نظرات الغضب تملأ عينيه، يديه اللتان يبسطهما ثم يقبض عليها بقوة كي يهدئ من ذاته المتهيجة، في حين نظرت له قطوف بسخطٍ منه ثم قالت بنبرة ساخرة تسترسل بها الحديث: _كنت فاكر إني هاجي جري وأقولك إني مش عارفة أعيش من غيرك الأيام اللي فاتت.. وإن حياتي وقفت بعد ما اتهمتني بأبشع الاتهامات.. لا فوق أنا قطوف محمد العطار اللي محدش قدر يكسرها. لحّت بسمة مماثلة لبسمتها في بداية الحديث لديه، يردد بأعينٍ تحمل القسوة:
_وأنا مازن العطار اللي جه كسر قاعدة قطوف وكسرها. وأكبر دليل إنك جيتي هنا عندي.. عشان تقنعي نفسك إنك فعلًا متكسرتيش وترضي غرورك اللي كسرته... اقترب منها حتى أصبح جوار أذنها يكمل بهمس قاسٍ جعلها تتألم:
_تحب أقولك أنا سامع إيه دلوقتي.. سامع صوت نبضات قلبك وهي خايفة تواجهني.. خايفة تسمعي كلام يدمرك.. أنتِ مهما عملتي يا قطوف هفضل العقبة الوحيدة اللي مش هتقدري تتخطيها.. ولو فاكرة إني هرجع لواحدة غدارة بتبيع أي حد زيك فده في أحلامك. كبحت دموعها بصعوبة، ولكن وجهها تلوّن بحُمرة، دفعته بقوة كي يبتعد عنها، تشعر بألمٍ يعتصر قلبها مما يتفوه به، فهي حاولت أن تثبت لذاتها أنه لن يفرق معها ولكن أخطأت.. نظرت له بألمٍ
ممزوج بغضب مرددة: _أنا فعلًا جاية أثبت إنّي متكسرتش.. مش جاية عشان أرجعلك يا مازن.. ثم استرسلت بصوتٍ مبحوح: _ولو في يوم جه عشان نرجع لبعض.. مش هرجعلك وأنا عندي استعداد أقتل نفسي ولا إن قلبي يوجعني لحظة عشان أرجعلك... أنت قفلت كل الطرق يا مازن.
استدارت سريعًا قبل أن يرى دموعها التي انسابت على وجهها، تسير بعيدًا عنه، تشعر بغصة أليمة تقتلها، اقتربت من سيارة مهران ثم دلفت من الباب الخلفي كي تجلس جوار مهران، تأملها مهران بصمتٍ ثم فتح ذراعيه في حين بدالته نظراتٍ تحمل الألم ثم قالت وهي تلقي بذاتها داخل أحضانه: _وجعني يا عمو.. وجعني أوي.. كل مرة بشوفه فيها ببقى نفسي أصرخ وأقول لقلبي كفاية بقى دا اللي أذاك وبيوجع فيكي عايزة ترجعيله ليه!
ربّت مهران على ظهرها يحاول أن يهدئ من شهقاتها التي تزداد شيئًا فشيئًا، في حين دفنت قطوف وجهها بأحضان عمها بقوة قائلة بألم: _هو ليه قلبي اختار اللي بيأذيه.. ليه اختار اللي بيوجعه ويدوس عليه بالشكل ده. _أهدئي صغيرتي.. كله سيمر.. عليكي فقط أن تتحلي بالقوة.. وأنا إلى جوارك. قالها مهران مربتًا عليها في حنو، في حين تمتمت قطوف بإرهاق ظاهر: _يمكن دي الحاجة اللي خلتني عايشة لحد دلوقتي.. وجود عم زيك.
