الفصل 31 | من 34 فصل

رواية فطنة القلب الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سلمى خالد

المشاهدات
18
كلمة
3,802
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

مرت الدقائق كالدهر حتى أصبح الإنسان عاجزًا عن تحديد ما مر به من زمن. وقفت قطوف تستلذ من رؤية ميرفت تجلس بصعوبة على الأريكة، في حين نظرت قطوف إلى ياسمين تتمتم بمكر: _ابقي ألحقي عمتك بكوباية ماية بسكر يا ياسمين لحسن شكل السكر هيجلها قريب. عادت بنظرها نحو مازن مجددًا، تمسكت بكفه في رقة، متمتمة بصوت أشعل الحقد بقلب ميرفت: _يلا يا حبيبي شكلك تعبان وأنا محضرتلك مساج يجنن هيعجبك.

نظر لها مازن وشعر بأن قطوف أتت هذه المرة بقوة حقيقية وليست مزيفة كالسابق، أشار لها بإيجابية ثم لف ذراعه على كتفها وصعدا سويًا، وسط سعادة مهران وزين وياسين الذي يكاد يقسم أنها من أجمل لحظات حياته أنه رأى ميرفت بتلك الحالة. ارتفع صوت ياسين محدثًا ياسمين بمكر: _ألحقي يا ياسمين. التفتت ياسمين سريعًا والجميع يتطلعون نحو ياسين، في حين استرسل ياسين بذات المكر: _هاتي طفاية الحريق عشان حد شغل البوتجاز وولع دلوقتي.

ضحك الجميع على ما قاله ياسين، في حين حرك مهران رأسه بيأس متبسمًا ثم غادر من المنزل يتذكر ما حدث مع قطوف منذ يومين. *** _مش هقدر يا عمو.. صدقني مش عايزة أشوفه. قالتها قطوف بضعف بعدما أخبرها برغبة الذهاب إلى منزل والدها. تقدم منها ثم وقف جوارها واضعًا يده على كتفها، متمتمًا بهدوء يتخلله القليل من المكر:

_عزيزتي.. تعلمين جيدًا أني لن أضرك.. لذا أقول لكِ أنه لابد من ذهابك إلى هناك وإلا سوف تدمر عمتك ما سنفعله.. واعتقد أنها أتت لتدمر مازن وتشوه صورتك مجددًا. استدارت قطوف سريعًا تتطلع نحو مهران بصدمة، ثم قالت بتوتر: _هو مازن عرف الحقيقة؟! أومأ مهران بإيجابية، يردف بصوت هادئ: _نعم، علم وأتت ميرفت له من جديد حتى تشوه الحقيقة.. واعتقد أن من الأفضل أن تذهبي حتى يقع مازن في عذاب ضميره وتضربين ميرفت في مقتل.

نظرت له بأعين مترددة، في حين شجعها مهران بحدقتيه حتى تنهدت بخوف مسترسلة: _خلاص يا عمو بس عايزة منكم تكونوا معايا لأني حرفيًا خايفة أوي. ابتسم مهران بمكر، ثم احتضنها مرددًا بحنون: _لا تقلقي جميعنا معاكي. *** جلس مهران على مقعده المخصص له بالغرفة، ثم نظر إلى ملامح ميرفت عبر الباب المفتوح ليهمس بيقين: _وأخيرًا أتت اللحظة التي سيعود بها الأولاد من جديد، لن أسمح لكِ أن تفرقيهم من جديد. ***

ما أن أغلقت الباب خلفها حتى نزعت يدها بقوة من يده، تبتعد عنه باشمئزاز قائلة بنبرة حادة: _اللي حصل تحت دا قدام أمك بس.. بقيت العيلة عارفة إني عمري ما هرجعلك.. وأننا هنطلق بعد ما أمك تتكشف.. فهمت! نظر لها مازن عن قرب، يتأمل ملامحها الباهتة، نحفت كثيرًا بعد تركه لها، ابتسم مازن بحزن ثم قال: _أكيد يا بنت خالي. تركته قطوف ثم انطلقت نحو الشرفة تبتعد عنه، في حين تأملها مازن يشعر بألم يغرق صدره، يتذكر حديثه مع مهران الأخير.

