الفصل 26 | من 34 فصل

رواية فطنة القلب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سلمى خالد

المشاهدات
16
كلمة
4,310
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

زحف ألم صغير إلى رقبتها، فأزعج منامها. فتحت عينيها ببطءٍ من هذا الضوء المسلط على بصرها، تنظر حولها بتعجبٍ. ثم انتفضت فجأة وهي ترى نفسها بالمشفى. نظرت حولها لتجد الممرضة مكانها تجلس ولا يوجد أحد. تقدمت منها تسألها ببعض الصدمة: _هو أنا نمت؟ نظرت لها الممرضة بتعجب، ثم أجابتها: _نمتي من نص ساعة كده أو ساعة مش فاكرة، وباباكي جوا بيكمل العلاج والأشعة بتاعته.

حركت قطوف رأسها بإيجابية، ولكن تشعر بوجود خطبًا ما. هي تتذكر أنها ما أن غادرت كان هناك أحد خلفها ووضع المنديل على أنفها. ولكن هي الآن بالمشفى مع والدها. هل كانت تحلم بهذا؟ انتهى والدها من الفحوصات، وعادت قطوف إلى الطبيب مجددًا تتسأل عن حالته، ليجيبها بهدوءٍ:

_هو بشكل مبدئي في مادة دخلت لجسم الأستاذ محمد سببت الشلل في جسمه كله ما عدا رجليه، لأن رجليه من أثر السكر. بس التحاليل هتطلع ونتأكد بنسبة 100% أنه فعلًا شلل السكر موصلش للإيدين.. ونعرف نوع المادة اللي سببت الشلل ونبدأ علاج معاه، وبإذن الله هيرجع زي أحسن. علت الصدمة وجه قطوف، تتطلع نحو والدها الذي يتمنى التحدث ليخبرهم بالحقيقة. نهضت قطوف تسير بوالدها إلى الخارج، مرددة بهدوءٍ: _شكرًا يا دكتور.

سارت مع والدها لخارج المشفى، تشعر بتلقي صدمات كثيرة. تنهدت باختناق وهي تحرك المقعد تسير به بالشارع. ترددت باختناق: _مخنوقة أوي يا بابا وعايزة أحكي معاك. اهتز جسد محمد على المقعد دليلًا على موافقته. لتتوقف قطوف عن الحركة، تجلس على مقعد قريب من المشفى، وإلى جوارها والدها. ترددت بحيرة تضرب رأسها:

_أنا حلمت أو حصل معايا مش عارفة، أن بعد ما خرجت من عندك في واحد كتم نفسي بمنديل وأغمى عليا، بس مش عارفة هل أن فعلًا حصل كده ولا لأ.. أنا صحيت لقيتني نايمة على الكرسي عادي والممرضة قاعدة وسألتها قالتلي إني غفلت مكاني. نظر لها محمد بتعجبٍ، في حين وضعت قطوف رأسها بين راحتي يدها تتمتم باختناق أشد: _ودلوقتي الدكتور بيقول أن في حد حقن جسمك بمادة سببت الشلل الكلي دا! نفسي أعرف مين عمل فيك كده عشان آكله بسناني.

تحرك جسد محمد بتشنجات شديدة، أثارت خوف قطوف لتسرع بتهدأته بمسح على وجهه ويديه قائلة: _اهدى يا بابا أنا آسفة.. اهدى خلاص أنت معانا دلوقتي ووسطنا ودي أهم حاجة. هدأت تشنجاته شيئًا فشيئًا، في حين شعرت قطوف بمدى معاناة والدها بتلك الفترة التي ابتعد عنهم بها. وقررت العودة إلى المنزل، ولكن لا يزال عقلها مشغول بما حلمت به! وصل مازن إلى معرض السيارات، وصعد سريعًا إلى مكتبه ليجد محمود بانتظاره، يردد بأسف:

_للأسف العميل متحملش الانتظار ومشي يا أستاذ مازن. نظر مازن بغضب، يردد بصوتٍ حانق: _هو مش قادر يصبر.. العربية عطلت بيا في الشارع واضطريت آجي بالتاكسي. شعر محمود بالأسف عليه، ليردف محاولًا امتصاص غضبه: _اهدى يا أستاذ مازن.. حضرتك عارف العملا بتوعنا بيبقى في منهم اللي واخد في وشه وعايز يمشي. _استغفر الله العظيم.. اطلبلي قهوة يا محمود خلي دماغ الواحد تروق.

