استيقظت من شرودها على أنامل ابنتها وهي تمسح عبراتها. ابتسمت ابتسامة حانية، قبلت يد والدتها ووجنتيها وجبهتها مرارًا وتكرارًا، كأنها تودعها. دخل عليها والدها والفرحة تسيطر عليه، فها هو يخطط كيف يستغل ابنته بصفقاته المشبوهة. حسن: ها يا عروسة، مش يلا بينا؟ وقف ينظر لزوجته بلا مبالاة، وهي تبادله بنظرات كلها ألم وكسرة وحقد ورغبة بالانتقام.
كانت مشاعرها مختلطة، فهي تشعر الآن بمهانة لا توصف، وترغب بالانتقام من شبيه الرجال لما فعل بها. فاتن: تبتسم ابتسامة باهتة وهي تقول بصوت منخفض، تحاول ألا تظهر ألمها: عروسة؟ تصدق نسيت أبشر ماما. تحولت نظرات رانيا للذعر، فعن ماذا يتحدثون؟ ماذا يخطط هذا لابنتها، لضنى قلبها ومهجة فؤادها وفلذة كبدها؟ هل باعها؟ هذا كل ما تبادر لذهنها، فبعد هذه السنين وهذه المواقف، فهي أصبحت تعرفه حق المعرفة. هل أصبحت ابنته سلعة له؟
ولم يتبادر لذهنها إلا مسعود بضحكاته السمجة وأسنانه الصفراء. فتذعر بشكل أكبر. انطلق الجهاز بجانبها بطنين، دب الرعب بقلب ابنتها، لتهرول خارجًا لتصطدم بالطبيب وهو يدلف بسرعة للغرفة وخلفه ممرضتان. ليخرجوهما ويقوم بفحصها. وبعد بعض الوقت يخرج الطبيب. الطبيب: المدام حالتها بتتأخر كل لحظة، لازم تبعدوا عنها أي حاجة تزعلها أو تسبب لها انفعال. وفي أدوية لازم تتصرف لها، لكن انتو مدفعتوش الحساب. نظرت لوالدها تستنجد به.
حسن: خلاص، أنا هتصرف. أمسك هاتفه يتصل على مراد. ليجيب الطرف الآخر بصوت يغلفه الألم، فهو ما زال في طور الصدمة. مراد: الو. حسن: أيوا يا مراد يابني. عصر مراد عينيه بألم عليها، بوجود والد لها يتلون كالأفعى. حسن: يابني رانيا تعبت جدًا، والدكتور مش عاوز يعالجها من غير دفع الحساب، وانت عارف يابني. أصبح ابنك، يا لك من ثعبان. مراد: اديني الدكتور. مد له الهاتف، فيلتقطه الطبيب.
مراد: دكتور، مدام رانيا تتقدم ليها أفضل رعاية وتتنقل للقسم بتاع العيلة، ويشرف على علاجها كبار أطباء بتاعنا، كلامي واضح؟ أومأ الطبيب وكأنه يراه ويقول: تحت أمر حضرتك يا مراد باشا. وأعاد الهاتف لحسن. كان مراد قد أغلق هاتفه وألقاه على سطح المكتب، ليريح ظهره على كرسيه ويغمض عينيه وهو يزفر بألم. وصورتها أمام عينيه وهي تبكي وتتوسل. أعاد الطبيب الهاتف ووجه كلامه لإحدى الممرضات.
الطبيب: تروحي تجهزي الجناح العائلي، وتقولي للدكاترة تستعد لاستقبال المريضة فورًا. لتختفي من أمامه مسرعة. وخلال أقل من عشر دقائق، أصبح الممر يعج بالأطباء والممرضين، يخرجون على عجالة يجرون سريرها ويصعدون به لأعلى. كل هذا أمام ناظرها، فها هي ترى الكم الهائل من العناية لوالدتها.
مسحت دموعها بكف يدها، وهي تقنع نفسها أنها تصرفت التصرف الصحيح بالموافقة على الزواج، فبعد الآن حقًا لا يهم ما هو مصيرها، ما دامت والدتها بخير حال. رن هاتف حسن، فأجاب مسرعًا. حسن: أهلاً يا ست هانم. أيوا طبعًا. حاضر، ادينا رايحين. لا مش هنتأخر. ليغلق الهاتف ويتجه نحو ابنته، يمسك يدها بحنان زائف، يسحبها خلفه، وعيناها مسلطة على والدتها.
