كانت رانيا متخوفة من فكرة الزواج مجددا. وخائفة أيضا من رد فعل فتياتها حين يعلمن بطلب محمد. فلم تجد من تخبرها بهذا إلا الحاجة فاطمة، لعل يكون عندها ما يريح قلبها. رانيا باستحياء: هو يعني... نظرت لها فاطمة تحثها أن تكمل. فقالت: يعني هو طلب إيدي. فاطمة: لولولولولولولولولوليييييييييييييييييي! هجمت عليها رانيا تضع يدها على فمها تسكتها. في هذه اللحظة دخلت رانيا التي وقفت تنظر لهما وكأنها تشاهد فيلما كوميديا أمامها. رانيا
وهي تضرب بيدها على خدها: هتفضح هتفضحيني يا طماطم كده... ده أنا لسا مكملتش كلامي حتى. فاطمة: تكملي إيه... ماهي واضحة. وهمت أن تقوم وهي تقول: أنا هقوم أبشر أحمد والبنات ونشوف ناقصك إيه. رانيا أمسكتها ثانية وأجلستها على الكنبة مجددا. رانيا: تقولي لمين وإيه اللي ناقصني؟ أنتي شكلك يا حاجة اتجننتي وعقلك مبقاش معاكي بعد العمر ده. فاطمة متصنعة الحزن والزعل ومن داخلها تضحك وترقص فرحا لصديقتها: كده يا ست هانم...
أنا بقا مجنونة؟ رانيا بأسف: مش قصدي والله متزعليش مني، بس أنا خايفة على البنات... فاتن حساسة ومتنسيش محمد بيكون مين. تقدمت فاتن من خلف والدتها وجلست على طرف الكنبة بجانب والدتها وهي تحضنها وتقبلها. فاتن: خايفة ليه يا ماما... ده يوم المنى لما أشوفك مبسوطة وأشوف السعادة بعيونك بدل الهم والغم. رانيا: بس يا بنتي ده بيكون... فاتن مقاطعة: والد علاء الله يرحمه ووالد مراد.
قالت اسم مراد بطريقة جعلت والدتها وفاطمة ينظرن لبعضهما ولها بحاجب مرفوع. رانيا بخبث: طب وإيه؟ فاتن بغباء فهي لم تعلم مقصد والدتها فأكملت: عادي يا ماما يعني علاء الله يرحمه عمره ما أذاني، بالعكس كان كويس معايا. رانيا: ومراد؟ فاتن بهيام: مراد ممممم برضو عادي، أنا كنت مش بطيقه أيوه... تنهدت: إنما ديلوقت عادي يعني أنا كل يوم بشوفه عادي. رانيا: كل يوم بتشوفي؟ فاتن: أيوه يا ماما مهو... وهنا انتبهت لنفسها ولما تفوهت به.
فقامت وهي تتنحنح وتقول: يلا يا ست ماما قومي اتصلي بعمو محمد وحددي معاد ييجي يطلبك مني. قالتها بفخر وغرور. أمسكها أحمد من أذنها. أحمد: منك إزاي ها... هو مين الراجل هنا؟ فاتن متصنعة الألم: آآآآه سيب ودني يا مفتري أنا طبعاً. فغر فاه الجميع وقهقهوا عليها. فاتن بخجل: قصدي يعني... يوووو اضحكوا وأنا هروح أنام. أحمد وهو يحتضنها بحب: طب تعالي متزعليش. طبعاً هيطلبها منك بس وأنا موجود. شدت
من احتضانه ودموعها تهبط: ربنا يخليك لينا... أنت أخويا وسندي وإحنا ملناش غيرك. أحمد: متحرمش منك أبداً يا حبيبتي. عقبال عندكوا. نظر لها بمحبة كبيرة. أحمد: إن شاء الله ربنا هيعوضك خير على كل اللي فات ويرزقك اللي يحبك ويصونك. احتضنته مجددا وكل ما ظهر بخيالها مراااااد. جاءت حور مسرعة: يا عيني يا عيني كل ده من غيري ليه ان شاء الله... حشرت نفسها بينهم وقامت رانيا واحتضنتهم كلهم. فاطمة تدعو لهم بالسعادة الدائمة.
