الفصل 34 | من 34 فصل

رواية فطنة القلب الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سلمى خالد

المشاهدات
19
كلمة
5,744
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

حالة من الجمود تملكت جسدها، تنظر لفاه المسدس المصوبة نحوها برجفةٍ، في حين ابتسم جمال بحزنٍ ثم قال بنبرة مبحوحة: _هو أنتِ ليه محبتنيش؟ لم تستطع الاجابة عليه، بل ظلت ترتجف من ملامحه التي تحولت إلى غضب شديد غير مبرر له، يصرخ بها في جنون: _ليــــــه! أنا خوفتك مني صح.. خلاص مش هخوفك تاني صدقيني وهبقى هادي معاكي بس أنتِ متسبنيش.

جف حلقها من حديثه، ونبرته الحنونة بعد هجمة الصراخ المجنونة، في حين أنزل جمال مسدسه يحدق بها في لهفة منتظرًا اجابتها، تراجعت ياسمين عدة خطوات تحاول الحديث بنبرة مهزوزة: _أنا.. أنا مش هقدر صدقني أكون معاك. تلقى حديثه بصعقة قوية، يشعر ببرودةٍ تسير بجسده بالكامل، بدأ يشيح بيده مرة أخرى الحاملة للمسدس قائلًا وهو يقترب منها: _ليه يا ياسمين.. أنا هتغير عشانك صدقيني.. خليكي معايا متعمليش زيها وتسبيني.

تراجعت ياسمين بذعرٍ حتى تعثرت بالأرض لتقع عليها وهي لا تزال تتراجع، تذرف الدموع بخوفٍ شديد منه، توقف جمال فجأة عن التقدم بعدما لاحظ حالة الذعر التي بها ياسمين، ثم قال بحزنٍ: _أنا كان نفسي نكمل سوا.. كنت بعمل كده عشان متسبنيش زيها.. أنا لما كنت حنين وبهتم بيها سبتني ووجعتني وخلتني عايش في مصحات نفسية بتعالج.. وهربت عشان اسألها ليه عملتي فيا كده!

بس وقتها قابلتك.. كنت شبهها أوي.. بس أنتِ معملتيش زيها وعشمتني بالحب زي ما هي عملت.. أنتِ أحسن منها.. أنا اللي كنت غلطان في حبي ليها.. أنا مستحقش حد ولا استحق اعيش تاني.. أكتر حاجة وجعتني هي إنك خايفة مني بالشكل دا. توقف قليلًا ليأخذ أنفاسه، ثم أكمل يرفع مسدس بجهة رأسه: _أنا مش وحش.. الناس هي اللي خلتني وحش وصدقوا إني الوحش مش هما اللي وحشيين.. سامحيني على كل حاجة.

انهى حديثه ضاغطًا على زناد المسدس لتصرخ ياسمين تخفي وجهها بين راحتي يدها قبل أن ترى ما فعله، يرتجف جسدها بشدة، في حين وقع جسد جمال بلا روح بعدما ضاع ضحية لجنونه. انطلق كل من بالمنزل سريعًا ليروا ما سر هذا الصوت، وتفاجأ جميعهم بوجود جمال جثة هامدة، ركض زين نحو ياسمين التي تجلس تضم قدمها لصدرها تبكي بصوتٍ عالي، تردد بخوف: _مات بسببي.. مكنتش اقصد بس..بس معرفتش اقوله حاجة.. أنا خايفة. أخذ زين أنفاسه، ثم قال بهدوءٍ دافئ:

_ياسمين.. ركزي معايا.. خدي نفسك يلا خدي نفسك تعالي نعمل تمارين التنفس هاه. بدأ زين بأخذ أنفاسه ثم أخرجها ببطء، محاولًا سحب تركيز ياسمين له، وبالفعل استجابة ياسمين وبدأت بأخذ انفاسها معها حتى بدأت تسيطر على ذاتها، وقف زين أمام الجثة كي لا تراها ياسمين مجددًا وأشار لها بالنهوض قائلًا برفقٍ: _يلا تعالي نطلع سوا. كادت أن تحرك رأسها نحو جمال لتسير عليه، ولكن سريعًا وقف زين أمامها فلم تستطع رؤيته ليستطرد زين قائلًا بحنوٍ:

_أنا هتصرف معه.. يلا بينا متقلقيش من حاجة طول ما أنا معاكي.. إحنا خدنا عهد انك قوية وأنا واثق إنك كده مش صح! حركت رأسها بإيجابية، تسير نحو شقيقته ملك التي تلقتها سريعًا تساعدها على الدلوف، في حين اتصل زين على الاسعاف كي يزيل جثة جمال من المنزل.

