الفصل 27 | من 34 فصل

رواية فطنة القلب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سلمى خالد

المشاهدات
15
كلمة
4,727
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

انقطع الاتصال بينهما، بينما هدر مازن بصوتٍ جهوري: _قطـــــوف. حاول الاتصال بها ولكن لم يدع له فرصة بل أغلق الهاتف بعدما أرسل له العنوان برسالة نصية. مسح مازن على شعره بغضبٍ من عدم قدرته على حمايتها، ثم اندفع للخارج سريعًا. _مازن.. يا مازن.

قالتها ياسمين وهي ترى مازن يركض نحو الخارج مهرولًا. بينما انخلع قلب مازن من مكانه، يدلف إلى سيارته باندفاع قوي، يقود بسرعة فائقة. يتردد صوت صراخها مجددًا بعقله، همسها بعدم قدوم شقيقتها، ممن تحاول حماية شقيقتها! وما الذي حدث كي تصدر قطوف تلك الصرخة!!! ***

بدأ وجهها يشحب بشدة، نزيف يدها لم يتوقف بل أصبح بمرحلة الخطر. لا تستطيع النطق بعد ما فعله بها. نظرت حولها بتعبٍ، تشعر بدوارٍ حاد يقتحم رأسها حتى أصبحت الرؤية ضعيفة للغاية ثم أُغشي عليها. نظر جمال لتلك الدماء الغزيرة الموجودة أسفل قطوف، تلك نقاط الدماء التي لا تزال تتساقط، ثم قال بأسفٍ: _سامحيني مكنتش أقصد، أنا بس نفسي أختك ترضى تيجي ونتجوز. تركها يسير نحو الخارج ينتظر ياسمين أن تأتي. ***

وصل مازن للمكان المنشود. صف سيارته بإهمال ثم ركض نحو العمارة ما أن علم رقمها، فهي بمنطقة مقطعة، تحمل علامات مرور الزمن. صعد للأعلى سريعًا حتى وصل للشقة المنشود. ولحسن حظه وجد الباب مفتوحًا. دلف للداخل ولكن جحظت عيناه من الصدمة، قطوف تجلس على مقعد مقيدة اليدين والقدمين، يديها تذرفان الدماء، رأسها يتدلى إلى جانبها بعدما أُغشي عليها. تجمد جسده لدقائق لم يتخيل للحظة أن يمكن لقطوف أن تصبح بهذا الشكل. تقدم نحوها بخطواتٍ دالت على صدمته، بدأ بفك وثقها ولكن تذكر حديث مهران عن طلاقه منها وأنه لا يستطيع حملها.

ضرب بقدمه الطاولة الصغيرة الموجودة جواره، ثم اندفع دون تفكير أكثر وحملها بين يديه يسير بها إلى الأسفل يهمس بحزنٍ: _سامحيني يا قطوف. *** اختفى جمال خلف العمارة، يتطلع إلى مازن وهو يضع قطوف بسيارته. ثم عقد حاجبيه بتعجبٍ من عدم حضور ياسمين. تيقن أن من أجاب عليه هو هذا الشاب وليست ياسمين، فصك على أسنانه بغضبٍ ثم همس بغضبٍ: _هجيبك يا ياسمين يعني هجيبك.. حتى لو في آخر بلد هوصلك. ***

وقف أمام العيادة يشعر بتوترٍ لم يعهده. أخذ نفسًا عميقًا ثم صعد إلى الأعلى بخطواتٍ حملت ربكته. وصل أخيرًا للطابق ثم جلس مكان يفكر بردة فعلها عندما تعلم بوجوده. ظل جالسًا حتى انتهت من جميع الحالات، ثم أخبر السكرتيرة برغبته في الدخول دون علمها. وبالفعل ساعدته بالدلوف فهي تعلم أن ياسين كان خطيب مريم. وقف ياسين على أعتاب الباب يردف بهدوءٍ: _عاملة إيه يا مريم.

