأمي! ضمها وهو يقول بوجع وصوت مهزوز: "إن شاء الله هفضل جنبك طول العمر. ادخلي شوفي مامت يوسف لو محتاجة حاجة وأنا هفضل قاعد هنا."
أومأت برأسها له، وولجت للداخل ليجلس هو على أقرب مقعد بقلق وخوف. كانت روحها تبكي حزناً، والاشتياق يعصر قلبها ألماً. تذكرت إيهاب وحديثه لتبتسم بحب وفرحة. ارتدت سدال الصلاة لصلاة المغرب. شرعت بصلاتها وقلبها يدعو أن تجده. أنهت صلاتها لترفع يدها وعيناها للسماء. وهي تقول بصوت موجوع مشتاق: "يا رب رجعهولي يا رب قربنا من بعض. يا رب أنت العالم بحالي يا مجيب أجب دعائي. أسألك يا رحمن أن ترده لي." أغمضت عيناها بألم فطال الانتظار.
ما كادت أن تستقيم لتطوي سجادتها، حتى استمعت لطرق على بابها. خلعت سدالها فوراً وتنهدت بضيق وتوجهت مسرعة لتفتح. اعتلت وجهها الصدمة وهي ترى عدنان وفيكتور أمامها. ربعت يدها أمام صدرها وقالت بجمود وعيناها لفيكتور الذي يغض بصره أرضاً: "خير؟ في حاجة؟ رفع عينه الممتلئة بالدمع لها، فنظرت له بخوف يرجف قلبها ونفسها. فقال بألم ووجع: "يوسف." بأعين ظهر بها القلق والخوف، ابتلعت ريقها الجاف مما ستسمعه. رددت بصوت مهزوز يخشي
ما سيقوله وهي تغلق عيناها: "يوسف ماله؟ توجع فيكتور لنبرة صوتها تلك، ليشرع بقص لها كل شيء حتى عن والدتها. أصبتها الدهشة، وبوجه مشرق بالفرحة ودموع انسابت على وجنتيها قالت: "أمي عايشة، يعني هي عايشة؟ أومأ فيكتور رأسه بحزن: "تعالي شوفيها."
ابتسامة واسعة بقلب يرفرف عالياً من شدة الفرحة هبت مسرعة. لتتوجه معه هناك بقلب لم يحتمل الصبر، كانت تعد كل ثانية أثناء الطريق، تشعر أنهم سنوات. تبا، متى ينتهي الطريق الفاصل بينها وبين والدتها؟ كم اشتاقت لحضنها، وحنانها، وهمسها، ولمست يدها. كانت تحجب دموعها بأعجوبة أمام الشابين. وحينما توقفت السيارة، أسرعت بفتح الباب الذي يليها لتركض كالبرق للداخل بقلب مشتاق وعينان مشتاقة. لم تر إيهاب الذي هب واقفاً بفرحة عند رؤيتها.
كانت عيناها تجوب المكان وهي تلهث، حتى ولجت بتلك الغرفة. توقفت قدماها عن الحركة وهي تراها تتوسط الفراش بحزن. لم تر تالا، فعيناها مثبتة عليها. لم تقو على حجب دموعها، لتهبط على وجنتها كأمطار سالت فجأة من السماء دون موعدها. شعرت بها، لتنهض بأعين تفيض بها الدمع وهي ترمقها باشتياق.
أما لمار، فمن وسط دموعها ظهرت ابتسامة حالمة على ثغرها وهي تتأملها بهيام، تخشى أن تكون بحلم. تحرك وجهها تارة يميناً ببسمة واسعة، وتارة يساراً وهي ترمقها بعدم تصديق. ضحكت فجأة بوجع وهي تهمس: "ماما؟ ويا الله، من تلك الكلمة كم كانت تشتاق لها كثيراً. فردت أمل ذراعيها وهي تأمأ لها بعينها، لتقترب وخطت خطوات بطيئة جداً نحوها. فتقدمت أيضاً لمار بخطوات بطيئة، وكأن قدمها لا تحملها على السير. وقفت أمام عينيها مباشرة.