أتت الاسعاف أخذه جثة جمال، وانطلق معهم ياسين ليرى الأمر، في حين دلفت زينة مع حفيدتها لتمنعها من رؤية منظر مخيف كهذا، بينما دلف زين مع مهران ومحمد إلى الداخل بالردهة، ولم ير أحدهم قطوف ومازن. _ها ياسمين عاملة ايه؟! قالها زين بقلقٍ شديد، في حين تأملته ملك بضحكٍ عليه فهي لم تهبط من الدرج وتجلس معهم كي يسألها: _متقلقش نامت دلوقتي. تنهد زين براحةٍ، في حين استرسلت ملك بمكرٍ: _يا عيني على الحب اللي ولع في الدرة.

قذفها زين بوسادة على وجهها، ثم قال بنبرة مغتاظة: _ما تتلمي يا بت. ضحكت ملك تمسك بالوسادة قبل أن تصيبها بوجهها، ثم قالت بحيرة متذكرة قطوف ومازن: _بس قطوف ومازن مصحيوش بعد صوت ضرب النار دا ليه؟! أجاب زين بجدية: _اعتقد لأن الأوضة بتاعتها بعيدة عن صوت ضرب النار وكمان ممكن يكونوا قافلين الشباك ومش حاسين بيها. حركت رأسها بفهمٍ، ثم عادت تتحدث بمكرٍ: _زي صاحبنا هنا بيلعب بالدرة.

نهض زين راكضًا خلفها، ولكن ركضت ملك نحو المطبخ تضحك بشدة عليه قبل أن يمسك بها، ابتسم زين لها، ثم قال وهو ينظر نحو محمد بحرجٍ: _هو احتمال نأجل كل حاجة لحد ما ياسمين تصحى ونطمن إنها هتقدر تقوم عادي بعد اللي حصل. حرك محمد رأسه بإيجابية، في حين ابتسم مهران برضا يردف بهدوءٍ: _عين العقل يا ولدي. داخل غرفة قطوف.. فتحت عينيها بصعوبةٍ، لا تعلم كيف غرقت بالنوم هكذا؟

لم تشعر بشيء وكأن كانت بعالم أخر مليء بالراحة، نظرت على الثُقل الموجود على صدرها فوجدت مازن لا يزال نائمًا بعمق، مدت اناملها تداعب خصلات شعره بحنونٍ، تزحف ابتسامة صغيرة إلى شفتيها بعد رؤية ملامحه التي لانت أكثر من فعلتها، ولكن تحول جزء من تلك البسمة إلى حزن ما أن تذكرت ميرڤت وافعالها مع مازن، تنهدت بحزنٍ وشعرت بأن هناك ظُلم كبير وقع على مازن منها.

شعرت قطوف بحركة مازن، لتغمض عينيها سريعًا، قبل أن يراها، في حين فتح مازن حدقتيه وسرعان ما تذكر ما حدث وأنه غفى داخل احضان قطوف، نهض سريعًا يتطلع لها بقلقٍ، ثم قال بصوتٍ متحشرج: _قطوف.. قطوف قومي. فتحت عينيها بخجلٍ منه، حاولت أن تخفيه ولكن لم تستطع، في حين أكمل مازن بذات القلق: _أنتِ كويسة؟ أنا مش عارف نمت إزاي كده.. أنا أكيد.. قاطعته قطوف متعجبة من قلقه الزائد قائلة:

_اهدى يا مازن محصلش حاجة.. أنا كويسة وأنت نمت غصب عنك. تنهد بقليلٍ من الراحة، ثم قال بهدوءٍ به بعض التعجب: _طب ليه مسبتنيش أنام وقومتي؟! اخفضت قطوف بصرها، يتلون وجهها بالخجل، ثم قالت بصوتٍ هامس: _أنت نمت ولما جيت اقوم مسكت فيا.. ومرضتش اسيبك. وضع مازن يده على مؤخرة رأسه ثم قال بحرجٍ: _أنا محستش فعلًا بحاجة.. لأن دي أول مرة أنام مرتاح ومن غير تعب.

