الفصل 33 | من 34 فصل

رواية فتاة العمليات الخاصة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
18
كلمة
8,063
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

أما "لمار" وأياد فكانت تجلس بالمطار بإبتسامة رقيقة مبهجة على ثغرها، تتشاكل مع الوقت لحين يمر. وها هم يعلنون النداء للطائرة إلى السعودية، لتهم واقفة بلهفة، وتتجه إليها وتصعد وتأخذ مقعدها.

الجميع اتجمع بالمنزل وكل الأصدقاء. "ما هو الصديق وقت الضيق، قبل أن تناديه يكون على بابك." وها هم يد واحدة بقلق واحد ينهش أفئدتهم. تسللت هالة مسرعة إلى غرفة لمار وبدأت تبحث لعلها تجد شيئًا. وبالفعل، قد وقع بصرها على تلك الورقة المطوية أسفل الكأس. جذبتها بلهفة وقرأت ما بها لتبتسم بفرحة وهرولت إليهم وهي تهتف: "محدش يقلق خلاص، أنا عارفة لمار فين! تنقلت الأنظار إليها بخوف، فلفظ يوسف بقلق: "قولي يا هالة فين لمار؟

ابتسمت هالة بسعادة وهتفت: "لمار في السعودية! فأردفت والدتها بقلق: "يعني إيه راحت ليه؟ وليه ما قالتش؟ ابتسمت هالة باطمئنان: "اهدوا، لمار كويسة. هي هتزور الكعبة وراجعة." تطلع الجميع بها بدهشة. أما ورد فلّوت فمها قائلة: "كده برضه يا لمار؟ ما تاخديني معاكي؟ أشار لها عمرو قائلاً: "ما تزعليش، هنبقى نروح أنا وأنتي؟ فقالت ورد: "لا، هروح مع لمار." فهتف: "روحي يا أختي." ارتفع صوت هالة قائلة لأحمد: "أحمد."

نظر لها باهتمام. فتنقلت أنظارها بينه وبين ريم وهي تتحدث: "اسمعني، لمار بتقولك يلا بقى جهز نفسك عشان هتتجوز على طول أول ما هترجع." بعدم تصديق اتسع فمه: "احلفي؟ فردت بضحكة: "طب والله بجد؟ فهتف أحمد بفرحة: "طب أبوسك طيب؟ فاق على يد إيهاب بمؤخرة رأسه، فقال إيهاب بغيظ: "ما تتلم يا عم." ونظر لهالة: "طب وإحنا إمتى بقى؟ احمر وجهها القمري وازداد لونه الوردي، لتغض بصرها للأسفل بخجل شديد. نظر لهم قائلاً:

"يلا يا شباب، دي مش هتتكرر. طالما لمار قالت فرح أحمد، يبقى نستغل الفرصة ونخطب." "فعلاً، هي قالت الكل مش أحمد بس؟ لفظت بها هالة لهم. فنظر زيد زيد بفرحة: "طب احلفي؟ فأردفت هالة بغيظ: "إنتوا اتجننتوا النهارده؟ اقترب زيد من أمل ويوسف قائلاً: "جهزوا نفسكم بقى، شوفوا كم شخص رايح يخطب، واكيد الخطوبة مش هتم من غيركم. وبقول أهو، وربنا لازم أخطب أنا الأول." نكزه يوسف قائلاً:

"بس يا بابا، ما فيش حاجة هتم من غير موافقتي." جلس على المقعد وهو يضع قدم فوق الأخرى وقال: "وقت ما أحب أخطبلكم هخطب." لوى أحمد فمه قائلاً: "بس يا عم، مش عاوزين نتجوز؟ ابتسم يوسف بمرح قائلاً: "فيكتور، عندنا حاجة النهارده؟ أشار له فيكتور بضحكة: "عندنا عمليات كتيررر! فهتف زيد بغيظ: "نعم، إنت وهو... أشار يوسف: "فيكتور." فرد فيكتور وهو يجلس جواره: "ما عندناش يا عم، ما تبردش عليهم." ابتسم يوسف له قائلاً:

"خلاص، معلش. نروح نخطب النهارده لزيد؟ فقال له بضحكة: "معلش معلش." نظر لهم زيد بغيظ وقال بمرح: "أما أروح أرن على بسنت." بلمح البصر كان بالخارج. كانت الفرحة عارمة من أفئدتهم تنبع، وليس مجرد فرحة والسلام. جلس أحمد جوار ريم وهو يقول بفرحة: "وأخيرًا لمار رضيت علينا وهنتجوز وهتكوني ملكي وليا لوحدي." احمر وجهها خجلًا وابتسمت بعشق واكتفت بإيماء بسيطة. تذكرت فجأة أهلها، كم تتمنى أن يكونوا معها. لماذا لم يدعموها؟ ما ذنبها؟

لم حاولوا التخلص منها؟ نظرت بحزن شديد تجاه قدمها واستدمعت عيناها، ثم أرسلت دموعها تهوي على وجنتيها. تألم فؤاده وأوقدت النيران به وهو يرى دموعها، ليقول بقلق: "مالك يا ريم؟ أنتي مش مبسوطة؟ كفكفت دموعها ورفعت نظره به بابتسامة وأردفت بفرحة: "لا طبعًا مبسوطة، بس دي دموع الفرحة." رأى الحزن ما زال يغلف عيناها، فعلم السبب وأقسم بداخله على أن يذهب لأهله ويكمل فرحتها.

لاحظ يوسف حزن ريم، فجذب هاتفه مسرعًا وراسل أحد زملائه عن حالته. عيناها جابت المكان بحثًا عن من عشق الفؤاد. لينكزة فيكتور قائلاً: "بتدوري على إيه؟ أشار له بنفي: "ولا حاجة." قطب فيكتور حاجبيه: "عليا أنا. على العموم، هي واقفة هناك. إيه؟ كانت تقف بعيدًا عن الأنظار بحزن. نظر لما يشير إليه فيكتور، لينهض مسرعًا متجهًا لها. وقف أمامها قائلاً: "إيه مالك؟ قولي." أشاحت بوجهها عنه قائلة بضيق:

"ما فيش." هي تريد الذهاب لوالديها ولكنها تعلم أنه لن يوافق حتمًا. أمسك وجهها بحنان ليرفع عيناها بعينه وهو يقول بحب: "اطلعي البسي وتعالي نروح عند أهلك." تهللت فرحان ونظرة له بنظرة مشرقة: "بجد والله؟ إنت عرفت إزاي إني عايزة أروح؟ أردف بحب: "عادي يعني، بس يلا اطلعي البسي، وأهو لو البس مش عجبني مش هنخرج. ويلا قبل ما أغير رأيي." قفزة مكانها بفرحة وعدم تصديق لتعانقه بحب دون وعي. شدد على ذراعيه حولها بتفاجؤ وبسمة. "عيييييب!