غادرت سيارة مهران للشقة الخاصة به، في الجانب الآخر وقف مازن يتطلع لظلها، يتذكر ملامحها الباهتة، عينيه اللتان تصرخ شوقًا له، نعم يعشق النظر لها، ولكن يكفي ما حدث معه، لن يتعرض للرفض مجددًا، سيسحق من يحاول أن يقترب منه ثم يلقيه كالقمامة. كاد أن يغادر ولكن أوقفه زين يردد بجدية: _ليه أذيتها كده وأنت لسه بتحبها؟! استدار مازن يتطلع له ثم قال بغضب:
_أنت مش شايف إنها هي اللي أذت مش أنا.. أنا مجرد بس بدوقها من نفس الكاس اللي أنا دوقته منها. نظر له زين بهدوء ثم قال: _مش هي اللي رفضتك يا مازن ولا أذتك. انفعل مازن بقوة، يردد بعصبية: _لا هي.. هي اللي لما اتكتب كتابنا كانت عايزة تطلق.. هي اللي كانت بتكره وجودي من زمان.. حاولت معاها كتير لحد ما افتكرت إنها حبتني.. وعشان أحميها من ميرفت روحت عملت المستحيل ليها.. وفي النهاية تاخد فلوسي وتضيعني وتسجني!! تقدم زين منه
ثم قال بنبرة تحمل الرزانة: _تعالى معايا يا مازن في حاجات لازمًا تعرفها.. يلا بينا على شقتك. ضيق مازن عينيه من معرفته لمكان الشقة، ليكمل زين بفطنة من نظراته: _قولتلك في حاجات كتير محتاج تعرفها. تحرك معه مازن وهو يشعر بوجود خطبٍ ما، في حين تحرك زين نحو شقته التي أخبره بها ياسين، يزعم على بدأ في علاج مازن. *** دلف مهران مع قطوف إلى الشقة التي تختبئ بها، ثم ساعدها على الجلوس ووضع هذه الحقيبة التي تحوي طعامًا، يردف بهدوء:
_هيا تناولي شيئًا قبل أن يأتي الطبيب. نظرت له قطوف بأعينٍ مرهقة، متورمة من البكاء، ثم قالت: _مليش نفس يا عمو. أمسك بشطيرة وبدأ بتقطيعها ثم مد يده بها يردد بجدية: _أول شيء يجب أن تفعله بتلك المعركة هو أن تمدي جسدك بالطاقة كي لا تقعي بالمنتصف. نظرت له بتعبٍ ممزوج بتعجب، في حين ابتسم مهران يردف بصوت حنون:
_مازن مريض يا قطوف.. يظن أنكِ السبب فيما هو فيه.. هو مشتت الآن وزين سيبدأ العلاج معه.. وأنا هنا كي تعودي كما كنت.. ثم تقرري وقتها أن كنتي تريدين البقاء معه أم لا. بهتت ملامحها، وشعرت بألم يمسك قلبها يقبض عليه بعنفٍ، ثم همست وهي تمسك الشطيرة: _مش هتفرق.. سواء مريض ولا لأ.. أنا اللي دفعت تمن أي حاجة حصلتله من ماضيه.. وأنا اللي دلوقتي عايزة أتعالج من الخوف والضعف اللي أنا بقيت فيه.
بدأت تتناول الشطيرة بهدوء، في حين ابتسم مهران بمكرٍ وهو يرى طريق خطته يسير بنجاحٍ كما توقع، أنهت قطوف تناول الطعام ونهضت تعد ذاتها كي يأتي جارها الطبيب هاني طبيب صحة وإرشاد نفسي. *** _دي كل القصة.. قطوف معملتش حاجة يا مازن وأنا اضطريت لكده. قالها محمود ينكس رأسه للأسفل في خذلان، في حين علت الصدمة وجه مازن، يحرك رأسه نافيًا، يردف بعدم تصديق: _لا لا أكيد بتقول كده عشان تنقذ قطوف.
أغمض محمود عينيه ثم أخرج هاتفه وقام بفتح تسجيل بينه وبين ميرفت أثناء الاتفاق، لتتسع عين مازن بصدمة، يشعر أن ما يحدث ليس سوى قصة درامية قاسية تدور من حوله، انتفض مازن يهجم على محمود بقوة يردد بصوتٍ مختنق: _أنت تعمل فيا كده.. خلتني أدمر حياتي ومراتي عشان اتفاق قذر بينك وبينها. أدمعت عين محمود بألمٍ، يردف بصوتٍ شرس مدافعًا عن نفسه:
_عشان بحب مراتي عملت المستحيل عشانها.. مفكرتش لحظة أأذيها.. أنت لو حبيت مراتك ربع الحب اللي حبيته لمراتي عمرك ما هتفكر تأذيها.. ممكن تأذي أي حد بس هي لاء. لكمه مازن بقوة، تشتعل عينيه بغضبٍ جامح، في حين حاول زين أن يقف بينهما، ليهدر مازن بنبرة مخيفة: _أنت مين أنت عشان تقول بحبها ولا لاء.. أنت مش أنا عشان تتكلم ولا أنت في ظروفي.. وملكش أي حق تتكلم في حياتي الشخصية...