توقفت يدها على تدوين ملاحظات وعمل خطة علاج لبعض العملاء. لم ترغب برفع بصرها، تشعر بانسحاب أنفسها شيئًا فشيء. في حين أكمل ياسين حديثه بحزنٍ: _مش عايزة تردي ليه؟! أغمضت عينيها تحاول كبح دموعها بألمٍ تتذكر ما حدث بيوم خطبتها، لتردف بنبرة مهزوزة: _الحمدلله. استرسل ياسين حديثه بحزنٍ: _لسه شايفة إني غلطان! ازدردت لعابها، ثم قالت دون النظر له تكمل ما تكتبه: _غلطك أو لأ في النهاية النتيجة واحدة يا ياسين وأنا ادمرت.

_لا النتيجة مش واحدة وأنتِ عارفة كويس أن اللي حصل مش بايدي.. لأن لو بايدي مش هتقدري تتكلمي معايا حتى. قالها بانفعالٍ من حديثها، في حين تسربت الدموع من عينيها تتمتم بصوتٍ مختنق من الدموع: _وفي النهاية إيه.. أنا ببص على النهاية يا ياسين في النهاية أنا اللي ادمرت.. واللي عملته فيا عمري ما هقدر أنساه. قبض على يديه بغضبٍ، يشعر بانفلات أعصابه، يردف من بين أسنانه:

_مريم النهاية كانت احنا الاتنين مش أنتِ لوحدك.. مش أنتِ الضحية الوحيدة.. فبلاش تشوفي إنك ضحية وأني أنا الجاني. صمتت ولم تجب، في حين استدار ياسين يردف بنبرة ساخرة: _محتاجة تذكري من تاني يا دكتورة شكلك عدتي بملحقين زي صحبتك. رفعت مريم رأسها بصدمةٍ من حديثه، في حين غادر ياسين يوليها ظهره دون أن يدع لها فرصة لكي تتحدث. ***

بقي ينتظر بالخارج بعدما دلفوا بها إلى غرفة العمليات، يشعر بقلقٍ عليها، ملامحها الباهتة التي رآها من أثر نزيفٍ حاد. خرج الطبيب من الغرفة بملامحٍ متهجمة، يتطلع له بأعينٍ مشتعلة بالغضب، يتمتم بنبرة متعصبة: _مين اللي عمل فيها كده! دا مختل عقليًا اللي عمل فيها كده! نظر له مازن بقلقٍ من ملامحه، يردد بخوفٍ: _هي كويسة؟! زفر بغضبٍ يجيبه: _حاليًا حالتها لسه!

النزيف كان كبير عندها أوي وحد فضل يشرح في دراعتها لحد ما اتشوهوا تمامًا ومحتاجين عمليات تجميل عشان ترجع بشكل جزئي وهيفضل أثر كبير في دراعها.. دا غير حالتها النفسية المدمرة تمامًا. شعر بصدمةٍ تُلقى عليه كصخور حادة، في حين أشفق الطبيب على حالة مازن، وتمتم بهدوءٍ: _هي حاليًا في العناية وبإذن الله بكرة هننقلها أوضة عادية لو لقينا استقرار.. عن إذنك.

تركه الطبيب يكمل باقي عمله، في حين جلس مازن بإهمال على المقعد، لا يفكر سوى بمن فعل بها كل هذا! اخرج مازن هاتفه سريعًا كي يتصل بياسين، وما أن أجاب فأسرع يتمتم بجدية: _ياسين لما تروح قول أن أنا وقطوف خرجنا سوا عشان نحل أمورنا.. واحتمال نتأخر. قطب ياسين جبينه بدهشةٍ، ثم قال بحيرة: _هو أنتم خرجتوا؟! _قطوف في المستشفى عملت حادثة وأنا معاها بس مش عايز حد يعرف دلوقتي لحد ما تقوم بالسلامة وأعرف سبب الحادثة...