زحفت بسمة صغيرة على شفتيها، ثم نهضت من الفراش كي تغادر الغرفة ولكن اوقفها مازن مرددًا: _قطوف. توقفت عن التحرك، ليسترسل مازن بتنهيدة يقف خلفها مباشرةً: _لسه مش قادرة تسامحيني؟! امسكت قطوف بمقبض الباب، تجيب بصوتٍ هادئ: _صدقني أنا عايزة اتخطى اللي حصل.. بس مش قادرة اتخطاه.. اللي حصل مش قليل على واحدة بنفس شخصيتي. أغمض مازن عينيه بحزنٍ، يشعر بأن طريقه سيصل للنهاية غير مرجوة، ولكن أكملت قطوف ببسمة صغيرة وكأنها تعيد

زرع نبته كادت أن تقطع: _دي أول مرة أنام مرتاحة ومش خايفة من حاجة. غادرت الغرفة سريعًا، في حين نظر مازن لظلها وابتسم ضاحكًا أن الأمل سيظل موجود.. عاد يجلس على الفراش ولكن تلك المرة كي يُعد ذاته وافكاره لإعادة قطوف حياته مجددًا.

انتهى ياسين من جميع الإجراءات اللازمة، وعاد مجددًا إلى المنزل، في حين استيقظت ياسمين وأصبحت بحالة أفضل ولكن تبدل شعورها وأن كابوس جمال قد انتهى للأبد، في حين جلست قطوف مع ملك وزينة وعلمت منهم ما حدث، وزفرت براحة أن شقيقتها بخير. بالمساء..

انتهى الجميع من تناول العشاء، وجلسوا سويًا، أتت قطوف وملك وياسمين ومعهم ورد الصغيرة يحملن أطباق للمقرمشات والتسالي الليلية، ووضعها بالردهة وبدأوا باللعب بأوراق الكوتشينة، في حين جلس مهران ومحمد سويًا يروي مهران لشقيقه بعض الأمور عن والده وغيرها.. صاح ياسين وسط الجميع بغيظٍ: _لا كده ظُلم بجد.. مش كل ما ألعب يتحكم عليا. ضحك زين على شقيقه، في حين ابتسمت قطوف بمكرٍ وهي تراه مغتاظ بشدة، رفعت هاتفها قائلة بنبرة ماكرة:

_أنا قررت ادي الحُكم لمريم هي اللي تقوله. وضع ياسين يده أسفل ذقنه، يردد بهيامٍ: _بومتي.. لا براحتها تحكم زي ما هي عايزة. ضحكت قطوف واضعة يدها على فمها، في حين اجابت مريم على الاتصال لتسرع قطوف بقول: _مريم أنا فاتحة مكبر الصوت والعيلة كلها سمعاكي. قطبت مريم جبينها بتعجب، تردد بحيرة: _ليه! أنتِ عايزة تفضحي صحبتك يا قطوف! وضعت قطوف يدها على وجهها من دهاء صديقتها، في حين تحدث ياسين بسخرية:

_بومة وكمان غبية.. لا بجد فخور بيكي. اشتعلت عين مريم بغيظٍ، تردف باندفاع: _بقولك إيه ابعد عني ياض هي مش ناقصة.. مش كفاية ظابط نص كم ومستحملينك. حمحم ياسين بعد حديثها، يردد بحرجٍ مزيف: _أنا بقول ندخل في الموضوع. ضحكت ملك عليها، ثم قالت بمكرٍ: _اصل احنا بنلعب وياسين خسر والمفروض يتحكم عليه من قطوف.. وقطوف قررت تديكي الحُكم. ابتسمت مريم بسعادة، ثم قالت ببلاهة: _خليه يشرب كوباية مايه كبيرة على بوق واحد.

تنهد ياسين براحة وهو يتطلع للهاتف مرددًا بحبٍ: _بومة وغبية بس حنينة. ضحك جميع من يجلس، في حين رددت مريم قبل أن تغلق الهاتف: _اتصدق أنتِ تستاهل تاكل نص كيلو فلفل حراق عشان لسانك يتلم.. سلام. علت ضحكت الجميع وعادوا مجددًا للعلب ولكن توقف زين عندما قال بنبرة أخجلت ياسمين: _بكرة نجيب الدهب ونجهز نفسنا لكتب الكتاب.. والفرح بقى ممكن.. قاطعته ياسمين تردد بخجلٍ: _خلي كتب الكتاب مع الفرح في قاعة كده حلوة وبسيطة.

اتسعت ابتسامة زين ما أن رأى موافقتها، في حين نهضت ورد تصفق وهي تدور حول ذاتها قائلة بسعادة: _بابا هيتجوز.. بابا هيتجوز. ضحك ياسين على ورد، وابتسم بمكرٍ على خططته التي ستنفذ بالغد، في حين وافق الجميع على حديثهما، ثم عادوا يكمل تلك السهرة العائلية الدافئة من جديد.