كفاية دمرتها.. وابقى قول لمراتك افرحي جوزك بقى خراب بيوت. كاد محمود أن يتحدث ولكن ارتفع صوت زين يردد بحدة: _أنتم اللي اتنين أغبية لدرجة دي.. في إيه!! دا مفهومكم عن الحب.. واحد يأذي مراته عشان ينقذها.. والتاني يدمر حياة ناس تانية عشان ينقذها.. اللي أنتم فيه دا اعتقدكم أنتم.. أما لو على الحب فهو لا تأذي ولا تتأذي.. نظر زين نحو مازن يردد بسخطٍ: _دلوقتي حياتك عاملة إزاي بمفهوم الحب بتاعك.. مراتك سبتك ومش عايزة ترجع.
ثم نظر إلى محمود يكمل بذات السخط: _وأنت تخيل لما مراتك تعرف إنها السبب في خراب بيت حد تاني.. وتفضل عايشة في ذنب إنها دمرت حياة ناس تانية. عاد يتحدث بنبرة هادئة يزيل منها شوائب السخط:
_انتم الاتنين غلطانين.. مازن كان المفروض تقول لمراتك وتتشاركوا سوا.. مهما كانت المشكلة تحلوها سوا.. لأن الجواز قايم على المشاركة سواء في الحلوة أو في الوحشة.. مش تتصرف من دماغك تحت مسمى إنك بتحميها.. والاستاذ محمود كان المفروض يروح لمازن صاحب المشكلة ويحلها.. مش يدمر حياته تحت مسمى إنه بيحمي مراته.. زفر محمود بضيق مما يحدث، في حين أكمل زين متطلعًا له: _روح أنت يا محمود وهرن عليك نتقابل.
حرك رأسه ثم غادر الشقة، في حين نظر زين إلى مازن يكمل بهدوءٍ: _الحب يا مازن مش إنك تتحمل كل حاجة لوحدك.. الحب إنك تدي وتاخد.. إنك تشارك.. إنك تسمع اللي قدامك بشغف.. إنك تحب لحظات وجوده.. إنك مهما لفيت عارف إن حضن الشخص دا هيعالج كتير فيك.. وإنك تتلهف لما تشوفها علطول وكأنك لسه بتتعرف عليه.. عمره ما كان بالأذى زي ما أنت فاهم. أدمعت عين مازن يجلس على الاريكة بإهمال يردد بصوتٍ مبحوح:
_بس أنا اتأذيت جامد من كل اللي بحبهم.. أمي قتلتني بدم بارد ومش عارف إزاي هقدر أبص في وشها.. أبويا رماني ونسي أنه مخلف طفل محتاجه.. حتى قطوف رفضتني وكانت بتعمل المستحيل عشان تطردني من حياتها. جلس زين بمواجهته، يردد بنبرة ذات مغزى: _وفي النهاية قطوف الوحيدة اللي دفعت تمن كل حاجة حصلت في حياتك.. قطوف مش السبب في رفض والدك ولا كره والدتك ليك.. قطوف ظروف جوازها منك خلتها رافضة فكرة إنها تبقى مجبرة بالشكل دا.
أغمض مازن عينيه يضع يده على وجهه بحزنٍ، قد كشف له زين كل شيء، الآن يجب أن يعترف بحقيقة كان يخفيها عن نفسه، حاول كبح دموعه من الهبوط، ثم قال بصوتٍ متألم: _مكنتش عايز أدفعها التمن.. عملت المستحيل عشان نبقى سوى وأنجح علاقة واحدة من كل العلاقات اللي في حياتي وباظت.. بس دمرتها.
