يجلس أدهم بالمشفى، واضعًا وجهه بين يديه. يشعر أن قلبه مشتعل بالنيران، وكأن الحياة قد انتهت وهو وحيد وسط ذلك الحشد الهائل من البشر حوله. قلبه موجوع بشدة، يشعر أنه قد انقسم إلى أشلاء وتحطم. يشعر أن صدره يضيق، شعر أن أهم شمس بحياته قد غابت، والنجوم والأقمار. تذكر لما دفعته بعيدًا حتى لا يتصاب. لم يظن أن هي من أخذت الرصاصة بدلاً منه. كيف فعلت ذلك وظلت صامدة تقاتل باحتراف؟
أغمض عينيه بألم وخوف من أن تبعد عنه. كان يشعر أن قلبه، هناك أحد ممسك بسكين ويطعن به بلا هوادة. تخيل ابتسامتها، براءتها، روحها الحلوة، فؤادها الذي يحب دون استثناء ويعطي بقلب رحب. قلبها الطيب الذي يحب أن يرى الجميع سعداء رغم الحزن الذي يشع منه. كيف كانت تنشر السعادة والضحكة على الوجوه، براءة الأطفال التي ما زالت محتفظة بها.
أسند رأسه للخلف وهو يخطف النظرات لغرفة العمليات، يشعر أن تلك الدقائق، الساعات، كأنها سنين شديدة الصعوبة. جلس جواره أحمد ووضع يده على كتفه. نظر له أدهم بعينين تملؤها الدموع. أشار له أحمد بأمل: -هتبقي كويسة، لمار عدت مشاكل أكتر من كده، وكل ما بتقع بتقوم. متقلقش، لمار قوية! أدهم بيأس وعينه على غرفة العمليات:
-خايف أخسرها بعد ما لقيتها. لو راحت، متأكد إني مش هلاقي حد زيها أبدًا، ولا هلاقي حد بروحها المرحة وقلبها الطيب وبرائتها. مش هلاقي يا أحمد. نظر له بعينين بهما الوجع والخوف والحسرة وقال بصوت مهزوز ووجع قلب: -عارف، أنا المفروض أكون أنا اللي في أوضة العمليات، بس هي ضحت بنفسها عشاني. هي غبية، إزاي تعمل كده؟ هي إزاي تفكر أن لو جرالها حاجة أنا هعيش؟
أنا حياتي وحشة من غيرها، هي بتغيب عني دقيقة قلبي بيتقطع، بحس إن روحي بتطلع مني، وده اللي أنا حاسه دلوقتي. حاسس بحد بيسحب في روحي وقلبي واحدة واحدة، لأنها هي روحي. رفع أحمد يده ليضمه بصدق. أما فهد، كان أمام غرفة العمليات واقفًا أمام تلك النافذة بصمت رهيب. بسنت كانت تجلس بخوف ودموعها لا تتوقف. ولعل القدر ذاك قد رأف بحالهم. إن القدر أحيانًا يلعب بهم كما يشاء، يوجعهم كثيرًا ويسعدهم قليلاً، لكن لماذا يريد أن يحرمهم منها؟
ألم يدري أنها هي الأمل للجميع؟ فكيف يكون قاسيًا عليهم؟ ألم يعلم أن الفراق صعب. استمعوا لفتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب منها. نظروا جميعًا له بقلق وركضوا إليه. أما فهد كان يقف كما هو لم يتزحزح من مكانه. بسنت بلهفة: -هي كويسة؟ أشار لهم الطبيب بعينيه براحة: -تمام، هي كويسة. جبتوها في الوقت المناسب. أدهم كان نظره مثبتًا على غرفة العمليات بلهفة فقال بصوت موجوع: -طب أقدر أشوفها؟ أشار له الطبيب بحذر:
-لا، هننقلها غرفة عادية وتقدروا تشوفوها بعد إذنكم. غادر الطبيب، وتنقلت أنظارهم لبعض. زفر أدهم براحة وكأن همًا ونُزح من قلبه. أحمد نظر له بابتسامة: -مش قولتلك أنها هتكون كويسة؟ أدهم ابتسم وتنفس بعمق وكأن لم يكن هناك أكسجين، أو أنه قد كان بغرفة ضئيلة الحجم خاوية، وفجأة خرج منها للنور والهواء. أشار له بحب: -الحمد لله. بسنت لاحظت ابتعاد فهد فبادرت إليه. رفعت يدها لتضعها على كتفه. فك يديه المربعتين أمام صدره ونظر لها.