*** _أعلم جيدًا أنك أعدت قطوف لعصمتك. قالها مهران بهدوء، في حين جحظت عين مازن بصدمة، يتطلع له وكأن هناك من ألقى بصخرة عليه. أكمل مهران بذات الهدوء: _ظننت أنني لم أعلم.. أعدتها لعصمتك عندما جُرحت يدها كي تستطيع إنقاذها.. ولكن لِمَ لم تخبرها؟! تنهد مازن بحزن ثم أجابه بنبرة متألمة:

_كنت فاكر أني هقدر أتغلب على أمي وأرجع قطوف لباردتها.. كنت عايز أخليها تحبني وتسامحني بس خوفي عليها وقت ما حصلت الحادثة خلاني أردها بسرعة عشان أنقذها.. مكنتش عايز أحس بالعجز زي ما حسيت بيه أول مرة لما أغمى عليها ساعة طلاق وحضرتك وقفتني وخلتني متحركش.. وقتها كنت بموت من جوا ألف مرة وهي قدامي ومش قادر حتى أشيلها وألحقها وأنا شايف إني الوحيد اللي أحق بشيلها. ابتسم مهران برضا عن إجابة مازن، ليتمتم بسؤال آخر:

_لازلت تحبها؟! نظر له قليلًا قبل أن ينطق: _لسه بحبها.. قطوف هي الوحيدة اللي فهمتني يعني إيه قلبك ينبض... هي الوحيدة اللي بحس بالوقت معاها.. حتى لو بنتخانق بس كفاية إن أنا وهي سوا.. أنا حياتي كلها كدب.. أب ضايع وبعتبر خالي أبويا بس هو مش أبويا.. أمي الحقيقية هي مش أمي.. شغل اشتغلته بس مش بحبه وعامل إني بحبه.. أصدر تنهيدة حارة، ثم استطرد بنار اشتياق اشتعلت بصدره:

_عارف.. قطوف هي الحقيقة الوحيدة اللي صح في حياتي.. هي اللي وقت غضبي مخفتش وفضلت ورايا لحد ما هديت.. هي الونس ليا.. أنا كنت مصدق أن الكدب هو اللي بنعيش بيه لحد ما قابلت قطوف وصدقت أن كل شخص عنده حقيقي واحدة في حياته خلته يكمل فيها. _: إذًا سأساعدك يا بُني ولكن لا تضيع الفرصة فبعض الفرص لا تعود مجددًا. قالها مهران وهو يحتضن مازن الذي اندفع له كطفل صغير أعطاه حلم ظنه مستحيل. *** فاق من شروده على صوت قطوف وهي

تنطق بحدة لا تزال بصوتها: _اتفضل قوم من على السرير عايزة أتنخم. نهض من مكانه واضعًا يده بجيب سرواله، يتطلع لملامحه بتدقيق أربك قطوف، همس مازن باشتياق لم يستطع إخفاؤه: _وحشتني أوي.. ملامحك وحشتني يا قطوف. توتر قلبها، نعم تحبه ولكن ما فعله ليس بقليل، ابتسمت بسخرية تردد بسخط: _نعم والمفروض أقولك جوزي حبيبي طلع بيحبني ووحشته. ابتسم مازن بحنو، ثم أكمل بصوت رجولي هادئ:

_لا متقوليش حاجة.. أنتِ بس كان لازمًا تعرفي أن حياتي كانت صحرا ونفسها في نظرة منك يمكن تشبع جزء من اشتياقي ليكي. استدارت قطوف توليه ظهرها، هامسة بأنين من ألم: _جاي تقولي كده بعد إيه؟!