ورفعا الاثنين أيديهما ليحتضنا وجوه بعضهما بعدم تصديق ودموع أغرقت وجوههم. عانقا بعضهما باشتياق شديد وبكاء أشد يتزايد. احتضنتها أمل بقوة تكاد أن تدخلها بقلبها وهي تقبل رأسها مراراً وتكراراً. أبعدت لمار وجهها عنها وهي تقول ببكاء وضحكة فرحة: "ماما ماما، متعرفيش أنا حصلي إيه من بعدك. طب هان عليكي إنتي ويوسف تسبوني طول الفترة دي؟ أنا كنت بتعذب. أنا كنت ميتة حرفياً، جثة ماشية على الأرض بتتحرك بس من غير روح. هان عليكم إزاي؟
ضمتها بحنان مرة أخرى وبكاء قالت: "سامحيني يا حبيبتي، غصب عنا أنا وأخوكي." على ذكر اسم يوسف، اعتلى وجهها الغضب وعينان تشع بالنار قالت: "يوسف عند رؤوف؟ والله ما هرحمه." ارتجفت أواصرها بخوف على ذكر اسمه. وتهجمت ملامحها. فبحنان ربتت لمار على يدها قائلة: "طول ما أنا جنبك متخفيش من أي حد." بنظرة خافتة رأت حروق وكدمات تكاد تتلاشى على وجهها ويديها. بلهفة وأعين جاحدة أمسكت يدها قائلة بغضب: "رؤوف اللي عمل فيكي كدا؟
انسابت دموعها وهي تلهث بخوف وأومأت برأسها. بأعين يشوبها السواد والغضب قالت: "والله لهدفعه التمن غالي. مبقاش بنت الشرقاوي إن ما خالته يبكي بدل الدموع دم. نظرة خلفها وأشارة لفيكتور: تعالي عايزك." اقترب منها، وابتدأ بقص كل شيء يعلمه عن رؤوف. كانت ترمق تالا لمار بخوف من هيبتها تلك وتمنت أن تكون مثلها. أما إيهاب، فقد كان يقف بعيداً بدموع تفيض بمقلتيه. صف سيارته ليهبط منها صافقاً الباب بغضب عارم.
متجهاً لذالك المكان الذي به من يهوى فؤاده. ولج للداخل بعيون تشع نار، تكاد بحرق ذاك المكان الذي يشبه بحد كبير المخزن. رأى بعد الحراس ليتقدم منه أحدهم وهم بتفتيشه، ليمسك يده قبل أن تقترب من جسده قائلاً بغضب جامح: "أبعد عن طريقي أحسن لك." فرد الحارس: "وماذا أنت فاعل إن لم أبعد! رمقه بأعين مشتعلة ليرفع يده يغرزها بعنقه وهو يقول: "متخلنيش أندمك على اليوم اللي خلتك تشتغل فيه معاه!
ودفعه بعيداً ليتلوي الآخر وجعاً وهو يلتقط أنفاسه الهاربة. ولج للداخل ليقف أمام عمه بابتسامة ماكرة وهو يقول: "فين حبيبة؟ فقال الآخر بسخرية: "طب مفيش أزيك يا عمي؟ ولا وحشتني يا عمو؟ اعتلى الغضب نفسه وانقض عليه باللكمات وهو يقول: "عم إيه، انت أصلاً تعرف يعني إيه عم ولا يعني إيه أخ." يمسكه من عنقه وهو يلكمه بقسوة وغضب. حتى هجم عليه بعد الحراس ليشُلوا حركته. فما كان منه أن استدار لهم غاضباً وأوقع واحداً تلو الآخر.
حتى توقف على صوتها الباكي بصدمة وأعين متسعة لآخرهم. رفع بصره بها. فرأى ذاك الشاب موجه المسدس نحوها. كاد أن يقترب ليجذبها لحضنه يطمئنها، فدموعها تلك تنزل كالجمر تحرق فؤاده. هجموا عليه جميعاً وأطرحوه أرضاً، فما كان منه سوى الاستسلام حتى لا يؤذوها، وهو ينظر لها. كأن عيناها تجعله لا يشعر بكم الألم الذي يحتله.
كانت تصرخ بهستيريا تحاول الوصول له وهي تمد يدها له تريد أن تتمسك به، إلا أن ذاك الحارس مقبض الأحكام على معصمها بقسوة. رأتهم يزدادون عليه بالضرب دون رحمة، حتى أن وجهه كله يسيل منه الدم. كان يصعب عليها رؤيته بتلك الحالة. بكاءها وشهقاتها كانت تتعالى شيئاً فشئ. رفعت قدمها لتهوي بركلة قوية على قدم الحارس الذي ممسك بها. ليمسك قدمه بتأوه.