حدد أحمد موعدا بعد أسبوع مع محمد ليتقدم للخطبة. كان قلبه يتراقص فرحا ويتمنى أن يمر الأسبوع بلمح البصر. كان مراد كل يوم يمر يتفنن بطرق مقابلاته ل فاتن. كان كل صباح يجمع بعض أطفال الحي ومعهم الورود والدباديب الحمراء يقدموها ل فاتن، وهي لم ترفضهم معللة ذلك أنها من الأطفال. وبعد بضعة أيام.
كانت تجلس أمام إحدى لوحاتها تمعن النظر لها. هذه العيون ليست غريبة عنها، كلما حاولت رسم شيء ترسم هذه العيون الساحرة، تطاردها حتى بأحلامه. تنهدت بعمق وهي تتذكر محاولاته المتكررة لاسترضائها، ولكن هل ستسلم نفسها وقلبها له؟ نفضت الأفكار من رأسها. ولملمت أقلامها وفرشاة رسمها تستعد للعودة لمنزلها. وما لبثت أن خطت أولى خطواتها حتى لمحته يقف بعيدا يتلصص عليها كالصبيان المراهقين.
استدارت بوجهها عنه تداري ابتسامة ظهرت على محياها وترسم الجمود على وجهها لتستعد للمواجهة التي لا تعرف عددها. ولكنها تفاجأت به يعطيها ظهره ويذهب بعيدا عن طريقها. رفعت حاجبها باستغراب فهي لم تعتد هذا منه. هل مل؟ هل استسلم؟ هزت كتفها بلا مبالاة وعادت لمنزلها وهي تحاول أن تنساه ولكنه مسيطر على كل أفكارها ووجدانها وكأنها فقدت سيطرتها على نفسها. تسير متوجهة لغرفتها بلا انتباه.
رأتها حور فامسكت هاتفها وأخذت تصورها وهي ترسم على وجهها ابتسامة مكر. فها هي تنفذ ما طلب منها دون عناء. التقطت العديد من الصور وبعثتها لصديقها المقرب مع ملاحظاتها عن حالة شقيقتها. ابتسم وهو يراها شاردة فهو كاد يمتلك قلبها. جاء اليوم الموعود وجاء محمد مع والدته، ومراد الذي كان بهيئة تخلب الأنظار، وحسام وجوليا.
كانت السعادة تغمر الجميع والفرح واضح على الجميع. فها هو عشق السنين كلها سيجتمع. سيأخذون نصيبهم منه. عشق سيتكلل بالزواج. بعد السلام وبعض الكلام العابر. محمد: أنا جاي النهارده أطلب إيد ست الكل. (ونظر لها بعشق) أحمد: (ها هي فرصته) بصراحة يا عمي أنا مش موافق. نظر له الجميع بصدمة وتجهم. محمد بعصبية: إيه اللي إنتا بتقوله ده؟ أحمد بابتسامة مستفزة: أصل إحنا بصراحة مبنديش حاجة كده. قطع يا تاخدها كلها يا تسيب إيدها معاها.
ضحك عليه الجميع إلا محمد الذي لو استطاع لأطاح به ضربا على سخافتهم. محمد: إيه الاستظراف ده؟ أحمد: لو مش عاجبك... محمد: لأ لأ عاجبني. هتف بها محمد مسرعا. أحمد: طب مبدئيا معنديش مانع بس ادينا وقت نسأل عنك ونشوف رأي العروسة. كان الجميع سعيد ويضحكون على الموقف. فقام محمد وأمسك يد رانيا. محمد: بص يلا إنت... اسأل براحتك وإحنا رايحين المأذون دلوقتي. مراد: استنى يا بابا مفيش داعي لكل ده. المأذون على وصول.
صفق الجميع وكانت رانيا بقمة خجلها. قامت فاتن واحتضنت والدتها. جاء المأذون وتم كتب الكتاب وشهد على زواجهم مراد وأحمد. قام محمد من مكانه وقبل جبهة رانيا. محمد: هعملك فرح محصلش. رانيا: لا فرح إيه بعد العمر ده، كده كفاية عليا. فاتن: ليه يا ماما... طب لو مش عاوزة فرح كبير نعمل حفلة صغيرة ونفرح بيكي. رانيا: لا يا حبيبتي مفيش داعي لده. ونظرت لمحمد وقالت: الفرحة مش بالفرح والحفلات، أنا فرحانة بوجودكم وإني بقيت مراتك.