ارتجفت حبيبة وهي تبعد عنه على صوت ورد، لتنظر بخجل شديد لها وركضت لغرفتها فورًا. ارتفعت صوت ضحكات ورد ويوسف عاليًا. لينظر لها بغيظ قائلاً: "بت، إنتي جننتيهم أه، بس أنا لا. أنا ممكن أموتك كده عادي، بس ما أجننش." رمشت بعينها ببراءة وهي تقول: "أنا برضه؟ قطب حاجبيه قائلاً: "لا، بريئة؟ لوت فمها قائلة: "أروح أغلس على حد تاني؟ اتجه يوسف نحو والدته وقال بحب: "أمي، رايح أنا وحبيبة بيت عمي شوية." أمل ابتسمت بحب:

"روحوا يا حبيبي." كاد أن يستدير فوجد زيد أمامه وهو يقول بغضب: "رايح فين؟ أنا خطيبتي النهارده." يوسف ابتسم بجدية: "ما تقلقش، كلها نص ساعة وجاي." زيد مثل أنه بيفكر وقال: "اممم، إذا كان كده ماشي." يوسف خرج وصعد السيارة. وظل بانتظارها، حتى وجدها تخرج بدرس موف واسع ولكن شيك ولفت خمار. ابتسم وفرحة نبعت من قلبه أنها استمعت لكلامه. صعدت جواره مبتسمة وقالت: "هااا، كده حلو؟ أشار لها باسمًا بحب: "آه يا قلبي."

احمر وجهها، فهذه أول مرة يلفظ بها. أبعدت وجهها للجهة الأخرى وقاد هو مسرعًا لمنزلها، ولم يخلُ الطريق من نظراتهم العاشقة لبعض خلسة. يوسف صف السيارة جانبًا، وأشار لها: "انزلي." هبطت واقتربت منه وأمسكت بيده بحب. نظر لعيناها الفاتنتان بعشق وضغط على يدها بحب، ودلفوا للداخل سوياً. طرقة حبيبة طرقات خفيفة على الباب. فتحت والدتها الباب وتهلل وجهه بالفرحة وهي تجذها بين يديها وأجهشت بالبكاء. ضمتها حبيبة باشتياق وبكت أيضًا.

لمحت هدى يوسف، فنظرة له بفرحة وحنان: "إزيك يا بني؟ عامل إيه؟ أشار لها بابتسامة: "تمام الحمد لله، وإنتي عاملة إيه؟ فهتفت برضا: "بخير الحمد لله." نظرة جوارهم لعلها تجدها، فهمست بحزن: "هي لمار مجتش معاكم؟ فقال يوسف بتفهم: "لا، بس وعد هجيبهالك المرة الجاية." تنحت عن الباب وهي تقول بصوت حزين مشتاق: "ادخلوا جوه، مش هنقف على الباب كده."

رآهم إسماعيل، فهب واقفًا لابنته يضمها بحنان، حتى يوسف. جلسوا سوياً وجاء أدهم بعد قليل وجلس جوار يوسف. اقترب منه وهمس: "أختك معندة ومش عايزة تسمعني؟ أشار له يوسف بتفهم: "ما تقلقش، لمار بس محتاجة شوية وقت، وهتلاقيها رجعت أحسن من الأول." فهتف أدهم بتمني: "أتمنى." أشار إسماعيل يهمس لابنته: "فيه إيه؟ إنتي ويوسف زعلانين من بعض؟ إنتي مش عايزة... قطعته مسرعة وهي تهمس: "لا يا بابا. 'وبخجل قالت:' عايزة ومش زعلانين ولا حاجة."

أشار لها مبتسمًا: "ربنا يبارك فيكم ويحفظكم، واعرفي إن هو كمان بيحبك من عينيه." ابتسمت له برقة ونظرة ليوسف بتأمل وهو يتحدث مع أخاها. فقال والدها بحب: "ربنا يسعدكم يا رب." فنظرة له مبتسمة وهمست: "ادعيلي يا بابا." مرر يده على رأسها قائلاً:

"مهما هيجي من ظروف عليكم ومشاكل وخناقات، خليكي زي ما أنتي كده. أسرار بيتك ما تخرجش من برا أوضتكم حتى. لا تحكي لأهله ولا أهلك، ولا تخلي حد يحس عليكم. ما تعلميش نوايا البشر مهما كان قريب، فاحتفظي بأسراركم لنفسكم وحلوا مشاكلكم أول بأول، وما تطلعيش كلمة بره عتبة أوضتكم." ألتقتت يده بحب وطبعة قبلة وهي تقول: "حاضر يا حبيبي، هعمل بكل كلمة قولتها لي. بس ليه بتقول كده؟ تنهد تنهيدة طويلة وهو يقول:

"لأني شايف في عينيك مشاكل كتير جاية، فخلي بالك واهتمي بجوزك وكوني جنبه وقوته وأمانه وسنده واحتوائه، زي ما هو كمان كل دول، فإنتي كمان من واجبك كده." أومأت برأسها مبتسمة فقطعتهم والدتها قائلة: "بتحكوا في إيه انتوا الاتنين من ورايا؟ احتضنت ذراع والدها وأسندت رأسها وهي تقول: "ملكيش دعوة، دي أسرار بيني أنا وبابا حبيبي." ضمه إليه بضحكة. فنكزتها والدتها قائلة: "قومي يا بت، جهزي الأكل عشان جوزك."