بسنت بقلق: -أنت كويس؟ أومأ برأسه. فابتسمت له: -يا عم قلقتني. يلا تعال، هندخل نشوف لمار دلوقتي هتخرج! تقدم خطوة وهو يشير لها: -يلا. انتظروا حتى خروج لمار. فجأة، هرولوا إليها جميعًا ولجوا للغرفة، وجدوها تقف تلبس بجاكتها. علموا أنها تريد الخروج. بسنت اقتربت منها بقلق: -لمار، أنتي بتعملي إيه؟ كانت مطأطئة رأسها تعدل من خصلات شعرها لتفرده بحرية وقالت دون النظر لها: -زي ما أنتي شايفة؟ وضعت يدها بخصرها وهي تكتم ألمها بصعوبة
وتنقلت أنظارها لهم وقالت: -مالكم عملين كده ليه؟ كأنكم جايين جنازة. على فكرة أنا كويسة وزي الفل؟ أحمد اقترب منها ليقف أمام وجهها وقال بعصبية: -هو إيه اللي كويسة؟ أنتي طالعة من عمليات وخسرتي دم كتير. تعرفي أنك زمانك ميتة لولا إن جبناكي هنا؟ ابتسمت بتريقة وربتت على كتفه: -مش لمار اللي تتأثر بأي حاجة. متقلقش، أنا تمام؟ نظرت لفهد وأدهم وقالت بهزار: -مش بحب الكآبة على فكرة، ولا اللحظات الحزينة. فبلاش رجاءً؟
أدهم زفر بضيق وتقدم نحوها، مسكها من معصمها بحدة وأشار لها: -خروج إيه دلوقتي؟ مفيش خروج من هنا. لازم تفهمي؟ نظرت له بحب وأبعدت يدها: -أدهم، أنا مقدرة خوفكم عليا، بس أنا تمام، كويسة وهخرج دلوقتي. يلا قدامي. دفعتهم بخفة ليتنحوا عن طريقها وخطت أمامهم. وقفت عند باب الغرفة وأستندت عليه وقالت دون النظر لهم: -يلا، وهمشي لوحدي وأنتم هتفضلوا! وذهبت. نظروا لبعضهم البعض بقلة حيلة ولحقوا بها مسرعين.
ذهبت لمار لمكتب الاستخبارات. كانت بطريقها إلى غرفة الاستجواب. فتحت الباب ووقفت مكانها وقالت دون النظر للخلف: -خليكم هنا، مش عايزة حد يدخل خالص! أحمد برفض: -بس يا لمار؟ استدارت لتنظر له بنظرة قاتلة وولجت للداخل. أحمد نظر لبسنت وربت على كتفها: -صدقيني، حاسس إن في حاجة غلط. اللواء أمجد مستحيل يخون بلده! أشارت له بسنت بدموع: -بس إحنا مسكناه هناك ومعاه كل ما يخص الدولة، يبقى إزاي… هرولت للداخل. كانت لمار واقفة بصمت.
فاستدارت لتصيح بها: -أنا مش قولت محدش يدخل؟ بسنت اقتربت بدموع أمام والدها ولم تعطي للمار أي أهمية: -أنا مش مسامحاك يا بابا، أنت واحد خاين. دفعولك كام عشان تبيعنا هااا؟ جذبته من يده بحدة وبكاء: -ليه يا بابا عملت كده؟ ليه؟ لمار سحبتها وهي تقول بصوت عالٍ: -بره يا بسنت دلوقتي، برررره!