وابعت حد ياخد خالي محمد. أجابه بنبرةٍ مختنقة، في حين تمتم ياسين بصدمةٍ علت كلماته: _نعم! حادثة ومستشفى إيه! أغمض مازن عينيه يعيد رأسه إلى الخلف، متمتمًا بتعب: _ياسين.. مش وقته دلوقتي لما أفوق كده وقطوف تخرج من العناية نبقى نتكلم لأني هحتاجك معايا. _خلاص ماشي. قالها ياسين بإيجاز بعدما أدرك حالة مازن، في حين أغلق مازن ينتظر مرور تلك الساعات بصعوبة كي يرى حبيبته! ***

مرت تلك الساعات بصعوبة على مازن لم تخلو من اتصالات ياسين المتكررة كي يطمئن عليه. انتقلت قطوف في غرفة عادية، موضوعة على فراش نائمة بتعبٍ ظاهر، يديها الملفوفتان بأكملهما. تقدم منها بقلبٍ منفطر، لم يتحمل ملامحها هكذا، انحنى بجزعه العلوي يقبل جبينها بحزنٍ يهمس بنبرة تحمل الغضب: _كل صرخة طلعت منك هطلعها من اللي عمل فيكي كده أضعاف.. بس تقومي بالسلامة.

جلس جوارها يمسح على خصلات شعرها بحنوٍ، حتى بدأت تحرك جفونها بأنين صادر منها متألم. وضع مازن يده على وجنتها كي تسند وجهها عليه يهمس بتلهف: _سمعاني يا قطوف. فتحت عينيها ببطءٍ، ثم نظرت حولها بخوفٍ شديد، أصبح هذا العالم هو كابوس مرعب لها. شعرت بيديه الدافئة على وجهها، لتنظر نحوه ثم بدأت تذرف الدموع بألمٍ، قائلة: _مازن.. متسبنيش.. أنا خايفة أوي!!

تمنى لو وقع من فعل بها هذا أن يقع بين يديها. مسح على وجهها يزيل دموعها التي لا تزال تهبط بغزارة، يجاوبها بحنوٍ: _عمري ما هسيبك أبدًا.. أنا موجود يا قطوف. أغمضت عينيها تتذكر ما فعله جمال بها، تزداد شهقاتها شيئًا فشيء، حتى تفاجأت بنسمة هواء تأتي نحوها. فتحت عينيها لتجد مازن ينفخ بوجهها في رفقٍ وما أن فتحت عينيها حتى قال هامسًا جوار أذنها: _انسي اللي حصل يا قطوف.. أنا من هنا ورايح موجود.

نظرت لعينيه الدافئ، تتأملهما عن كسب، في حين علق نظراته بها حتى قال بهمسٍ: _وحشوني جمال عيونك. زحفت بسمةً صغيرة إلى شفتيها، في حين استرسل مازن مغازلًا إياها: _لو كنت عايش زمان فدا كدب.. أنا دلوقتي عايش جوا عيونك. ارتسمت بسمة صغيرة على شفتيها تزداد كلما بقت نظراتها معلقة به. همست قطوف بنبرةٍ تحمل قليل من الخجل:

_اوعى تسبني تاني يا مازن.. أنا تعبت من فراقك.. أنا لأول مرة هقولك إني ضعيفة دلوقتي أوي وأنت اللي هتقويني.. اوعى تستغل ضعفي دا في إنك تكسرني. اقترب من وجهها حتى تعلقت بنظراته أكثر، يجيبها بذات الهمس: _فراقك دا موت بنسبة ليا.. أنتِ زي نسمة اللي بتيجي فترجعني أعيش.. أوعي أنتِ تسبيني يا قطوف أنا حياتي كانت خراب قبل وجودك. زحفت بسمة صغيرة تتمتم بهمسٍ: _ودلوقتي؟! اجابه ببسمة صغيرة حنونة عاشقة، يمسح على وجهها بحنوٍ:

_دلوقتي بقت بستان مليان ورد بوجودك.. ثم استرسل بصوتٍ عاشق: وبقت أحلى وأحلى بعيونك اللي هيودوا اللي جابوني ورا الشمس. علت ضحكة قطوف من حديثه، في حين شعر مازن ببعض الراحة من ضحكتها الهادئة التي رآها. عاد يجلس إلى مقعده يردف بحنانٍ: _هجيب الدكتور يشوف إيدك! اختفت بسمتها سريعًا، وظهر طيف جمال بخيلها، في حين شعر مازن بها، فأسرع متمتمًا بحنوٍ: _احكي اللي حصل يا قطوف خليكي ترتاحي! تسارعت وتيرة انفاسها، تردف بنبرة متألمة:

_حد من الأمن قالي إن في حد مستنيني تحت نزلت معاه ملقتش حد وقالي إنه في المستشفى من ورا، خوفت وقررت أرجع بس حط منديل على وشي لحد ما أغمى عليا ووقتها صحيت لقيتني مربوطة بكرسي إيدي ورجلي وطلب مني أتكلم فمرضتش أتكلم وهو اتعصب ومسك السكينة و.. قطعت حديثها تشهق بألمٍ، في حين مسح على شعرها يقبل جبينها بحنوٍ مرددًا: _خلاص عدى كله عدى. هدأت قطوف قليلًا، في حين تحرك مازن نحو الخارج ولكن أوقفه صوت قطوف مرتعد:

_أنت هتسبني لوحدي.. لا متسبنيش. اغرورقت عينيها بالدموع، في حين استدار مازن يقطب جبينها بدهشة من ردة فعلها، تقدم نحوها سريعًا ما أن رأها تصرخ من ألم يديها اللتان حاولتا الاستناد عليهما كي تنهض نحوه: _بتعملي إيه يا قطوف؟! قالها مازن بقلقٍ، يحملها برفقٍ كي تسند ظهرها على السرير، اجابته قطوف وهي تتشبث بيديه حتى عادت تنزف من جديد: _متسبنيش لوحدي.. مش هقدر أقعد لوحدي تاني.

شعر بتأزم الموقف، لم يرى قطوف بهذا الضعف من قبل. نظر لها بحنانٍ، محاولًا نزع يديها برفقٍ عن ذراعه، مرددًا: _مش هسيبك أنا بس هنادي الدكتور عشان نروح سوا ومسبكيش خالص. حركت رأسها بنفيٍ، تردف بنبرة مرتجفة: _لاء هيكسروني لو سبتني. لم يفهم سر حديثها وظن أنها بنوبة فزع. لم يعلم بأن والدته وراء تلك الحالة السيئة التي وقعت بها قطوف. جلس جوارها على الفراش يضع رأسها على صدره قائلًا بنبرة حنونة: _أنا جنبك أهوه.. متخفيش من حاجة.

أغمضت قطوف عينيها ببعض الراحة، تستكن داخله، في حين مسح مازن على شعرها برفقٍ، ظل جوارها حتى غفت مكانها، تأمل يدها التي عادت تنزف، وشعر بألمٍ مما فعله بها. الآن أيقن أن دلوفه بحياتها سيدمرها أكثر. أبعدها عنه برفقٍ ثم انطلق كي يتحدث مع الطبيب في حالتها وأتت إحدى الممرضات كي تغير ضمادتها ثم عاد مازن لها من جديد يحملها إلى السيارة بعدما منحه الطبيب موافقة بخروجها، وبالفعل غادر بها إلى شقته الخاصة. ***

وقف زين جوار ابنته يخيرها بين لونين من الحقائب، يردد بجدية: _عايزة إنهي يا ورد.. البمبى ولا الموڤ؟! يعلم أن ابنته ستختار اللون الوردي ولكن تفاجأ بها. تردد بخوفٍ: _مش عارفة. قطب جبينه بتعجبٍ ثم ترك الحقائب، يهبط لمستوى ابنته قائلًا بدهشة: _أنتِ مش بتحبي اللون البمبى؟! حركت رأسها بإيجابية، تردف بكلماتٍ لا تعلم أنها ستغير حياة بأكملها:

_بحبه.. بس بشوف ماما ياسمين خايفة من اختيار أي حاجة.. ولما سألتها لقيته بتقولي إنها علطول مش بتثق في أي حاجة وان عمو مازن وعمتو قطوف اللي كانوا أوقات يبقوا شجعان وأوقات يبقوا خايفين من كل حاجة. ضيق زين عينيه قليلًا، وتيقن من وجود خطبٍ ما بياسمين، ولكنه أسرع بالحديث مرددًا ببسمةٍ حنونة:

_بصي يا حبيبتي ماما ياسمين اللي بتعملوه غلط وأنا هقولها الصح إيه عشان تعمله.. بس بعد كده اختاري اللي بتحبيه وخليكي واثقة من نفسك أوعى تهزي ثقتك لأي سبب. حركت ورد رأسها بإيجابية، تردد بسعادة: _حاضر يا بابا. ابتسم برضا ثم قال وهو يمسك الحقائب مجددًا: _بمبى ولا موڤ؟! اختطفت ورد الحقيبة بلون الوردي وانطلقت تركض بسعادة، في حين تنهد زين قليلًا ثم قرر الحديث مع ياسين لحل تلك المشكلة. *** _خلاص ارفعي وشك وصلنا الشقة.

قالها بضحكٍ على وجهها المدفون بصدره، في حين أبعدت قطوف وجهها تردد بخجلٍ ممزوج بغيظ: _نزلني بقى... مش كفاية خليت أهل العمارة كلها يشوفوني كده. رفع حاجبه بمكرٍ، ثم قال بهمسٍ: _شافوكي إزاي.. واحد شايل مراته عشان تعبانة. اشاحت بوجهها بعيدًا في خجلٍ، في حين وضعها مازن برفقٍ على الأرض ثم فتح الباب ودلف بها إلى الشقة. نظرت للشقة ببعض الذهول ثم قالت بحيرة: _هي دي لسه مأجرها؟! حرك رأسه نافيًا يجيب:

_لاء دي شقتي.. اشتريتها لما عملت ليا شغل خاص بعيد عن شغل خالي كل لما أتخنق أروح أقعد فيها.. محدش يعرف مكانها غيرك حاليًا. ابتسمت قطوف بسعادة، تتأمل شكل تلك الشقة بإعجاب، في حين وضع مازن حقائق الطعام التي أحضرها بطريقه على الطاولة، يعدها كي يتناولا، وبالفعل انتهى سريعًا من إعدادها ليردد بهدوءٍ: _تعالي يلا يا قطوف عشان نتغدى. تقدمت قطوف إلى الطاولة تجلس على مقعد الموجود جوار مازن، بدأ مازن بتقطيع الدجاج واطعام قطوف

واحدة تلو الأخرى حتى رددت: _كفاية يا مازن أنت بتأكلني أنا وأنت مكلتش. ابتسم بحنوٍ يجيبها بحب واضعًا باقي الطعام جانبًا: _مين قال كده أنا شبعت من ساعة ما ملكتي قلبي. لم تستطع الرد، بل تلون وجهها بخجلٍ، في حين استرسل مازن حديثه قائلًا بعشقٍ: _أنا شبعت عن كل حاجة إلا أنتِ.. أنتِ الوحيدة اللي مقدرتش أشبع منها. تسارعت وتيرة انفاسها بشدة، تهمس بنبرة متوترة: _هو.. هو أنت ردتني؟! نظر لها قليلًا ثم قال بهدوءٍ: _بتسألي ليه؟!

رمقته بنظرةٍ غاضبة تشعر بغيظٍ من طريقته تسرع بالحديث قائلة: _نعم إيه اللي بسأل ليه! أنا من حقي أعرف أنت ردتني ولا لاء! نهض مازن يحمل الأكياس بين يديه يجيب بهدوئها الغريب: _أنتِ لسه في العدة يعني ممكن بأي لحظة أردك عادي! _هو أنا لعبة في إيدك.. إيه اللي في أي لحظة ممكن أردك.. أنت ردتني ولا لاء يا مازن! قالتها قطوف بنبرة مشتعلة، في حين استدار مازن لها يرد بسؤالٍ آخر: _وأنتِ عرفتي امتى أني مريض سكر؟!