نظرة له حبيبة ونظر لها بنظرة طويلة قطعتها والدتها وهي تضربها بخفة على كتفها، فهبت واقفة بخجل. *** فتح أحمد باب شقته وهو يدندن بفرحة. أوصد الباب خلفه وما كاد أن يستدير حتى وقف بصدمة على صوت رجولي يقولي: "واه واه، سايب شغلك وشقتك وجاي تغني؟ كنت فين أومال؟ رفع أحمد بصره به وهمس بابتسامة: "جدو، عامل إيه؟ جيت إمتى وليه ما قلتليش؟ اقترب منه وكاد أن يقبل يده ليبعدها جده وهو يقول بعصبية وحسم:

"لمار في إجازة، أومال كنت فين وهتعمل إيه؟ عاد ولا فاكر إن ليك جد ولا بتسأل عليه؟ فأردف أحمد قائلاً بأسف: "أنا آسف يا جدو، والله بس شغل فعلاً مش بكذب عليك. ما تزعلش." ضمه بحنان، فهو له كأب من بعد وفاة والديه. ربت جده على كتفه بحنان وهو يقول: "أتوحشتك جوي جوي." قطعهم صوت فتاة تقول: "واه ياحمد، هو إنت مش شفتنيش ولا إيه؟ ابتسم أحمد وهو يضمها بمناغشة قائلاً: "لا طبعًا، إزاي دا، إنتي قلبي يا رقيه." جلسوا سوياً

وبعد فترة قال أحمد بتردد: "جدي، عايز أقولك حاجة." قطب حاجبيه قائلاً: "ومن إمتى هتستأذن أمال؟ قول دغري." تنقلت أنظار أحمد بين أخته وجدته، زفر بعمق وأردف قائلاً: "بصراحة، أنا عايز أخطب، قصدي أتجوّز." تهلل وجه جده قائلاً: "دي أخبار زينة، شاور بس إنت واختار، واللي تقول عليها نجوزهالك. هتختار مين من بنات... قطعه أحمد بوضع يده على فمها قائلاً: "بعيد عن بنات عماتي، فأنا في واحدة بحبها." قطب حاجبيه بضيق:

"حب إيه وفقر إيه اللي هتتحدت عليه وتجيبلي واحدة مصرية؟ غلف الحزن وجه أحمد قائلاً: "يا جدو، اسمعني الأول، وبعدين إنت مش شفتها عشان تحكم." رأى حزنه بادي على وجهه، فقال: "مين هي واسم أبوها إيه؟ ابتسم أحمد قائلاً: "اسمها ريم محسن، هي صاحبة لمار وقريبتها وعايشة معاها، بس هي رجلها يعني مش بتتحرك." اتسعت عينا جده بصدمة. أم أحمد، فنظر له بخوف من أن يرفض. فأردف جده قائلاً: "مشلولة؟ عايز تتجوز واحدة مريضة؟ عايزة اللي يراعيها؟

شوفلك واحدة أحسن وتقدر تخدمك، أمال مين هيطبخلك ويغسلك و... قطعه أحمد وهو يصيح به: "إنت ليه شايف إن الزوجة للخدمة وبس، ليه؟ افهم بس، وبعدين أنا عايزها ومش هتجوز غيرها حتى لو رفضت." ألتجم جده قائلاً: "وجه الوقت اللي تعلي صوتك على جدك عشان حرمة؟ هدأ أحمد وعرف غلطه، فقال بأسف وترجي: "أنا آسف يا جدو، مش قصدي صدقني. ريم بنت كويسة، وأنت عارف ابن ابنك مستحيل يختار أي حد وخلاص."

نظر جده للناحية الأخرى وهب واقفًا وهو يضرب بعصاه الأرض، ونظر له بتحدٍ وخطي من جواره داخل إحدى الغرف. جلس أحمد على المقعد بهم وتفكير، لتربت رقيه على كتفه قائلة: "ما تقلقش، شوية وهيروق، وأنا هتكلم معاه." أمسك يدها قائلاً بترجي: "بجد؟ طب يلا روحي دلوقتي؟ أشارت له: "حاضر، بس الوحيدة اللي هتعرف تقنعه هي لمار وبس، عشان كده رن عليها تجي." فهتف أحمد بيأس: "يا ريت، بس هي مش موجودة. دي في السعودية." فأردفت رقيه قائلة:

"خلاص يا حبيبي، ما تشيلش هم. أنا هتكلم معاه، وإن شاء الله هيوافق." ابتسم لها بامتنان. ولجت هي لجدها. *** تالا كانت تخرج من المنزل بتسلل وقلق وعيناها تجوب المكان حتى لا أحد يسمعها، وهي تضع الهاتف على أذنها. وحينما استقرت بمكان بعيد حتى هتفت: "نعم، أنا بالقاهرة، أريد أن أتخلص منها. لا أريدها معه، لم أعد أتحمل ذلك." وبعد وقت من الصمت هتفت: "أجل، إنها فكرة جيدة، ولكن لا أعرف أي أحد يمكنه مساعدتي في ذلك." صمتت قليلاً

وهتفت: "أوك، كلميه إنتِ، وأنا هرتب كل شيء هنا." سلام وأغلقت الخط بابتسامة عريضة. ولجت للداخل وجلست جوار هالة وهي تتحدث معها. أما ريم كانت تجلس بحزن وفكرها حائر. أسندت رأسها للخلف وهي تتذكر. عند خروجها من المبنى، فهي تعمل بمكتب للمحاماة. استقلت سيارة أجرة وبعد وقت رأت أنه يسير بالطريق الخاطئ. تملك الخوف قلبها وارتعد جسدها وهي لا تدري أين سيذهب بها، فصاحت به: "إنت واخدني فين؟ اقف عندك."

خلع نظارته واستدار لها بابتسامة خبيثة، فقالت وهي تبلع ريقها الجاف بخوف: "إنت... ابتسم لها بمكر قائلاً: "أيوه، أنا اللي ضربتك بالقلم ورفضتيه."

كانت تصيح وتصرخ حتى صف سيارته بمكان مقطوع، ورأت شبان يقتربون من السيارة وترجل هو منها وفتح الباب الذي يليها، فدفعته بقدمها وكادت أن تركض، فأمسكوها وصفعوها كذا مرة. نجحت بالافلات منهم وهي تركض وتستغيث، ولكننا أصبحنا في زمن الخوف، نخشي أن ندافع عن أحد، نخشي نقول الحق. وقعت فجأة بعدما جذبها أحدها لتهوي رأسها بالحائط وتنزف ويقع مغشي عليها.