استغلت الفرصة لتركض وهي تدفعهم بقوة عنه وتحجبهم عنه وهي تخبئه بجسدها. توقفوا عن الضرب. فتعالى صوت ضحكات رؤوف العالية قائلاً: "مش عارف إيه الحب ده، إزاي بتضحوا بنفسكم عشان بعض؟ كمل يابني، وقفتوا ليه؟ موتوهم عشان لمار هتيجي ولازم نهاديه هدية تليق بمقامها." جذب أحدى العصا ليلقيها لأحدي من الحرس، فالتقطتها فوراً. هبطت دموعها بغزارة على وجهه. لم يكن يستطيع حتى فتح عينه من شدة الألم الذي يشعر به.
ما كاد أن يرفع العصا ويهوي بها على جسدها، حتى ضمها بقوة داخل صدره. واعتدل هو ليصبح من فوق وجاءت به الضربة على ظهره. نظرت له بألم ودموع لا تفارق عيناها. فبسكينة وضع جبهته على جبهتها. ليشير رؤوف بحدة: "بس كفاية كدا. سيبوهم وتعالوا معايا، لازم لمار تيجي! وقع جوارها بقلب فاقد للحياة. اعتدلت وهي تحتضن وجهه بكلتا يديها وقالت بدموع: "يوسف، إنت كويس؟ هااا رد عليا؟ رفع يدها لمؤخرة رأسها وجذبها لصدره وهو يغمض عينيه.
احتضنته بخوف عليه وهي تبكي بصمت. فهمس بخفوت جوار أذنها: "متخافيش، أنا معاكي. مش هسمح لحد يأذيكي." حقاً، عن ماذا يقول؟ أيخبرها أن لا تخف؟ ومن أين يأتي الخوف وهو جوارها؟ فهو يكون الأمان والسكينة. رفعت بصره به قائلة: "أنا مش خايفة عشان إنت معايا." ابتسم لها بحنان، فانسالت دموعها ليزيحهم بأنامله، لتهمس بألم: "أنا آسفة، بسببي حصلك كل ده؟ هز رأسه نافياً ببسمة هادئة. نظرت حولها فوجدت أبريق به ماء على الطاولة.
استقامت لتأتي به سريعاً وبدأت بنثر المياه على وجهه، وبطرف درسها الفضفاض جففت وجهه. انعدل بجلسته وهو يقول: "إحنا لازم نمشي من هنا." فهتفت حبيبة: "متقلقش، لمار هتيجي." فأشار لها بعدم فهم: "ولمار هتعرف إزاي؟ فأجابت بتأكيد: "لمار بتدور على عمك. متقلقش، أكيد هتعرف." *تجلس بوجع تخشى أن يصيبه شيء. ارتفع رنين هاتفها معلناً عن رقم مجهول. لتجذبه سريعاً وهي تقول بلهفة: "الو؟ يوسف؟ تعالت صوت ضحكات رؤوف، لتنهض لمار بغضب وتوعد.
أنهى ضحكته قائلاً بسخرية: "إيه ده؟ إنتي عرفتي إن يوسف عايش وهو عندي كمان؟ عايزة تشوفيه؟ هتيجي دلوقتي على المكان اللي هبعتهولك! زمجرت قائلة بغضب: "إياك تلمس شعرة منه ولا تأذيه! قطعها قائلاً: "عيب عليكي، دا بن أخويا. يلا مستنيكي، متتأخريش يا بنتي. واه، تيجي لوحدك! أغلق فوراً بعد تلك الجملة. لتلقي لمار الهاتف بدون اكتراث أرضاً وهي تتنهد بضيق. اقترب فيكتور بقلق وهو يقول: "لمار، في إيه؟ يوسف كويس صح؟
استجمعت شجاعتها الهادرة لترفع بصرها به باطمئنان: "آه، متقلقش. هو كويس وهرجعه دلوقتي." فنطق فيكتور وإيهاب بذات الوقت: "هاجي معاك؟ تنقلت أنظارها بينهم وهي تقول بحسم: "محدش هيجي معايا. أنا بس اللي هروح، وأوعدكم هرجعه وهرجع حبيبة." خرجت مسرعة لتصعد سيارتها وتقود منطلقة نحو المجهول. أما إيهاب، ففور خروجها خرج خلفها ركضاً. استمعت لرنين جرس المنزل. ل تنهض هدى وهي تقول: "يارب يكون فهد! رأته أمامها. فقال فهد بود:
"إزيك يا ست الكل، عاملة إيه؟ فأجابته بامتنان: "الحمد لله. اتفضل يا فهد يا بني! ولج للداخل وعيناه تبحث عن أدهم. فهتف بتساؤل: "أمال أدهم فين؟ زفرت بضيق وهي تقول بصوت مخنوق: "جوه يا فهد. مش عارفة ماله، يرجع من الشغل يقعد لوحده، لا بيتكلم ولا يخرج زي عادته." غمز لها فهد قائلاً باطمئنان: "طب يا ست الكل، متقلقيش إنتي. أنا هتكلم معاه. وهعرف ماله." أومأت له بامتنان.