صُدمت من حديثه، في حين استرسل مازن حديثه بسخطٍ: _فكرتني عبيط لما وزعتي الكوبيات علينا كلنا وأنا الوحيد اللي خدت عصير مفهوش سكر.. وكمان في البلد لاحظت إنك بتعملي أكل خاص بيا عشان أكل التاني مش مناسب لمريض سكر. ابتلعت لعابها بصعوبة، تردد بتوترٍ: _أنت بتهرب من السؤال! _زي ما أنتِ هربتي دلوقتي! قالها ببرودٍ شديد، في حين رددت قطوف بعصبية:

_أنا مهربتش.. ثم بتقارن إيه بإيه أنا مش فاهمة.. دي حياتي اللي أنت مش عايز تتكلم فيها.. إنما سكر اللي بتتكلم فيه دا مش هيحدد مصير حياة. ابتسم مازن بألمٍ، يردد بنبرة متألمة: _لا هيحدد إذا كان حبك دا شفقة ولا حبك كان من قلبك! _وهو لو شفقة إيه اللي هيخليني أزعل لما تطلقني وتوجعني بالشكل دا.. إيه اللي يخليني كل يوم بتمنى لحظة واحدة نرجع لبعض فيها.. مازن ارجوك متهربش من سؤالي ورد عليا.

قالتها قطوف بصوتٍ متعب، في حين لاحظ مازن إجهادها فأسرع بالحديث قائلًا: _طب ريحي النهاردة وبكرة نتكلم. نظرت له بإرهاق شديد، هي بالفعل ترغب بالراحة، تمتمت بنبرةٍ أهلكها التعب: _طب ريح قلبي وقولي أنت ردتني صح! ولا ممكن تسبني تاني! نظر لها ثم تقدم منها يحملها برفقٍ، يردد بحنوٍ كي يتنام: _أنا قولتلك إني مش ممكن أسيبك يا قطوف.. نامي وبكرة نتكلم ماشي.

لم يكمل حديثه بل غطت بسباتٍ عميق بعد مفعول هذا الدواء الذي تناولته منذ وقت، في حين تأملها مازن ثم قال بحزنٍ: _بتمنى تسامحيني على الخطوة دي. *** وضعت هاتفها على أذنها تنتظر الجهة الأخرى كي تتحدث وبالفعل ردت الجهة الأخرى لتردد بنبرة خبيثة: _نفذ وأمشي في الإجراءات عايزة بكرة أو بعده بكتير ألقيه في السجن.

أغلقت الهاتف تبتسم بسعادة شديدة، تنتظر تلك اللحظة في القدوم، ولكن رغبة بوضع القليل من رحيقها المسموم، فأسرعت بإرسال رسالة له. *** امسك مازن هاتفه يتطلع للرسالة التي أتته، فما كان مجملها سوى.. ( لو فاكر أن طليقتك هتحبك يبقى غلطان.. هيفضل في بينكم حاجز.. وهتنتقم منك بأي شكل عشان خاطر تكسرها كده.. افتكر شخصيتها زمان عمرها ما قبلت تتكسر هتيجي دلوقتي وتقع.)

وضع الهاتف جانبًا ينفخ بحنقٍ من والدته التي دائمًا تحاول أن تزرع الشك بداخله. *** تحدث مازن إلى ياسين واخبره بأنه سيبقى مع قطوف يومين آخران، كي لا يقلق أحد، ثم بدأ بإعداد مفاجأة لهما وبالفعل أعد مفاجأتهما. *** _يا مازن افتح الباب بقى!

