في منزل الشناوي، وتحديدًا داخل مكتبه، يقوم بتكسير وإلقاء كل ما تطاله يداه وهو يصرخ بأفظع السباب والشتائم لعائلة الزناتي وكل رجال الأعمال الذين اتفقوا وتكاتفوا مع مراد ضده. ها هو خلال شهر واحد خسر الملايين. رجال الأعمال ألغوا صفقاتهم معه، وليس ذلك وحسب، بل وقفوا ضده في السوق ونافسوه وأخذوا صفقات بأقل العروض فقط ليخسرها هو. وها هي شركاته تتعرض للبيع بالمزاد العلني.
عشرة أيام يدور حول نفسه كالتائه. طرق كل الأبواب وحاول مع كل معارفه، حتى البنوك أقفلت أبوابها بوجهه. في قصر الزناتي، جميع الخدم يعملون على قدم وساق تجهيزًا لحفلة الليلة. فمراد قد دعا جميع رجال الأعمال احتفالًا بسقوط حسن الشناوي.
ها هو حسام يشرف على كل صغيرة وكبيرة، فهو كان له فضل كبير في سقوط إمبراطورية الشناوي. فقد كان الرابط بين الشركات المصرية والعملاء من خارج مصر، وهو من كان يسهل أمور الجمارك لمعارفه الكبيرة بالشخصيات الحكومية وسلك الشرطة. وما سهل أموره هو إدراج اسم حسن الشناوي بين المشتبه بهم بتجارة الأسلحة والمخدرات. مع دقات الساعة التاسعة، بدأ وفود رجال الأعمال مختلفي الجنسية إلى حديقة القصر التي كانت مجهزة على أكمل وجه لاستقبالهم.
ظهر مراد بأبهى حلة، كان يرتدي بدلة سوداء وقميص أبيض مع ربطة عنق حمراء جعلته محط أنظار الجميع. من أعلى الدرج، ممسكًا المايك، يقول مراد: "أهلاً بجميع الحضور من رجال أعمال وصحافة. أتمنى لكم سهرة سعيدة، وانتظروا مفاجأة الحفلة بس لما يوصل ضيف الشرف." صفق له الحضور، والتفت كل إلى ما يشغله من أحاديث وصفقات.
في الناحية الأخرى، أخبر حسن زوجته أن تتجهزوا لحضور حفل عمل دون أن يخبرهم وجهتهم. ولكن رانيا رفضت ذهاب ابنتيه لشعور سيء بداخلها. فانصاع لها بعد جدال عقيم. فهي برغم كل قسوته وكل ما قاسته معه، إلا أنها تصبح كاللبؤة حين يتعلق الأمر بابنتيها. وبعد ما يقارب الساعة، وصل حسن وزوجته إلى قصر الزناتي. وما أن توقفت أمام البوابة حتى خارت قواها وأصبح قلبها يدق بعنف كالطبول. وهمست بوهن وضعف: "محمد...
في نفس الوقت، وصل مسعود مع زوجته. فسلم على حسن وعلى وجهه ابتسامة لم يستطع حسن فهمها، ولكنه لم يبالي. وأمسك يد زوجته وهمس بالقرب من أذنها: "اسمعي هقولك إيه وافهمي كويس، وإلا هتكون آخر مرة تشوفي بناتك فيها. وانتي عارفاني وعارفة قد إيه كلامي جد." لتقف مصدومة وهي فاغرة فمها. فيكمل: "أكيد حبيب القلب موجود بالحفلة. مش هنخرج من هنا إلا وهو مرجع لي كل حاجة وزيادة كمان. فاهماني؟ لتقول بتلعثم: "إنت بتقول إيه؟
أكيد اتجننت. وبعدين هو هيرد على كلامي إزاي؟ ده أكيد مش طايق يبص بوشي بعد اللي حصل زمان." ليبتسم بسماجة ويقول: "أول حاجة محمد لحد دلوقتي بيحبك. وتاني حاجة، مين قال إنك هتكلميه. بس إنتي لازم تعملي المستحيل عشان ينفذ طلباتك، يعني استغلي حبه ليكي وجمالك." "ماذا يقول؟ هل جن؟ نخوة به لهذا الحد وصلت به قذارته؟ ألا يكفي ما افتعلته يداه بالماضي؟ ألا يكفي كونها كانت سلعة للبيع فيما مضى؟
ليفصلها عن أفكارها وهو يسحبها من يدها بعنف، وينظر لعينيها نظرة مرعبة ويقول: "افتكري بناتك." دلفوا داخل القصر ليشاهدوا الحشد الكبير. وما أن وصلوا وسط الحديقة حتى تسلطت الأضواء عليهما. ليرحب بهما مراد بحفاوة مصطنعة: "أهلاً بضيوف الشرف، نورت قصر الزناتي يا شناوي." صفق الجميع، خصوصًا مراد الذي اقترب من حسن وبيده بعض الأوراق ويلوح بهم أمام عينيه. *** يجلس على إحدى مقاعد المشفى ينتظر خروج الطبيب. وبعد بعض الوقت، خرج
الطبيب وتحدث بعملية بحتة: "الحالة جات لها صدمة عصبية أثرت على حاسة النطق وأصابتها بشلل مؤقت بجسمها. الفترة دي محتاجة راحة تامة وتمشي على العلاج، وهتحتاج طبعًا علاج طبيعي عشان ترجع تتحرك. أما النطق، دي حالة نفسية، يعني مقدرش أقولك ممكن ترجع طبيعي ولا لأ." أنهى كلامه وأداره ظهره مغادرًا. وما هي إلا دقائق حتى أتى له موظف الحسابات يطالبه بدفع مبلغ تحت الحساب. ليشير له برأسه بالإيجاب. فانصرف الموظف.