طل برأسه فرآه يجلس على الفراش مستنداً برأسه للخلف، يظهر عليه الحزن. ولج للداخل وجلس جواره بصمت. ربت على كتفه وهو يقول: "مالك يا أدهم؟ فيك إيه؟ نظر له وقال بجمود: "مفيش." فهتف فهد بتأكيد: "لا، في. مالك يا أدهم. عشان لمار، ما إنت السبب وضيعتها من إيدك! تنهد بضيق ليحسه على الحديث وأكمل: "ما هو مينفعش تتهمها بالخيانة وأنت أكتر شخص تعرفها." نظر له أدهم غاضباً وهتف:
"بس أنا واثق فيها. مش هكذب، فعلاً شكيت فيها. ولكن لما فكرة عرفت بغلطتي." فهد بحسم: "أومال ليه عملت كدا؟ زفر أدهم بوجع وهتف: "لأن عمها الزفت ده كلمني، رن عليا وهددني بأهلي إن لو مبعدت عنها هيأذيهم. هددني أني أكسر قلبها." خوفت عليهم لأني لقيت فعلاً ناس حوالين البيت، وانت عارف أحياناً أنا مش في البيت. دفع رأسه للخلف بقوة. ليقول فهد بجدية: "طب متقلقش، كل حاجة هتتصلح ولمار هترجعلك." ربت على كتفه قائلاً:
"يلا قوم كدا صلي وقرب من ربنا واحكي اللي في قلبك. هروح أمشي أنا وهنتقابل بعدين بس تكون تمام، وهقولك نعمل إيه عشان لمار ترضى عنك." تنهد أدهم بضيق ونظر له بتساؤل: "رايح فين؟ أشار له بحزن: "هزور رعد وأقعد معاه شوية." كاد أن يغادر، فوقف على صوت أدهم: "استنى، هاجي معاك." أشار له باسماً وتوجهوا سوياً للمقابر. وصلوا سريعاً لهناك، فولج فهد مسرعاً وعينه متعلقة بمدفن رعد. انسابت دموعه رغماً عنه باشتياق.
جثا على ركبتيه بشهقات عالية ومر طيفه أمامه. قرأ الفاتحة بصوت مخنوق مختلط بالوجع والاشتياق. كان يشاهده أدهم بحزن، فهو يعلم حبهم لبعضهما، فمن الطفولة وهما سوياً. أغادرت قلباً قد عشقك! قلباً كان لا يمر يومه سوى برؤياك! قلباً كانت تشرق شمس يومه بك! قلباً كانت تختفي نجومه وقمره عند تغميض عينك! والآن تسلل الظلام لصميم قلبه كما سواد القبر الذي تمكث به!
أخرج فهد جل ما بجعبته من وجع واشتياق ولهيب لفراقه. ثم أخرج مصحفاً صغيراً ليقرأ سورة "يس" بخشوع. أما أدهم، فقد كان فكره حائراً. متى سيموت؟ فها هو رعد مات فجأة. ولكن مات بعمل قد يدخله الجنة. ولكن ماذا إن مات؟ كيف عندما تملك الحزن قلبه؟ قطع صلاته ومناجاته وذكره لربه وورده اليومي. كيف بسبب جرح قلبه ابتعد هكذا؟ ماذا ستصنع له الحياة عند موته؟
فلن تشفع له نهائياً، إنما هي حياة فانية كالفندق، يذهب ليقيم به أيام وستأتي أشخاص أخرى به وهكذا تتجدد به الأشخاص، يرحل هذا ويأتي ذاك؟ وهكذا هي الحياة لن تدوم؟ شعر بتقصيره، تنهد بحزن وآسف واقترب ليقرأ الفاتحة لرعد. ببسمة غامضة ورمقة غاضبة. يتطلع زيد لجون الذي ملقى على الأرض يتأوه من شدة الألم وجسده لا توجد به مكان سليم. نهض من مقعده لينحني له قائلاً بغضب: "أنت مفكر إنك كدا بتتعذب؟
هز رأسه نافياً وهو يشدد من قبضته عليه قائلاً: "أنت مش شفتش لسه العذاب، بس هتشوفه لما لمار تيجي. ها، فكرها اللي دبح أبوها قدامها وقتلتوا أبويا." انعدل بوقفته وهو يركله بقدمه بغضب وهو يقول: "عملولك إيه كل ده عشان الحق، عشان الصدق؟ الأطفال البريئة دي عملتلك إيه عشان فلوس؟ أديك هتسيبها الفلوس ومش هتاخدها معاك وهتسيب كل اللي بنيته وجمعته.