فتحت لمار الباب ودفعتها للخارج وصفقته بحده. استدارت وخطت لتقف أمام أمجد. سحبت المقعد من خلفها وجلست أمام عينه. كان جالسًا مصدومًا كأنه فاقد للحياة، شعور ميت يشعر به وكأن قلبه قد مات. تتطلع بلمار بصمت تام. أما هي كانت ترمقه بتمعن تحاول قراءة تعابير وجهه. قطعت ذلك الصمت بصوتها الجهوري: -أنت عارف إني عمري ولا لحظة شكت فيك، ف ليه؟ نظر لها بصدمة وزهول وفضل الصمت. صرخت بصوت عالٍ وهي تضرب على المكتب: -ليه بتبيع بلدك؟
ليه عملت كده؟ ليه؟ ومع مين؟ جون هااا؟ انطق؟ رفع عينه ورمقها بدهشة وقال: -أيوه، أنا بعت بلدي وعارفة ليه؟ لأني مكسبتش حاجة من وفائي! نظرت له لمار بمكر وتابعت قائلة بحده: -تبيع بلدك ماشي عادي، تخوني عادي، تبعني عادي، بس إنك تقتل صاحبك؟ نظر لها بصدمة وعدم فهم: -صحبه؟ صحبه؟ ويقتل؟ تخلى عن صمته أخيرًا: -أقتل؟ وقفت لمار وخطت خطوتين ووقفت وأسندت على كرسيه وهمست له: -أيوه، أنت قتلت. وأنت السبب في كل اللي حصلي!
أدارت وجهها لوجهه مباشرةً وقالت بصوت عالٍ: -أنت اللي قتلت أبويا اللي هو صديق عمرك، أنت اللي غدرت بيه، أنت اللي حرمتني من أخويا وأمي، ويتّمتني وفرقتني عنهم. عشان إيه؟ صرخ بها وهو يهم بالوقوف: -لا، لا، أنا مقتلتش عز ومش أنا السبب. صدقيني يا بنتي، لا. أنا يا لمار، أنا اللي ربيتك، أنا اللي دورت على حق أبوكي. تتهمني أنا؟ كان يشير على نفسه بصدمة وعدم تصديق. لم يكن يظن يومًا أن هي من تتهمه. متى فرق بينها وبين بسنت؟
أمسكت لمار بكتفيه ونظرة لعينه وهزت رأسها بالنفي وتابعت قائلة بوجع: -وأنت ليه فكرة إني ممكن أصدق إنك تبيع بلدك؟ ليه خبيت عني ومقولتليش؟ لدرجة دي مش بتثق فيا؟ لدرجة دي أنا مش هقدر أحمي بسنت؟ نظر لها أمجد بدهشة. فتابعت لمار قائلة: -إيه، مندهش ليه كده؟ أنا عارفة إنهم هددوك ببسنت، ومتأكدة إنك متعملش كده أبدًا. رجعت خطوتين للخلف وقالت وهي تجلس: -أقعد ويلا ورقة وقلم ومن أول السطر. أشجيني بما في جعبتك بكل حاجة.
رفعت أصبعها بتحذير: -ومن غير كذب ولا إنك تتهم نفسك بحاجات أنت معملتهاش، لأن كل حاجة مكشوفة قدامي! أومأ لها أمجد وجلس مقابل لها. لمار باهتمام: -التواصل كان بينكم إزاي؟ التهديد؟ قبلت كام شخص؟ هااا؟ كل حاجة! أمجد أخرج موبايله لها: -أول حاجة، رسالة التهديد دي؟ أخذت منه الموبايل وجدت لمار رسائل كثيرة محتواها تهديد بقتل بسنت وزوجته إذا لم ينفذوا ما يطلبوه. نظر لها أمجد وأكمل:
-بعد كده لقيت رجالة مسلحة بتحوم حوالين البيت وأغلبكم بيتبعوا حركة بسنت كأنهم ظلها. وأنتي؟ لمار بصدمة: -أنا؟ أمجد: -أيوه. آخر رسالة كانت تهديد صريح بأني أقتلك؟ بعد كده عرفت إنهم ورطوني معاهم. عبد الرحمن كان بيسرق حاجتي الشخصية ليهم. لمار وضعت يدها تحت ذقنها: -عارفة ولقيت كل ده؟ أشار لها أن يكمل وقال: -مكنتش عارف أعمل إيه. مقدرتش أقولك لأني خفت عليكي. قولت هسيسهم لحد ما أتقابل مع جون ده وهقتله. لمار أشارت له:
-تقتل مين بس؟ أنت كنت هتورط نفسك أكتر ما أنت متورط برضه. مش لاقية سبب إنك متعرفنيش؟ أمجد بصدق: -صدقيني، خوفت عليكي زيك زي بسنت بالظبط! بس دلوقتي أنتي ناويه على إيه؟ قالت بخبث وغموض وهي تشير إليه: -أنت هتفضل الراجل اللي باع بلده، وأنت اللي هتدخلني بينهم وهتعرفني عليهم، وأنت هتكون شريك ليهم؟ ضيق حاجبيه: -تقصدي إيه؟ هبت واقفة وبدأت بشرح الخطه له. أمجد بأعجاب:
-وبكده أنا وكامل هنكون معاهم خطوة بخطوة من غير ما يشكوا فينا، وأنتي توقعيهم؟ لمار هزت رأسها: -تؤ تؤ، أوقع مين؟ محدش هيخلص عليهم غيري. هدفعهم التمن غالي أوي. ابتسم أمجد لها. لمار ربتت على كتفه: -متقلقش، بسنت هتكون كويسة. بس أنت ركز في المهمة دي، لأني مش هسمح لأي غلطة المرة دي! أمسك يدها وقال مؤكدًا: -مهما كان اللي ممكن يحصل، إلا إني مش هستسلم غير لما جون يموت. لمار زفرت بعمق وارتياح: -همشي أنا. انتبه لنفسك.