_محدش يقدر يبني عمارة من غير ما يحط أساس سليم.. لو الأساس في العمارة غلطة العمارة كلها هتتهد.. وأنت مكنتش في حالة تسمح ليك تبني علاقة وحياة.. كنت لازم تتعالج يا مازن وتتأكد أنك مش مرفوض من الكل ولا تخاف من أن حد يرفضك ويسيبك. تسارعت وتيرة انفاسه بقوة، كلمات زين أثارت بداخله هذا الهاجس، نظر إلى زين بأعين حمراء، ثم قال:
_مخافش إزاي من الرفض وأمي اللي هي أكتر إنسانة المفروض تحبني رفضت وجودي في حياتها.. دا حتى بابا رفض وجودي في حياته وسبني.. عايزني بعد دول مخافش. ابتسم زين بهدوء ثم قال:
_آه متخفش.. أنت ركزت وعملت focus على والدتك ووالدك.. ومعملتش focus على خالك محمد ولا ياسين ولا خالك مهران.. ولا ياسمين ولا أمي ولا جمال.. كل دول ناس متقبلينك.. ياسين فضل معاك وبيدور على قطوف عشان يجيب دليل براءتك.. أنا فضلت متابع القضية.. ياسمين كل يوم بتدعي ليك هي وورد بنتي.. كل دول متقبلين وجودك وعارفين أنك قد إيه مهم في حياتهم زي ما إحنا مهمين في حياتك. نظر له مازن بغصة تقبض على قلبه، يردد بحزنٍ:
_بس قطوف رفضت وجودي. حرك زين رأسه نافيًا يكمل حديثه بتأكيد: _لو رفضتك كانت منعت دليل براءتك بعد ما وجعتها.. لو هي مبحتكش مكنتش جت عشان تشوفك.. قطوف مرفضتكش.. قطوف موجوعة منك يا مازن.. وأعتقد من حقها إنك تعمل المستحيل عشان ترجع. _أنا حاسس إني مش جاهز لأني أشوفها وأتكلم. قالها بتردد شديد، لينهض زين متمتمًا: _أول خطوة تيجي البيت وتشوف بعينك كده هل كل اللي هناك رافضين وجودك ولا لاء!
هل دا هيكون نفس استقبال والدتك ليك ولا لاء! وبعدها هترجع حياتك واحدة واحدة وتقف على رجلك تاني. شعر مازن بتردد غريب، يريد أن يتأكد من صحة حديثه، ولكن يخشى أن يجد رفض من أحدهم، هل ما يعتقد به خاطئ!! تحرك مازن مع زين كي يذهبان إلى منزل محمد العطار حيث تجتمع الأسرة كما أخبرهم مهران. ***
_أنا آسف يا مدام ميرفت بس التوكيل بتاع مدام قطوف اتلغى بسبب المحكمة ولو روحت اعمل أي إجراء هيتهمني باني بحاول أسرقهم وأنا في غنى عن كده.. وبنسبة ليا هلغي توكيلك وممكن تشوفي محامي تاني لكن أنا سمعتي مش هتبوظ بسبب قضية خسرانة حاليًا. قالها المحامي قبل أن يغلق معاها دون انتظار ردها، في حين نظرت ميرفت إلى الهاتف، وفي دقيقة كانت قد تهشمت من إلقائها إياه، تصرخ بقوة في غيظ، تنظر للفراغ الموجود حولها بحقدٍ دافين، تردد
بنبرة تفح منها رائحة الشر: _مش هسيبكم تتهنوا لوحدكم.. لازم آخد حقي منكم. نهضت تتجه نحو غرفتها، تستعد لتنفيذ خطتها التالية!! *** وصل مازن إلى المنزل ولكن وقف على أعتابه، يشعر بتوترٍ من أن يرى نظرات الاتهام بالجميع بعدما فعله مع قطوف، ولكن تفاجأ بياسين يصرخ بسعادة: _مازن وصل يا ماما.. تعالوا يلا. اندفع ياسين نحو مازن يحتضنه بحب أخوي، يردد بسعادة:
_أخيرًا يا مازن.. الواحد مشتاق للحظات اللي بنعمل فيها مصايب سوا.. ومجهز خطة نعوض فيها اللي فات. ضحك مازن على حديثه وطريقته التي جعلته صديقه المفضل، ابتعد عنه ياسين ليتطلع له مازن بتدقيق فلم يجد سوى سعادة لوجوده، تقدمت زينة منه ورددت بحبٍ: _حمدلله على السلامة يا ضنايا. ابتسم لها مازن ولمس قلبه هذا الخيط الحريري من الحنان، ليردد بسعادة بدأت تنبت بداخل: _الله يسلمك.