أخذوا روحها دون رحمة، ظنوا أن لا أحد يراهم بذاك المكان المقطوع، ولكنهم نسوا أن رب العالمين يراهم، نسوا الرجولة والنخوة والشجاعة والمروءة، ونسوا أن الله لا يترك حق مظلوم، نسوا نار جهنم. بضعف كانت تفتح وتغمض عيناها لتنظر حولها، إذا هي بغرفة بيضاء اللون ومعلقة المحاليل. نظرة جوارها فوجدت رجلًا بعمر والدها مبتسمًا لها بحنان وهو يقول: "الحمد لله على سلامتك يا بنتي، عاملة إيه دلوقتي؟

كانت متغيبة عن العالم، ذاك العالم الذي أصبحت فيه قلوبهم صماء، إنها تعيش وسط ذئاب لا ترحم. تشعر أن روحها قد انتزعت منها وقلبها قد جف. أردفت قائلة ودموع تسيل على وجنتها: "فين ماما وبابا؟ فرد قائلاً: "لو حافظة رقم حد فيهم، قوليلي وأنا أطمئنهم عنكِ، وأكيد هييجوا." أهدأته رقم والدها وطلب منه المجيء ولم يخبره السبب. نظر لها بجدية وقال بثقة:

"ما تقلقيش، حقك هيرجع واللي عمل فيكي كده هياخد جزاته، وأنا معاكي وحقك هرجعه. بس إنتي قوليلي اسم اللي عمل كده." أغمضت عيناها بخوف وفجأة ظلت تصرخ وتصيح باسم "المحامي محمود القاضي". كانت تصرخ وهي تتذكر هجومهم عليها دون رحمة وانتزاع روحها. حتى أهدوها حقنة مهدئة لتبعد عن تلك الدنيا القاسية، لعل أحلامها تكون أحسن من واقعها، لعل. جاءوا أهلها وأخبروهم بكل شيء.

بتمر الأيام وتستقر حالتها نسبيًا، وما زالت لا تتحدث ولا تتكلم، دائمًا ما تصرخ بفزع. خرجت من المشفى، ولكن بيوم وبجنح الليل، ولج والدها وأخاها غاضبين وجذبوها لآخر دور، وهي تسير كالجثة معهم. أجل، فهي جثة، أصبحت تبحث عن روحها ولم تجدها. جذبها أخاها من شعرها قائلاً بصوت جهوري: "جبتيلنا العار ومش قادرين نرفع راسنا في وش حد، لازم تموتي." جذبها والدها بقسوة قائلاً: "اللي زيك مصيرها الموت."

"واللي زيكم مينفعش يكونوا أب ولا أخ! نظروا لذاك الصوت المخيف، إذ لمار أمامهم جذبة ريم التي تتحرك كالجثة بينهم وقالت بغضب جامح: "إذا هي مينفعش تعيش، يبقي إنت كمان مينفعش تعيش لأنك مش أب." الأب يقف جنب بنته ويرجع لها حقها. رمقته بقرف قائلة: "إنت متستهلش تقولك يا بابا." كانت تتمسك بها ريم بخوف شديد وجسد يرتجف، فقالت لمار بحدة: "دي بنتك، المفروض تحسسها بالأمان مش الخوف." نظرة لأخوها قائلة: "وإنت المفروض تكون سندها."

صفقت بيديها: "أول مرة أشوف أهل زيكم، عشان كلام الناس تقتلوا بنتكم؟ يا شيخ ملعون أبو الناس. بنتك حاولت تنتحر وستر ربنا محصلش حاجة." هتف أخ ريم قائلاً بعصبية: "إنتي مين إنتي أصلاً وجيتي هنا إزاي؟ لكمته لمار بقسوة قائلة: "جيت من مطرح ما جيت." نظرة لوالدها وهي تصيح به: "إنت أب، فهمني؟ إنت أب وتستاهل كلمة أب؟ على غفلة منها تسلل أخو ريم ليدفعها من فوق.

فاقت ريم لواقعها وهي تصرخ بصوت عال وتمد يدها كأنها تحاول إمساك نفسها من السقوط، كأن أمامها تلفاز وتشاهد جل شيء. اقتربت هالة منها بخوف وهي تمسك يدها لتسيطر عليها قائلة: "اهدي يا ريم، ما فيش حاجة." إلا أنها هتفت ببكاء: "لمار، لمار." ومنداتك أوجعت قلب أختك التي وضعت يدها على قلبها برجفة وهي تقول: "نعم يا ريم؟ نظرة حولها فلم تجدها، لتغمض لمار عيناها وهي تدعو لها.

وقفت ورد على الأريكة ووضعت يدها على ريم وقرأت لها قرآن. بينما عمرو أمسك كف يدها بحنان قائلاً: "ما تخافيش يا ريم، أنا جنبك، إنتي كويسة، ما فيش حاجة." اقتربت منها أمل وهي تضم رأسها بين ذراعيها حتى هدأت وغفت. بعد قليل جاء يوسف وتالا، اطمئنوا على ريم وجلسوا جميعاً ليهتف يوسف بضحكة: "إيه يا عريس، هنخطبك النهارده! أشار له زيد برفض وبصوت حزين قال: "لا، بس نطمن على ريم الأول، وبعدين كل حاجة هتتحل. هي أهم."

اقترب منه أياد ورفع يده على كتفه قائلاً بمناغشة: "فعلاً، لسه لما أنا أخطب الأول." دفع زيد يده قائلاً: "بس يا بابا." اقترب يوسف منه قائلاً: "خلاص، ماشي. زي ما تحب، شوف الوقت اللي يناسبك ونروح فيه سوا." جلسوا جميعاً بصمت إلا من أعين يوسف التي تتمعن النظر بحوريته، مما يبث الغيرة والحقد بقلب تالا التي حادثت نفسها قائلة: "حبها ليه؟ دي لبسها كله واسع ومغطية شعرها، طب حبها ليه؟ بعد تفكير هتفت هالة:

"زيد، إنت خدت معاد مع عمو أمجد، مينفعش تتأخر ولا تعتذر. ولو ريم فاقت دلوقتي ما كنتش هتسمح إنك تأجل. يلا خد ماما ويوسف وروح، واحنا قاعدين أهو معاها، فاطمن." فقالت أمل بتأكيد: "صح، هالة معاها حق، ما ينفعش نأجل الفرح والسعادة أكتر من كده." فقال يوسف: "أنا جاهز، شوفوا إنتوا ناويين على إيه، بدل ما أغير رأيي." لوى زيد فمه بغيظ: "تغير رأي مين؟ يلا يا يوسف، قوم. أنا ما صدقت، وإنتي يا أمي، يلا."

جهزوا ثلاثتهم وجاءت والدة زيد وذهبوا للواء أمجد. وقفوا يطرقون الباب، فأمسك زيد يد يوسف قائلاً بتوتر: "أنا خايف." بغيظ وسخرية رد يوسف: "خايف إيه بس، تعالى نرجع." كاد أن يستدير، فامسك زيد يده: "لا لا، بس خليك." فتح اللواء أمجد الباب مرحبًا وهو يقول: "يوسف، عامل إيه يا بني؟ عانقه يوسف بود وهو يقول: "الحمد لله." عانق زيد الذي كان بلغ التوتر منتها. ابتسم لأمل قائلاً: "اتفضلوا."