جذبه من مؤخرة رأسه وصدد له اللكمات، أما هو فكان كالجثة من شدة الضرب لا يستطيع النطق حتى. وصلت لمار لذاك المكان تفحصته جيداً قبل ولوجها للداخل. بثبات وثقة سارت أمام الحراس لتقف أمام رؤوف بجبروت ولم تنشأ أن قالت: "رؤوف، رؤوف! عاش مين شافك، مش ظاهر ليه؟ بقا مش عيب عليك، شايف بنت أخوك بتدور على القاتل وهو موجود قدامها! ارتفعت صوته ضحكاته عالياً وهو يتقدم منها ليقف أمامها قائلاً:
"ومش عيب عمك حبيبك، كل ما يخطط يموتك ترجعي! رفعت أظافرها لتغرسها بعنقه قائلة بصوت هائج: "بقا أنت اللي قتلت أبويا وحرمتني منه وكنت سبب أذى أمي وفراقي عن أخويا؟ وقعت في إيد اللي مبتعرفش الرحمة للي زيك، وأنا هخليك تتمنى الموت مطولوش غير بمزلقي؟ حدق بعينه وهو يلهث يحاول التنفس. يحاول جاهداً أن ينزع يدها التي تكاد تخنقه لكن دون جدوى. اقترب الحراس منها، فبنظرة غاضبة مشتعلة بها النيران نظرت له وهي تشير بيدها:
"محدش يقرب، وإلا متلوموش غير نفسكم." غضوا أبصارهم خوفاً وعادوا لمكانهم بصمت. أبعدت يدها ليسقط أرضاً يلتقط أنفاسه ويمسك عنقه الذي يسيل منه الدماء من أثر أظافرها. انحنت له قائلة بسخرية: "إيه ده؟ إنت اتوجعت؟ معلش معلش، إحنا لسه في البداية." ضحكت عالياً حتى أدمعت عيناها وأكملت قائلة: "كنت عايز تشوفني وجتلك أهو." استقامت لتجذب مقعد وتجلس فوق رأسه وهي تضع قدماً فوق الأخرى قائلة بغضب وأعين غاضبة:
"فضلت سنين عايش معايا وأنت بتحسسني إني أقتل قاتل أبويا، وأتاري قاتل أبويا قدامي. عجبتني دي الصراحة، مشككتش فيك ثانية، دا إنك شكيت في صوابع إيديه إلا إنت." زفرت بعمق وأمسكت مؤخرة رأسه غاضبة وهي تقول أمام عينه وجهاً لوجه: "مخدرات هعديهالك، سلاح هعديهالك." ارتفع صوتها وهي تقول: "لكن تسرق أعضاء الأطفال، دي اللي مش هعديهالك؟ بأعين متسعة لآخرهم دفشته للأرض واستقامت لوقفتها. قائلة بهدوء: "فين يوسف بقا؟
سارت للأمام وهي تبحث عنه. فأستغل رؤوف الفرصة ونهض بمساعدة حراسه وأعطي لهم أوامر. لم تجده، فأستدارت. وبألتفاتها كاد أن يضربها بالعصا لتمسك يده وهي تبعد وجهها بلمح البصر. كانت كسرة يده ودفعته أرضاً. بغضب تقدمت لرؤوف الذي ابتعد بخوف وهو يقول: "أي حركة وهتخسريهم." #لمارررر نطق بها يوسف باشتياق وحنين وجع. أدمعت عيناها بعدم تصديق وهي تستمع لصوته الذي رد لقلبها الحياة وأزهر روحها.