قالها مازن باقتضاب وهو يدلف لمكتبه، في حين طلب محمود القهوة ثم دلف إلى المكتب ليجد مازن يتطلع للهاتف بأعينٍ يملأها الحزن. ردد ببسمة: _طب ردها وارجعوا لبعض مادام بتحبوا بعض كده! لم يرفع مازن بصره عن الصورة، بل أجابه وهو يكبر الصورة عليها: _لو في إيدي أرجع كل حاجة زي ما كانت كنت عملتها يا محمود.. بس للأسف نصيبنا نعدي بالمحنة دي.. يا أما نخرج منها سوا يا أما كل واحد لوحده. شعر محمود بمدى معاناته، ليردف بحزنٍ:

_هي والدتك السبب! نظر له مازن مضيقًا عينيه، في حين برر محمود سريعًا: _أنا عارف إنها مش بتحب قطوف وعشان كده.. _مدام قطوف يا محمود. قاطعه مازن بنبرة تحمل الغيرة، في حين كبح محمود بسمته يردف بهدوءٍ: _مدام قطوف. نظر مازن للهاتف مجددًا، يجيب بغصة:

_آه هي السبب في كل حياتي اللي اتدمرت.. بتستغل إني مش هقدر آذيها.. وفي نفس الوقت مش قادر أقول لقطوف عشان عارف رد فعلها وإن أنا لو مخدتش رد فعل ناحية ميرفت هانم هي هتزعل.. أنا زي بالظبط اللي اتخبط على دماغه وبياخد قرارات غلط في وقت غلط. أتى العامل بالقهوة ووضعها على المكتب، وما أن غادر حتى قال محمود: _متقلقش يا أستاذ مازن، كله هيعدي صدقني وحياتكم هترجع أحسن من الأول.

طرقت باب الغرفة تنتظر أن يخرج ابنها، وبعد دقائق وجدته يخرج يتطلع لها بقلقٍ من ملامحها الغريبة، متمتمًا: _في إيه يا أمي! أنتِ كويسة؟! حركت رأسها بإيجابية، تجيبه بأعين تغرقها الدموع: _عشان خاطري يا زين ادخل لياسين، دا بقاله كام يوم مش بيشوف الشمس ولا حتى عايز ياكل.. روح قوله كلمتين يبردوا ناره.

تأملها زين قليلًا وشعر بالذنب من تقصيره نحو شقيقه. حرك رأسه يغلق الباب خلفه ثم انطلق نحو غرفة نومهم التي يجتمعون بها. طرق الباب ولم يجد جواب كما توقع، لذا نظر لوالدته ثم قال: _اللي هقول عليه حاولي تتماشي معايا فيه، وكمان ملك هاتيها وياسمين وورد وخليهم يجاروني في الكلام، فاهمني.

أومأت زينة بإيجابية متلهفة، في حين دلف زين إلى غرفة ياسين، فكانت مظلمة بشدة. يجلس على الفراش بيأسٍ لم يراه من قبل به. سار نحو النافذة كي يفتحها ثم أشعل الضوء ونظر لشقيقه الذي لم يتحرك حتى، ليردف ببسمةٍ صغيرة: _بقالك كام يوم مش بتسأل، قولت آجي أنا وأشوف حرامي الفراخ بتاعنا عامل إيه! ابتسم ياسين بحزنٍ ثم قال: _الحمدلله.