ركضت ورد نحو مازن تندفع نحو أحضانه، حتى تراجع مازن عدة خطوات للخلف من شدة اندفاعها، تصرخ بسعادة: _عمو مازن جه أخيرًا.. وحشتني أوي يا عمو. تجمد جسد مازن قليلًا، يملأ قلبه سعادة غريبة لم يلمسها من قبل، ضمه مازن بحبٍ، ثم قال بنبرة هادئة: _طب قوليلي بتحبي عمو مازن ليه!! ابتعدت عنه ورد، تنظر له بسعادة مرددة: _عشان ماما ياسمين وبابا وعمو ياسين وجدو وتيتة وعمتو قطوف شوفتهم بيحبوك أوي.. فأنا بحبك زيهم..
استدارت الصغيرة يمينًا ويسارًا ثم تقدمت منه تهمس بأذنه: _وكمان حضرتك عمو جميل وشكلك قمور وأنا بحب اللي شكلهم قمور... بس متقولش لعمتو قطوف لحسن بتزعل لما حد يعاكسك. ضحك مازن بخفة على تعليقها الأخير، وشعر أنه بحاجة لتلك الصغيرة فهي من ستساعده كي يعيد الود بينه وبين زوجته، حمل مازن ورد على كتفه ثم قال بنبرة تحمل السعادة: _طب يلا ندخل جوا.
ابتسم الجميع ودلفوا سويًا وسط حديثهم الذي لم ينته، وسعادة مازن من كونه مقبولًا منهم وأن ما أخبرته به والدته ليس إلا أوهام بداخله، ولكن لا يزال هاجس الخوف بداخله. *** جلس مهران بالردهة ينتظر الطبيب أن ينتهي مع قطوف، فقد بدأت بجلسة من الصحة النفسية معه وهاهي تحاول أن تعود كما كانت، ثم تذكر ما الذي حدث بعد مقابلته لمحمود بأول مرة.. _هل من الممكن أن أطلب منك شيء!
قالها مهران بحنوٍ، في حين نظرت له قطوف بأعين متورمة من البكاء، ثم قالت بصوتٍ مبحوح: _اتفضل يا عمو طبعًا. ابتسم لها بودٍ، ثم قال بصوتٍ رخيم: _أريد منك أن تأتي معي كي تأخذ عينة منكِ لأنها تحمل دليل براءة مازن وبراءتك. قطّبت قطوف جبينها بتعجب، تنظر لمهران بدهشة، مرددة: _إزاي عينة مني دليل براءة مازن وأنا!!
تنهد مهران بهدوءٍ ثم سرد لها ما قاله محمود، لتتسع عين قطوف بصدمة، تشعر بأن هناك من ألقى بصخرة حادة عليها، نظرت نحو مهران ثم رفعت لترى ذراعها لتجد تلك العلامة بعد الحقن، تجمعت الدموع في حدقتيها تشعر بألمٍ يزداد بقوة، تردف بصوتٍ يكسوه الانكسار: _هما بيعملوا فيا كده ليه! أنا حتى ما أذيتهمش ولا أعرفهم! شعر بحزنٍ لها، ثم قال برزانة:
_في بعض الأوقات لا يفعل الإنسان شيء سوى أن يلقى من الأذى النصيب الأكبر.. حتى يعلو مكانته بالجنة.. احتسبي هذا عند الله يا صغيرتي لعل سعادتك تصبح قريبة. مدت أناملها تزيل دموعها، ثم نهضت كي تقوم بما قاله مهران ويأخذوا العينة كي يعطيها إلى المحامي لتصبح براءة مازن مضمونة أكثر. *** فاق من شروده، يتطلع نحو الغرفة، يردد ببسمة حنونة: _سأساعدك كي تتخطي ما أنتِ به.. وستعودين لزوجك هذا وعد مني. *** _تحبي تحكي إيه؟!