دلفوا للداخل وجلسوا جميعاً، أما بسنت فكانت تقف أعلى السلم تنظر لزيد بفرحة عارمة وهي تستمع لحديثهم. قطع الصمت يوسف قائلاً: "طبعًا يا عمو أمجد، إنت عارف زيد وأخلاقه." أومأ اللواء أمجد برأسه ليكمل يوسف قائلاً: "وإنت عارف شغله، وهو مستقر والحمد لله، الحال كويس وعايش مع والدته." قطعه أمجد قائلاً: "أنا عارف إنتوا هتتكلموا في إيه، ونسبياً لمار مهدتلي الموضوع، وأنا موافق على بركة الله."

بعد قليل جاءت بسنت لتقدم العصير وهي تسير بخجل، أما زيد فأول ما رآها ولم يستطع رفع عينه من عليها، مما أربكها بشدة. فنكزه يوسف بغيظ: "ما تتلم، البت أبوها قاعد، ولا عايزة يلغي كل حاجة." نظر له زيد قائلاً: "بطل قر." نكزه يوسف بخفة: "وعاود التحدث مع أمجد، بينما أمل تحدثت مع والدة بسنت." ***

بين الطواف وذاك الحشد الهائل من الناس تسير بينهم بقلب يحلق عاليًا من الفرحة والراحة والسكينة. سعادة روحها بداخلها ودقات قلبها التي تنبع بالفرحة. وجهها الذي أشرق كأنه القمر في تمامه. بقلب وروح قد خلقوا من جديد. اقتربت وهي تطوف حول الكعبة وبيدها تلامسها وبقلبها تقبلها. وعند مقام إبراهيم لامسته بأناملها، فهوي الدمع شوقًا إليه. وحجر إسماعيل تأملته بفرحة وأعين يهوي منها الدمع وفؤدها يدعو لكل من تعرفهم. كانت تتمعن بهم

النظر ما بين الكعبة ومقام إبراهيم وحجر إسماعيل، بكت وبكى فؤدها وبكت روحها بداخلها، ولكن بكاء فرحة وسعادة. تطوف حولهم وكأنها تحلق بالسماء عاليًا، تري الدنيا كلما ضاقت وسعت، وكأنها لم تضق يومًا. وأن كل ما مرت به قد نسته وكأنه لم يكن بتاتًا. ما أروع رحمتك يا الله.

وكأن قلبها جف كالصحراء تمامًا، وها هو يرتوي بماء زمزم. أرتشفت مياهها كأنها لم تشرب من قبل، ارتوى قلبها وروحها ونفسها. وكأن بداخلها كان ميتًا وها هو يرجع للحياة. إنها سعادة لا أستطيع أن أوصفها بالكلمات. *** كانت تجلس "حبيبة" بالغرفة تصلي وفؤدها يدعو أن يهدي الله يوسف وأن يحفظه لها. جلست وهي تتلو القرآن بخشوع. بالخارج تقف "تالا" بتردد وخوف وهي تقول بذاتها: "طب أدخل أقولها إيه؟ أقولها عايزة أتغير وأبقى زيك؟

أكيد مش هتوافق. طب أعمل إيه؟ أنا عايزة أكون زيها عشان أكسب يوسف." ظهرت ابتسامة خبيثة على وجهها وهمست: "وبعد كده أعمل خطتي وأتفق مع حد وأسرق تليفونها وابعت منه رسايل حب وأوريها ليوسف وأخليهم يتقابلوا، لازم أفرقهم! عزمت أمرها وأقتربت من الباب وطرقات عليه حتى جاءها صوت حبيبة من الداخل: "أتفضل." فتحت الباب وتطلعت بها قليلاً، تعجبت من لبسها الواسع وهي تمسك المصحف تقرأ. ابتسمت رغماً عنها وقالت:

"ممكن أقعد معاكي لأني مش عارفة حد هنا." ظنت أنها ستعاملها بجفاء، فاستغربت عندما ابتسمت حبيبة وأشرق وجهها وهي تقول: "أكيد يا بنتي، تعالي. وما فيش بينا استئذان، تعالي في أي وقت، إنتي أختي الصغيرة زي ما يوسف بيعتبرك." رمقتها بتعجب، فهي لم تر منها أي تصرف حلو، فلماذا تعاملها بكل تلك الطيبة؟ ولجت لتجلس جوارها بصمت. ابتسمت "حبيبة" قائلة: "أكمل باقي وردي اليومي ونتكلم، ماشي؟

ابتسمت "تالا" بمجامله، فتابعت "حبيبة" تلوها بخشوع وصوت سجي مطرب للأذان. كانت تنظر لها "تالا" وهي تشعر بشيء غريب ينعش فؤادها لأول مرة. كانت تنظر لها فقط حتى هوى الدمع على وجنتيها. لم تلاحظ حبيبة، فكانت مندمجة بكل كلمة تتلوها. وقفت بفزع على صوت سعلات تالا. فهتفت بقلق وهي تمسك كتفها: "مالك يا تالا؟ فيه إيه؟

وضعت المصحف جانباً ونهضت مسرعة تجاه الكومود لتسكب كوب ماء من الإبريق وتعود لها ركضاً بقلق. ناولته لها فارتشفت منه تالا وظلت تزفر بشدة. أخذت حبيبة منها الكوب ووضعته جانباً، وجلست جوارها وربتت على ظهرها قائلة بصوت يغلفه القلق: "مالك يا حبيبتي؟ إنتي كويسة؟ ظلت ترمقها تالا بصمت وتفكير، لماذا هي خائفة عليها هكذا؟ لماذا ذاك القلق؟ ما بها تلك الفتاة تعاملها بحب هكذا؟ ابتسمت بمجامله قائلة:

"أنا تمام الحمد لله." واستدمعت عيناها. فأردفت "حبيبة" بقلق: "مالك يا تالا يا حبيبتي؟ ليه حزينة كده؟ احكيلي، أنا زي أختك." نظرة لها قليلاً بمشاعر متلخبطة وحادثت نفسها: "هل تستحق ما ستفعله بها؟ أردفت قائلة بحزن: "أنا ربنا ما بيحبنيش." هزت "حبيبة" رأسها بعنف: "لا يا حبيبتي، ما تقوليش كده. إنتي قربي من ربنا وهو بابه مفتوح دايماً وبيحب خلقه كلهم." هوى الدمع على وجنتها قائلة:

"لا، ربنا ما بيحبنيش. رؤوف اللي هو بابا بعدني عن ماما وأنا صغير، ولا مرة حسسني إني بنته. ديماً كان بيفضل إيهاب عني ويحبه أكتر مني. كان بيعاملني وحش، ما فيش غير إيهاب كان دايماً جنبي، ولو احتجت حاجة هو بيكون في ثواني عندي، كان هو أبويا." ربتت "حبيبة" على رأسها وهي تبكي لأجله، فابتسمت لها وقالت: "بس ربنا عوضك؟ فهمست تالا بنفي: "عوضني بإيه بالظبط؟ استغفرت حبيبة بذاتها وهتفت بابتسامة:

"ربنا بيعوض، وعوضك بأيهاب ويوسف وحاجات كتير إنتي مش شايفة. غيرك مش لاقيها ومش عنده اللي عندك. ومهما طال الحزن والألم والهم والمرض حتى، بس في الآخر في عوض وفرج دنيا وآخرة." همست تالا بحزن: "يارب." وقالت بتذكر: "تعرفي إني أول مرة أسمع قرآن، أنا كنت بسمع أغاني بس." تنهدت "حبيبة" تنهيدة طويلة وعزمت على أن تعلمها ما تعلمه، فابتسمت بهدوء قائلة:

"أولًا، لبسك القصير الضيق ده مينفعش. لازم لبسك يكون واسع وشعرك متغطي كله بالحجاب. إيه لزمة إنك تلفي طرحة ونص شعرك ظاهر؟ إيه لازمة إنك تخرجي ب لبس ضيق وأغلب جسمك ظاهر منه وكل شاب هتعدي قدامه هيبص عليكي وهتشيلي له ذنوب وهتشيلي نفسك ذنوب. حافظي على نفسك للي يشتريكي ويحافظ عليكي. خليكي غالية."

"قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون." دي آية في سورة النور. معنى كده إن ربنا خبير بكل اللي هتصنعيه. تنهدت بابتسامة وتابعت وتالا تنصت لها جيدًا: "تغضي بصرك، ده أولًا. لازم تلبسي خمار يوصل لبعد الصدر وتلبسي حاجة واسعة." نظرة

لفستانها الصغير قائلة: "مش رجلك ظاهرة كده. حافظي على نفسك عشان ربنا يرزقك بالزوج الصالح. وأهم إنك تصلي الفروض والسنن، الصلاة فرضها الله ليلة الإسراء وكانت خمسين وخفت وبقت خمس صلوات وخمسين في الميزان. وأول ما يسأل العبد عن الصلاة، ناجي ربك في صلاتك وتقربي منه، وقومي يلا نصلي أنا وإنتي."

كانت تشعر "تالا" بالضياع، ولكن أومأت برأسها. توضأت حبيبة قبلها لتتعلم منها تالا، وصلت وبعدها تالا كانت تصلي وهي تقول بصوت عال نسبيًا حتى تسمعها تالا وتعلم ماذا تقول. أطالت "تالا" سجودها وهي تناجي ربها ببكاء، هذه أول مرة حقًا تشعر بالراحة. بعدما انتهت نظرة لحبيبة بحب وهتفت: "أنا ما عنديش لبس واسع زي ده وكمان سدال عشان أصلي بيه؟ ابتسمت حبيبة بحب وأشارت لها على خزانة الملابس قائلة:

"عندك لبسي كله، وفيه جديد لسه ملبستوش، واختاري اللي عايزاه وغيري لبسك وهنبقى ننزل سوا نختار أنا وإنتي، بس بعد ما استأذنت يوسف." فهتفت تالا باستغراب: "وتستأذنيه ليه؟ ما إحنا ممكن ننزل عادي؟ هزت حبيبة رأسها بهدوء: "لا، لازم آخد إذنه الأول، ولو رفض يبقى أسمع كلامه." أومأت تالا بتفهم. اقتربت حبيبة لتحاوط كتفها بيدها وهي تقول: "إن شاء الله ربنا يتقبل توبتك، بس استغفري كتير وصلي على النبي (صلى الله عليه وسلم)

واذكري ربنا، وافتكري إن الكاسيات العاريات لن يدخلن الجنة، واعملي لآخرتك مش لدنيتك، لأن كلنا هنموت. افتكري ديماً ومتنسيش إن ممكن في ثانية يقولوا الله يرحمها، وافتكري القبر وظلمته وأن مفيش فيه حد ولا نور، اعملي أعمال صالحة عشان تنوريه." أومأت تالا برضا وبدأ حب حبيبة يتوغل بفؤادها. أشارت لها قائلة: "يلا، هروح أنام أنا. تصبحي على خير." أومأت حبيبة بابتسامة: "وأنتي بخير يا حبيبتي."

جلست حبيبة وجذبت مصحفها وهي تتلو بخشوع مرة أخرى. انفتح الباب وولج يوسف، لترفع رأسها به قائلة: "جيت؟ ابتسم لها قائلاً: "آه، عاملة إيه؟ " وجلس على المقعد بتعب وهو يحاوط رأسه بين يديه. دنت "حبيبة" منه بحزن ومررت أناملها بخصلات شعره قائلة: "إنت كويس؟ مالك؟ أبعد يدها بعنف وبأعين يمتلكها الغضب صاح: "ما فيش، وقولتلك مليون مرة متقربيش مني." أغمض عينه وهو يشعر بالرؤيا تتلاشى، فأغمض عينه بتعب وأرجع رأسه للخلف.

بأعين دامعة هتفت: "إنت فيك إيه يا يوسف؟ صوتها وأه من صوتها وهي تترنم بين شفتاها اسمه، وكأنه يستمع له لأول مرة. نظر لها بعشق ليهدئ من قلقها قائلاً بنبرة حنونة: "ما فيش يا قلبي، تعبان شوية. كان عندي عملية النهارده، إنتي عارفة بقى حياة الدكتور." رفعت يدها على وجنته قائلة بحب: "طب أجبلك تأكل؟ أشار لها برفض وهو ينهض: "لا، عايز أنام."