تنهد زين من رد ياسين وعلم أنه بمرحلة الكآبة ولا بد من اللاحق به كي لا يصل إلى الاكتئاب. نظر له بجدية ثم قال بصوتٍ مشجع: _ياسين اللي أنت فيه هيعدي.. وهتتجوز اللي بتحبها متقلقش. نظر له بأعين تتألم، يردف بصوتٍ مختنق: _هتتجوزني وهي ندمانة أنها عرفتني. ربت زين على كتفه يردف بحنوٍ:

_يا ياسين قدر موقفها.. دي كانت بتحلم باليوم أوي وفجأة كل أحلامها اتدمرت.. هو مش بإيدك بس هي كمان مش بإيدها، فلزمًا نديها وقتها عشان تقدر ترجعها. نظر له بيأسٍ، يشعر بأن ما يقوله شقيقه مستحيل، ليردف بيأس: _وافرض قفلت الصفحة بتاعتي وقررت تبدأ حياتي بعيد عني أرجعها إزاي؟! ابتسم زين قليلًا ثم قال برضا عما يفكر به: _لو بتحبك بجد صدقني صعب تحط نفسها مع حد غيرك.. وأنا بقولك أهو مريم مش الشخصية اللي تحط نفسها في حاجة تضيعها.

أمسك زين كفه يردف بتشجيع: _تعالى. أخذه زين إلى خارج الغرفة يهبطان إلى الردهة، فوجد ياسمين وملك وزينة يتحدثان معًا. تمتم زين بكلماتٍ كانت نسمة هواء عليلة تحضن قلبه بحب: _كلهم قاعدين ومسافروش ورجعوا البلد عشان مستنين رجوعك لمريم وتتجوزوا.. كلنا عارفين إنك مش هتستسلم وتضيع حياة جديدة من إيدك بسبب لحظة واحدة صعبة هتعدي.. نظر زين إلى والدته التي تمتمت بحبٍ له: _يا حبيبي لو نصيبك فيها هتاخدها، اسعى بس وأحنا كلنا في ضهرك.

تدخلت ملك تأكد حديثها بقول: _ومش هنسيبك وهنساعدك عشان كمان ترجع علاقتكم أحسن من الأول. أكدت ياسمين حديثهم متمتمة: _متقلقش يا ياسين، أنا عارفة مريم على قد كده هي قلبها أبيض وهتنسى، بس اتمسك بيها وأوعى تسيبها.. كل ما هتحسسها إنك فعلًا عايزها ومش هتستلم، كل ما هتخليها ترجعلك، هي مسألة وقت. شعر ياسين بقوة دعمهم، وأن جميعهم يريدون هذا الزيج. ركضت ورد نحو ياسين تردف وهي ترفع رأسها لفرق الطول:

_عمو أنا هقول لطنط مريم أنت بتحبها قد إيه واخليها تيجي تطلب إيدك. ضحك ياسين بشدة على حديثها، ثم انحنى يحملها بحبٍ مقبلًا إياها، ثم قال: _هتخليها تطلب إيدي إزاي يا وردتي. نظرت له الصغيرة بتفكير ثم قالت: _هقولها إنك بتحبها كتير قد البحر كله وإنك بتعيط وعايز تيجي تتجوزك. علق ياسين بضحك انخرط مع ضحك الجميع عليها: _كده هتفضحي عمك يا حبيبتي مش هتجوزيه. ابتسمت الصغيرة بعدم فهم، في حين نظر لهم ياسين بامتنان يردف بصوتٍ

عاد له الدفء: _ربنا ما يحرمني منكم أبدًا. وصلت قطوف إلى المنزل وأدخلت والدها إلى غرفته كي ينام من إرهاق هذا الطريق. في حين كادت قطوف أن تصعد إلى غرفتها ولكن وجدت الباب يدق. تنهدت بتعبٍ ثم سارت إلى الباب حتى فتحته لتجد أحد يمسك بحقيبة مرددًا: _الأوردر دا حضرتك طلبتيه من 3 أسابيع وحسابه مدفوع، اتفضلي.