قررت قطوف أن تقضي ليلها مع نباتها، فجلست على مقعد قريب منه أسفل ضوء القمر الخافت، تتلقى نسمات الهواء بهدوءٍ، أغمضت عينيها تستمتع بهذا الجو حتى غفت دون أن تشعر، ولكن لم تغفو بشكل كلي فشعرت بصوت اقدام قريبة منها كادت أن تنهض لترى من ولكن لا تعلم سر جمودها فجأة وانتظر القادم، ربما شعر قلبها به. جلس مازن جوارها يتأمل ملامحها بحبٍ ثم همس بنبرة ماكرة بعدما شعر بعدم انتظام انفاسها: _من النهاردة لزمًا تنامي في أمان.

استمعت قطوف للجملة وما كادت أن تفهمها حتى وجدت نفسها في الهواء يحملها مازن بحنوٍ، شهقت بخوفٍ ممزوج بخجلٍ، في حين علت ضحكت مازن عليها، ليكمل همسه قائلًا: _مش كنت نايمة؟! حدقت بعينيه أسفل ضوء القمر، كادت أن تعنفه بالكلام ولكن صمتت، فهناك لحظات لابد من أن يخضع اللسان للصمت، ابتسم مازن بحبٍ متأملًا حدقتيها ثم قال بهمس: _أسمك قطوف.. وأنتِ قطفتي حياتي.. بس قطفتيها من الوجع عشان تتزرع في بستان حُبك.

التمعت عينيها من جديد، تعلم أنها تريد المجازفة من جديد وأن تعود له ولكن فاقت من شرودها على صوت ياسين القادم، هتفت سريعًا وهي تسمع صوته يقترب: _نزلني يلا بسرعة.. ياسين جاي. حرك مازن رأسه نافيًا، يجيبها ببرودٍ: _لاء.. أنا مرتاح كده. لم تجد وقت فقد اقترب ياسين ولن تستطيع أن تجادله، لتغمض حدقتيها تضع رأسها على صدره تمثل النوم، كتم مازن ضحكته على طريقتها، في حين أتي ياسين مرددًا بجدية:

_مازن أنت عامل حسابك على مفاجأ.. ايه دا قطوف أنت شايلها كده ليه؟! ابتسم مازن بهدوءٍ، يردد وهو يتطلع لوجهها الذي اخفته بصدره: _مفيش نامت على الكرسي هنا وقولت اطلعها فوق عشان متتعبش. حرك ياسين رأسه، ثم قال دون وعي: _ربنا يهديها يا أخي.. دي دماغها انشف من الحجر.. أنا مش عارف البت دي طالعة لمين.. دا حتى عمي محمد طيب. شعر مازن بتشنجات قطوف، وعلم أنها تريد أن تنقض على ياسين ولكنها تملكت نفسها، في حين

كتم مازن ضحكه يردد بتحذير: _عيب يا ياسين متقولش كده.. دي مراتي. أشاح ياسين بيده يردف بسخرية: _مراتك ايه يا عم اسكت.. دي عايزة ديل جاموسة ينزل على وشها يمكن ترجعوا لبعض ونخلص. لم يستطع مازن أن يمسك ضحكته في حين رفعت قطوف وجهها تراه بعدما اختفى، لتردف بغضب محدقة بمازن: _عيب يا ياسين.. دي مراتي.. ما تقوم تديله الراضعة بالمرة. ابتسم مازن بمكرٍ يردد بخبث: _ما بلاش تيجي عليا.. شوفي مين متحكم في مين.

رمقته بنظرة غاضبة ثم اشاحت بوجهها بعيدًا، في حين تحرك مازن نحو الداخل لتهمس قطوف بغضب: _نزلني أنت استحلتها. رفع حاجبه ببرودٍ يردد: _لاء. ثم اضاف بمكر: _ميصحش برضو ابعدك عن الأمان اللي في حضني. تلون وجهها بحمرة، تردد بغيظٍ محاولة اخفاؤه: _اتصدق إني غلطانة إني بعالج الجفاف العاطفي اللي عندك.. أنت متستهلش غير قحط عاطفي أصلًا. هز مازن يديه قليلًا لتتشبث به قطوف خوفًا من أن تقع، ليهمس مازن سريعًا بمكر لم يتخلص منه:

_كنت بتأكد أن كنت بتعالجيني.. ولا حضني اللي بيعالجك. عضت على شفتيها بحنقٍ، ثم غمغمت بضيق: _بقولك ايه شيل وأنت ساكت.. خليني أخلص من الليلة دي.