كاد أن يقع من تلك الدوخة التي تراوده، فأسندته بيدها وهي تضع يده حول كتفها وساندته لتضعه على الفراش بهدوء وحذر. أغمض عينه فورًا ونام وهو ممسك بيدها بقوة. تذكرت معاملته لها، فهوى الدمع على وحنتيها بألم لا تستطيع تحمل معاملته تلك ذات القسوة والجفاء. ظلت تفكر وتدعو له وذهب النوم من جفنيها. شارده فقط. رن هاتفه فجأة، فنهض مسرعًا وهو يقول: "فين تليفوني؟ أشارت له: "جنبي أهو." جذبه ونهض ليجيب وأغلقه قائلاً:

"أنا رايح المستشفى." وقفت أمامه قائلة: "لا، إنت تعبان، مش هسيبك تطلع كده." أبعدها عنه قائلاً: "حياة الناس والواجب مش أهم مني." خرج مسرعًا وبقيت هي مكانها بقلق. فولج بعد قليل قائلاً: "مشوفتيش تليفوني؟ نظرة حولها فرأته بيده فردت بدهشة: "ما أهو في إيدك؟ نظر ليده وضرب جبهته قائلاً: "آه صح، سلام، لا إله إلا الله." "محمد رسول الله." ابتسمت له قائلة: "خلي بالك من نفسك." أشار لها بيده وغادر. فجلست مكانها بشرود وهي تقول:

"صداع مستمر ودوخة، وأحيانًا بيكون تعبان جامد وبيحس بضعف في عينه، بينسي الحاجة لو في إيدك." زفرت بوجع وقالت: "يا ترى مالك بس فيك إيه؟ كانت تقف هالة وهي تسير ذهابًا وإيابًا شارده بكل ما قالته حبيبة، تراجع حساباتها. هبط يوسف وكاد أن يذهب فلمحها شارده، فأنتبه القلق، فدنا منها قائلاً: "تالا، إيه مالك؟ في حاجة ولا إيه؟ ابتسمت له وهي تقول: "لا، ما فيش، أنا كويسة." "رايح فين كدا؟ ابتسم بهدوء:

"ما فيش، عندي حالة تعبت فجأة وهروح أشوف فيه إيه وهرجع." وأشار لها بحسم: "اطلعي نامي، ما تقعديش كتير، لو احتجتي حاجة رني عليا." أومأت برأسها له وغادر، فنظرة لحجابها وذاك الإسدال وهمست بيأس: "وما شافش إني اتغيرت. هو دايماً موجود لما بحتاجه، زيه زي إيهاب بالظبط." عادت لشرودها مرة أخرى وتذكرت معاملة يوسف لها، دائمًا ما يعتبرها أخته فقط، فلماذا هي أحبته؟ أتحلل حبه لها كأخت كحب آخر؟ ***

صباح اليوم الثاني أشرقت الشمس، ولكنها ستظلم قلب حبيبة بالأوجاع والأهات والجروح. تململت بكسل ونظرة جنبها فرأت يوسف مغمض عينيه. ظلت تنظر له بهيام وتأمل وحب وهي واضعة يدها أسفل رأسها ترمقه بعشق. فتح عينه فرآها أمامه بوجهها الذي يعلوه الخجل. دون وعي كالمسحور بعيناها، رفع يده على وجنتها بحب. كاد أن يقترب منها ليقبلها، فرن هاتفه فورًا لينهض مسرعًا ويذهب بعيدًا ليجيب.

فتحت عيناها ودقات قلبها تعلو وانفاسها تزداد. هبت لتصلي فرضها وهبطت للأسفل بعدما أخبره بذهابه للمستشفى. ألقت السلام عليهم وردوا جميعاً وجلست معهم وهتفت لهالة قائلة: "ريم عاملة إيه؟ فردت هالة باطمئنان: "بقيت أحسن الحمد لله." طرق الباب ليهب عمرو ركضاً وفتح فولجت بسنت وهي تصيح: "لا بقى، الفرح قرب مش هتسبوني كده، إنتوا تبع العروسة مش العريس؟ رفع إيهاب حاجبه قائلاً: "وهما كمان عرسان؟ اتسعت عينا بسنت قائلة: "هو مين هيتجوز؟

فأشار لنفسه ول هالة. هزت هالة رأسها وهي تقول: "لا يا بسنت، ما تقلقيش، أنا معاكي." وهبت واقفة بضيق متجهة للمطبخ، لحق بها إيهاب وجذبها من معصمها قائلاً: "هو إيه اللي لا يا هالة؟ فأردفت قائلة بحزن وهي تربع يدها أمام صدرها: "أنا أكبر منك يا إيهاب، افهم بقى." زفر بضيق وقال بهدوء معاكس:

"الحب مش بيعرف كبير ولا صغير، وأنا قلبي رايدك إنتي الفرحة اللي مش هقدر أعيش من غيرها. إنتي اللي هكمل حياتي معاها، إنتي اللي لو بعدت عني أموت. عيونك هما الأمل في حياتي، ما تحرمينيش من كده." هزت رأسها بالرفض وادمعت عيناها. "وليه يا أختي ترفضي ابني؟ طب بذمتك هتلاقي أحلى منه فين؟ بأعين متسعة استدار إيهاب لوالدته بفرحة وتقدم منها بدموع لتضمه قائلة: "أنا آسفة يا حبيبي." ضمه بحنان، فبعد عنها وهو يشير لهالة:

"مش هتجهزي فرحنا بقى؟ أشارت له بتأكيد: "أكيد طبعاً." كادت هالة بالتحدث فأشارت لها بتحذير: "ارفضي براحتك، وهخلي لمار تخطفك ونجوزكم." ارتفعت صوت ضحكات هالة، فقال إيهاب: "ما فيش مهرب، لازم توافقي." أشارت لها أمل، فركضت هالة لتضمها بفرحة. كانت تجلس ريم بحزن، فرن هاتفها، أزدادت دقات قلبها عاليًا عندما رأت اسم "أحمد" يضيء الشاشة. بلهفة وصوت هادئ: "الو." جاءها صوته الحزين قائلاً: "عاملة إيه؟ فهمست بقلق: "مالك يا أحمد؟

فيك إيه؟ رد برفض قائلاً: "ما فيش." فهمست بقلق: "لا، في مالك؟ صوتك مخنوق ليه؟ فرد باحتياج: "محتاجلك جنبي بس." فردت بحب: "أنا ديماً جنبك، بس قول مالك، اتكلم." قص عليها رفض جده، فهمست بهدوء: "هو معاه حق يرفض، بس استنى عليه شوية، ومين يعلم ممكن يوافق." همس بضيق: "يارب، أنا مش عايز غيرك في حياتي، إنتي اللي بتمناها في صلاتي ودعواتي وبس." فردت بحب: "كله هيتحل، بس الصبر. قوم صلي يلا عشان تهدأ وتروق." أجابها بابتسامة:

"حاضر. ما اتحرمش منك يا قلبي، وتفضلي ديماً منورة طريقي وديماً جنبي وسندي." فهتفت: "وإنت كمان." فرد بمناغشة: "وأنا كمان إيه؟ فردت بغيظ: "ياااختي، اقفل يا أحمد." فرد بحب: "حاضر يا قلب أحمد." صمتت بخجل، فتابع هو قائلاً: "بت، روحتي فين؟ طب وربنا مكسوفة صح؟ فردت بتأفف: "أنا هقفل." فقال: "خلاص خلاص، مش هنطق تاني. يلا سلام، خلي بالك من نفسك." فردت بحب: "حاضر، وإنت كمان."

