الفصل 4 | من 35 فصل

رواية فتيات القصر الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
26
كلمة
1,194
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

فتحت راما فمها من المفاجأة، سألت نفسها ألف مرة وهي واقفة أمام لارينا: كيف أخطأت؟ أين الخطأ؟ حاولت أن تتذكر أي خطأ قامت به بلا فائدة. صاحت لارينا: "المتدربة راما دي فلور، تقدمي إلى الأمام." برقت عينا راما، كانت تفكر: عن أي شيء تعاقب؟ وإن كان عليها أن تعارض الإقرار وتطالب بنقضه كما هو منصوص عليه في كتاب السيد. لكنها تقدمت رغم ذلك، ووقفت أمام لارينا في انتباه. ابتسمت لارينا: "أترين تلك الأريكة يا راما دي فلور؟

عليك أن تذهبي قربها وتنحني عليها." توقفت راما أمام الأريكة وهي تسخر من تلك المهزلة، وكانت تالين تغمز لها بعينها: "يعني دع الأمور تمضي." انحنت راما على الأريكة، وسمعت صياح لارينا: "السوط؟ تقدمت خادمة غير مألوفة تحمل صينية معطرة، استقر فوقها سوط جلدي ووضعته أمام لارينا. رفعت لارينا السوط: "راما دي فلور، خمسة جلدات." شعرت راما بالألم قبل أن تسمع صوت فرقعة السوط. لم تكن ضربة عادية، بل كانت ضربة قاسية تحمل الحقد والغيظ.

ثم تبعتها لارينا بأربع جلدات، كل جلده منها ضربت باستمتاع. ارتفع صياح راما، كانت تعتقد أن الموضوع مجرد مسرحية لإرضاء شخص مريض، لكن مؤخرتها آلمتها جداً حتى أنها فكرت في الصياح والسب واللعن، ثم توقفت في آخر لحظة. إنها مجبرة على اتباع التعليمات كلها. رفعت لارينا هاتفها وشاهدت تسجيل الفيديو: "راما دي فلور تصفع على مؤخرتها." ثم همست: "أتمنى أن يعجب السيد ولا يطالب بإعادته مرة أخرى." جلست لارينا على المقعد.

في القصر الكبير، لم يكن هناك من يضاهي لارينا حضوراً. امرأة تحمل جمالاً من نوع نادر، أشبه بلوحة زيتية قديمة تعثرت بها يد القدر في زمننا الحاضر. طويلة القامة، ذات قوام نحيل ممشوق، يتحرك بخفة راقصة باليه. بشرتها شاحبة ناعمة، كأنها مصقولة بعناية، لا تعرف شمساً ولا إرهاقاً. شعرها كان أشبه بخيوط الفضة، طويلاً، ينحدر بنعومة على ظهرها، تُبقيه أحياناً منسدلاً، وأحياناً ترفعه في جديلة بسيطة تعقدها بدبوس عاجي محفور.

أما عيناها… فهما زرقاوان باهتتان كجليد البحيرات، لا يظهر فيهما انفعال. نظرة ثابتة، تختصر آلاف الكلمات دون أن تنطق بحرف. لارينا لم تكن خادمة ولا مجرد سكرتيرة… بل سيدة القصر الحقيقية. المُدبرة، المخططة، والمتحكمة في تفاصيل حياة الجميع. تتحدث خمس لغات بطلاقة: الإنجليزية، الفرنسية، الإيطالية، الألمانية، والإسبانية. وكان الخدم يتناقلون بينها أن لها أصولاً إيطالية نبيلة.

كانت شديدة الأناقة، لا ترتدي إلا فساتين سوداء أو رمادية داكنة، مصممة بتفصيل نادر، مع قلادة واحدة تضعها دائماً حول عنقها —حجر أزرق صغير يشبه عينيها. عطرها هادئ، أقرب لرائحة أزهار اللوتس في الليل. مثقفة حد الإدهاش. تحفظ مقطوعات بيتهوفن، وتناقش فلسفة شوبنهاور، وتتقن قراءة الشعر الفرنسي، وتعشق رسومات غويا. لا ترفع صوتها. كلماتها مختصرة، هادئة، لكنها نافذة كالسهم. لم يعرف أحد قصتها. كيف جاءت إلى القصر؟

ولماذا ظلت فيه طوال هذه السنوات؟ لكن المؤكد أن لا شيء يحدث في القصر دون أن تعلم به. وكان يكفي أن تضع يدها برفق على كتف خادمة، أو تمرر نظرتها الباردة على خادم، حتى تنهار مقاومته. لارينا… سيدة الأسرار والقرارات القاطعة. تخشى الخدم منها أكثر مما يخشون السيد نفسه، لأنها كانت قادرة على أن تُسقط أي اسم من سجلات القصر، وتجعله يُنسى إلى الأبد.

إذا جلست لارينا على المقعد وكشفت عن قدمها العاجية ولوحت لراما بسخرية أن تنحني وتقبل قدم الرئيسة. "قبلي راما دي فلور، علك تحسنين التصرف في المرات القادمة." تأخرت راما دقيقة، مما دفع لارينا أن تهمس: "قبلي أو يزداد العقاب." انحنت راما وطبعت خمس قبلات على قدم لارينا، وقبل أن تنهي، ركلت لارينا جسد راما بقدمها، أسقطته على الأرض.

الحركة دي ما كانتش من ضمن العقوبات الموقعة على راما، لكن من حق لارينا أن تضيف العقوبة إلى تعجبها في أي وقت. تدحرجت راما على الأرض أمام الخادمات وانفجرت في البكاء. أخذت كيري راما إلى غرفتها وهي تهمس: "احمدي ربنا إن السيد مش موجود، كان ممكن العقاب يكون أكبر، السيد مش بيرحم، وعقوباته مخجلة." قالت راما: "أنا كنت أفضل أن السيد يعاقبني ولا أني أخضع للسكرتيرة اللعينة دي."

همست كيرا: "السيد هنا، واكيد شاف كل حاجة، يعني لو كانت حاجة معجبتوش كان هيرن الجرس." راما بخوف وارتباك: "يعني السيد شافني بنضرب؟ كيرا: "أيوه." راما: "ده واضح إنه صعب جداً، أنا عايزة أعرف الخطأ بتاعي، أعمل إيه؟ كيرا: "هتلاقي الخطأ بتاعك مكتوب في دفتر العقوبات بعد يومين." كيرا: "يلا جهزي نفسك عشان العشا." شعرت راما بالكسوف، لكنها قالت: "حاضر." جسمها كان بيوجعها لأن لارينا تعمدت كده.

تمددت راما على السرير تريح جسدها، مش قادرة تتذكر الله أخطأت في إيه. سابت الغرفة ورجعت على الحديقة، هي متأكدة إن كل حاجة اتعملت زي ما التعليمات المكتوبة. في وسط الحديث، لقيت زهرة ست الحسن مش مضبوطة ومقطوع منها ورقها. راما كانت متأكدة إنها الصبح عملت كل حاجة صح، أكيد في شخص جه وراها وبوظ شغلها، ومفيش حد يقدر يعمل كده غير لارينا. بعصبية اقتحمت راما حجرة المعيشة، لارينا كانت قاعدة تقرأ في كتاب، لما

راما صرخت في وش لارينا: "أنتي إنسانة كدابة ومريضة." صمت الخدم، وصمت القصر، ولم يُسمع سوى صوت أنفاس لارينا المتقطع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...