الفصل 7 | من 34 فصل

رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل السابع 7 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
18
كلمة
4,921
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 21%
حجم الخط: 18

إلى أين سيأخذنا القدر؟ وإلى متى سيظل يلعب بنا؟ إنه طريق قد اتخذته وهو "الانتقام" ولا يمكن المفر منه. إلى متى ستظل تخسر أعز الناس؟ وإلى متى ستظل هي السبب في موتهم؟ يا لها من حياة قاسية.. تعطينا الأحباء وتأخذهم. ولكن لماذا؟ لماذا تعيش على ذكراهم؟ ما بها تلك الحياة؟ كلما اقترب منها أحد رجعت وأخذته مرة أخرى. حقاً إن الحياة قاسية لأبعد الحدود. إلى متى ستظل "الأحزان" تقتحم قلبها لتصنع من جدرانه بيتاً لتسكن به؟

أحياناً كثيرة يكون أناس كثيرون بجوارنا ولكننا نشعر بالوحدة. أجل نضحك، نبتسم، بينما قلوبنا بها أوجاع قد تهد جبالاً. ودائماً خلف الصلابة والقسوة والشجاعة.. هناك ضعف، خوف، حزن. ولكن من الذي يشعر بكل ذلك؟ فتلك الحياة حتى الدموع استخسرتها بنا. فلم نستطع أن نبكي أمام أحد. نظهر أننا سعداء عكس ما يوجد خلف فؤادنا وأعماقه. نبتسم، نضحك، فيظنون أنه لا يوجد أسعد منا.

بينما هم لا يعلمون ما خلف تلك الضحكة.. من أوجاع وأحزان ودموع وحرقة القلب وهمومه. لا يدرون عندما نضحك وقلوبنا تصرخ وجعاً وتبكي دموعاً. تنهدت لمار تنهيدة حزن وهي تنظر في اللا شيء أمامها. صوت بكاء والدة بسنت يقطع قلبها إلى أشلاء. كانت هالة جالسة بجوارها لتواسيها، بينما لمار شاردة في الفراغ أو في تلك الدنيا التي صنعتها لنفسها. بيقتحم العزاء عبد الرحمن وهو يصيح بغضب وينظر إلى لمار بكره:

"أنتي اللي قتلتيها.. والله ما هرحمك. لازم أموتك زي ما موتِ ابني! لمار بتقف وتقترب منه. ليتقدم عبد الرحمن منها وهو يقول في ذات الوقت: "ليه؟ هي عملتلك إيه؟ دي كانت بتحبك أكتر من نفسها! موتِها ليه؟ أنتي السبب." ليقف قصادها مباشرةً ويأتي ليخنقها. لتمسك لمار بيده وتقول بهمس غامض:

"ركز كويس وأنت تعرف مين فينا اللي قتلها. امشي من قدامي لأني مش طايقة أشوف وشك. ولو ممشيتش الآن.. متلومنيش على اللي هيحصل. وأنا ماسكة نفسي عنك بالعافية." عبد الرحمن ينظر إلى عينيها ليجد بهما ناراً مشتعلة وغضباً لا حدود له. ليبتلع ريقه بخوف وهو ينظر لها. ومن ثم ابتعد عنها وهو يتقدم مسرعاً إلى حماته التي جالسة لا حول لها ولا قوة، منهارة تماماً. وهي غير مصدقة.. أحقاً ابنتها ماتت؟ هل لن تراها مجدداً؟ ما بها تلك الحياة؟

أخذت ابنتها وحرمتها منها.. ابنتها الوحيدة. توجه إليه وجلس أمام رجلها وهو يمسك بيدها ودموع مزيفة تهبط من عينيه. ويقول راجياً متوسلاً: "أمي.. أمي، لمار السبب في موتها. صدقيني. هي معرفش كانت واخدها فين وليه هي عايشة وبسنت لا. قولي يا أمي.. دي قتلت بنتك اللي هي مرتي وام ابني وحرمتني منه." لتقف والدة بسنت وهي منهارة وتتوجه إلى لمار وتنظر لها بحدة. وتتذكر شيئاً.. وثم تلتفت إلى عبد الرحمن وهي تهتف بهدوء:

"لا.. لمار مستحيل تقتل بنتي. البنت اللي تضحي بنفسها عشان حد غريب.. يبقى مستحيل تموت حد." لمار تقترب منها وتربط على كتفها بامتنان. وتنظر إلى عبد الرحمن بحدة. لتمسك بيد والدة بسنت وتجعلها تجلس بمقعدها وهي بجوارها. تجلس وتتذكر.. فلاش باك: بالسيارة.. بسنت تصرخ ألماً، ولمار تسوق السيارة بقلق وخوف. أدهم جالس وحائر. وفجأة تأتي إحدى الرسائل للمار على الفون الذي بجيب بنطالها. لا تعطي أي اهتمام لتلك الرسالة.