أغلقت معه ولاحظت رسائل بصور من صفحة لمار، لتفتحها ووجدت عدة صور للمار، فصاحت بلهفة لورد التي كانت تقرأ بالمصحف: "ورد، تعالي يا ورد." استدارت ورد لها: "نعم." فهتفت ريم مسرعة وهي تشير لها: "تعالي بسرعة شوفي لمار." ركضت ورد بفرحة وجذبت الهاتف منها وتفحصت الصور وهي تقول باشتياق: "وحشتني أوي." فردت ريم: "وأنا كمان والله، يا بختها بقى." فردت ورد بلهفة: "تعرفي أنا بعمل عمرة كل يوم." نظرة لها ريم بفضول قائلة: "إزاي؟

فهتفت ورد وهي تجلس جوارها: "شوفي يا ستي، بصلي الفجر وبقعد أذكر ربنا لحد طلوع الشمس وبصلي ركعتين، وبكده أنا عملت عمرة في البيت." فردت ريم بفرحة: "بجد والله؟ فردت ورد بتأكيد: "آه والله." قطعهم عمرو وهو يخفي شيئاً خلف ظهره وهتف: "ورد، عايزك." استدارت له قائلة: "نعم؟ وقف أمامها وهو يخرج يده من خلفه بشوكولاتة قائلاً: "أحلى شوكولاتة لأحلى وردة، وردة عمري."

جذبتها منه بلهفة وسعادة وفتحتها وألتهتمها بتلذذ وهو ينظر لها مبتسمًا. فقطعتهم ريم قائلة بتذمر: "يا سلام يا سي عمرو، جايب لورد وأنا لا؟ وإنتي طب اديني حتة؟ نظر لها عمرو قائلاً برفض: "بس يا ريم، دي بتاعت وردتي. إنتي لو عايزة خلي أحمد يجبلك." ونظر لورد: "تعالي نلعب؟ فأشارت له بغيظ: "قلتلك كتير، أنا مش بحب ألعب." فهتف بغيظ: "طب خليكي، هنزل أنا." أما ريم فارتفعت صوت ضحكاتها عليهم. ***

بالخارج يجلس أياد وأيهاب جوار بعضهم يتحدثون. بينما الفتيات يجلسون جوار بعضهم وهم يختاروا فساتين. فأشارت حبيبة بفرحة وهي تشير للتليفون: "يا بنتي، شوفي دا أحلى، هادي كده وبسيط." فقالت بسنت مسرعة: "طب هيكون حلو عليا." صمتت حبيبة بتفكير وهمست: "لما تقيسيه هنشوف." فقالت أمل: "تعالوا ندخل جوه عند ريم." فهبت هالة واقفة بتذكر: "لا لا، هروح أجيبها تقعد معانا." ولج يوسف من الخارج وهتف: "حبيبة." استدارت له بفرحة من خلف الأريكة

وهبت واقفة إليه وهي تقول: "نعم." دنت منه بابتسامة مشتاقة وفرحة وهي تقول: "يوسف، عايزة أخرج مع البنات، هيختاروا فساتين." نزع روحها منها وحطم قلبها وهو يقول: "ما فيش خروج وما فيش إذني. اعملي اللي إنتي عايزاه، ما تاخديش إذني، لأنك طالق." بأعين دامعة وصدمة وقلب يشع بالنيران اقتربت منه ووضعت يدها على صدره وهي تنظر لعينه قائلة بابتسامة: "بتقول إيه؟ وقف الجميع بصدمة. وولجت تالا لتقف جواره بصمت وهي تنظر ل حبيبة بحزن وأسف.

أغمض عينه بوجع. ونظر لها قائلاً بقلب يصرخ: "زي ما سمعتي، أنا هتجوز من تالا قريب." تنقلت أنظارها بينه وبين تالا. عاودت النظر به ودموع تهوي بحرقة كالشلال. رفعت يدها واحتضنت وجهه قائلاً: "بتقول إيه بس، ما تهزرش، والله قلبي وجعني أوي، إنت تستحمل تشوف بنتك موجوعة." وما أصعب أن يموت قلب ما زال على قيد الحياة. توجع ومات قلبه لدموعها تلك، فقال بحزن: "زي ما سمعتي يا حبيبة، امشي وحبي واتجوزي حد أحسن مني."

أدار وجهه للناحية الأخرى. فإدارت وجهه لها قائلاً: "إنت عايزني أكون مع حد غيرك؟ لم يستطع تحمل كل ذلك ولا دموعها التي تحرق فؤاده، فأبعد يدها بعنف وجذب تالا من يدها وسار من أمامها. وقفت أمل أمامه قائلة: "فيه إيه يا يوسف؟ مالك؟ ومن إمتى وإنت بتحب تالا أصلاً؟ فوق إيه؟ هتف بضيق دون وعي بصوت موجوع: "سيبني، الله يرضيكي يا أمي دلوقتي." مر من جوارها وهو يجذب تالا التي تبكي بصمت وهي تنظر ل حبيبة وتذكر كل ما فعلته معها.

جثت حبيبة على ركبتيها وصرخت بأعلى صوتها. ليقتربوا منها الفتيات بلهفة. أما هو فوقف بنصف السلم وهوت دموعه بوجع. احتضنتها هالة وهي تربت على رأسها وقالت: "اهدي يا حبيبة، كل حاجة هتتحل، صدقيني." بكت بحرقة وهي تقول: "آه، وجع قلبي، أنا بحبه، مقدرش أعيش من غيره، طب ليه عمل فيا كده." نظرة لهالة ودموعها تزداد، فبكت هالة بحزن، فأكملت حبيبة: "أنا حبيته والله، وهو وهو كمان حبني، بس ليه تغير؟ ليه كسر قلبي كده؟

وهو عارف إن القلب لما بيتكسر مستحيل يتصلح، فليه عمل كده؟ كان يقف الجميع ببكاء لحزنها وكلامها، وهي تهتف عن وجع قلبها، وفجأة أغمضت عيناها هاربة من تلك الحياة القاسية وأغشي عليها بين يدي هالة التي صرخت باسم "يوسف".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...