يتمالك محمد نفسه واحتضنها بقوة أمام الجميع. فأطلقت فاطمة الزغاريد، وأحمد ومراد وحسام على صوت صفيرهم، وحور تصفق وتقفز. بارك الجميع للعروسين، هنوهم وتمنوا لهم السعادة وراحة البال. استغل مراد الظرف فقال: طيب بما إن الجميع هنا متجمعين على خير، أنا بطلب إيد فاتن. وقف الجميع مذهولين من موقف فاتن التي هتفت بسرعة: طلبك مرفوض. واتجهت لغرفتها.
جلست على سريرها واضعة يدها على قلبها الذي يضرب بداخل صدرها بعنف كأنه يؤنبها على تسرعها. بكت كثيرا، قلبها حزين وعقلها بحيرة كبيرة. أما هو فخرج والضيق يأكل قلبه. ترك سيارته ومشى طويلا لا يعرف المدة حتى وصل لحي بسيط. صدق صوت الأذان بأذنه، فرفع يده للسماء يدعي بقلب مفطور بقلب يعتمله الألم. يا رب تحنن قلبها عليا وتجعلها من نصيبي. يا رب أنا غلطت بحقها. يا رب تقدر تسامحني وتغفر خطئي. يا رب أنا من غيرها بتقطع من جوايا.
يا رب يا رب يا رب. وبقي يردد مناجاته لربه كثيرا، فهو على يقين أن الله وحده مغير الأحوال وميسر ومسهل الأحوال. ربت شيخ مسن على كتفه وقال: تعال يا ابن. نظر له مراد بدموع كالتائه. فسحبه الشيخ من يده ودخلوا المسجد. وقف مراد يشعر برهبة المكان وعظمته حتى أنه كاد يخرج لولا يد الشيخ الممسك به وهمس له: تعال قوله اللي انت عاوزه، متخافش ربنا رحيم لطيف. تقدم مراد بخطى ثقيلة وصلى مع المصلين ودموعه تهبط.
وعند انتهائه جلس بإحدى الأركان فاقترب منه الشيخ وجلس مقابله وقال: يقول الله عز وجل في كتابه الكريم (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) قال مراد: حتى المذنبين؟ قال الشيخ: أيوه يا ابني (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)
الاستغفار يا ابني بيطهرنا من المعاصي والذنوب. ودعاك لربنا بيقين إنه قادر يغير أحوالك، هيستجيب بإذن الله. شرح صدر مراد للشيخ ووجد نفسه يطلعه على حياته كاملة وعن محبوبته وعن أخيه. تألم الشيخ على كلام مراد ونصحه كثيرا وأرشده للطريق الصحيح وأعطاه نصيحة جعلت مراد يطمئن قلبه ولو قليلا حين قال له الشيخ (قال صلى الله عليه وسلّم: الصّوم جُنة ، والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء) (إذا مات ابن آدم
انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) فكر بأخيه قبل نفسه فسلم على الشيخ وشكره ووعده بلقاء قريب وخرج مسرعا. اتصل على حسام. حسام: أيوه يا مراد فينكم؟ مراد: إنت بالبيت؟ حسام: أيوه. مراد: طب اقفل وأنا جاييلك بعد قليل. جاء مراد، فتح حسام الباب واستغرب من حالة مراد المخالفة لما خرج بها من بيت فاتن. مراد بلهفة: بص يا حسام، إنت أجازة من الشركة أسبوع. نظر له حسام: أجازة... ليه؟
مراد: معاك أسبوع تشوف لي أرض كبيرة وتجيب مقاول وتتفق معاه يبني مسجد عن روح علاء. وتشوف دور الأيتام محتاجين إيه من لبس ومأوى وأكل وكل حاجة، سامعني كل حاجة وتتكفل بيهم بالكامل. وأنا هحط المبلغ المطلوب وزيادة تحت تصرفك. حسام: حيلك حيلك ليه كل ده؟ مراد: أخويا يا حسام مات عاصي، عارف إيه معنى ده؟ فهم حسام مقصده، قربت على كتفه ودعا لعلاء بالرحمة والمغفرة.