أخذ الردهة ذهابًا وإيابًا يفكر بخيانة صديقه مسعود له وانضمامه لصفوف مراد واتباعه. فلاش باك. حسن: "إيه الورق ده يا مراد؟ ليقربه له أكثر وهو يقول: "ده نهايتك يا شناوي." أخذ الأوراق وقرأها، فوجد أن مراد قد اشترى عقد رهن فيلته التي كان وقع لمسعود عليها. هذا يعني أنه أصبح بلا مأوى. فمراد بذكائه قد فاق التوقعات كلها. فهو لم يتوقع أبدًا أن يخونه شريكه مسعود، ولكنه كان مخطئًا. فاق من شروده على أكثر الأصوات التي يكرهها.
مراد بابتسامة انتصار: "إيه يا شناوي، معاك فلوس تدفع للمستشفى ولا محتاج مساعدة؟ وقبل أن يجيب، رأى ملاك تجري عبر الردهة لتتخطاه وترتمي بحضن والدها، وهي تبكي بحرقة. وصوت شهقاتها يتردد صداه عبر الممر كله. كأنه يواسيها ويبكي معها ألمها وحسرتها على والدتها.
كأنه يقول لها: "ابكي وانتحبي وأنا معك. سأبكي على قلب حنون على لوعة فراق أم. ابكي ولا تخافي أن تكوني وحيدة. فأنا معك بكل دمعة وكل آه وكل صرخة. ابكي واخرجي ما بداخلك من ألم. سأكون سندًا في وقت لا سند فيه. سأكون صديقًا وشريكًا لما تشعرين." فاق من شروده على صوت همس يخرج من بين شهقاتها: "ماما... فين... هي كويسة؟
شعر بقلبه يهوى إلى قاع الأرض. فجمالها ليس جمال بشر، وصوتها الرقيق كزقزقة العصافير يرفرف بالأجواء. عاصفة عصفت بقلبه، شعر أنه سيقفز من بين أضلعه. يتمنى أن تستدير ليراها ثانية. انتظر لحظات مرت عليه كالساعات، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يناله. فهي محتضنة والدها بقوة، دافنة رأسها بصدره وموليته ظهرها. وكل ما يراه ارتجافة جسدها ويسمع صوت بكائها.
لم يتحمل أكثر من ذلك، فاستدار عائدًا من حيث أتى. يمشي بخطى ثقيلة لا يعرف ما به أو ما هي هذه الأحاسيس والمشاعر التي تتضارب بداخله. فهذه أول مرة يحاكي هذه المشاعر. هو شخص عملي خالٍ من المشاعر. كان يرافق فتيات قليلات لم تتعد علاقتهم الصداقة، برغم معرفته بمشاعرهن باتجاهه. إلا أن علاقاته لم تتعد السهرات والخروج، ولكنه لم يتعامل مع مشاعر كهذه أبدًا.
مشى كثيرًا حتى وصل إلى ضفاف النيل، فوقف يشبع صدره هواءً نقيًا، لعله يرتاح قليلًا وتهدأ موجة مشاعره الهائجة. *** في صباح يوم جديد، تطل الشمس بخيوطها الذهبية ليرى كل شخص مصيرًا جديدًا وحاسمًا بحياته. فمنهم من سيتنعم، ومنهم من سيبتلى ويعاني قسوة أيام وحياة وقدر.