وبالفعل لم يرغب مازن بأن يضغط عليها بعدما رأها تهرب من رؤية حدقتيه، حملها إلى الأعلى ولم يعقب أحد ثم تركها على الفراش وانطلق يبدل ملابسه لأخرى مريحة، وعاد مجددًا لسرير ولكن تلك المرة لم يطالب قطوف بشيء، في حين وقفت قطوف تتطلع له بحيرة، فظنت أنه سيخبرها أن تنام الليلة معه ولكن لم يفعل، تنهدت بحيرة ما الذي ستفعله، ولكن حسمت أمرها في أن تنام معه الليلة، وبالفعل نزعت حجابها ثم نامت على الفراش بهدوءٍ شعر بها مازن لتزحف بسمة صغيرة على شفتيه، وما هي إلا دقائق حتى ألتفت لها ووضع رأسه بين احضانها لينعم كلًا منهما بهذا الدفء مجددًا.

صباحًا.. وقفت ياسمين داخل محل الذهب مع عمها مهران وزين وقطوف ومازن، وباقي افراد العائلة، تختار ما يناسبها من خاتم، ظلت بحيرة شديدة بين نوعين من الخاتم فسألت شقيقتها مرددة: _قطوف اختار انهي واحد.. المنقوش ولا السادة؟! ابتسم قطوف لها بحب، ثم اجابة: _أنتِ عينك لما بتروح عليهم بتروح على مين الأول! نظرت ياسمين على المنقوش وقالت وهي ترفع يدها بالخاتم: _دا. حركت قطوف رأسها بإيجابية مرددة بحنوٍ: _خلاص يبقى هو دا.

ابتسمت ياسمين بسعادة، ثم عادت إلى الرجل كي تخبره بما اختارت، في حين نظرت قطوف لبعض الخواتم فوق بصرها على خاتم هادئ مثل دبلة الخطوبة ومعه خاتم أخر ذو جوهر من المنتصف ما يطلق عليهما ( تونز) ابتسمت قطوف له فأخرجها مساعد البائع لها كي تجربها، ابتسمت قطوف بحرجٍ وكادت أن تحرك رأسها بنفي، ولكن أمسك مازن الخاتم من الرجل يردد بدفء: _هاته أنا هلبسهولها.

امسك مازن بالخاتم ثم بيد قطوف وقام بوضع الخاتم بأصبعها فكان على مقاسها بضبط، ابتسم قطوف للخاتم بحب، في حين نظر مازن للرجل وردد بهدوء: _خلاص شوف حسابه كام وهشتريه. نظرت قطوف نحو مازن بصمت، في حين غمز مازن لها قائلًا بحب: _لو مفهمتش العيون دول عايزين إيه يبقى مستهلش ابصلهم. ابتسمت بخجلٍ ولكن وجهها يشع بسعادةٍ غريبة، في حين لاحظ مهران ما حدث وحرك رأسه برضا عما به أولاد شقيقه.

انتهوا من شراء الذهب، وانطلق ياسين نحو عيادة مريم كي ينفذ خطته التي اتفق بها مع العائلتين، يصعد إلى الداخل وما أن دلف حتى اشارت له المساعدة بأنها تجلس بداخل المكتب، دلف ياسين فجأة عليها يردد بسرعة: _بقولك ايه هتتجوزيني ولا لاء! انتفضت مريم من مقعدها، تضع يدها على صدرها تحاول ضبط انفاسها، تردد بغيظٍ: _في حد يعمل في حد كده. تقدم ياسين حتى وقف أمام المكتب، يردد بعجلةٍ: _هاه انجزي هتتجوزيني ولا لاء!

قطبت جبينها بتعجب من طريقته، ثم قالت بغيظ: _لاء هاه. ابتسم ياسين ببرودٍ، ثم قال: _كنت متوقع كده.. اتفضل يا مولانا العروسة جاهزة. دلف المأذون إلى العيادة ومعه مهران ومحمد وعم مريم ووالدتها وباقي أفراد عائلة العطار، اتسعت عين مريم بصدمة مما تراه، في حين عاد ياسين للحديث قائلًا بحماس: _يلا ابوس ايدك لحسن أنا استويت انتظار. ضحك المأذون عليه، وبدأ بالفعل في كتب الكتاب، ضيقت مريم عينيها بشكٍ ثم نظرت لوالدتها

التي حركت رأسها قائلة: _ايوة أنا اخدتك عشان تعملي تحاليل كتب الكتاب مش انيميا زي ما أنتِ فاكرة. رفعت مريم حاجبها بغضبٍ تردد بحنقٍ: _طلعتوا متفقين عليا بقى! ابتسم عم مريم، ثم قال بحبٍ: _لو لفيتي الدنيا بحلها مش هتلاقي واحد يحبك قد ياسين.. فضل كتير معايا بيحاول بس إني اوافق على كتب الكتاب بشكل دا.. ولولا عارف إنك بتكبري انك تعترفي بأنك عايزاه مكنتش وافقت. تلون وجه مريم بخجل، في حين ردد المأذون بجدية: _موافقة يا بنتي؟!