وبالفعل باشر حسام العمل على كل ما طلبه مراد، وكان مراد معه بكل خطوة وشاركهم أحمد الذي عرف من حسام ما يفعل مراد لأجل أخيه. بالنفوذ والسلطة سار كل شيء بسرعة وبالفعل بدأ العمل ببناء المسجد. أسبوع بأكمله لم تره بل لم تلمح طيفه. تسير وهي تتلفت حولها لعلها تراه. تشعر بألم بقلبها لم تشعر به من قبل. هل أخطأت؟ يرفضه... هل عزف عنها وابتعد؟ أهذه النهاية؟
رانيا رفضت الانتقال لبيت محمد قبل الاطمئنان على ابنتها، وكان محمد أكثر من متفهما لها. كان يقضي معظم وقته ببيت أحمد، فهو لا يطيق الابتعاد عنها. فإن لم تأت هي فهو سيبقى بجانبها. كان الجميع يرى حال فاتن، فقررت الجدة أن تقوم بدورها الآن وهذه فرصة لها لتجمع حفيدها مع فاتن. اتصلت على مراد وطلبت منه الحضور للقصر لأمر هام. ترك عمله واتجه مسرعا يلبي طلب جدته. وصل مراد وجد جدته تنتظره بالمكتب. دلف إليها وجلس أمامه.
مراد: خير يا تيتا إيه الموضوع المهم؟ الجده نظرت له بتمعن وقالت: فاتن. كلمة واحدة نطقت بها اسم معشوقته. اسم من جافاه النوم بسببها. اسم من خفق لها قلبه. اسم من أسرته. اسم من بعثرت كيانه. اسم من امتلكت وجدانه. فاتن فقط. اسمها كان كفيل بتغيير حاله وتبدل ملامحه لعدة حالات من العشق والوله والألم والندم. قامت من مقعدها وتقدمت نحوه واضعة يدها على رأسه مبعثرة خصلات شعره ومن ثم احتضنته.
وقالت: الوقت حان يا حبيبي. أنت كده بتتعذب وبتعذبها. رفع رأسه ونظر لها وقال: بعذبها... لا يا تيتا هي مش عاوزاني. الجده بابتسامة حانية: إنت شايف كده؟ وضع رأسه بين يديه وتنهد قائلا: إنتي بتسألي يا تيتا، مهو على يدك إزاي رفضتني حتى مدتنيش فرصة أتكلم. الجده: الفرصة موجودة بس عاوز اللي يستغلها. نظر لها هل حقا هناك فرصة؟ نظرت له وهي تهز رأسها كأنها سمعت ما دار بعقله. قبل يديها وجبهتها وقال: ادعيلي.
الجده: دعيالك يا ضنى قلبي. خرج وأمره محسوم وغير قابل للجدل، فالأعمال الصبيانية التي قام بها لم تجد نفعا ولا بد من طريق آخر. ذهب للجامعة وانتظر خروجها وبرأسه ألف سيناريو قد رسمه كيف ستقابله، فبعد رفضها تزعزعت ثقته فهو غير قادر على قراءتها ومعرفة ما تريد. ولكن كان للعشق مخططا آخر هو لم يتخيله أبدا. فما إن خرجت ورأته... رقص قلبها. ودون إدراك وجدت نفسها تقف أمامه. عيونها تفضحها بعشق ملتهب. فهي تشتاقه حد الموت.
لم تكن تعلم أن عشقه أصابها إلا بفراقه. نظر كل منهما لعيون الآخر بعشق كبير، عيونهم تنطق بما في قلوبهم من حب. لم ينطق أي منهما بكلمة واحدة فقط يقف كل منهما مقابل الآخر. يتمنى لو يستطيع حضنها وهي تتمنى لو أنه حلالها لما ترددت لحظة وكانت سترمي بنفسها بين ذراعيها. اقترب منها وانحنى أمامها ورفع عيونه لها. مراد: فاتن... نطق اسمها بهمس جعل جسدها يرتعش.
مراد: أنا بحبك من أول مرة شفتك فيها حسيت قلبي معادش ملكي. يومها دموعك قطعت قلبي. اتمنيت لو أقدر أمحي دموعك وأخدك بحضني أنسيكي وجعك. كنت هتجنن وأنا سبب وجع قلبك ودموع عيونك. حبيتك وقتها وبحبك ديلوقت وأوعدك طول ما في نفس مش هيكون إلا بحبك وعشقك. هعوضك عن كل دمعة وكل وجع وكل آه طلعت من قلبك بس متقوليش لا. كانت دموعها تملأ وجهها فرحا، فهي الآن لن تضيع أي دقيقة من عمرها بعنادها. هي تحبه بل تعشقه ولن تنكر ذلك.