استدارت بلهفة. سرعان ما تحولت لألم وهي ترى كم يظهر عليه التعب. كادت أن تخطي إليه فأمسك يدها رؤوف قائلاً: "استني هنا، مش بالساهل لازم تختاري حد فيهم يعيش." وضع بيدها سلاح وهو يقول بحسم: "لازم حد فيهم يموت، وكدا أنا هبقي مبسوط بكسر قلبك." تقدم هو ليقف خلف حبيبة ويوسف وقال بجمود وهو يوجه السلاح ناحية يوسف: "ها، هتقتلي مين؟ وإي غدر منك هفجر رأس أخوكي؟ ببرود تام، تعالت صوت ضحكاتها قائلة: "اقتلهم عادي خالص!
نظرة لها حبيبة بصدمة، ومن ثم نظرة ليوسف الذي ابتسم بتفهم. توجهت لتجلس على المقعد وهي تحرك السلاح بعشوائية قائلة: "اقتلهم يلا، مستني إيه؟ رمقته بأعين جاحدة حمراء ليرتجف قلبه خوفاً وصاحت وهي ترفع السلاح ناحيته بحذر: "بس أنا خلاص اخترت مين اللي هيموت." أطلقت رصاصة فجأة وهي تغمض عيناها تخشى أن لا تصيب الهدف. لم تسمع سوى لصرخة رؤوف باسم إيهاب. لتفتح أعينها بفزع وتسمرت مكانها بذهول تام وهي ترى إيهاب جثة يسبح بدمائه أرضاً.
لم تدري بشيء، فمتى جاء إيهاب. دخول قوات الشرطة المفاجأ. كانت تشعر بالضياع. جال بخاطرها كل لحظة كانت بها معه. براءته وضحكته. ضمها ليها كأنها الأمان. فرحته ولهفته لما بيشوفها. أغمضت عينها كأنها تتخيل مراراً وتكراراً وهي تعيد النظر له. شعرت بالدنيا تدور حولها. فاقت من ضياعها على صرخة يوسف أخوها. ليرتعد جسدها بقوة وهرولت تجاه إيهاب مسرعة. فردد يوسف بتوهان: "مات إيهاب، مات. أخويا مات، سندي مات. إيهاب مات."
رفعه ليضمه بقوة ودموعه تهبط بمرارة ووجع ونار تصهر فؤاده. نظر للمار قائلاً: "قتلتيه؟ قتلتي أخوكي! دا كان بيعشقك من كلامي عنك من غير ما يشوفك. قتلتي أخوكي اللي من دمك! كلماته كانت كالسيف تقطع قلبها أشلاء فقالت بذهول: "إيهاب يبقى إبن رؤوف؟ فردد بصراخ: "إيهاب أخوكي، أخوكي إنتي فاهمة؟
مش إبن رؤوف، هو حبيبي اللي عوضني بيكم. هو مش بس إبن أمي، دا إبن قلبي اللي رد قلبي للحياة من تاني. دا كان بينشر الضحك بوجوه الناس. طب تعرفي." شهق بوجع وهو يقول: "دا كان بيجي المستشفى بس عشان يهون على المرضى ويضحكوا! بس مش مصدق إنه مات. هو دفع تمن أخطاء أبوه ليه؟ ذنبه إيه؟ أغشي على رؤوف مكانه بعدما ردد "ابني". كادوا أن يأخذوه رجال الشرطة إلا أن نظرة لمار منعتهم بحسم. تطلعت حبيبة بصدمة ليوسف وهزته بقوة وهي تقول:
"لازم نسعفه، فووووق. مش هتفضل تبكي كدا عليه. يمكن في أمل ولو واحد في المية، ولازم نتمسك بيه." نظرة للمار وقالت بصوت عالي: "إنتي مقتلتيهوش، هو اللي وقف قدامك؟ جه شاب فجأة يركض وهو يقول ليوسف: "يوسف، إنت كويس؟ متقلقش، الإسعاف جايه دلوقتي! رفع بصره به وترك رأس إيهاب أرضاً وهو يقول بيأس: "قلبه واقف خالص، هيعيش إزاي يا سيف؟ إنت ساعدتني كتير في إني أوقع الشحنات، بس مش هتقدر تساعدني دلوقتي."
بدهشة رمقته لمار، هذه أول مرة ترى أخاها الذي كان يشع بالحيوية وهو صغير يأسه هكذا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!