ازداد خجل مريم أكثر ولم تستطع النطق، في حين ردد ياسين برجاء: _لا أبوس ايدك اخلصي بقى أنا بقالي شهر بلف حولين نفسي مع البيت كله عشان يوافق. ضحكت مريم بخفة عليه، ثم حركت رأسها بإيجابية، تجيب: _موافقة. أكمل المأذون مراسم الزواج واختتم بجملته الشهيرة ( بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير) علت الزغاريد في العيادة، وتنطلق ياسين نحو مريم يحتضنها بشغف مرددًا بسعادة ظاهرة: _أخيرًا بقى ههيص بالحلال.

لم تعلم مريم ماذا تفعل! فتجمد جسدها، في حين ضرب عم مريم كتف ياسين قائلًا بغيظ: _ما تتلم يا ولد. عبست ملامح ياسين له، ثم قال مبتعدًا عنها: _يا عمي أنا كان هيجيلي شلل منها عشان توافق.. واهوه سمعت بنفسك لما جيت قولتلها هتتجوزيني ولا لاء قالت لاء! ضحك عم مريم على طريقته، ثم بادله الحديث بمكر: _هو في حد يدخل العيادة زي الهجامين كده ويقولها هتتجوزيني. مط شفتيه بحنقٍ، ثم قال بضيق: _هو أنا كنت اتجوزت قبل كده عشان أعرف! هنا

ظهر صوت مريم المغتاظ تردد: _مشوفتش فيديوهات قبل كده عن الكابل. حرك ياسين رأسه بنفيٍ، يجيبها بصوتٍ ساخر: _العيال التوتو دي اللي ينزل على ركبه ويجلي رباط صليبي عشان اقولك اتجوزك.. لا يا بومتي مليش في التوتو موتو دا.. ثم أنا أهوه دخلت من بابا عادي و قولتلك هتجوزك قولتي لاء واتجوزنا والدنيا زي العسل. حاولت مريم استيعاب ما يقوله، لتردف وهي تدفعه عن وجهها قائلة: _لاء هاتوا المأذون تاني.. أنا مش هستحمل البني آدم دا.

سارت خارج العيادة، في حين ركض خلفها ياسين والباقيين يضحكون على طريقتهما، فهي أغرب زواج حدث للجميع. بدأ الجميع يستعد لزفاف مريم وياسين الذي أعد كل شيء... وأيضًا زين وياسمين، فأصبح الجميع مشغول بإعداد شقتهم بالقاهرة، فقد قام زين بشراء شقة له، وقام ياسين بإعداد الشقة التي كان يسكن بها، في حين كانت الفتيات يخرجن بكل يوم كي يكملوا ما تبقى لهم من تجهيزات للشقة ولأشيائهن.

وبيوم بعدما تجمع الشباب والفتيات على طاولة الطعام، أخبرهم مهران بأنه يريدهم بعد الغداء كي يتناولون الشاي، وبالفعل جلسوا سويًا يحتسون الشاي ليبدأ مهران بالحديث بنبرة هادئة دافئة تلفت انتباه الجميع: _اليوم يا أولادي سأخبركم بقصة.. لا أعلم أهي قصة الأخيرة التي سأرويها لكم أم لدي حكايات أخرى.. ولكن قصة اليوم سمعتها من الشيخ الشعراوي رحمه الله.. قال أن هناك شخصين متخاصمان.. فقال أحدهما:

( أن هذا ظلمني يارب فخذ من حسناته وأعطني منها) فأجابه الله ( ليس له حسنات) فعاد هذا الشخص يقول ( إذًا خذ من سيئاتي واعطه يارب) فأجابه الله ( أَوَ يرضيك أن يكون لك سيئة! احتار الرجل بهذا الوقت ولم يعلم كيف يأخذ حقه من هذا الرجل، فقال ( كيف اقتص منه؟ فقال الله ( أنظر يمينك) نظر الرجل يمينه فوجد الجنة بها أنهار ونخيل وما لا عين رأت كما ذُكر بالقرآن، فشعر الرجل بسعادة من رؤيتها فعاد وقال لله