استيقظ متأخرًا على غير عادته. فهو لم يستطع النوم كباقي لياليه، فبقي طوال الليل يتقلب بفراشه. كلما أغمض عينيه، تتراءى له وهي تركض وعبراتها سيل على وجنتيها. كلما حاول أن يتناساها، تردد بأذنه صدى شهقاتها وهمساتها. نزل إلى بهو القصر، وجد جدته تترأس سفرة الطعام كالعادة. جلس على مقعده بهدوء ليبدأ بتناول طعامه دون شهية. فقالت الجدة: "ها، عملت إيه مع حسن؟ مراد:
"معملتش حاجة. وضع الست رانيا ميطمش، وكان الوضع ميتحملش الكلام اللي هقوله، خصوصًا بحضور بنته." لتنظر له بغموض دون أن تعلق على كلامه. دخل عليهم من الخارج علاء: "صباح الخير." مراد: "إنت منمتش بالقصر؟ علاء بتلعثم: "لا، أصل رحت أنا وأصحابي سهرنا وخدنا الوقت. إنت عارف إني من لما رجعت مصر مشوفتهمش، وامبارح جم الحفلة وبعد انتصارك العظيم كان لازم نحتفل." قالها مبتسمًا ببلاهة حمقاء. قامت الجدة عن كرسيها ومشت
برزانتها المعتادة وقالت: "علاء، خلص والحقني على المكتب، وإنت يا مراد، خليهم يجهزوا العربية." لتذهب من أمامهم دون إضافة أي كلمة. مراد: "قوم بسرعة، شوف تيتا عاوزة إيه، بلاش نتأخر." ليومئ برأسه وينطلق بسرعة خلف جدته. دلف للمكتب بعد أن سمحت له بالدخول ليقول: "بابتسامة واسعة، أؤمري يا تيتا، عاوزة إيه؟ لتخرج مغلفًا من درج المكتب وتقذفه بقسوة وعنف باتجاهه. "افتح الزفت ده وشوف مصايبك."
ليمْسِكه بأصابع مرتعشة ويفتحه تحت نظراتها النارية. لتخور قواه ويتمنى لو يختفي من أمامها بسرعة البرق، أو لو يعود الزمن ولو دقائق ليستعد لمواجهة ساحقة ومحسومة لصالحها. أوقع ما بيده وهو يتصبب عرقًا ونظره مثبت بالأرض. لتردف بصوت مرتفع ملؤه الغضب: "إمتى هنخلص من مصايبك وقرفك ده؟ إنت مصّر توطي راس العيلة اللي عاش جدك عمره كله يبني فيها وسمعتها متل الجنيه الدهب؟ إنت مش عارف إن ده حرام؟ إنت إزاي كده؟
لا بتخاف على سمعتنا ولا خايف من ربنا؟ لتسقط دموعه لا إراديًا خوفًا منها وليس خوفًا من رب العباد. فأمثاله من ارتكب معاصٍ كتلك ماتت قلوبهم ولم يعد بها وجل من الله. لتكمل بوعيد وأمر: "إنت هتتجوز وتبعد عن مارك وشلته، وأنا ليا تصرف تاني معاهم." ليتصنم من كلمة زواج، فهو يرفض هذا قطعًا. ولكن جدته قد أصدرت فرمانًا غير قابل للنقد أو المناقشة. دار برأسه كمٌ من الأسئلة، ولكن من سيجيبه؟ من التي ستتزوجه؟ كيف سيتعامل معها كزوج؟
من بعث الصور لجدته؟ من صوره بهذا الوضع؟ هل هو مارك؟ ماذا تعني بكلامها أنها ستتصرف معهم؟ لم يعِ لنفسه إلا بصفعة أعادته لأرض الواقع، ولم تكن إلا من جدته لتقل بأمر: "اطلع نضف نفسك من القرف وانزل بسرعة، لازم كل حاجة تنتهي النهارده." ليهرول من أمامها بسرعة البرق متوجهًا لغرفته. استحم وأبدل ثيابه بسرعة ونزل ليجدهم ينتظرونه.
توجه ثلاثتهم بالسيارة للمشفى، وكل منهم برأسه أفكار مختلفة عن الآخر. مراد يفكر بمن أرقت ليله، هل سيتسنى له رؤيتها. علاء يفكر بماذا تنتوي جدته وكيف سيهرب من الزواج. الجدة تفكر بخطة محكمة لتضيق الخناق على حسن ليرضخ لمطالبها. وصلوا وكل منهم ببدن منفصل عن الآخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!