حسن: يلا بينا يا بنتي، مش عاوزين نتأخر على جوزك، واهو كتر خيره، شفتي عمل إيه بتليفون صغير. بلاش يزعل منك ويرجع مامتك مكانها وصحتها تتدهور. لتمشي معه مسرعة، بل أصبحت هي من تسحبه. فاتن: إزاي يا بابا؟ طبعًا لا، يلا بينا عشان متتأخرش، و نبقى نرجع نطمن عليها بعد كتب الكتاب. في قصر الزيناتي، تحديدًا في مكتب الجدة، تتحدث على الهاتف.
الجدة: تمام أوي يا حسام، ومتنساش كل حاجة تتم بهدوء ومن غير شوشرة، ومتنساش أهم حاجة اسم العيلة، انت فاهمني صح؟ حسام: متقلقيش يا هانم، كل حاجة تحت السيطرة، وأنا رتبت الباقي مع إدارة السجن. اطمني، الخبر زمانه اتذاع على كل القنوات. لتغلق الهاتف وتقف أمام صورة زوجها المرحوم. الجدة: متقلقش أبدًا يا حبيبي، أنا مستحيل أقبل إن اسمك يتوسخ، حتى لو بعد 100 سنة، هيفضل اسمك بالعالي والكل بيحترمه ويعمله ألف حساب.
لتمد يدها للصورة تتلمس موضع وجنته. الجدة: وحشتني أوي يا أبو محمد، أنا مبقتش أحب أسمع اسمي من غيرك. وحشني اسمي من بين شفايفك وأنت بتناديني وتقولي بحبك يا عفاف قلبي. تمسح عبراتها وترسم الجمود على وجهها، وكأن مشاعرها تتحول بكبسة زر.
الجدة: اطمن يا حج، أنا هانتقم من كل واحد كان السبب بكسرتك وحزنك على ابننا. هانتقم من اللي موتك بحسرتك على ضناك وأنت شايفه بيموت بالحياة قدامك. وعد مني أدوقهم من نفس الكاس وزيادة حبه كمان، عشان يبقوا عبرة لغيرهم. دلف بخطى واثقة لداخل قصر الزيناتي، عكس ابنته التي ترتجف خوفًا وقلقًا مما يحدث وما هي مقبلة عليه. ليستقبلهم أحد الخدم يرحب بهم ويشير لهم ليسيروا خلفه باتجاه مكتب الجدة. طرق على الباب، فأذنت بالدخول للطارق.
ليتقدم ابنته ويمد يده للسلام، ولكنها نظرت له نظرة مشمئزة. تجاهلته وجلست خلف مكتبها بارتياحية. الجدة: المحامي جهز العقود، الصفقة دي آخر فرصة ليكم، وأظن إنك فاهم ده كويس. هز رأسه موافقًا. حسن: آه، طبعًا. ليسمعوا طرقًا على الباب. فتأذن بالدخول. ليدلف المحامي وبيده حقيبة، يلقي التحية ويجلس ويباشر عمله سريعًا. فيجلس ويفتح حقيبته ويخرج مجموعة من الأوراق. المحامي: العقود حضرتك، زي ما أمرتي.
لتتصفح الأوراق بين يديها وتعيدهم للمحامي وتشير برأسها له باتجاه حسن ليعطيهم لحسن. أمسكهم وأخذ يقلب بهم، لينظر لها متصنعًا الغضب. فتشير له ليكمل. أكمل تقليب، فلمعت عيونه وقال: تمام، اتفقنا. الجدة: ادي بنتك تقرأ، عشان متقولش ظلمناها وهي مكانتش تعرف. فاتن: مفيش داعي، أكيد بابا عارف مصلحتي، وأنا أصلًا موافقة على أي حاجة، المهم ماما تتعالج واختي متتشردش. أصرت الجدة على موقفها. ليأخذ المحامي الأوراق من حسن ويناولها إياها.
أمسكتهم بتردد ونظرت بلا مبالاة، ولكن ما إن وقعت عينيها على أول ورقة حتى امتلأت عيناها بالعبرات بصمت. لتشير الجدة لها وهي تقول: اقري كل الورق وسمعيني قرارك. قاطعها حسن: إحنا موافقين يا هانم، وأكيد فاتن مش هتخرج عن طوعي. لتنظر له بلا مبالاة وتعيد نظرها لفاتن وهي تقلب بالصفحات، ودموعها تتساقط بصمت. لتضعهم أمامها وتمسح عيونها وتنظر لوالدها بألم. فاتن: اللي يشوفه بابا مناسب، أنا موافقة عليه. حسن: أنا موافق.