أنت علقتني بيك لدرجة إني كنت الوقت اللي يعدي من غيرك كنت بختنق فيه وبتعب.. ولما بشوفك بفرح وبحس الدنيا بتضحكلي.. جاي بعد ما دوست عليا بسهولة على أساس بتحبني وخايف عليا واتهمتني بكل برود تقولي إني حياتك.. ابعد عني.. أنا الوجع اللي شوفته منك خلاني بقيت بخاف أقرب من أي حد ليعلقني بيه ويسيبني. أمسك مازن كفها محاولًا تهدئتها، ولكنها أدارت رأسها تتمتم بأعين غارقة بالآلام رآها بها:

_ياريتني ما عرفتك ولا سمحت لقلبي يتعلق بيك.. على الأقل مش هشوف الوجع اللي أنا فيه دلوقتي. نزعت يدها منه ثم انتقلت إلى الفراش كي تنام.. أو لنصحح القول كي تخبره بأن هذا النقاش يكفي إلى هذا الحد، تأملها مازن بحزن، يشعر أن ما به الآن ليس سوى فجوة عميقة بعلاقتهما لا يعلم كيف ستنتهي أو كيف سيحاربها!! *** تستمع لهمساتهم وضحكهم الخفي عليه، ليشتعل الحقد بقلبه وكأنه بركانًا ثائر على وشك الانفجار. نهضت من مكانها متمتمة بحنق:

_أنا طالعة بدل الزهق والقرف اللي هنا! ابتسم ياسين ببرود ثم قال: _مع السلامة على الأقل القرف يقل من علينا. حدقته ميرفت بنظرة مميتة، ثم صعدت إلى غرفة خصصتها لها، تتوعد له بأنها ستعيد حقها منهم جميعًا. في حين نظر لها ياسين ثم انفجر ضاحكًا عليها مع زين الذي ردد بنبرة ضاحكة: _لا أنت دوست بزيادة يا ياسين. اشاح بيده عنها يردد بصوت ساخر:

_يا عم قول كلام غير دا.. دا اللي عملته ميسواش حاجة جنب الأسفلت اللي حطتني تحته يوم الخطوبة. حرك زين رأسه بيأس عليه، ثم نهض من مكانه متجهًا نحو غرفته قائلًا: _أنا هنام عشان بكرة في حدث مهم بنسبالي جدًا لما يحصل هقولكم عليه. تعجب ياسين من حديثه، ولكنه التفت إلى ملك التي ظلت تحرك يد ياسين بفضول: _حدث إيه هاه هاه هاه؟! نزع ياسين يده متمتمًا بحنق: _وأنا هعرف منين بشم على ضهر إيدي.. غوري يا بت أنتِ من وشي هي مش ناقصة.

نهض من مكانه يسير إلى الخارج يهمس ببعض الكلمات غير المفهومة، في حين تطلعت له ملك بحيرة ثم قالت مضيقة عينيها: _يا خبر النهاردة بفلوس.. بكرة يبقى ببلاش. *** بالمساء..

هبط مازن من غرفته يقرر الذهاب إلى مكتب خاله كي يرى ما الذي سيفعله بعمله الذي تدمر، وقبل أن يغادر المنزل، تطلع نحو الجراج الخاص بقطوف، ابتسم بحنين لتلك الذكريات، فما كان يمر هناك إلا وحدث شجار بينهما، الآن هما زوجين بينهما فجوة لا يعلم أحد كيف ستندثر حتى الاختفاء. تحرك نحو سيارة طلبها عبر التطبيق ولكن أوقفه ياسين متمتمًا: _استنى أنا جاي معاك.

نظر له مازن بهدوء، ثم حرك رأسه بإيجابية دون النطق بكلمة، وبالفعل دلف ياسين مع مازن إلى السيارة وانطلق إلى معرض السيارات الخاص بمحمد. شعر ياسين بحيرة من صمت مازن، ليردف ببعض التعجب: _أنت من ساعة ما رجعت البيت يا مازن وأنت ساكت! ليه؟! سحابة حزينة غطت وجهه، يتذكر حديث قطوف الأخير، ليهمس بألم تمنى إخفاؤه ولكن يصعب على المحب ذلك: _مفيش حاجة أقولها.. قطوف موجوعة مني لدرجة أنها مش قابلة ترجعلي تاني. قطب ياسين جبينه بتعجب،

ثم أضاف باستفسار: _طب عملت إيه؟ تعجب مازن من سؤاله ينتشله من قاع الحزن، ليحرك فكه ناطقًا بعد فهم: _مش فاهم عملت إيه في إيه؟! رفع ياسين حاجبه باستنكار، ثم ردد بسخط: _هو إيه اللي عملت إيه! أنت عملت إيه ليها عشان ترفض ترجعلك وضحت كده؟! صمت مازن قليلًا ولم يستطع الإجابة، في حين ابتسم ياسين ساخطًا يردد بنبرة لا تزال ساخرة: _يعني عايز لما تقولها هرجعلك ترجع علطول...