أومأ لها وأستدارت لتغادر. حاولت تعابير وجهها للغضب وفتحت الباب وصفقته خلفها بقوة وصاحت بهم: -تحرسوه كويس ويفضل زي ما هو كده لحد ما ينطق، محدش يدخله، سمعين؟ أقترب أدهم منها: -ممكن بقا تروحي تستريحي؟ نظرة له لمار وأؤمأت له. أشارة لبسنت: -يلا عشان نوصلك معانا؟ أؤمأت لها بحزن ووقفت وغادرا سوياً. مايكل جالس بحزن على الأرض مستندًا برأسه على حافة التخت ممسك بيد والدته ويقول بصوت مهزوز من الخنقة:
-تعبت يا أمي، مش قادر أستحمل كل ده. أنا محتاجك جنبي، قومي عشان أرجعك للمار وأياد وأيهاب. آسف، سبتك بين إيديه، بس مكنتش عارف إنك عايشة. والله هدفع التمن على كل اللي عمله فيكي، هعذبه زي ما عذبك. بكى بحرقة وهو يتذكر وقال: -تعرفي إني كنت هقتل أخويا؟ الغضب عماني لما عرفت إنك عايشة. كنت هقتل أيهاب يا أمي، كنت هنتقم منه بموته، بس كنت هحرق قلبي أنا. قومي يا أمي، ليه مش بتستجيبي للعلاج؟
قوليلي، ابنك إزاي يكون دكتور قد الدنيا ويفشل يعالج أمه؟ طب قومي عشان لمار حبيبتك، أنتي مكنتيش تنامي غير وهي في حضنك. والله محتاجالك، كلنا، أنا قلبي بيتقطع. صمت قليلاً وأكمل: -أنا ببقى قاسي كأني جبل، بس بضعف قدامك. معنديش حد أبين ضعفي ليه غيرك. أنا تعبت من وأنا صغير شايل الهم. ليه كدا؟ بس ليه؟ صمت لبعض الوقت وهو يتذكر بسنت. فهب واقفًا جلس جوارها على التخت وقرب يدها لصدره: -مش عايزة طيب تفرحي بابنك؟
أنا اتجوزت بنت عمو إسماعيل، صاحب بابا اللي كان بيتكلم عنه. هي هبلة شوية وبتتكلم كتير، بس طيبة وهتحبيها. صمت عندما شعر بيد أحد على كتفه. وجد فيكتور. نظر له بابتسامة وأستدار ليجلس جواره بصمت. قطع ذلك الصمت فيكور وهو ينظر أمامه بتفكير: -أنت عارف إني بحس بيك مهما كنا بعاد عن بعض وبتوجع لما أنت بتتوجع. ف لو حاولت تخبي ألمك عن كل الناس (نظر لعينه بوجع وأشار له) بس مش هتقدر تخبي عني. ضحك بوجع وأكمل قائلًا:
-ممكن مفيش روابط دم تجمعنا، بس اللي بينا أكبر من كده. أحنا عدينا مع بعض كل صعوبات الحياة سوي، الحلوة أو المرة. تشاركنا أوجاعنا وهمومنا وحزننا وتعبنا عشان نوصل، بس وصلنا ومفيش حاجة وقفت قدامنا. لأن اللي بينا روابط قلب، روابط صافية مفيهاش خداع ولا مصالح. هي أقوى من روابط الدم. (ضحك بوجع) وعملنا إيه من روابط الدم؟ لقينا بس وجع وكسرة قلب. لقينا ناس معانا عشان مصالح. بس أنت وأنا أقرب من الأخوات.