يظل موبايلها بعد ذلك يرن دون توقف. لتضطر لمار أن تجيب بعصبية: "آلو مين؟ ليرد المتصل سريعاً بخوف ولهفة: "لمار بسرعة انزلي من العربية.. فيه قنبلة." لمار باللامبالاة: "والله ومين قالك؟ المتصل: "حبيبتي انزلي.. مفيش وقت." لمار تستمع جيداً لصوت القنبلة. ليقول المتصل بدموع: "انزلي.. اتصرفي بقولك. وأوعي توقفي العربية.. لو وقفتيها القنبلة هتنفجر. خليكي سايقة وحاولي تنزلي." لمار بتغلق السكة وتبعت سريعاً رسائل لـ ذيد.

لمار تظل على هدوئها عكس ما بداخلها من قلق وخوف.. ليس على نفسها وأنما على بسنت وأدهم. أدهم لاحظ توترها.. نظر إليها ولكن لم يستطع التفوه بكلمة. شعرت به.. بادلته النظر بارتباك. شعرت بكلمات واقفة على طرف لسانه. ومن ثم استمعت لصوت رسالة.. وسرعان ما قرأتها وأخذت شيئاً صغيراً. نظرت للخلف.. كانت بسنت قد هدأَت قليلاً ومستندة رأسها على المقعد بتعب شديد. لترش لمار بوجهها شيئاً. ليقول أدهم بصدمة: "مخدر؟ ليه؟

لمار نظرت إليه بنظرات نارية وجاءت أن تجيبه.. إلى أن وجدت سيارة ذيد قريبة جداً من سيارتها. كان ذيد بالمقعد الخلفي. فتح الباب الذي من جهة سيارة لمار. لمار بتفتح الباب من جهة بسنت لتؤمي برأسها لذيد. سرعان ما خرج بنصف جسده من سيارته. في لحظة كان بسيارة لمار.. ضم بسنت لصدره. لتنظر له لمار ومن ثم تبطئ السيارة. كان أحمد جالس بالمقعد الخلفي وفهد بالإمام.. وتوازن مع سيارة لمار وأصبح قريب منها.

ذيد بيحمل بسنت.. وفي خلال ثواني كان جالس في سيارته وهو يقول بتنهيدة: "الحمد لله". بينظر لبسنت بخوف ويقول بقلق: "فهد.. على المستشفى." بسيارة لمار.. أدهم ينظر إليها دون فهم وزهول في آن واحد. ليجمع شتات عقله ويقول بصدمة: "إنتوا عملتوا إيه؟ ومين ده؟ لمار بتميل بجسدها ناحيته وهي تنظر بحب لعينيه.. ليتجمد هو مكانه بعدم استيعاب. في لحظة كانت لمار فاتحة الباب ودفشته بقوة.. وانطلقت هي إلى مكان خالٍ تماماً.

بتفيق لمار من تذكرها على صوت أم بسنت وهي تقول بتحذير: "عملت زي ما قولتيلي.. بس أهم حاجة بنتي." لمار وهي تربت برفق على كتفها: "متقلقيش.. بسنت كويسة. بس اتصرف مع عبد الرحمن وهرجعلك فوراً." بينما عبد الرحمن خرج بغضب. ليقف ويخرج موبايله من جيب بنطاله ويرن على رقماً ما وهو يقول بصراخ: "برضه دي كمان منفعتش.. وحماتي وقفت معاها. أنا لازم أهرب لأني مش هتسامحني المرة دي. ومتاكد إن ده هدوء ما قبل العاصفة." ليأتي صوتاً مصرياً