هزت رأسها بنعم. كان طلاب الجامعة يقفون ينظرون لهؤلاء العشاق، وما إن أومأت برأسها حتى تعالت أصوات الهتافات والتصفيق. وقف كالأبله غير مصدق، يود لو يحتضنها ويقبلها ولكن ليس الآن. نظر حوله وأخذ يحتضن الطلاب المصطفين حولهم والجمع الغفير يضحك ويصفقون. تقدمت الفتيات وباركن للعروس. أصر مراد أن يوصلها رغم رفضها ونجح بإقناعها. كان يقود السيارة ببطء شديد، فهو لا يريد لهذه اللحظة أن تنتهي.
كان الخجل مسيطر عليها، وجهها اصبغ باللون الأحمر. فقال: أحلى فراولة. زاد توترها وبعد قليل أوقف السيارة وهبط منها وهو يقول: ثواني وجايلك متهربيش وتغيريش رأيك. ابتسمت على عشقه المفضوح وهي تفكر كيف هان عليها أن تضيع أشهر من عمرها من دون حبه. عاد مسرعا وبيده حبتا آيس كريم وقال: الفراولة للفراولة. ابتسمت على استحياء وأخذتها منه. قضوا بعض الوقت معا وأعادها للمنزل، فهبط معها. نظرت له وقالت: إنت رايح فين؟ مراد
بتلقائية وابتسامة ساحرة: طالع معاك. رفعت حاجبها وقالت: معايا فين؟ فهم مراد أنها تريد أن تخبر والدتها لوحدها، فقالت: لا أنا بس بابا وحشني قولت أطلع أشوفه. هزت رأسها، عدت مرات ونظرت له وقالت: ممم باباك وحشك؟ وأومأت برأسه وهو يعلم أنه مكشوف أمامها. فاتن ابتسمت بخبث واقتربت خطوة منه جعل عطرها يتخلخل بقلبه، فأغمض عيونه وقرب رأسه قليلا واستنشق عطرها بكثرة. حركة
تلقائية جعلتها تشهق وقالت: على فكرة إنت قليل أدب وباباك هطلع أقوله ينزلك. وجرت من أمامه. أما هو فلم يفهم ما بها وأخذ يضحك على تصرفها وقال بهيام: إنتي لسا شوفتي قلة أدبي. صعدت لمنزلها مسرعة تود لو تصرخ بعلو صوتها وتصرح بعشقها. وصلت المنزل فوجدت عصافير الحب جالسين يتسامرون، فاقتربت وامسكت يد والدتها وسحبتها خلفها متجهة لغرفتها وهي تقول: عمو مراد تحت مستنيك بيقول وحشته. وضحكت.
دخلت غرفتها واحتضنت والدتها بشدة فهي بحالة تخجل أن تنظر لعيون والدتها. فرحت رانيا بحالة ابنتها وفهمت ما حدث، فسعادة ابنتها ما هي إلا فرحة وسعادة عاشق قد حصل على عشقه. عدت أيام قليلة وتم كتب الكتاب بإصرار من مراد، وحددوا موعد الزفاف بعد أسبوع واحد. أصر به مراد على انتقالهم للقصر فهي زوجته ووالدته زوجة والده ولا داعي للفراق. حاول أحمد ثنيه عن قراره ولكن أصر، وكان هنالك قبول من الجميع على هذه الفكرة.
ولكن الجدة وضعت شرطا أطاح بكل مخططات مراد، فهي قررت منذ انتقال فاتن للقصر، مراد يخرج من القصر لحين موعد الزفاف. مر أسبوع ومراد بعيد عن القصر، حتى هاتف فاتن الجدة صادرته وقالت: مفيش مكالمات ولا مقابلات إلا ليوم الفرح. كاد أن يجن بسبب جدته، فهو أصر على وجودها بالقصر ليبقى معها.
كان يأتي القصر بالخفاء يتأملها من بعيد ويتصل على حور التي لم تبخل عليه قط بالصور والفيديوهات وحتى التسجيلات الصوتية ل فاتن وهي تتحدث مع جوليا عن مراد بكل عشق. اليوم هو اليوم الذي تنتظره منذ نعومة أظافرها، يوم زفافها. ممن امتلك قلبها وروحه. لا تصدق أنه بعد كل هذا العذاب الله قد راضاها بمن يعشقها ويكون مارد لكل أحلامها. فكل ما تتمنى تجده دون أن تتكلم. لقد كان لها سند وعون. لم شمل عائلتها وأعاد الفرحة لقلبها.
