في اللحظة التي تفوّهت فيها راما بكلماتها، ساد صمت كثيف. صمت ثقيل ككفن، حتى الهواء تراجع إلى زواياه. توقّفت أنفاس الخدم. ولم تُحرّك لارينا ساكنًا. وضعت العلامة الجلدية التي تستخدمها كإشارة على الصفحة المفتوحة من كتابها، أغلقت الدفّة العتيقة بحركة بطيئة محسوبة، ورفعت عينيها إلى راما. قالت بصوت خافت كنسيم الليل: "راما دي فلور… اركعي."
لم يكن الأمر قابلًا للنقاش. في القصر، حين تنطق لارينا باسمك متبوعًا بالأمر، فذلك يعني أن الجحيم في انتظارك. تقدمت كبيرة الخادمات «مادام إيديث» —العجوز الصارمة المسؤولة عن دفتر العقوبات. فتحت الدفتر المصنوع من جلد أسود، والموسوم بشعار السيد الخاص. قرأت بصوت جهور: "إهانة موظف رفيع المستوى في القصر… الفئة الخامسة من المخالفات… عقوبة فورية: غرفة الانعزال الباردة لمدة ٣ أيام، وحذف اسم المخالفة من جدول الحوافز."
تقدمت لارينا، رفعت ذقن راما بإصبعها البارد وقالت: "لو كان الأمر بيدي كنت سأتغاضى، لكنك لمست مقام القصر أمام الجمع. والآن… لن ينقذك إلا شفاعة السيد نفسه. وأنتِ تعلمين أنه لا يتدخل." صمتت لارينا لثوانٍ. ثم رفعت يدها وأشارت بإصبعها الطويل إلى الأرض أمامها. نظرت راما إليها بعينين دامعتين، كانت شفتاها ترتجفان، جسدها كله يئن من أثر الجلد، لكنها رغم ذلك تماسكت. قالت لارينا بنبرة ثابتة: "اركعي، راما دي فلور."
لثانية واحدة، تجمد الزمن في القصر. تبادل الخدم نظرات خاطفة، كيرا أمسكت نفسها، وتالين التي كانت تبتسم اختفت ابتسامتها. همست لارينا: "قوليها وانقذي نفسك يا راما دي فلور، قوليها ويصبح كل شيء من الماضي." رفعت راما يدها تطلب السماح بالكلام، لكن لارينا صدتها. "لا تبرير، لا نقاش. قوليها وتصبحي حرة؟ ابتعلت راما بلعومها، لن تقول الكلمة الآن، لن تقولها حتى تنتقم من كل من في القصر.
بتردد انحنت راما ببطء. ركبة تلو الأخرى لامست الأرض الرخامية الباردة، ارتجف جسدها حين لمس جبينها الأرض، خصلات شعرها المنثور سقطت على وجنتيها. كان في حركتها مزيج من الغضب والقهر، لم تستسلم بسهولة، بل كمن يحارب داخله ألف صرخة. اقتربت لارينا منها، وضعت يدها الباردة على شعر راما، ثم همست قرب أذنها: "تعلمين أني قادرة على محو وجودك من هذا القصر في دقيقة… لكنني أُبقيك… فقط لأني أجد متعة في رؤيتك تنكسرين."
رفعت لارينا يدها ببطء، ومسحت على رأسها بحركة تشبه مداعبة القطط، ثم صفعتها بخفة على عنقها كأنها تقول: أحسنتِ. أصدرت لارينا تعليماتها: "ابتداءً من الغد، تُراجع حديقة الزهور ثلاث مرات. وأي نقص أو قطع ورقة يُسجل على المتدربة راما باعتبارها مسؤولة إشرافية. القصر لا يعرف المجاملة." ثم جلست وأكملت قراءة كتابها. اقتادوا راما، بينما بقيت عيون الخدم معلقة بجسدها الهزيل المتألم. قالت مادام إيديث:
"تدوّن الواقعة في سجل الشرف المقلوب." وساد الهمس في القصر. فالـ"شرف المقلوب" هو سجل أسود، يُكتب فيه اسم الخادمة التي تخطت خطوط السيد أو سكرتيرته. ومن يُسجّل فيه… يُصبح بلا مستقبل. دقّت الساعة الكبيرة منتصف الليل. فتوزع الخدم كما لو كانوا بيادق على رقعة شطرنج، كلّ إلى مهمته، بلا كلمة، بلا تنفّس. في هذا القصر… لا أحد يتجاوز القانون. لا أحد يرفع صوته فوق همس لارينا. وهكذا استمر الليل.
داخل الغرفة المظلمة جلست راما تشعر بالإهانة، لم أحضر لها لأهرب من المواجهة. كان يمكنها أن تقول: أريد أن أخرج، وحينها تنتهي علاقتها بالقصر وكل من في داخله. إنها الكلمة المحرمة داخل القصر، وإذا سمع شخص يقولها حتى من باب المزاح يكون مصيره الطرد من القصر. حتى الآن لم ترَ السيد ولا تعرف كيف تمرر تلك القوانين. انقضت راما ثلاثة ساعات عندها دخلت مدام إيديث،
انفتح الباب وأعلنت: انتهت عقوبة راما دي فلور ويمكنها أن تمارس أعمالها كاملة. راما مقدرتش تنام، الليل كله قعدت تفكر في اللي حصل. وكان لازم تعرف هي تعاقبت ليه أول مرة. الصبح كان أول حاجة عملتها راحت تقرأ دفتر العقوبات. بحثت عن زهرة ست الحسن لكنها ما كانت مذكورة زي ما توقعت. الخطية التي ارتكبتها راما ولم تلحظها، ترك أوراق الأزهار والشجر داخل البركة الملكية. يعني لارينا ما كان لها ذنب،
همست في سرها: ذلك السيد اللعين ليس سهل. ثم قرأت دفتر العقوبات مرة أخرى، هناك عقوبة واحدة ينفذها السيد بنفسه. ابتسمت راما: أصبحت رؤيتك ممكنة أيها السيد الغامض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!