يقول بوضوح: "بس بس.. أهدا. أكيد هنهربك.. وهننتقم لك منها لموت مراتك وابنك.. متقلقش. روح أنت دلوقتي جهز شنطتك واستنى مني مكالمة.. أكون دبرت لك مكان تداري فيه." عبد الرحمن: "تمام." ما شيب. بينما عند ريم.. جالسة مع عمرو. ليستمعا لطرق الباب.. ليتوجه عمرو مسرعاً. كاد أن يفتحه لولا أنه قرر أن ينظر من العين السحرية ليرى من الطارق. ليجد أحمد يبتسم بفرحة.. ويفتح الباب. ليقول أحمد بنبرة بها الحزن: "عمور.. عامل إيه؟

عمرو بيؤمي برأسه بحزن عندما يرى ملامح أحمد حزينة. ويمسك بيده ويشده توضيحاً أن يدخل. بيغلق الباب خلفه ويدلف للداخل. وقبل أن يوصل إلى الغرفة يطرق على الباب وهو يقول: "ممكن أدخل؟ ريم قد ازدادت دقات قلبها فرحاً وقالت بلهفة مشتاقة: "آيوة.. أدخل." أحمد يدخل وهو مطأطأ الرأس ويقول: "إيه.. عاملة إيه؟ ريم وهي تريد بداخلها أن ترى وجهه فقد اشتاقت لعينيه: "تمام." يجلس أحمد على المقعد بتعب وحزن.

ليميل للإمام قليلاً وهو يضع رأسه بين كفيه ومغمض العينين. بينما تنظر ريم إليه.. وشعرت بغصة بقلبها وألم شديد عندما رأته بتلك الحالة. ليجلس عمرو بحزن أيضاً. ويكون الصمت هو سيد المكان. بتمر دقائق معدودة. حتى تقول ريم بتهتها وحرج.. فقد فاض بها رؤيته بتلك الحالة. قلبها لا يستطيع أبداً أن تراه هكذا. لقد شعرت بنار تخترق قلبها لتدمره. "أحمد.. أنت كويس؟ أحمد فتح عينيه المغمضة. فهل حقاً استمع لصوتها وهي تقول اسمه؟

أجل.. لقد نطقته وما أجمل اسمه وهو يترنم من بين فوهها. رفع نظره ونظر إليها. ما به؟ أيريد أن يدمرها بتلك النظرات؟ أحمد مبتسماً وقد نسي كل حزنه وألمه: "آه.. كويس." وشرد بملامحها وهي كذلك. بينما عمرو ينظر إليهم باستغراب من أمرهما. لتبعد ريم نظرها عنه وهي تقول: "هي لمار مش هترجع النهارده؟ أحمد: "ماظنش إنها هتيجي.. هتفضل مع اللواء أمجد أكيد؟ لأن بسنت غالية عليها أوي.. خاصةً إنها ماتت قدامها." ريم: "ربنا يصبر أهله."

بيصمتوا لثواني ويقول أحمد بلهفة وهو يهم بالوقوف: "تخرجوا؟ إيه رأيكم نخرج ها؟ عمرو يقف بفرحة. بينما ريم تنظر لرجلها بحزن. ينظر أحمد إليها وعلم ما يدور بخلدها. لترفع ريم نظرها وتقول: "لا.. أخرجوا أنتوا وأنا هنام شوية عشان نعسانة." أحمد برفض قاطع: "لا.. مش هنخرج من غيرك. يلا استني بس." ويخرج قليلاً ويعود ومعه كرسي متحرك. ليضعه بجوار التخت وهو يقول: "يلا بقا.. هاتي إيدك. زهقتيش من قعدة البيت." ليساندها لتجلس على المقعد.

بالسيارة. عمرو يشاور لأحمد بمعني نروح فين. ليفهم أحمد عليه ويقول: "وأنت عايز تروح فين؟ عمرو يشاور له بيده بحركات.. ليفهم أحمد ويقول وهو ينظر إلى ريم من المرآة: "وأنتي كمان عايزة تروحي الملاهي؟ ريم: "آه." كاد أحمد أن يقول شيئاً ولكن منعه رنين هاتفه.. والتي كانت لمار. يجيب أحمد ويطمئنها على ريم وعمرو ويغلق. بيوصلوا الملاهي ويستمتعوا بوقتهم.. ما بين لعب وضحك وهزار.