ابتسم مايكل وهز رأسه مؤكدًا وربط على كتفه: -أحنا عدينا حفر عميقة من غير ما نتأذى وديما كنا إيد واحدة. (امسك بيده) وهنفضل كده ديما. وضع فيكتور يده الأخرى على يده: -وعشان كده بقولك أمك هتخف إن شاء الله. شعر فجأة بصداع حاد يفتك رأسه وكأنها ستنفجر. وضع يده على رأسه بألم. فيكتور لاحظ ذلك فهب واقفًا بخوف: -مايكل، مالك؟ أنت كويس؟ أكتفى بإشارة بسيطة له: -تمام، متقلقش. فيكتور بعدم اقتناع: -والله حاسس في حاجة أنت مخبيها؟
استقام ليقف أمامه وقال بسخرية وهو يدفعه بخفة: -أخبي إيه بس عليك؟ أنا أقدر. همس له بضحكة: -هطلع أشوف مراتي. خليك أنت بقا وبلاش سهر. أومأ فيكتور له وأشار له أن يغادر. راقبه بعينيه حتى غاب. فأقترب ليجلس على التخت وقال: -حاسس ابنك ده مخبي عني حاجة. هو من صغره كده. عموماً لازم أعرفها. طبع قبله على جبينها ورحل. فهبطت دمعاتها بصمت تام.
حبيبة تنظر من الباب وهي مخرجة رأسها فقط وفاتحة فتحة صغيرة. كانت تراقب صعود مايكل. وعندما رأته متجه لغرفته، فتحت الباب ببطء وتسللت على أصابع قدميها بخفة خلفه دون صوت. ولجت خلفه للغرفة بصمت. خلع جاكته وألقاه دون اكتراث على الأريكة. أما هي وقفت خلفه بخوف وضعت يدها على فمها. صرخت عندما استدار مايكل وسحبها من معصمها لتصبح قريبة منه: -إيه حركة العيال دي؟ نظرة له بصدمة وابتلعت ريقها بخوف وقالت بتلعثم: -إيه ده مايكل؟
هو أنا دخلت هنا إزاي؟ رمقها بتسلية: -يعني مش عارفة دخلتي إزاي؟ ابتعدت عنه وهي تقول: -لا، مش عارفة. عيناها جابت الغرفة بزهول ودهشة: -إيه الغرفة دي كلها؟ وليه اللون ده. أشار لها بعينيه على الباب لتخرج. نظرة لما ينظر إليه فقالت: -لا، مش هخرج غير لما توافق تاخدني معاك المستشفى. رمقها بنظرة قاتلة وهتف بصوت عالٍ: -أطلعي بره حالاً. هرولت من أمامه مسرعة. زفر بضيق وارتفعت صوت ضحكاته على مجنونته.
دوي هاتفه معلنًا عن اتصال من المستشفى. جذبه مسرعًا، فالواجب يناديه. رد فورًا فأخبروه بأن يأتي مسرعًا لحالة طارئة. أغلق الهاتف فورًا وعاد أدراجه مرة أخرى. خرج من غرفته وهو يسير شبه راكض. بأثناء ذلك، كانت تخرج حبيبة من المطبخ فرأته يخرج مسرعًا فركضت خلفه لتلحق به وهي تقول بصوت عالٍ: -استني يا مايكل، استني! ليس لديه وقت لثرثرتها فتابع طريقه باللامبالاة. وقف بنفاذ صبر: -عايزة إيه؟ معنديش وقت ليكي.