دي لو كلبة بلدي هيبقى عندها كرامة وهترفض بعد اللي عملته فيها... دا مريم أهو ما أذيتهاش واحنا الاتنين اتأذينا بس لسه لحد اللحظة دي وراها بحاول معاها عشان ترجع ليا تاني وأتقدم ونتجوز... رغم إني عارف إني لو مروحتش محدش هيلومني وأنها هي اللي هتتلم لأني روحت ليها البيت وهي رفضت ترجع بعد ما عرفت إني اتخطفت. _: وليه لسه بتروح ليها.. مش خايف تترفض!! قالها مازن بتعجب، في حين ابتسم ياسين متمتمًا بنبرة دافئة:

_عشان عمرها ما تهون عليا.. أنا عارف إنها بتحبني وإن اللي حصل كان ظروف بينا خلتنا نتفرق.. أنا قدرت أتخطى الظروف دي لكن هي مقدرتش ودا دوري أخده بأيديها عشان تتخطاها زيّ ونرجع تاني سوا. شعر مازن بأنه لا يزال يقع بنقطة ذاتها وهي الخوف من الرفض، صمت قليلًا يشعر بتردد في سؤاله، حتى أردف ياسين بهدوء:

_بص يا مازن أنت لسه جواك شعور بالخوف من الرفض.. بس بتقاومه.. الحاجة الوحيدة اللي هتخليني أقولك تحاول عشانها بجد.. إن حب قطوف ليك لسه منطفاش ودا أكبر دافع يخليك تحارب العالم عشانها. نظر له مازن قليلًا، في حين وضع ياسين يده على كتف مازن مؤكدًا حديثه بقول: _الحب لو انطفى من قلب إنسان عمره ما بيرجع تاني.. وقطوف حبها ليك لسه موجود صحيح فيه تعب بس بإيدك تعالج التعب دا يا مازن. تنهد مازن قليلًا قبل أن يردد بصوت هادئ:

_أنا بس محتاج أفكر كويس هعمل إيه.. عايز أرجع أخليها تحبني من تاني صح.. مش عايز أوجعها بسبب عقدتي من الرفض بعد ما نرجع لبعض. _: هو دا القرار الصح.. ربنا معاك يا بن عمي. قالها ياسين تاركًا مجال لمازن بأن يفكر فيما سيفعله مع قطوف. *** صباحًا..

نهضت ياسمين تشعر بسعادة لم تراها من قبل، نظرت نحو الساعة لتجدها لا تزال السابعة صباحًا، قررت النهوض تعد لها قدحًا من الشاي بالحليب، وبالفعل أعدت ذاتها وغادرت للأسفل ثم أعدته وما كادت أن تغادر حتى وجدت ورد تركض نحوها بأعين منتفخة من أثر النوم. وضعت ياسمين قدح الشاي جانبًا ثم فتحت ذراعيها لها تمسكها بحب قائلة: _إيه اللي مصحيكي بدري كده يا وردي؟! ظلت تمسح بيدها على عينيها محاولة إزالة هذا الأثر، تتمتم بنبرة شبه ناعسة:

_مفيش يا ماما بس عايزة أقعد معاكي كتير.. عشان مبقناش نقعد من ساعة الشغل. حركت ياسمين رأسها متفهمة لما تشعر به ورد، فمنذ أن بدأت عملها وهي تراها بصعوبة، همست بحنو: _تعالي أعملك شاي بحليب معايا ونقعد في الجنينة نشربه. صفقت الصغيرة بسعادة، ثم بدأت ياسمين في إعداده حتى انتهت وأخذته معها إلى الحديقة، تلعب مع ورد بيوم عطلتها، ولكن نهضت ورد فجأة أثناء جلوسها تتمتم بسعادة: _ثانية يا ماما هجيب لعبة من جوا.