وبعد وقت جلس أحمد بجوار ريم وهما ينظرون إلى عمرو الذي يلعب أمامهم. ليشرد أحمد قليلاً بحزن وهو يتذكر شيئاً. لتشعر به ريم.. وكي تخرجه من تلك الحالة قالت: "أحمد.. أنت فين أهلك؟ مش بتتكلم عنهم.. واللي عرفته إنك عايش هنا لوحدك؟ أحمد اقتحم كلماتها صميم قلبه على ذكر الأحباب واقتحم بحور ذكرياته. "أحمد.. مالك سرحان في إيه؟ يا ابني.. أنت مالك؟ أحمد بيفيق من شروده وينظر لعينيه. لتقول ريم: "بنده لك من بدري.. روحت فين؟ أحمد بحزن:

"عند الحبايب.. أهلي توفوا بحادثة عربية." لتقول ريم بأسف: "أنا آسفة إني فتحت جروحك! ولكنها شعرت أنه يريد أن يتحدث ويخرج ما بقلبه من أوجاع. ليكمل أحمد كلامه قائلاً: "كنت في المكتب.. مع لمار بتدرس لنا إحدى المهمات. رن موبايلي.. رديت. لقيت واحد بيقول لي: صاحب التليفون ده عمل حادثة.. شعور مؤلم حسيت بيه. سبت كل حاجة ونزلت الصعيد. لمار مسبتنيش طول الوقت بتهديني.. ولما وصلت هناك كان خلاص.. ربنا خد أمانته." ريم تقاطعه:

"الله يرحمه." لتنظر بعينيه.. لتخبرها عيناه: إنه يريد أن يتحدث أكثر.. يريد إخراج كل ما في قلبه. لتقول لها عينها أن يكمل حديثه. ليكمل أحمد قائلاً بألم ووجع: "بقيت يتيم.. عارفة الشعور ده؟

إن الشخص ده يكون جنبك.. وسامع صوته.. وفجأة بين يوم وليلة مفيش. لما تفضل تدور عليه في كل ركن من البيت.. برضه مش موجود. تفضل في انتظاره.. بس برضه مبيرجعش. ناس كتير بتموت أهلها ومبيكونش حد جنبهم يعوضهم. بس عارفة أنا محظوظ.. ربنا بيحبني.. أه والله. ماتوا أهلي.. بس لقيت سند.. لما جيت أقع.. لما عرفت بموتهم.. لقيت لمار هي الحيطة اللي سندتني.. والإيدين اللي اتمدتني. والله العظيم ما حسستني إنهم غابوا. كانت جنبي لحظة بلحظة.

كنت بلاقيها الحضن الحنين.. طيبة الأم وحب الأم وخوف الأم.. والصديق والأخت والأب والأخ والسند.. هي كل حاجة بمعني الكلمة. بتخاف عليا وكأنها أمي.. ديما بتنصحني وديما واقفة جنبي. لما الهموم بتكتر عليا.. ألاقيها الحضن الحنين اللي ينسيني كل حاجة. لمار دي هي أمي فعلاً.. مش بعتبرها غير كده."

"بس يا ستي.. وليا أخ أكبر مني بس عايش في الصعيد.. مع جدي وستي.. ومعايا أخت برضه." ريم بحب: "ربنا يخليهم لك.. ويخليك ليهم." أحمد: "ويخليكي ليا." ريم وهي تنظر لعينيه ودقات قلبها متزايدة: "إيه؟ أحمد وهو ينظر لعينيه بهمس: "بحبك." ريم بتظل لبعض الوقت.. قلبها يرفرف فرحاً.. وشارده بعينيه. لتتذكر شيئاً وتقول وهي تبعد نظرها عنه: "ممكن نمشي؟ أحمد باستغراب من حالتها: "ليه؟ ومالك؟ ريم بإصرار: "ممكن نمشي؟ أحمد بغضب:

"يا عمرو.. تعالي." بيأتي عمرو ويرحل له. وطول الطريق ينظروا إلى بعضهم البعض من المرآة. أوصلهم أحمد إلى المنزل وذهب. ريم تجلس هي وعمرو.. وتذهب في بحور ذكرياتها التي ظلتها معه.. وتبتسم بحب. ومن ثم تهتف بحزن: "لا يا ريم.. فوقي لنفسك. أوعي تحبيه.. هو مستحيل يكون لك؟ مستحيل يرضي بيكي لو عرف ماضيكي." لتنزل دموعها واحدة تلو الأخرى بحزن. وتضع رأسها على وسادتها وتترك لدموعها العنان لتهبط كما يحلو لها.