( إنها جميل يارب كيف أحصل عليها) اجابه الله ( أن تأخذ بيد أخيك إلى الجنة)

الحكمة هنا يا أولدي أن تحاولوا أن تعفوا بقدر المستطاع.. فالعفو عند المقدرة هذه العبارة نستمع لها كثيرًا ولكن لا ينفذ معناها سوى القوي.. فحاولوا أن تسامحوا وتصفحوا فإن الله عادل فوق سبع سموات وسيعطيك بدلًا عن هذا الظلم خير لم تحلم بيه من قبل فقط الصبر يا أحبابي وتأملوا رحمة الله عز وجل كم هي جميلة وأنتم ستجودون بحياتكم أمور رأيتم بها رحمة الله عز وجل، في نهاية حاولوا أن تأخذوا بيد بعض إلى الجنة.

ابتسموا جميعًا لتلك القصة الجميلة والعبارة منها، ولكن جميعهم نظر إلى مازن الذي نهض يقف أمام قطوف مرددًا بنبرة دافئة: _موافقة تاخدي بإيدي للجنة وتسامحيني! نظرت قطوف ليد مازن ولعينيه اللتان تلتمعان بالحب لها، فكم هي دافئ تنعم قلبها بالدفء، نهضت من مكانها ولم تمد يدها ثم فجأة قفزت بأحضان مازن قائلة بنبرة خجولة بعدما علا صفير ياسين وضحك الفتيات: _كان بيننا حرب حتى سُلبت الراء.. فاكر قولتها ليا قبل كده وجه الدور عليا..

أغمضت عينيها بعدما لفت ذراعيها حول عنقه، تهمس بحبٍ: _بحبك يا مازن أوي.

لم يصدق مازن ما سمعه، فقط كان يريد أن تخبره بالمسامحة ولكن منحه الله اعتراف منها بحبها له، أنار وجه مازن بالسعادة حتى أصبح لابتسامته صوت يعلو، في حين ضحك مهران وهو يتطلع لقطوف التي اصطبغ وجهها بحُمرة الخجل، تمسك بيد مازن الذي حاوطها بذراعه، ينظر لخاله بشكرٍ، فقد فطن كلاهما معنى الحب، فهم القلب أخيرًا ما يريد دون أن يقع عليهما عائق اضطرابات نفسية مروا بها، فطنة القلب هي فهم القلب للمشاعر التي يمر بها وأن يعلم ما هو الحب الحقيقي فما كان مستحيلًا بيد الله يصبح ممكن.

حل المساء عاد جميعهم لغرفته، في حين دلف مازن مع قطوف لغرفتهما، ولكن تلك المرة كلاهما يحمل بسمة هادئة على وجههما، هتف مازن بصوتٍ جاد: _كنت عايز اكلمك في موضوع مهم يا قطوف. نظرت له باهتمام، مجيبة: _قول أنا سمعاك. تنهد مازن جالسًا على الفراش بهدوء، ثم قال بصوتٍ هادئ:

_فكرت أننا نعيش في البلد مع خالي مهران ونشتري أرض هناك بالفلوس الأجانس والشغل بتاعي ونبدأ هناك.. عشان هنا كل حاجة باظت وحتى لو حاولت اعمل مشروع هخسر بسبب اللي حصل. مدت قطوف يدها نحو يد مازن ثم امسكتها بقوةٍ، تردد بنبرة تحمل العشق بطياته: _لو هتروح فين أنا معاك يا مازن.. وعلى فكرة البلد هناك جميلة وفعلا القاعدة هناك هتبقى مختلفة وحياتنا تبدأ في مكان أنا شوفت فيه حُبك. ابتسم مازن لها بحبٍ، ثم قال بنبرة تحمل السعادة:

_أنا النهاردة بس حاسس إني وصلت لأكبر وأهم حلم ليا.. أنتِ يا قطوف كنت أهم حلم ليا وربنا ساعدني احققه.. مش هطلب دلوقتي منك غير نصلي سوا ركعتين شكر ليه. ابتسمت قطوف محركة رأسها بإيجابية، وبالفعل بدأ كلاهما بالوضوء، و الصلاة حامدين الله على ما حصلوا عليه من نعم، وما أن أنهوا الصلاة حتى اختتموا تلك الليلة برحيق خاص من العشق خاص بهما.