وقفت أمامه لتسد طريقه وهي تفرد يديه لمنعه من الذهاب: -رايح فين؟ الوقت متأخر. زفر بضيق فلم يعتاد على تلك الأسئلة وقال وهو يدفعها جانباً: -المستشفى. وأوعي من طريقي. مش فاضي في حالة طارئة. يلا جايه!! ركضت مرة أخرى وقبل أن يصعد السيارة مسكت بيده: -طب خدني معاك أرجوك، أرجوك. وعد مش هعمل حاجة، بس خدني معاك. أجاب وهو يزيح يدها: -لا. لا. ويلا أطلعي فوق على أوضتك ونامي. أشار بيده للداخل: -يلا أدخلي.
ركلت الأرض بقدمها بزعل واستدارت سارت كم خطوة ووقفت على صوته. -استني. رفع يده لينظر بساعته وأشار لها: -قدامك عشر دقايق تجهزي فيهم. لو تأخرتي هسيبك وأمشي. صاحت بفرحة وصفقة بيدها كالطفلة. رفعت أصابع قدميها وقبلته من وجنته بفرحة وركضت دون تشعر بذلك وهي تقول: -دقيقتين بس وأكون عندك. استناني، أوعي تمشي. كان يقف بزهول متفاجئ من قبلتها. لم يتوقع ذلك. رفع يده على وجنته وسار بإصبعه مكان قبلتها وأبتسم: -مجنونة.
صعد السيارة لينتظرها وعينه ثابتة على الدرج. رأها تهبط مسرعة بوجهها الضحوك الباسم. تلك الفرحة واللمعة التي رآها على وجهها جعلت قلبه يحلق عاليًا بابتسامة كبيرة. ذلك الفستان الوردي الواسع جعلها كالحورية، فهو ضيق لحد الخصر وواسع لقدميها. ذلك الحجاب زاد وجهها نورًا على نور وكأنها البدر في ليلته. فاق على صعودها السيارة جوارها وهي تقول: -يلا نمشي مايكل. أنت يا ابني؟ نظر لها فقالت بضحكة: -إيه اللي واخد عقلك؟
أشعل سيارته وقاد مسرعًا حتى لا يتوه بها. بالعربية، هبطت بسنت بعصبية وهي تصفق الباب خلفها ولجت للداخل دون انتظار لمار. أدهم استدار برأسه: -وبعدين؟ فتحت الباب لتهبط ولكنها وقفت على كلمته. أغلقت الباب مرة أخرى وأستدارت له: -وبعدين إيه؟ أدهم: -اللواء أمجد مش خاين. أنتي بتخططي لإيه بالظبط؟ لمار بتأفف: -مش بخطط لحاجة. كله تمام. واللواء أمجد أنا هعرف إذا هو خاين ولا لا! أدهم أومأ لها: -أفهم من كده إنك مش هتحكي؟ لمار ابتسمت
بعدم فهم أو بتصنع ذلك: -أحكي إيه؟ أدهم أدار وجهه بعيدًا عنها: -بالشغل مش بنحكي أي حاجة. وعنك مش بتحكي. (نظر لعينها) ليه؟ تنهدت بعمق وابتسمت: -عايز تعرف إيه عني؟ أظن إنك عارف؟ أدهم بصوت عالٍ: -لا يا لمار، مش عارف. أنتي ليه ديما كئيبة؟ مش بتضحكي؟ ولو ضحكتي (أشار على قلبها) ده بيكون بيصرخ من حقي أعرف كل حاجة عنك. يا ستي شاركيني حزنك وخلينا نبقى واحد! لمار ابتسمت ووضعت يدها على وجنته لتنظر بعينه وقالت:
-وأنا هحكيلك يا أدهم كل حاجة. وعد. بكرا أنت عزمني بكرا هحكيلك من أول ما جيت على الدنيا لحد دلوقتي. بس دلوقتي بجد تعبانة ومش قادرة أستنى أكتر من كده. ألتقت يده وطبع قبله رقيقة بابتسامة وقال: -ماشي، اطلعي استريحي وانتبهي لنفسك. أؤمأت له بابتسامة وفتحت الباب وهبطت. لمار ولجت للشقة وجدت جميعهم حول بسنت التي تبكي بصمت فقط. أقبلت إليها وهي تقول: -أنتي بتبكي ليه دلوقتي؟
أقتربت منها فتنحت هالة جانباً لها. جلست لمار بألم وتعب جوارها. رفعت يدها لتزيح دموعها بسبابتها وأكملت قائلة: -أبوكي مش خاين ولا حاجة. أبوكي كان بيعمل كل ده عشان يوقع جون وعشان يحميكي. أنا هتكلم مع الرؤساء بكرا وكل حاجة هتنحل. بسنت نظرة لها بفرحة وأمل: -بجد؟ يعني بابا مش خاين؟ هزت لمار رأسها بالنفي. هالة بقلق: -لمار، أنتي كويسة؟ عاملة إيه دلوقتي؟ حاسة بحاجة؟ لمار هبت واقفة:
-أنا تمام، متقلقيش. خلوا بالكم من بسنت. أنا هغير وعندي مشوار ضروري. ريم: -رايحة فين؟ أنتي لسه تعبانة. لمار وهي تذهب باتجاه غرفتها: -واجبي أهم مني. ولجت لغرفتها وبعد ذلك للتواليت. نثرت على وجهها الماء لعلها تفوق. رفعت رأسها بالمرآة وهي تغلق الماء وابتسمت وحادثت ذاتها قائلة: -دلوقتي هخليه يجي وهقتله بإيدي وهنتقم وهستريح. هانت.