قطبت قطوف جبينها بتعجب وأمسكت بالحقيبة ثم أغلقت الباب وسارت إلى غرفتها تنظر ما موجود بالحقيبة حتى تذكرت هذا الألبوم الذي صنعته لتوثق تلك اللحظات السعيدة مع مازن به. ابتسمت بألمٍ ثم نظرت له ولتلك الكلمات التي كتبتها. شعرت بأنين يرتفع صوته بداخلها. جلست على الفراش تتطلع لما بداخل الألبوم ببسمة تحولت لاشتياق، تتأمل ملامح مازن بقلبٍ مكلوم من الألم. أغلقت الألبوم ووضعته بالحقيبة مجددًا تتطلع للسماء واضعة

يدها على صدرها قائلة: _يارب ريح قلبي من التعب اللي هو فيه. قررت أن تهبط إلى الحديقة كي تداعب زهورها، وبالفعل هبطت من الغرفة تسير نحو الحديقة. أوقفتها ملك مرددة: _أنتِ خارجة تاني يا قطوف؟ استدارت قطوف تجيبها ببسمة باهته وهي تراها تتحدث مع شقيقتها وزينة: _لا مش خارجة، أنا بس هشوف الورد بتاعي. حركت ملك رأسها بإيجابية، في حين غادرت قطوف نحو الحديقة تتطلع إلى زهورها بحزنٍ، حتى أتاها صوت تبغضه:

_دا كان أكتر مشهد نفسي أشوفه... إنك تكوني مكسورة. استدارت قطوف تنظر إلى ميرفت التي تبتسم بتشفي، ثم قالت بغيظٍ: _أنا محدش كسرني. ضحكت ميرفت بصوتٍ جعل ثقة قطوف تهتز. نهضت ميرفت تقترب منها ثم قالت وهي تقرب أذنها لقلبها: _بجد أمال صوت الكسر والوجع دا بسمعه من قلبك ليه؟! لأول مرة تصمت قطوف بألمٍ حقيقي أمام ميرفت، في حين أكملت ميرفت وهي ترفع يدها تدفع قطوف إلى الخلف بخفة قائلة بنبرة قاسية لا تحمل معنى الرحمة:

_أحلى حاجة مازن عملها فيكي أنه كسرك وبقيتي ضعيفة.. بس أقولك على حاجة هو كسرك أحلى كسرة عارفة ليه عشان استنى لما اتعلقتي بيه وبقى أهم حد في حياتك وبعدها رماكي على طول.. بس يا ترى بقى كنت نزوة في حياته ورماكي زي ما رمى بنات كتير في حياته... أنا بقول كان بيجرب نوع جديد في حياته..

امتلت عين قطوف بدموع، أصبحت غير قادرة على الرد. نعم تشعر بجرحها الذي لم يبرأ، روحها التي تحترق من الألم، ولكن لم يضغط أحدهم عليها بهذا الحديث من قبل. ابتسمت ميرفت وهي ترى دموعها تهبط ثم مدت أناملها لتسقط أحد دموعها على إبهامها. أغمضت عينيها بتلذذ قائلة: _دي أحلى حاجة شوفتها.. دموع.. لأ ومش أي دموع دي دموع كسرة قلبك.. ياااه كنت بحلم أكسر مناخيرك دي وحققت أمنيتي و... صرخت قطوف بها واضعة يدها على أذنها قائلة:

_بس كفاية.. ارحميني بقى من كلامك. ابتسمت ميرفت بتشفي ثم مدت ذراعيها تدفع قطوف حتى سقطت أرضًا تتأوه بشدة وسط بكاؤها. هي في أكثر لحظات هشاشة، والآن انتصرت عليها. أردفت بنبرة منتقمة: _بس إيه.. مش عايزة تسمعي حقيقة إنك مطلقة.. إن حبيبك رماكي وسابك.. إنه طلقك بأهم وقت بحياتك... مش عايزة تتأكدي من حقيقة إنك كنت نزوة رخيصة في حياته... اقتربت من أذنها تهمس بصوتٍ فحيح:

_مش عايزة تعترفي إنك بقيتي مريضة نفسيًا بسببه وبقيتي أضعف مخلوق في الكون.. وإن مازن حبيب القلب قتل كل الحلو اللي جواكي.. وإن لو جتلك فرصة ترجعوا لبعض هترجعي بدون كرامتك عشان بس تخففي وجع قلبك ومش هيخف... تراجعت تنظر لجسدها المرتجف، عينيه اللتان تتآكلا من الألم، وجهها المشع بالحمرة من أثر بكاؤها الذي يزداد من حديثها. أكملت وهي تتطلع لعينيه بقوة وكأنها تخبره بكلا اللغتين الجسد والكلام:

_أنتِ دلوقتي ضعيفة وهتبقي منبوذة عارفة ليه لأن اللي بتحبيه مش طايق وجودك بحياته والأكيد أن مفيش مخلوق هيقبل بوجودك زيه.. ولو قبل هيكسرك زي ما مازن عمل.

نهضت ميرفت وهي تشعر بلذة الانتقام، في حين نهضت قطوف بصعوبةٍ بالغة، تحاول الاستقامة مما سمعته، تسير بعيدًا عن ميرفت، تلف ذراعيها حولها، صعدت لغرفتها سريعًا قبل أن يراها أحد ثم أمسكت بإحدى الوسادات تدفن بها وجهها، ثم أطلقت صرخة قوية لعل هذا الألم الذي ينتشر بداخلها أن يتوقف. انتهت الصرخة واختفى صوته. رفعت وجهها من الوسادة لترى مازن يقف أمامها اتسعت عينيها تتطلع له بقوة تتأكد من وجوده، ثم أغمضت عينيها وعادت تفتحهما لتجده اختفى من أمامها.

أمسكت رأسها بقوةٍ تشعر بألمٍ يداهمها، بدأت ترى أشياء غريبة حولها، أهلك ذلك أعصابها لتغفو مكانها تحاول الهروب مما سمعته، ومما تراه. ولكن ما هو أمر إنها لا تعلم ما الحقيقة.. بل صدقت إنها بالفعل مريضة. بقى جمال خلف أحد الأشجار ينتظر أي لحظة لخروج ياسمين، يتمنى لو استطاع اختطافها ولكن لابد من أن يصبر كي يحصل عليها. انتفض من مكانه على صوت يردد: _مش هتخرج من البيت لوحدها.. الأحسن تدور على طريقة تانية تجيبها بيها.

استدار جمال يتطلع لمن يتحدث فما كانت سوى ميرفت التي تبتسم بخبث. نظر لها جمال بشكٍ ثم قال: _أنتِ مين؟ وليه بتقوليلي كده! جلست ميرفت على المقعد الموجود بالحديقة تردف ببرودٍ: _أنا مين فمش هتفيدك بحاجة غير فضولك يرتاح ودا ملهوش لزمة... أما بقولك ليه كده فعشان مصلحتنا واحدة وأنت عايز ياسمين وأنا مش عايزها في البيت. ضيق عينيه قليلًا، لتكمل ميرفت حديثها بخبثٍ:

_أنت جربت أكيد كل الطرق عشان توصل لياسمين ومعرفتش وهي مخضعتش ليك... جرب توصلها عن طريق حد. قطب جبينه بتعجبٍ، ثم ردد متسائلًا: _قصدك إيه! مدت يدها بصورة صغيرة تحمل وجه قطوف تجيبه بشرٍ ظاهر: _ياسمين بتخاف على عيلتها أوي وبالأخص أختها، أنت بقى هتخطف أختها وتكلم ياسمين وتخلي قطوف تقولها إنها اتخطفت وإنها لزم تيجي لوحدها وساعتها ياسمين هتجيلك بتركع.

نظر لها جمال ببعض السعادة أنه سيحصل على ياسمين، لا تهم الطريقة ولكن الآن سيحصل عليها. أخفى الصورة بجيبه ثم قال: _خلاص تمام كده. نهضت ميرفت تردف بكلماتٍ جامدة: _هبلغك بالمعاد اللي تاخدها فيه على الرقم اللي ورا الصورة. تركته مغادرة المكان، في حين نظر جمال بعدما أخرج الصورة من جيبه إلى الرقم وغادر هو الآخر ينتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر.