ركضت الصغيرة إلى داخل المنزل، ثم عادت تحمل ورقة صغيرة ملونة بشكل مميز، تعجبت ياسمين منها، لتردف ورد بسعادة: _خدي دي يا ماما. امسكت ياسمين بتلك الورقة المطوية، وما أن فتحتها حتى وجدت مكتوب بها: ( ربنا خلق حواء لآدم عشان يونسها.. وأنا عايز ونسك معايا... تتجوزيني) حدقت ياسمين للورقة بصدمة، لم تشعر بزين الذي يقف أمامها ينتظر منها إجابة، وما أن طال صمتها فأردف بهدوء:

_إيه رأيك يا ياسمين.. تقبلي تتجوزيني على سنة الله ورسوله.. وتكوني ونسي الوحيد! تورّدت وجنتا ياسمين بخجل، تشعر بأنها في موقف تحسد عليه. تقدمت منها ورد مرددة: _عشان خاطري عايزة تكوني مامتي علطول. ابتسم زين ثم قال بذات نبرة ورد: _عشان خاطري عايزك تكوني زوجتي للأبد. ضحكت ياسمين بخفة، ثم قالت بهمس خجول: _موافقة.

صرخت ورد بسعادة ترتمي بأحضانها، في حين شعر زين بأنه أخيرًا سيقدم على خطوة تمناها منذ وقت ولكن كان لابد من أن تعود ياسمين بشخصيتها الجديدة. هتف زين بسعادة ظاهرة: _خلاص النهاردة بليل هكلم ولدي ونروح لعمي ونطلب إيدك رسمي قدام الكل بس متقوليش لحد عشان نطمن لحد عمل فينا حاجة.

لم تنظر له بل ظلت تنظر إلى الأسفل بخجل وفهمت ما يرمي له عن عمتها وحركت رأسها بإيجابية، في حين شعر زين بخجلها وقرر الدلوف إلى الداخل كي يعطي لها مساحة. وما أن دلف حتى شعرت ياسمين بسخونة بوجنتيها، تنظر نحو ورد قائلة بتوتر: _هي خدودي فيها حاجة؟! حركت ورد رأسها بإيجابية، تردد بصوت يحمل البراءة: _آه حمرة أوي. وضعت يدها على إحدى وجنتيها ثم ابتسمت بخجل لما قالته ورد، ولكن لأول مرة تشعر بمثل تلك المشاعر الرقيقة، تطلعت

للسماء ثم همست بداخلها: _الحمدلله إن جوازتي من مازن مكملتش. *** فتحت قطوف حدقتيها بإرهاق شديد، توقعت أن ترى مازن ولكنه غير موجود بالغرفة. قطبت جبينها قم فجأة شهقت ظنًا أنه عاد المنزل بعد خروجه بالأمس ولم يدلف للغرفة. دقائق كان الباب يفتح ويدلف منه مازن حاملًا حقيبة بين يديه. انتفضت قطوف من مكانها قائلة بنبرة حادة: _أنت كنت فين! ابتسم بتسلية من نظراتها، ثم قال بنبرة ماكرة: _قلقانة عليا! حدقته بنظرات نارية،

ثم غمغمت بسخط: _أخاف على شحط زيك ليه! اتسعت عين مازن من كلمتها، وهتف بغيظ: _دخلنا في قلة الأدب أهوه.. الشحط دا كنت بتخافي عليه زمان ولا نسيتي!! منحته بسمة باردة قبل أن تنطق: _بجد! مش فاكرة إني قلقت عليك.. وبعد كده لما تخرج من الأوضة تعرفني عشان أمك متعملش حاجة ومش عايزة الخطة تبوظ بعد ما قبلت أعيش معاك وأستحملك اليومين دول بالعافية.