فهي الدموع لن تتركها وحيدة. لقد غدرت بها الحياة.. وأفقدتها حياتها.. وظل الوجع والحزن الرفيق الوحيد لها. يا لها من أشياء بسيطة صعبة المنال. بينما بإحدى المستشفيات.. كان ذيد جالس أمام إحدى الغرف.. بحزن جارف. بقلبه نار مشتعلة. يريد أن يدخل ليطمئن عليها.. ولكنه خائف من ردة فعلها.. فمن هو ليطمئن عليها؟ وبأي صفة؟ أخذ عقله يمر ذهاباً وإياباً بحيرة. تارة يخبره أن يدلف ليطمئن عليها ويقر عينه بها؟ وتارة تمنعه من الذهاب؟

ليأخذ قراره أخيراً ويقرر أن يدلف ليطمئن عليها. ليذهب باتجاه الغرفة بحيرة وتوتر. ومع كل خطوة يخطيها تزداد دقات قلبه بشدة. خطواته بطيئة. بيوصل عند الباب ويأتي أن يطرق عليه.. ليرجع يده في آخر لحظة وهو يقول بتوتر: "لا.. لا مش هدخل. وبعدين هقولها إيه؟ ومش عارف ردة فعلها هتكون إيه. ولمار مش هنا." ليمشي كم خطوة ويقف مرة أخرى وهو يحادث نفسه كالمجنون. "فهو عاشق مجنون." "لا.. لا لازم أشوفها وأطمن قلبي اللي بيموت كل ثانية ده!

ليرجع مرة أخرى.. وهذه المرة يدلف ليقف مكانه وهو ينظر إليها. ينظر إلى ملاك نائم.. ملامحها بريئة جداً. ليدلف وهو يغلق الباب خلفه. ويقترب منها بخطوات بطيئة.. ويقف بجوار التخت ويظل ينظر إلى ملامحها بحب واشتياق وعتاب. سحب مقعداً من خلفه وجلس قريباً منها. وجهه لوجهها.. وظل شارد بملامحها ليحفرها بقلبه بتملك. وضع يده ليزيح خصلات شعرها من على وجهها وهو كالمغيب تماماً. فها هي محبوبته أمامه بجواره.

ولكن ما يوجع قلبه.. أثر الحزن على وجهها.. ملامحها الباهتة للغاية. تنهد بحزن وقلبه يتقطع بداخله وهو يراها هكذا. مال برأسه ليتأمل جيداً ملامحها. فتحت عيناها.. ليبتعد هو مسرعاً ويتراجع للخلف. لتتذكر بسنت ما الذي حصل. لتعتدل بجلستها سريعاً وهي واضعة يدها على بطنها وتقول بدموع: "ابني.. ابني كويس صح؟ ذيد وقف تائهاً لا يدري ما يقوله لها. خائف أن يتكلم.. فيخطئ ويخبرها أن زوجها حبيبها هو السبب في حالتها تلك.

أيوجعها بنفسه وهو لا يتحمل أن يرى حزنها. بسنت تنظر إليه وتقول بترجٍ ودموع: "ذيد.. ونبي قولي ابني كويس.. صح هو كويس؟ يا الله.. عيونها الجميلة تبكي. فمع كل دمعة تنزل من عينيها الساحرتين.. تنزل جمراً على قلبه. لم يستطع أن يرد عليها وظل مكانه. ليدخل ممرضات ودكتور على صوتها. بسنت بتقف وهي تقول وتنظر إليهم بلهفة: "ابني كويس صح؟ حصله حاجة؟ الطبيب: "يا مدام بسنت.. ارتاحي دلوقتي وابنك كويس والعصبية مش حلوة عليه."

بسنت اطمنت ورجعت قعدة مكانها براحة. لتقول بتذكر: "لمار كويسة؟ هي فين؟ ذيد ظل ينظر إليها بشرود. ومن ثم خرج دون كلمة. الطبيب يخرج من بعده ويرحل إلى مكتبه. بيكون في شاب طويل القامة.. وعريض الجسد.. ذو عيون حادة.. ولحية خفيفة. بيدلف الطبيب.. وينظر للذي واقف أمام النافذة بشرود. وأول ما يشعر به يقول بلهفة وشوق واشتياق: "لمار جت؟ الطبيب بأسف: "لا.. لحد الآن مجتش." ليقول بحزن: "أول ما تيجي قولي.. عايز ألمحها قبل ما أسافر."