عاد مازن إلى المنزل يشعر بتعبٍ شديد من الأعمال المتراكمة عليه، وخاصةً بعدما صنع عمل خاص به بعيدًا عن عمل خاله. دلف إلى المنزل كي يحمل متعلقاته ويغادر إلى شقته الخاصة. وبالفعل انتهى من حمل كل شيء وما كاد أن يخرج حتى وجد ياسين أمامه يعقد حاجبيه بتعجبٍ مرددًا: _أنت مسافر؟! حرك مازن رأسه بنفي، يجيبه: _لأ.. بس هروح شقتي أقعد فيها.. وكمان عشان الكل ياخد راحته أكتر. نظر له ياسين بضيقٍ من حديثه، ثم قال:

_بقولك إيه خليك قاعد معايا أنا مخنوق ومكتئب من اللي حصلي ومش ناقصة أنت كمان تمشي. رفع مازن حاجبه يردف بسخرية: _كنت الدادة اللي جبتهلك عمتك. _بس يا أخي افتكرلنا سيرة عدلة. قالها ياسين باشمئزاز، في حين قوس مازن فمه بسخطٍ، يهمس بداخله: _أمال لو عرفت إنها هي السبب في اللي حصلك! عاد مازن يرفع صوته قائلًا: _ابعد يا عم خليني أمشي من هنا. _خدني معاك. قالها ياسين سريعًا، ليدفعه مازن بغيظٍ مرددًا:

_هو أنا أمك وشبطاني فيا.. غور ياض من وشي. تمسك ياسين بذراع مازن مرددًا باستفزاز: _آه شبطان فيك يلا بقى خدني معاك. مسح مازن على وجهه يردف بعصبية: _دا أنت لو جوز أمي ما هترازي فيا المرازية دي. ابتسم ببرودٍ له ولا يزال يمسك بيده، في حين نظر مازن له ثم قال بهدوءٍ غريب شعر ياسين بقلقٍ نحوه:

_عارف يا ياسين كان في واحدة بتيجي من البلد تبيع جبنة وبيض و لما تشوف حد معدي من جنبها.. متحلش أمه غير ومشيلاه بيض وجبنة وممكن يشيلها هي شخصيًا لو فضلت على دماغه.. كانت ولية زنانة زن يكفر سيئات شعب كامل. نظر له ياسين بتعجب لحكايته، ليردف بتساؤل: _هي اسمها إيه! أجابه بهدوءٍ: _اسمها أم أحمد. قطب ياسين جبينه بدهشة ثم قال: _طب وأنا مالي بيها! _لا ما أنت طلعت أنيل منها.

قالها مازن بتأكيد، في حين احتقن وجه ياسين بغضبٍ يردف بصوتٍ مغتاظ: _اتصدق إني غلطان إني بعبرك وأنت متستهلش. نفض مازن ذراعه، يجيب حاملًا حقيبته: _ما أنا عارف. _بطل برود يلا. قالها ياسين بغيظٍ، في حين ابتسم مازن ببرودٍ مرددًا: _شوف أنا عادي مع كل الناس.. بس لما بشوفك القطبين الجنوبي والشمالي بيمسكوا فيا... سلام يا أم أحمد. غادر مازن من المنزل، في حين سار ياسين إلى غرفته بوجهٍ عابس محتقن، يفكر في كيفية الانتقام من مازن.

اختتمت تلك الليلة باتصال من ميرفت تردد فيه بصوتٍ جامد: _هتنفذ بكرة.. هي هتخرج من البيت وهتروح المستشفى وهناك أنت هتنفذ. _تمام. قالها جمال يغلق معها، يستعد لمهمته بالغد. صباحًا..

انطلقت قطوف إلى المشفى مع والدها، ولكن تذكرت تلك العلامة الموجود بذراعها وكأن أحد غرز بها حقنة. بدأت تشعر بحيرة مما يحدث معها، تتألم بصمت، ترى أشياء غير موجود، يختلف معها الوقت من حين لآخر ولا تشعر به. تنهدت بتعب ثم صعدت للقسم الخاص بوالدها ولكنها وجدت أناس تلك المرة. جلست تنتظر دورها حتى صعد أحدهم لها يرتدي قبعة تخفي وجهه، يردد نحو قطوف قائلًا: _يا مدام في حد محتاجك تحت.