مر شهر قد انتهوا جميعًا من اعداد مراسم الزفاف والشقة الخاصة بياسين ومريم وياسمين وزين، اللذان علما بقرار مازن في العودة إلى البلد فقرروا أيضًا أن يقيموا بالبلدة وأن يأتوا بالصيف إلى القاهرة مجددًا... كما عملت قطوف بخبر حملها من مازن والذي أسعد الجميع بشدة. بيوم الزفاف.. _نهارك مش فايت.. العربية موصلتش وأنا روحت الكوافير بأوبر يا مفتري. قالها ياسين عبر الهاتف لصديقه الذي أخبره أنه سيزيفه بسيارته، هتف صديقه بحنقٍ:

_اعملك ايه اللوكشن تاه مني.. استنى ساعتين بس واكون وصلت. جحظت عين ياسين بصدمة، يردف بغيظٍ: _ساعتين ايه ياللي اشوف فيك يوم.. دا البت خللت في الكوافير وخايف ادخل اقولها إني جيت بأوبر ليها.. اخويا وصل اقفل اقفل. أغلق ياسين هاتفه، ونظر حوله بحسرةٍ، فقد أتى شقيقه بسيارة التي ترجل منها، يتقدم نحوه بملامحه الجادة الهادئة، قاطبًا جبينه بتعجب، يعلو صوته بتساؤل: _فين عربيتك؟! منحه نظرة متحسرة ثم اجاب:

_الواد تاه مني واضطريت اجي بأوبر هنا.. وقدامه ساعتين عشان يجي على هنا. اتسعت عين زين بصدمة، في حين وجد ياسين شيء خلف زين نظر له وابتسم ببلاهة، في حين تحدث زين بغيظ: _قعدت تقول صحبي دا ممتاز.. صحبي هيعمل الواجب ومرضتش تحجز معايا.. اهو صحبك عمل الواجب ولبسك في الحيط. عبست ملامح ياسين من حديثه، يردد بتذمر: _بقولك ايه ياعم أنا فرحي النهاردة متنكدش عليا. عوج زين فمه بسخرية، ثم قال: _وهتتصرف إزاي؟!

نظر ياسين نحو جهة معينة جعل زين يلتفت لها وسرعان ما جحظت عينيه متمتمًا بصدمة: _أنت بتفكر في إيه يا مجنون!! _يابنتي ما تبصيلي شوية بقى! قالها زين بتذمر من فتح ياسمين للنافذة السيارة المتجهة نحو قاعة الزفاف، في حين اشارت ياسمين لزين بأن يصبر، تجيبه بحماس: _استنى يا زين وبص على شكلهم وهما بيسوقوا السكوتر.. وجايين ورانا.. طب اتصدق مريم شكلها يهبل بالفستان والسكوتر كده وهي بتسوقه يوم فرحها.

ضحك زين متذكرًا ردة فعل مريم بعدما علمت أنها ستأتي بالسكوتر وبصعوبة اقنعها ياسين بهذا الأمر، وبدأت بقيادته ولحسن الحظ أن الفستان ليس ضخم بالشكل المزعج. هتف زين بضحك ساخر: _دي كانت هتقتله لما عرفت. عادت ياسمين تجلس جواره مرددة بفرحةٍ: _بس شكلهم يخطف القلب. _أنتِ اللي خطفة قلبي بشكلك دا.

قالها زين غامزًا إلى ياسمين التي خجلت ونظرت بعيدًا عنه، علت ضحكت زين وأمسك بيدها يشعر بسعادة أنها أصبحت ملكه ويحق له أن يتأملها كما تمنى. _بت يا مريم إيه رأيك؟! قالها ياسين وهو يقود السكوتر الخاص به، ردت مريم بصوتٍ عالي قائلة بسعادة: _حلوة يا ياسين.. الموضوع طلع حماسي أوي. علت أصوات السيارة مازن وقطوف التي تجلس جواره بالمقعد الأمامي تضحك بشدة على صديقتها، تردد بصوتٍ تحاول ضاحك: _لا بجد شكلهم خرافي.

بادلها مازن الضحك، يجيبه وهو يضغط على بوق السيارة: _معاكي حق.. بس الواد ياسين دا طلع مش سهل.. هو حلف ليكمل الجوازة يعني هيكملها. بدأت باقي السيارات العائلة برفع صوت بوق السيارة لهم تلك العادة المصرية التي تدلف الفرحة بقلوب الجميع، ولكن لم يتوقف الأمر عند هذا بل دلف اشخاص بالطريق يساعدهم بتلك الزفة الصغيرة يشعلون الحماس معهم ويعم الجو بالسعادة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...