قالتها قطوف بضجرٍ بعدما أغلق عليها باب الغرفة، تشعر بغيظٍ منه، في حين ضحك مازن بخفة وهو يضع هذا البوكيه من الورد على الطاولة والى جواره هدية صغيرة، مع وجود بعض الشموع وبتلات الورد المنثورة حولهما وطعام العشاء الخاص بهما. تقدم من الباب وفتحه فجأة لتظهر قطوف بملامحها الغضب التي اختفت فجأة وهي ترى هذا المشهد الجذاب للعين والقلب. تأملت المكان بذهولٍ، في حين ردد مازن بحبٍ: _اتأخرت عشان أجهز الترابيزة.

استدارت نحوه تبتسم بسعادة، تشع عينيها ببهجة اختفت الأيام السابقة. تردد بحبٍ: _أنا بحبك أوي يا مازن أوي. ابتسم بحبٍ ثم تقدم منها يمسك بتلك العلبة الصغيرة، يفتحها ويخرج منها خاتم نظر لها يردد بحبٍ: _اشتريته عشان يبقى الشيء اللي بيربطنا سوا واعلان للكل أننا لبعض. وضع الخاتم برفقٍ بعيد عن الضمادة، في حين ابتسمت قطوف بسعادة من تفكيره بتلك الفكرة البسيطة التي تمنت تحقيقها. جلس بها على الطاولة، ثم قال بحبٍ:

_خلينا النهاردة نقضيها سوا وننسى أي حاجة حصلت. حركت رأسها بإيجابية، وبالفعل جلسوا سويًا يتناولان طعام العشاء وسط مساعدة مازن لها، وحديثهما الذي لم ينتهي سوا بغفو قطوف من أثر الدواء الذي تناولته. *** _مازن ألحق الأسهم بتاعت شغلك كلها وقعت وفي خسائر كبيرة حصلت بسبب وقعوا الأسهم دي. قالها محمود بقلقٍ مما يحدث، في حين انتفض مازن من الفراش يردد بصدمة: _أنت بتقول إيه! ازاي دا حصل! اجابه محمود بتوترٍ:

_الأحسن تيجي عشان تشوف بنفسك. أغلق مازن سريعًا ينطلق نحو خزانة الملابس يرتدي ملابسه على عجلة، يحمد ربه أن مفعول الدواء لم يوقظ قطوف حتى الآن. انطلق نحو المعرض الخاص بخاله كي يرى المشكلة وما هي إلا دقائق حتى وصل سريعًا، صعد إلى مكتبه بسرعةٍ وما أن رأى محمود حتى قال: _ايه اللي حصل؟! اجابه محمود بخوفٍ مما سيسمعه: _مدام قطوف نقلت كل املاكك باسمها ووقعت الأسهم بتاعتك. اتسعت عين مازن بصدمةٍ، في حين أكمل محمود بتوترٍ:

_وفي عملاء طلبوا بفلوسهم اللي سهموا بيها معاك. استمع مازن لحديثه بصدمة، يشعر بوجود خطبٍ ما، فأسرع بسؤاله قائلًا: _أنت متأكد؟!

حرك محمود رأسه بإيجابية، في حين تذكر مازن حديث والدته عما يمكن أن تفعله قطوف، هل من الممكن أن تصبح مثل والدته وستنتقم منه. نظر إلى الشاشة التي بها الأسهم الحمراء تشير للأسفل، ثم عاد بنظر إلى الطائرة الخاصة بها وتذكر ملامحها، هل يعقل أن تخونه بهذا الشكل، وضع بين يديها كل شيء والآن تستغله للانتقام. ضرب بيده في الطائر حتى تدمرت تمامًا ثم جلس مكانه يحاول إيجاد حل.. مر وقت طويل حتى انتفض محمود من مكانه يرى رجال الشرطة يأخذون مازن معه بعدما رفع بعض العملاء قضية عليه بسبب خسارة أموالهم.