ظنت قطوف أنه أحد من أفراد أمن المشفى، وقررت الذهاب معه لترى من الذي يريدها. وما أن هبطت معه إلى الأسفل تنظر حولها بتعجب من عدم وجود أحد. استدارت لفرد الأمن مرددة: _هو فين الشخص اللي عايزني؟ _في الحديقة الخلفية. قالها وهو يسير إلى هناك. شعرت قطوف بقلقٍ منه ثم قالت وهي تتراجع: _لا خلاص مش مشكلة مش عايزة أشوفه.

كادت أن تتراجع ولكن يد جمال التي أمسكت بها يكتم أنفاسها بقوةٍ بمنديل به مخدر جعلتها لا تشعر بشيء بعد دقائق. حاولت الصراخ بها. وصل مازن إلى منزل خاله، يدلف إلى المنزل بعدما فتحت له ورد. سار إلى الداخل ليجد ياسمين تجلس إلى جوار ورد يلعبا بالألوان المائية. ابتسم لطفولتهما، ثم قال: _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نظرت له ورد تردد: _وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أضافت متطلعة نحو ياسمين: _كده أخدت عشر حسنات يا ماما.

ابتسمت لها ياسمين تحرك رأسها بإيجابية. صفقت ورد بسعادة ولكنها أوقعت علبة الماء على ملابسها لتتسخ جميعها. نهضت ياسمين سريعًا كي تبدل ملابسها ولكن أتى رنين هاتفها الذي كان جوار مازن. هتفت بصوتٍ عالي وهي أعلى الدرج: _مين يا مازن! أجابها مازن بعدما أمسك بالهاتف ليرى المتصل: _رقم غريب. _طب ممكن ترد مكاني ولو حد أعرفه تجبلي الفون.

قالتها ياسمين سريعًا كي تغادر، في حين أجابه مازن بالموافقة ثم أجاب على الهاتف سريعًا ينتظر رد من على الهاتف ولكن استمع لصوت أنفاس مضطربة. بدأت تذرف الدموع وهي ترى يديه مربوطتان بقوة. تنظر لهذا المجنون الذي يمسك بسكينٍ صغيرة بيده. ضرب جمال كتف قطوف كي تتحدث ولكنها رفضت الحديث، ليهمس بأذنها قائلًا: _لو منطقتش... السكينة دي هتتغرس فيكي!

ظلت قطوف صامتة فقط تسيل دموعها دون توقف، لتنفجر عصبية جمال منها، فأسرع بوضع الهاتف جانبًا ولا تزال المكالمة قيد التشغيل، ثم قام بغرس السكين بيد قطوف المربوطة بشرسة لتخضع له. صدر أنين متألم منها، ليبدأ جمال بتشريح يدها بهذه السكين يسير بها وكأنها قطعة جبن. هنا لم تتحمل قطوف ما يفعله بها، لتبدأ بالصراخ بقوة، تردف بألم: _آآآآه أيــــــــــــــــدي.

انتفض مازن من مكانه يهمس باسم قطوف، بينما لم يتوقف جمال لهذا حد بل ظل يكمل وكأنه يرسم خريطة، ينزع السكين ثم يعيدها مرة أخرى كي يزداد تألمها. لم تعد تحتمل هذا القدر ليهتز جسدها بألمٍ قاسٍ، يعلو صراخها دون توقف، تنزف الدماء بغزارة منها وكأنها شلال. أبعد جمال السكين بشكلٍ مؤقت ثم قال بنبرة شرسة: _لو عايزة أختك قبل ما أكمل تشريح فيها تجيلي بنفسك في شقة اللي بعتلك عنوانها في رسالة دلوقتي.

همست قطوف بتعبٍ يميل رأسها إلى جانبها، محاولة مقاومة ما فعله خوفًا على شقيقتها: _أوعى تيجي!! اختتم هذه المكالمة بعلو صراخ قطوف مجددًا ولكن تلك المرة أشد عن ذي قبل!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...