الطبيب: "أول ما تيجي هعطي حضرتك خبر. بس هو سؤال.. انت ليه مهتم بالمار دي أوي كدا؟ وهي حتى مش مريضة عندنا." بيرفع عينه بحدة عليه ويقول: "لمار تبقى صحبة المستشفى دي.. زيي زيها بالظبط!!!! الطبيب: "أنا آسف دكتور مايكل.. مكنش قصدي أضايق حضرتك." بيمر تلت أيام.. يوم وراء يوم.. بحزن وألم ووحدة وضياع وهموم واشتياق وشوق وحنين.. ووجع وندم. بسنت جالسة بالمستشفى.. وهي تتذكر لحظة انفجار العربية. لم تأت لمار لترآها.. أو حتى والدها.

ذيد جالس بالخارج ولا يدخل لها بتاتاً. أصبح عقلها حائر وقلبها حائر. هبت بالوقوف سريعاً.. وذهبت مسرعة باتجاه الباب. وفتحته.. رأته جالس واضع رأسه للخلف وينظر للفراغ. نادته باسمه. نظر إليها بقلق وهم بالوقوف سريعاً.. وقال بلهفة وخوف وقلق: "إيه؟ في إيه؟ مالك؟ أنتي كويسة؟ حاسة بحاجة؟ طيب وقفتي ليه؟ بسنت بضحكة رنانة.. أذابت أوتار قلبه: "إيه يا عم.. حيلك حيلك.. مفيش.. بقيت كويسة." ذيد وهو يهدئ قلبه ويطمئن نفسه:

"الحمد لله.. أمال إيه اللي خرجك؟ بسنت بتزمر: "أصل قاعدة لوحدي.. قولت أجى أشوفك.. لو معندكش مانع.. ممكن نتكلم شوية؟ ذيد.. ما بها تطلب منه ذلك الطلب التافه.. وهو مستعد أن يضحي بنفسه وحياته لأجلها. "هو القرار صعب لدرجة دي عشان تفكر؟ قالت تلك الجملة بسنت عندما وجدته شارداً. ذيد: "لا.. أبداً.. تعالي نتكلم." بيدلفوا للداخل سوياً.. وهم تاركين الباب مفتوحاً. بيجلس ذيد على المقعد وهو يقول: "ها.. يا ستي اتكلمي."

بسنت بتساؤل وهي جالسة بعيداً عنه بقليل: "هو مين اللي حط القنبلة دي للمار؟ ذيد ظل ينظر لها بصدمة وتوتر في آن واحد وهو لا يدري ما يقول. بسنت لا تجد رد.. فبتعيد السؤال: "ها.. قولي.. وأنا متأكدة إنك عارف.. قولي.. ليه لمار مجتش ولا حد جه أصلاً؟ متأكدة في حاجة حصلت؟ أنت مخبي عني إيه؟ ذيد وهو يبعد وجهه عن وجهها حتى لا يضعف أمامها: "معرفش." بسنت برفض واصرار: "لا يا ذيد.. أنت عارف.. لو سمحت قولي.. في إيه؟ ذيد بيهب بالوقوف

وهو يقول في ذات الوقت: "معرفش يا بسنت.. أي حاجة. بعد إذنك." ليأتي أن يخطي للأمام ليرحل. تقف هي سريعاً وتمسك بيده وهي تقول: "ذيد.. لو سمحت متخبيش عليا." ذيد بهدوء وهو يفكر ماذا يخبرها: "بسنت.. أنا معرفش أي حاجة. لمار رنت عليا وقالت لي على الانفجار وجيت ساعدتكم.. بس كده.. صدقيني معرفش أي حاجة بعد كده. وأنا هنا معاكي عشان لمار طلبت مني." بسنت بعدم تصديق: "تمام.. مصدقك. طيب ليه عبد الرحمن مش هنا؟