قالها الطبيب بهدوءٍ بعدما رأى رجفة يدها، سمعت قطوف جملته وأتى بذهنها مئات الأفكار، تسربت الدموع من عينيها وهي تتذكر كلمته لها أنه لن يعود لها مجددًا لتردف بصوتٍ مبحوح: _هو أنا وحشة أوي كده لدرجة أن جوزي رافض وجودي.. وأن كل الناس تأذيني! استمع لها الطبيب، ثم رد بإجابة صغيرة: _بالعكس أنت شخصية فيكي قبول كبير. ازدادت رعشة يدها تردد بصوتٍ مختنق:
_طب ليه طلقني وسبني.. ليه لما بيقرب بيدوس عليا.. ليه صدق إني ممكن أخون ثقته وأخد فلوسه وأنا معملتش كده ليه! صمتت تشعر بحاجة للتنفس، في حين انتظر الطبيب أن تكمل باهتمام وبالفعل أكملت بصوتٍ اختنق من الدموع: _أنا عمري ما عيطت بالشكل دا قدام حد.. أنا ادمرت بسببه وحياتي وقفت بسببه.. نفسي أرجع قطوف بتاعت زمان اللي مش بيهمها حد. _أنت شفته قريب؟! قالها الطبيب بهدوءٍ، لتجيب قطوف باختناق لاحظه: _آه النهاردة الصبح.
تأكد الطبيب من تحدثه له، وأن ما دار بينهما لم يكن بصالحها، ليردف بهدوءٍ: _طيب.. واتكلمتوا ولا اكتفيتي بنظرات؟ أغمضت عينيها تتمنى أن تُفنِي تلك الذكرى من رأسها، تحدثت بألمٍ: _آه اتكلمنا ووجعني بكلامه.. حسيت إني ضعيفة قدامه أوي. _ضعيفة لأن شخصيتك ضعفت ولا ضعيفة قدام حبك ليه؟! تجمد جسد قطوف من سؤال الطبيب، تشعر ببرودة تسير في جسدها، تعلم الإجابة، ولكن عجز لسانها عن الجواب، طال الصمت بينهما حتى قالت بألمٍ:
_ضعيفة قدام حبي ليه. أكمل الطبيب بسؤالٍ آخر جعل قطوف تبكي بصمتٍ: _أنتِ عايزة تتعالجي من حبك ليه وتشيليه خالص.. عايزة تلغي وجود جوزك بحياتك! _آ..آ..آه. قالتها بصعوبة بالغة من أثر دموعها، في حين أكمل الطبيب بهدوءٍ يوضح لها بعض الأسباب: _أنتِ شايفة أن حُبك لجوزك دا خلى شخصيتك ضعيفة.. وأنه السبب الرئيسي لحالتك دي.. طب ليه مقولتيش أن مفهومك عن الحب غلط.. وأن الحب دا أخذتي منه الأسباب السلبية وسبتي الإيجابي!
تشنج وجهها من كثرة الضغط عليها، تردد بكلماتٍ متألمة: _أنا من أول يوم حبيته فيه وأنا بقيت ضعيفة.. حياتي ضاعت وبقى الكل بيدوس عليا بسبب حبه دا.. أنا عمري ما تخيلت إني أكون كده بسبب حبه.. وإن كان الحب فيه إيجابيات فأنا مشوفتش غير الوحش بس واكتفيت لحد كده. توقفت عن التحدث بنبرة تهالكت من الألم، في حين رد الطبيب بنبرة جعلتها تركز بحواسها:
_أنتِ من جواكي بتقولي عكس كده.. أنتِ عايزة تثبتي لنفسك إنك لسه بتحبيه وأنك عايزة تشيلي حبه عشان ترضي معتقدات غلط في دماغك.. الحب سلاح ذو حدين.. وأنتِ فهمتي الحب غلط.. وترجمتي أن هو السبب في ضعف شخصيتك.. مش شخصيتك اللي تعبت من القوة المزيفة اللي بتظهريها ولما لقيتي حد ممكن تستخبي وراه.. القوة المزيفة دي راحت ومفضلش غير الضعف ولما الشخص دا اختفى والقوة المزيفة مرجعتش فهمتي إن حبك ليه هو السبب في ضعفك دلوقتي.. فهمتي صح؟
_صح. قالتها وهي تشعر بدموعها الساخنة تسيل على وجنتها، تسترسل حديثها بألمٍ:
_وأنا صغيرة أمي توفت وبابا كان بيسافر وكنت الأم والأب واخت لأختي الصغيرة.. كنت لازم أبقى قوية عشان عمتي متكلناش وتدوس علينا.. مكنش عندي فرصة واحدة أرجع طفلة وأعيش حياتي.. كان لازم أقتل الطفلة اللي جوايا عشان أقدر أحمي أختي الصغيرة.. تعبت من حياتي.. وظهر مازن والظروف جمعتنا مع بعض على الرغم من إني أنا وهو مش بنطيق بعض.. بس حبيت حنيته عليا وقت ما بتعب.. ضحكه وهزاره.. حتى لما كان مريض سكر ومقلش ليا إنه مريض وعملت أكل غلط عليه أكل منه عشان يفرحني.. حبيته غصب عني ومن جوايا نفسي أرمي كل حاجة عشان لما أتعب هو اللي يقفلي.. لما حد يحاول يأذيني ياخد حقي مبقاش قاعدة متحفزة لأي شخص إنه ممكن يأذيني.. كان نفسي أعيش حياتي بس للأسف ادمرت قبل ما تبدأ.