لا تعلم عدد المرات التي اعتذر لها بها وهو ليس مذنبا بحقها، بل إن كل من أخطأ عاقبه الله على ما اقترفت يداه. كانت شاردة والابتسامه تزين ثغرها حتى شعرت بيد حنونة تتلمس شفاها وهو يقول. مراد: يا رب أكون سبب الابتسامة الجميلة دي. نظر لها نظرة اربكتها. ابتسمت باستحياء واخفضت نظرها لتفك حصار عينيه التي تلتهمها دون خجل. مراد وهو يرفع رأسها: بصيلي، عاوز أغرق بالعيون اللي سحرتني دي. متحرمنيش منهم أبدا.
نظرت له بحب وشوق وعشق يتدفق. تقابلت الأعين وسكتت الألسن، فحديث العيون يغني عن ألف كلمة. عبر كل منهما عن مدى عشقه وشوقه وشغفه. أخذ يحفر ملامحها بذاكرته وقلبه. فهي تمتلك عيون بزرقة السماء. وبشرة ناصعة البياض ناعمة كبشرة الأطفال. وشفاه كالفراولة، كم يتوق لتذوقهم. ولكنه يمني نفسه بالانتظار، فلم يتبق وقت طويل، فهي اليوم ستكون زوجته أمام الكون. شعر بارتباكها بسبب نظراته، فابتسم على خجلها ورقتها. ومن ثم تنحنح
يحاول إخراج صوته مردفا: يلا يا فاتنتي قومي خدي شاور قبل ما البنات توصل. رانيا: بنات مين؟ رانيا: بعدين أنا مشوفتش الفستان على طول بتقولي مفاجأة. ليضع يده على ثغرها ويقول بهمس وهو يقترب من أذنها: كله بوقته متقلقيش. ألصق وجهه بوجهها وحركه ببطء، شعر بها ترتعش ودقات قلبها يسمعها بوضوح تنبض بتسارع من قربها.
سند جبينه على جبينها وأخذ يستنشق أنفاسها ببطء، أهلكهما وبلحظة قبل وجنتها الوردية وخرج مسرعا، فهو لن يتحمل هذا القرب أكثر. أغمضت عيونها ووضعت يدها على قلبها تهدئه، فهي تشعر كأنه سيخرج من صدرها. بعد ساعة كانت تجلس أمام مرآتها تمشط شعرها الحريري وتبتسم من حين لآخر. سمعت طرقا خفيفا على الباب فسمحت بالدخول وإذا مجموعة من الفتيات يدخلن مهرولات يحملن بأيديهن الكثير من العلب والأكياس.
ألقين التحية وبدأن بفتح العلب وكأنهن نساء آليات. اقتربت إحداهن من رانيا: ماشاء الله إيه الجمال ده. أنا قد ما وصفك قولت بيبالغ، إنما إنتي تستحقي كل كلامه وأكتر. ابتسمت رانيا فهي تعلم من المقصود، أنه ذلك العاشق المجنون، فهو دائما يتغنى بجمالها وفتنتها. أكملت السيدة: أتمنى الفستان يعجبك، أنا بقالي أسبوع شغال فيه وكل يوم ييجي يعدل فيه لحد ما قربت أتجنن. ده أنا مدوقتش طعم النوم من أسبوع.
لتتناول الصندوق الكبير وتفتحه ببطء وكأنه قطعة ماس، وما إن رفعت الغطاء حتى شهقت رانيا من جمال المنظر. أهذا فستان زفافها؟ جلست على ركبتيها تتلمسه بلمسات رقيقة تقاوم عيونها لكي لا تبكي، فها هو مجددا يغدقها بحبه. دخلت والدتها بصمت بيدها هاتفها وأخذت تصور ابنتها لمراد، فهو أراد أن يرى ردة فعله. تساقطت دموعها بفرحة ونظرت حولها، فكان الجميع بحالة صمت مبهورين بفستان أميرة الحكايات. نهضت واحتضنت
والدتها والفرحة تغمرها: بصي يا ماما أنا مش بحلم، مش كده؟ ربتت على ظهرها بحنان: لا يا حبيبتي مش حلم، ده حقيقة وحقيقة جميلة أوي. ربنا يسعدك يا ضنايا ويعوضك خير. تم تجهيز رانيا على أكمل وجه وارتدت فستان الأحلام، كان فستان خيالي وفريد من نوعه، أبيض ناصع مرصع بألماس أزرق اللون عند الصدر، ضيق من الخصر واسع من الأسفل بشكل مبهر، تمتد طرحته من الخلف عدة أمتار.