صُدم مازن من حديثها القاسي، ولم يُخيل له بأنها ستخبره بمثل تلك الكلمات. ابتلع كلماتها بصمت ثم قال بهدوء مبتسمًا: _معاك حق فعلًا.. عامةً أنا كنت روحت الشغل أشوف هعمل فيه إيه وازاي أصلح الدنيا تاني.. ولقيت دي. أخرج طائرة ورقية التي صنعتها له، ولكن بها بعض الإصلاحات الكثيرة. استرسل بنبرة ألمت قلبها: _شوفتها متكسرة وأنا اللي كسرتها بأيدي.. وقعدت طول الليل أصلح فيها على أمل أن اللي اتكسر ممكن يتصلح.

أشاحت قطوف بوجهها بعيدًا، تردد بصوت مختنق من حبس دموعها: _أنت قولت قبل كده إن اللي اتكسر عمره ما يتصلح.. وطلعت صح. حرك رأسه نافيًا، يصحح لها حديثه قائلًا: _غلط.. اللي اتكسر ممكن يتجدد ويبقى أحسن.. إحنا بس اللي بنقول كده بعد ما بنستسلم.. وأنا قررت مستسلمش ولا أسيب حاجة كسرتها تبوظ مني.. وصلحت الطيارة وأهيه قدامك سليمة. وضعها على الفراش أمامها، ثم قال وهو يتجه نحو الشرفة بهدوء:

_أنا هقعد في البلكونة شوية.. لو حابة تنزلي انزلي أنا محتاج أقعد مع نفسي. تركها مكانها، في تتطلع نحو الطائرة بتفحص، بالفعل استطاع إصلاحها وبدقة عليا، لفت انتباهها تلك الورقة المكتوبة على الطائرة. امسكتها لتجد بها عبارات كتبتها وبالأسفل عبارة له: ( ستظلين أجمل طائرة حلقت بسمايي) تنهدت قطوف مما هي فيه، لا تعلم ما الذي يجب القيام به، ولكن لا يزال قلبها يتلوى من الألم، لذا عليه إصلاح ما به وإلا لن تعود.

نهضت من أعلى الفراش وقررت الهبوط لأسفل لعلها تريح عقلها من التفكير. *** وصلت قطوف إلى الردهة لتجد الجميع بها. ابتسمت بمكر وهي ترى ميرفت تجلس بالجوار تنظر لهم بغيظ. جلست معهم ناطقة: _السلام عليكم. رد الجميع السلام ماعدا ميرفت التي هتفت بمكر خبيث: _امال فين جوزك ولا زهق منك.. دا انتم لسه أول يوم. ابتسمت قطوف ببرود، ثم قالت بمكر مماثل:

_يزهق مني بالعكس دا إحنا فضلنا نضحك ونهزر طول الليل ورجعنا أحسن من الأول الله أكبر في عين كل حاسد. صكت ميرفت على أسنانها بغيظ، ثم قالت بحقد: _ومنزلش ليه قرفان يقعد معانا!! أخرجت زفيرًا مختنق منها، لتردد بسمة صفراء: _مازن يقرف.. بالعكس دا بيعشق المكان هنا.. بدليل لما كان بيسيب بيتك ويجي ينام عندنا وبقى ليه أوضة مخصوص.. شوفي هو كان بيقرف يقعد فين وبعدها اتكلمي يا حماتي.

ضحك ياسين بقوة عليها، في حين نظرت ميرفت لها بغضب جامح، تنظر لها بشر يتطاير من حدقتيها، ولكن شهقت قطوف فجأة وسط ابتسامة الجميع تتمتم ناظرة إلى ميرفت: _إيه دا أنتِ عايزة مخلل يا حماتي!! رمقتها بنظرة ساخطة.. غاضبة، متمتمة: _ليه أن شاء الله! عادت بسمة قطوف الماكرة، تجيبها بعدها: _أصل شيفاكي بتاكلي في نفسك فقولت يمكن عايزة تحدقي ولا حاجة! انتفضت ميرفت من مكانها بعصبية تردد بنبرة حادة:

_أنتِ شكلك نسيتي نفسك وأنا هعرف أرجعك لأصلك. نهضت قطوف تقف بمواجهتها قائلة ببرود أشعلها: _هتعملي إيه يعني؟! رفعت ميرفت كفها بقوة وما هي إلا ثوانٍ حتى ارتفع صوت صفعة قاسية شهق الجميع على أثرها وعلت الصدمة وجوههم!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...