زفرت براحة لأول مرة تشعر بها. جذبت المنشفة لتجفف وجهها وهي تخرج. ألقته على الأريكة وهمت بتبديل ملابسها. أرتدت بنطلون جينز أسود وفوقه شميز أبيض ورفعت شعرها. نظرة نظرة أخيرة لنفسها. وجذبت شنطتها لتخرج حقنة مسكن وحقنتها بوريدها بنفسها. جذبت مفاتيح سيارتها وهاتفها وخرجت. هالة أوقفتها: -لمار، أنتي لسه تعبانة؟
لمار أكتفت بأشارة بسيطة لها ورحلت. أنطلقت بسيارتها بعدما أجرت اتصال هام وشعرت بالنصر. وقفت السيارة أمام شركة زيد. هبطت منها بثبات مخيف وسارت لداخل بثقة. طرقت الباب فأذن زيد لها بالولوج. لم ينتبه زيد لها بل كان جالسًا يعمل بحاسوبه. لمار بتساؤل: -يا ابني، أنت بتعمل إيه؟ زيد رفع رأسه لها وابتسم بفرحة وهب واقفاً: -حبيبة قلبي وحشني. أقترب ليعانقها بحب وهي كذلك. وضعت يدها على كتفه وقالت بنصر:
-خلاص، اللي كنا منتظرينه من سنين خلاص. أخيرًا قلوبنا هترتاح وهنعرف مين الخاين اللي بيساعد جون. ابتسم لها زيد بوجع وقال: -أنا بعد اللحظات والدقائق عشان اليوم ده. أشارت له لمار: -خلاص قرب، قرب أوي. أياد عامل إيه؟ زيد بتذكر: -مش كويس. أنتي بعدتي عنه وبقى كئيب. مش عاجبني. لمار أشارت له بالخروج وهي تقول: -خلاص هانت وهنعيش سوي.
فتحت باب المخزن ووقفت لتنظر لعبد الرحمن الذي أصبح ذقنه كبيرًا للغاية والحزن بادي عليه والندم. من يراه يعطي مائة سنة وليس شاب في مقتبل عمره. وقف عندما رآها. فأقتربت منه لمار بصمت وضعت يدها بجيبها ووقفا بصمت تام. قطعته هي أخيرًا: -جاهز؟ أومأ برأسه موافقًا. فمدت لمار يدها لتصافحه فصافحها وتابعت قائلة:
-من بكرة أنت وكامل لازم تخططوا إزاي تكسبوا ثقتهم علشان تقابلوا جون والباقي. مهما كان اللي هيطلبوه لازم يتنفذ حتى لو قتلي. مش عايزين نضيع وقت. كفاية لحد كده. صمتت لبعض الوقت ونظرة له: -اشتغلوا كتير معاهم، بس من غير ما تقابلوه. بس دلوقتي هتشتغلوا على مقابلته فقط. وأياك تحاول إنك تبيعني للمرة التانية. أقسم بالله هيكون موتك على إيدي. أشار لها برفض قاطع: -لا، لا. أنا ندمت ولازم أصلح غلطتي. ولو هموت هموت، بس مستحيل أخونك.
ابتسمت له لمار. يا ترى على ماذا تنوي لمار؟ ما الذي يخبئه مايكل؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!