انتهت من سرد حقيقة لم تخبر بها أحد، تضع يدها على وجهها تحاول ضبط انفعالاتها، في حين تحدث الطبيب بنبرة هادئة لمستها:
_حياتك لسه مدمرتش.. طالما لسه بتتنفسي يبقى لسه في أمل.. كون حصل حاجات غيرت حياتك وجبرتك على حاجات مش صح دا مش معناه أن أنتِ كده خلاص حياتك ادمرت.. بالعكس قدامك فرصة تغيرها.. تعيشي اللي معشتيهوش وأنتِ طفلة.. متستسلميش تاني يا قطوف.. وقومي فكري بأكتر حاجة بتحبيها وارجعي ليها تاني.. بس الأول خدي قرار إنك فعلًا عايزة ترجعي لحياتك.. ولما تاخدي القرار وتنفذيه هتيجي وتحكيلي اللي عملتيه ودا هيكون معاد جلستنا الجاية تابعي معايا بس بالتلفون في أي وقت وأنا موجود.
استمعت لحديثه وشعرت بمدى أهميته، نعم تريد أن تعود.. تعود لحياتها، فليس مازن السبب ولكنه جزء من تلك الشبكة المعقدة، ويجب أن تواجهه. *** _مازن حبيبي حمدلله على سلامتك. قالتها ميرفت وهي تدلف للردهة بمنزل محمد بعدما وضعت حقيبتها جانبًا، تتقدم نحو مازن بلهفة كاذبة، في حين ضيق زين عينيه يشعر بوجود خطبٍ ما بتلك السيدة. تجمد جسد مازن قليلًا من وجودها، وشعر لأول مرة بنفورٍ منها، لتجلس إلى جواره مرددة بحنان كاذب:
_قلبي كان هيقع من الخوف عليك يا حبيبي.. الحمدلله أنك رجعت بالسلامة. أجابها مازن بهدوء: _الله يسلمك. ابتسم زين بمكرٍ ثم نهض يردد بهدوءٍ: _عن إذنكم بس في مكالمة شغل هعملها. حرك مازن رأسه، في حين نظر لها ياسين باشمئزاز، يريد أن ينقض عليها ويكيلها من الضرب ما تيسر له، في حين أخذت ياسمين ورد وزينة وانطلقت بهما إلى غرفتهم. ***
_أيوه يا بابا دا الوقت المناسب عشان نجمع قطوف ومازن.. الاتنين حصلهم تأهيل وأنا كلمت دكتور قطوف وعرفت حالة قطوف.. هيكون مناسب إنها ترجع بعد يومين. قالها زين وهو يقف بعيدًا عن المنزل، في حين حدثه مهران بصوتٍ رزين: _حسنًا بعد يومين سأحاول مع قطوف كي تعود مجددًا.. وأخيرًا سأأخذ حق محمد والباقي منها. حرك زين رأسه يحدث والده باشمئزاز منها:
_أنا مش عارف دي إزاي قدرت تمثل الحنان واللهفة كده.. لولا عارف تاريخها الأسود كله كنت قولت إنها كده فعلًا واحنا ظلمناها.. دا حتى ياسين مرحمتهوش وخطفته يوم خطوبته. _نـــــــــعم.. بنت ال*** هي اللي عملت فيا كده. قالها ياسين بعدما جحظت عينيه، في حين أغلق زين مع والده يندفع نحو ياسين الذي تلون وجهه بغضبٍ جامح، يردف بصوتٍ مهدئ: _اهدى يلا وإحنا هناخد حقك.