أكملوا زينتها بحجاب أبيض وتاج مرصع بالماس أزرق وقلادة ألماس بنجمة في منتصفه. كانت كأميرة الروايات. اندفعت حور بفستانها ناصع البياض تركض: عاوزة أشوف العروسة. لتقف وتضع يدها على فمها، فهي لم تتخيل أن ترى هذا المنظر. احتضنتها رانيا بحب وهي تضحك على أختها الصغيرة التي كانت دائما مبهورة بأميرات ديزني وها هي ترى إحداها أمامها. أخذت تتلمس فستانها وتاجها وعقدها بانبهار. مدت شفاهها
للأمام بطفولة لتقول: أنا عاوزة زي دول، مليش دعوة. لتضحك النساء على تصرفها الطفولي لتقول رانيا: بجد؟ خلاص خديهم. أصل وزنهم تقيل. ومش عارفة أمشي. لتلمع عيون الصغيرة وهي تنظر لنفسها ولفستانها، لتتراجع خطوة للخلف وتقول: لا مفيش ده بتاعي وبعرف أتحرك فيه. أنا عاوزة أعرف أرقص مش أعرف أمشي. لتتبع كلامها بقهقهات: أبيه مراد مش هيعرف يرقص معاكي وإنتي فستانك كبير كده ههههههه.
ليضحك الجميع على ما قالته الطفلة، فهي فطنت لما لم يفكر به أحد، خصوصا مراد. بالجانب الآخر كان أحمد وحسام ينظران لمراد. أحمد يحاول أن يكتم ضحكته، فها هو للمرة الألف يقف أمام المرآة يعدل ربطة عنقه. أحمد: بقولك إيه يا عم متقلع أم الكرفتة دي وتريحني، خنقتني. لينظر له بغيظ ويقول: إنت واقف هنا ليه... متروح تشوف أختك اتأخرت ليه؟ ده أنا هخلل وأنا بستنى. ليقهقه
عليه أحمد بصوت مرتفع: خللت إيه ده لسا بدري يا خويا، اقعد وريح نفسك. ليتناول مراد المشط أمامه ويقذفه باتجاه أحمد: غور يابني شوفها والا أقسم بالله أطلع أخطفها. التقط المشط وهو مازال على حاله، فهو لم يعتقد أن هذا الجبل الجليدي سيكون هذا حاله عاشق ولهان متشوق ليرى محبوبته وقضاء حياته معها. صعد أحمد لينزل رانيا ويسلمها لزوجها. وقف يتأملها بحبور. اقترب منها قبل جبينها وابتسم لها. أحمد: ألف ألف مبروك يا عروسة.
فاتن: الله يبارك فيك يا حبيبي. أحمد: لو سمعك بتقوليلي حبيبي هيقتلني ويخطفك. هههههههههه ضحك كلاهما على غيرة زوجها حتى لو كان من أخيها. أطفئت الأضواء وتسلطت على من تهبط الدرج رويدا ممسكة بيد أخيها بإحكام. أما هو فكان بدنيا أخرى. يا الله ما هذا الملاك. سلط نظراته عليها لم يحيد بنظره ولو للحظة. يتأملها بصمت فلا كلام يقال ممكن أن يصفها. دقات قلبه تتصارع بداخله، يشعر كأنه بدوامة. كل أوصاله ترتجف. سبحان من خلقها فابدع.
يتمنى لو يخطفها ويبعدها عن كل هذه العيون التي تفترسها. يا إلهي أين كان عقلي، كيف افتعل مثل هذه الجريمة الشنعاء. فإنا من دعوت كل هؤلاء، لو عاد به الزمن لاكتفى بهما ولا أحد غيرهما. ها هي تقترب منه. هيا مراد تكلم. أخرج صوتك. حرك يدك. ولكن كان عقله قد فصل عن إدراكه. أصبح كالصنم. استيقظ على فرقعة أصابع أحمد وضحكات المدعوين. ليقول أحمد ممازحا مراد: خلاص لو مش عايزها هاخدها أنا وأهرب بيها. مهو الجمال ده كله حرام يتساب كده.