قالها دون أن ينظر حتى لابنته التي تقاوم بشدة أن تبكي، وتصرخ بهم للظلم الذي تتعرض له، وعلى يد من؟ والدها. استأذنت الجدة منهم بعد أن حصلت على الموافقة، لتتجه للطابق العلوي. توجهت أولًا لغرفة علاء وأغلقت الباب خلفها، لتجده يتصفح هاتفه، وتظهر على ملامحه الصدمة. اقتربت منه وجلست بجانبه لتنظر لهاتفه. الجدة: كان لازم يحصل كده. لينتفض وكأنه لدغته أفعى، وينظر لها بقلب توجس خيفة من كلماتها. علاء: قصدك إيه؟ أنتِ كنتِ عارفة؟
لينظر لها نظرة أخرى وكأنه استوعب كلماتها. علاء: تيتا، أنتِ اللي عملتي كده؟ لتزيح نظرها عنه. الجدة: لا، أعمالهم هي اللي وصلتهم لكده. أنا بس بلغت عنهم، دول بيشتغلوا بالأسلحة والمخدرات، وكانوا واقفين على غلطة، وأهم خدوا جزاءهم. علاء: أنتِ عرفتي إزاي؟ لتبتسم وتقول: عيب لما تسأل السؤال ده. هو أنت فاكر إني نايمة على وداني؟ أنا بس كنت مستنية أبعدك عنهم عشان متضيعش مني. ونزولنا لمصر كانت فرصتي.
علاء: بس دول يا تيتا ماتوا بالسجن. إزاي؟ لتردف قائلة: هو أنت فاكر إن الناس اللي وراهم كانوا هيجازفوا إنهم ينكشفوا بسببهم؟ أكيد هما اللي صفوهم عشان يموتوا ويموت سرهم معاهم. الجدة: خمس دقايق وتكون تحت حسن وبنته تحت عشان نوقع على العقود. علاء: عقود إيه؟ الجدة: أنت فاكر إن اللي بيحصل ده جواز بحق وحقيقة؟ لا، فوق كده وركز معايا. بغرفته يحاول أن يتمالك نفسه. ينظر لانعكاسه بالمرآة، يشد خصلات شعره، لعله يهدئ نفسه ويخرج غضبه.
دلف إلى الحمام، غسل وجهه عدة مرات، لعل ناره تبرد. وأخيرًا استجمع شتاته وأقنع نفسه أنها خلال أقل من ساعة ستصبح زوجة أخيه، وعليه أن يدفن أي مشاعر بداخله نحوها. ليتناول هاتفه بعد أن استمع لرنينه وأجاب. مراد: أيوا يا حسام، إزيك؟ الحمد لله بخير، أنت عامل إيه؟ ليتصنم بعد استماعه لما قال صديقه. انتبه لطرق الباب، فأذن بالدخول. لتدخل جدته. الجدة: بلا يا مراد، الجماعة تحت. ليهتف بها متسائلاً. مراد: هو صحيح اللي سمعته؟
الجدة: سمعت إيه؟ مراد: موضوع العقود واللي فيها. الجدة: أنا مش هسألك من مين عرفت، لأنه أكيد عرفت من حسام. وأيوة صحيح، أنا قولتلك إن الجوازة انتقام وبس، أنا مستحيل اربط اسم عيلتنا بعيلة الشناوي. مراد: بس أكيد يا تيتا مش هيوافقوا. الجدة وهي تضحك: ومالك متأكد كده؟
طب أحب أفاجئك وأقولك إنهم وافقوا من أول خمس دقايق، والتنين وافقوا مش واحد فيهم بس. أنا قولتلك إنهم عيلة نجسة، همهم الفلوس وبس. وأنت بعينك شفت إزاي عرض مراته للبيع قدام الناس كلها. ليؤطئ رأسه موافقًا على كلامها. وها هي ترمي بكل ما في قلبه من ناحيتها، وتضرب بتوقعاته عرض الحائط. كيف توافق على هذا العرض؟ تبيع نفسها من أجل المال؟ لا بد أن جمالها هو ما جذبني، أما هي فلا تستحق أن أشغل فكري به.
ارتسم الجمود والقسوة على وجهه، واتجه مع جدته وأخيه للأسفل، ليجلسوا جميعًا وتم توقيع العقود خلال دقائق معدودة. ليحمل حسن نسخته من العقود ويخرج دون أن يودع ابنته حتى. يا لقساوة قلبه، لقد عماه الطمع عن ابنته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!