وفين تليفوني.. عايزة أرن عليه." ذيد بعصبية: "مش هترني عليه؟ بسنت: "ليه؟ ذيد: "كده." بسنت: "هو اللي كده.. أنا لازم أرن عليه." لتبحث بعينيها عن التليفون.. وتقع عينها عليه وتقول وهي تهم إليه: "آهوه.. لقيته." ذيد يلاحقها.. وقبل أن تمسك بالموبايل.. كانت يده هو أسرع منها ودفشه أرضاً.. تهشم لاشلاء. بسنت بنرفزة: "انت إزاي تعمل كدا؟ ذيد: "لمصلحتك." بسنت بسخرية: "مصلحتي؟ إنك تكسر التليفون عشان مكلمش جوزي؟

ذيد.. لقد فاض به الأمر. ما بها.. ماذا لا ترى كم يعشقها؟ لماذا تجرح قلبه؟ لماذا دائماً تطعنه بخنجر بقلبه وهي تقول زوجي؟ ما بها لا ترى تلك الغيرة الذي تشتعل بقلبه؟ نظر إليها نظرات نارية وقال وهو ممسك بإحدى ذراعيها بقوة: "جوزك؟ انتي لسه بتقولي عليه جوزك وحبيبك؟

يا ماما اللي بتقولي عليه جوزي ده.. هو دلوقتي في شقتك القديمة مع واحدة. جوزك مش زعلان عليكي ولا فارق معاه إنك موتِ. جوزك هو نفسه الشخص اللي بيحاول يقتل لمار. جوزك بيسرق معلومات بلدنا وبيبعها.. جوزك جاسوس هنا لنفس منظمة جون. عايزة تعرفي إيه تاني؟ فاق لكلامه ولم يدري كيف تفوه بكل ذلك. قلبه تقطع وهو يراها ترتعش ودموعها كالشلال على وجنتيها الجميلتين. بسنت.. أخذتها رعدة قوية من كلامه.. فهي تعلم أنه صادق.. ولمار صادقة.

جسدها يرتعش وقالت بتهتها: "انت كذاب." لم يعد بمقدوره أن يتفوه بحرف. دار وجهه وجسده للناحية المقابلة وصمت عن الكلام. بسنت تخطي أمامه وتقول بدموع كالشلال: "ذيد.. أنا عارفة إن لمار صادقة وعمرها ما هتكذب. وعارفة إنك أنت كمان صادق. ذيد.. الكلام ده صح. قولي لي.. ونبي قولي إنك بتكدب عليا.. وأنا هصدقك ومش هزعل منك.. بس عبد الرحمن مش وحش كده.. ريح قلبي اللي بيتحرق. أنت ليه مش بترد عليه؟

جاوبني.. الله يخليك.. أبوس إيدك.. قولي إنك بتكدب." ذيد دموعه غلابته على دموعها. لم يقدر على تحملهم. أراد أن يحتضنها ليهون عليها.. ليصرخ بها ألا تبكي.. فأن دموعها تنزل جمراً على قلبه. أراد أن يخفيها من ذلك العالم كي لا تحزن ولا تبكي.. ليصنع لها هو السعادة.. السعادة فقط. بسنت لم تحملها رجليها. لم يعد هناك أكسجين لتتنفس. أصبح قلبها يدق دقات مخيفة ونفسها كاد أن يتلاشى. نار منصهرة تحرق قلبها.

دموعا لم تعرف كيف تجعلها أن تتوقف كي لا تهبط. سقطت أرضاً وهي تبكي. ذيد نظر إليها وجلس على ركبتيه مقابل لها. دموعها تكاد أن تقتله. مد يده كي يمسحهم لها.. ولكنه توقف بآخر لحظة.. فليس له الحق في ذلك. بسنت بشهقات نظرت إليه وقالت بوجع وصرخة قلب: "ممكن توديني مكان ما هو موجود؟ ذيد: "مش هينفع." بسنت دون أي كلمة.. هبت واقفة سريعاً وهي تقول: "تمام.. بس أنا رايحة لوحدي." وركدت. ذيد ركض خلفها.. ومسكها على آخر الدرج وقال:

"استني هنا.. مش هسيبك لوحدك." بسنت: "يلا." ذيد: "تعالي." ركبوا السيارة وانطلق ذيد بالطريق. أخبر لمار بما حدث.. وكادت أن تنفجر به لولا أنها لازم تلحق بسنت. بعد وقتاً.. وقفت السيارة أمام إحدى العمارات. بسنت بتفتح الباب.. وقبل أن تنزل.. تلتفت لذيد وتقول: "ممكن تستناني هنا.. معلش." وبتنزل فوراً راكضة. تدلف للعماره.. وتطلع لفوق. بتوصل الشقة.. وتجد أن الباب مقفول.. لتطرق على الباب دون إصدار صوت.