*** شعرت بانزعاج من رنين الهاتف، نهضت بضيقٍ من الفراش تجهل تأخر الساعة، ظنًا أن مازن سيوقظها. مدت يديها إلى الهاتف كي تجيب ولكنها أجابت بنبرة متعصبة: _أيوة؟ _مدام قطوف البوليس جه قبض على مازن دلوقتي. انتفضت قطوف من سماع تلك الكلمات، تدرك عدم وجوده جوارها. نظرت للهاتف لتجد أن محمود هو المتصل. عادت تردد بصدمةٍ ظاهرة: _أنت بتقول إيه! مازن إيه اللي البوليس قبض عليه؟! أكد محمود حديثه مرددًا:

_للأسف دا اللي حصل وهو دلوقتي في القسم. لم تدع قطوف فرصة لأي شيء وأسرعت ترتدي ملابسها كي ترى ما الذي حدث!! *** وصلت قطوف إلى القسم ودلفت إلى الضابط تخبره برغبتها في مقابلة مازن وبالفعل بصعوبةٍ سمح لها بمقابلة مازن الذي أتى يتطلع لها بجمودٍ. رددت قطوف سريعًا في قلق: _ايه اللي حصل! وليه اخدوك بالوقت دا؟! ابتسم بسخرية قائلًا: _وأنتِ مش عارفة؟! تعجبت من طريقته ثم قالت بدهشةٍ: _هعرف منين؟ ضحك مازن على حديثها

بسخرية ثم قال بنبرة قاسية: _مفيش أصل زوجتي حرمي المصون اللي عملتلها توكيل عام بكل شيء بملكه نقلت كل أملكي ليها ووقعت أسهم الشغل بتاعي كله وخلت العملا يرفعوا قضية عليا.. لأجل بس تنتقم مني! اتسعت عين قطوف بصدمةٍ من حديث، تحرك رأسها بنفيٍ مرددة: _لا لا لا لا مش أنا أكيد في حاجة غلط يا مازن! _أنت عاملة توكيل لحد؟! قالها مازن بتوجس يتمنى أن تجيبه بنعم وتزيل شكوكه بها، في حين اجابة قطوف بصوتٍ محشرجٍ: _لاء.

أغمض عينيه بألمٍ، ثم علق على اجابتها بتهكم: _لاء!!! .. تقدري تقوليلي مين غيرك نقل أملاكي كلها ليكي ووقع أسهم شركتي! مين غيرك قدر يعمل كده بتوكيل مني لواحدة كنت فاهم إنها مراتي بس طلعت غدارة وحبة تنتقم مني بسبب طلاقنا... أنا معملتش توكيل لمحامي واشتغلت أنا على الأوراق بنفسي وفي النهاية أنتِ تعملي فيا كده وتدمري حياتي كلها. صرخت به بقوةٍ مرددة: _مش أنا مــــــش أنا. هدر مازن بعصبية:

_مفيش غيرك عمل كده.. أنتِ معندكيش تفسير للي حصل غير إنك الوحيدة اللي عملتي كده... أنا مش فاهم لما أنتِ عايزة تنتقمي مني كده مثلتي الحب ليه من الأول! نهض من مكانه دون النظر لها، يريد الخروج من غرفة الضابط كي يعود للقضبان مجددًا، يقنع عقله بأنها لم تحبه أبدًا وأن ما فعلته انتقام لزواجهما القاسر. اوقفته قطوف تتطلع له بأعينٍ ملأتها الدموع تردد بصوتٍ مختنق: _متظلمنيش أنا معملتش حاجة ولا كنت أعرف أصلًا.

لم يستدير بل قال بصوتٍ يحمل الجمود: _زمان كسرت طيارة أبويا عشان سبني ومشي... والنهاردة كسرت طيارتك عشان غدرتي بيا... أنا مش عايزك ولا عايز أشوفك. _أنت كده بتخسرني! قالتها بقلبٍ مكلوم، تشعر بألمٍ حاد يغزو قلبها، عينيها تذرفان الدموع دون توقف، في حين استدار لها مازن ينظر لعينيها بجمودٍ لا يزال ثابتًا لديه، يتمتم بقسوة: _وأنتِ تستاهلي الخسارة يا قطوف!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...