ليلكزه بكتفه ويقول: فاكر نفسك ظريف. سيبها. إنت ماسكها كده ليه. ليتركها ويرفع يديه علامة على استسلامه. مراد: أهو أنا سايبها بس إنت اللي ممسكتهاش هههههههههه. أمسك يدها بشغف وقبلها وعدل وقفته ليكون بجانبها ويسيرا معا. هي تمشي على استحياء فهي محط أنظار الجميع، وهو يمشي بغرور يليق به، فهو من فاز بهذه الفاتنة. تقدموا ليؤدوا رقصتهم الأولى معا وقد كانت رقصة فاشلة جدا، فكان الفستان بالفعل عائقا بينهما.
لعن نفسه مرارا على اختياره. ضحكت فاتن على تخبطه وهمست بصوت يكاد مسموعا: حور عندها حق. مراد: عندها حق إيه؟ فاتن: قالت مش هنعرف نرقص بسببه هههه. لينظر لها بغيظ ويقول: حور؟ هي البنت المفعوصة قالت كده؟ لتضحك وتقول: أيوه قالتلي مش هتعرف ترقص معايا عشان الفستان واسع. مراد: أنا لازم خدت رأيها قبل التصميم. خلاص تتعوض المرة الجاية. لكزته ومطت شفتيها بطفولة: مرة جاية؟ مراد إنت بتفكر تتجوز تاني؟
ليقهقه عليها بشدة وبحركة محببة قرصها من وجنتها. مراد: هو اللي معاه الملاك ده معقول يفكر بغيرها. أو حتى ممكن يبص لغيرها. أنا لو وقفوا قدامي ستات الدنيا كلها مش هقدر أبص لحد فيهم. إنتي ملكتي قلبي وعقلي. ملكتيني كلي يا فاتنتي. ابتسمت على كلماته العذبة وأكملوا رقصتهم. كان الزفاف أسطوريا، فكل ما به كان مرتب بما يليق بعائلة الزيناتي. حضره رجال الأعمال من مختلف البلاد.
(وفانزاتي القمرات كانوا موجودين وهالة كانت بتبص عليهم من فوق) والصحافة التقطوا لهم العديد من الصور لهم وللعائلة والأصدقاء. وأخيرا انتهى الحفل وتوجه مراد ومعشوقته لجناحهم. اقترب منها يحملها فاعترضت. رانيا: مراد لا متشلنيش، أنا هدخل لوحدي. مراد: ليه بقا. واقترب ثانية لتعترض. مراد: وبعدين إحنا هنقضي الليلة هنا ولا إيه؟ رانيا: أصل الفستان تقيل أوي ومش هتقدر. مراد باستنكار: نعاااااام مش هقدر ليه؟
شايفاني خرع ولا أكونش سوسن وأنا مش واخد بالي. لتضحك من قلبها على كلماته وتقول وهي تضحك: إنت متأكد إنك عشت عمرك كله برا مصر؟ هههههه ده اللي يسمعك يقول عايش طول عمرك بـ بولاق. ليسكت ضحكاتها حين انتشلها بين يديه ليدلف بها لغرفتهم الخاصة. مراد: هوريكي ابن بولاق هيقطعك إزاي. لتشهق على كلماته فهي لم تعهده كذلك. ليداعب وجنتها بأنفه ويضعها على السرير بتروي. ويهمس لها: بهزر يا رمضان ولا إنت مبتهزرش؟ لتتسع عيونها
وتقول موجهة إصبعها بوجهه: مراد ابعد عن أحمد هيبوظ أخلاقي. ليرتمي على السرير وهو يضحك بشكل هستيري على ما تفوهت به. وبعد انتهاء نوبة الضحك، أمسك يدها وقبلها قبل صغيرة ومن ثم احتضن وجهها بكفيه وقبل جبهتها ووجنتيها وهو يهمس لها بأجمل كلمات العشق. فاتن بتوتر ملحوظ: مراد في حاجة لازم تعرفها. مراد: مش عاوز أعرف حاجة.
حاولت أن تتحدث وتخبره أن زواجها من علاء كان على ورق فقط، ولكنه كان يعلم ويعرف حق المعرفة ما تريد قوله، ولكنه لم يرد أن يبدأ حياته معها بماض لا يعنيه ولا يخصه، فهي الآن له وبين يديه هو فقط حبيبها وعشيقها وزوجها. ليقضوا ليلتهم بسعادة غامرة كزوجين حقيقيين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!