ثواني وتفتح الباب فتاة.. ثيابها قصيرة.. وتقول لها: "مين أنتِ؟ بسنت بتدفشها بيدها وتدخل. لتدلف خلفها الفتاة وهي تقول: "إنتي.. يا.. رايحة فين كدا؟ وبعدين انتي إزاي تدخلي كدا.. يا حياتي." كان ذلك صوت عبد الرحمن من إحدى الغرف. لتجيبه الفتاة: "مش عارفة يا بيبي.. تعالي شوف أنت مين دي." بسنت استمعت إلى صوته وتوقفت مكانها دون أدنى حركة. غمضت عينيها بوجع وألم.. وذهبت باتجاه الغرفة.

في تلك اللحظة كان عبد الرحمن خارج وهو عاري الصدر.. وعندما يراها يقول بصدمة أجمته: "إنتي عايشة؟ بسنت؟ بسنت تنظر إليه بصدمة.. وتقترب منه بخطوات بطيئة.. وترفع يدها وتضربه (بالقلم) وتقول بدموع غرقت وجهها: "طلقني." عبد الرحمن: "يا حبيبتي.. انتي فهمتي غلط.. دي.." تلتقطه بسنت: "بقولك طلقني.. مش عايزة أشوف وشك تاني." عبد الرحمن باللامبالاة: "انتي طالق." يا الله.. وكأنه رمى ماء نار.. وأصاب قلبها مباشرةً. أحقاً طلقها؟

حقاً قالها؟ لماذا لم تستوعبها هي بعد؟ لماذا لم يعرف قيمتها؟ لماذا لم يقدر حبها؟ تراجعت للخلف.. وكادت أن تقع لولا أن أمسكها أحدهما. تلتفت لتجد لمار. لمار بتسندها.. لترحل بسنت من أمامها راكضة لأسفل. عبد الرحمن يرى لمار.. يبلع ريقه بخوف. تمر دقائق.. ولمار تنظر إليه بغضب. ابتسمت بخبث وقالت: "بتفكر هتروح مني فين صح؟ عبد الرحمن فجأة دفعها بقوة.. لتصدم بالحائط.. وركض لأسفل.. بسرعة البرق.

كانت بسنت تنزل وحدها وحدها ببكاء حارق. عبد الرحمن أتى راكض من خلفها.. وهو يلتفت لفوق.. حتى أخذها بطريقة وهو راكض. ظلت بسنت تتدحرج على الدرج وحدها وحدها.. حتى سقطت بآخر الدرج.. وسقطت بصرخة هزت جدران البناية. ولكنها كانت أشد على قلب ذيد.. الذي قلبه انخلع من بين أضلعه. لمار كانت تنزل خلفه.. ولكنها وقفت مصدومة وهي ترى بسنت غارقة في دمائها.

ذيد كان طالع على الدرج وسمع صراخها.. وقف مكانه.. ومن ثم عاود الطلوع مرة أخرى.. وعندما وجدها هكذا.. اقترب منها. بينما عبد الرحمن نظر إليها بصدمة.. وهو يرى ابنه الذي بأحشائها قد ذهب.. وهي أيضاً رأت دماءها.. ولكنه لم يهن.. لم يحن.. لم تهمه العشرة.. لم يقترب منها كي يراها.. خاف على نفسه. لتمسكه لمار.. ثم نزل راكضاً لأسفل. لمار.. فاقت لنفسها.. هبطت لأسفل راكضة بدون كلمة. بينما ذيد حملها بخوف ونزل راكض.. ولمار خلفه و……

ياترى هل سيهرب عبد الرحمن؟ هل لمار ستتركه أم أنها ستنتقم منه؟ ما الذي سيحصل لبسنت؟ من يوسف؟ ومن يكون للمار؟ ولماذا يريدها؟ هل علاقة أحمد وريم بدأت.. أم أنها انتهت؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...