_حق مين يا أبو حق.. دا أنا اتشلفط بسببها ومذلول زي الكلب الأجرب في الشوارع عشان البت توافق ترجعلي.. دا أنا هنهيها علقة حق كل اللي جرالي منها. قالها ياسين بغضبٍ يحاول نزع يد زين منه، ليضع زين يده على فمه سريعًا مرددًا: _ياسين أنت كده هتدمر اللي أنا وأبوك بنعمله.. اصبر وإحنا هناخد حقك بس اصبر عشان مازن وقطوف حياتهم على شعرة لو حصل حاجة ممكن تدمرهم. هدأ جسد ياسين قليلًا، في حين أزال زين يديه مرددًا: _خلاص اهدى بقى.
_هديت يا عم خلاص.. بس لما خلاص الدنيا تتصلح سبوني أضربها أوقع لها طقم أسنانها ده. قالها ياسين بغضبٍ منها، في حين هاوده زين مرددًا: _حاضر يا ياسين المهم دلوقتي جهز نفسك عشان قطوف هتيجي بعد يومين عشان هنعلن أهم خبر ميرفت ممكن تتجلط بعده. اتسعت عين ياسين بسعادة وصفق بيده، يشعر بالحماس لأجل تلك اللحظة. *** مر يومين أسفل حماس ياسين واستعداد مهران وزين له.
سارت بخطواتٍ ثابتة، حتى وقفت على أعتاب الباب، تتطلع لمهران الذي شجعها بعينيه، لتدلف إلى المنزل حتى وقفت بالردهة التي تجمع ياسمين وورد وزينة وميرفت، صرخت ورد بسعادة قائلة: _عمتو قطوف. ركضت لها تحضنها وبالفعل بادلتها الحضن، في حين اقتربت منها ياسمين بأعين مدمعة، ثم اندفعت لها قائلة: _وحشتيني يا أختي.. وحشتيني يا أحلى أخت. ضمتها قطوف بحبٍ، تشعر بحاجة لهذا الحضن، تردد: _وأنتِ أوي يا ياسو.
تقدمت قطوف من زينة ثم قبلت جبينها تردد بحبٍ: _عاملة إيه يا ست الكل؟ ابتسمت زينة بسعادة مرددة: _الحمدلله يا نور عيني. جلست قطوف معهم دون النظر إلى ميرفت التي اشتعلت عينيها بحقدٍ، لتردف من بين أسنانها ببرودٍ: _مش هتسلمي على حماتك قصدي مامة طليقك. شعرت زينة بقلقٍ على قطوف في حين كان ذلك نفس شعور ياسمين، ولكن ابتسامة قطوف الباردة جعلتهم يشعرون بتعجب، لتردف قطوف بهمس بارد: _لا أنتِ حماتي لسه.
ضيقت ميرفت حدقتيها بشكٍ مما تقوله، في حين أدارت قطوف وجهها لترى مازن يدلف ثم تقدمت منه حتى أصبحت جواره تشبك أصابع يدها بيده، تضع رأسها على صدره مرددة بنبرة تحمل الرقة تسببت باحتراق ميرفت: _معلش يا حبيبي مامتك طلعت مش بتسمع كويس.. ممكن تقولها إحنا حالتنا الاجتماعية إيه! _متجوزين. قالها مازن بهدوءٍ، لتنتفض ميرفت من مكانها تنظر نحو مازن بصدمة مرددة: _أنت بتقول إيه؟!!
ابتسمت قطوف بانتصار وسط سعادة الجميع بها، فحضر الجميع بتلك المواجهة النارية، لتتقدم بخطواتها نحو ميرفت وهي لا تزال تشبك يدها بيد مازن، حتى أصبحت بمواجهتها، ثم همست ببسمة تحمل الانتصار: _ما تسمعي كويس يا عمتي.. قوليها يا حبيبي معلش تاني واعلنها قدام الكل! نظر مازن لوالدته يردد بنبرة باردة: _أنا رديتك يا قطوف! يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!