مع كل جلدة، لم يكن الألم مجرد أثر على الجلد. كان يعبر طبقات جسد راما ويدخل أعماق عقلها، يتسلل إلى ذكريات لم تسمح لنفسها بفتحها من قبل. كانت كل لسعة سوط تفك قيدًا داخليًا، وتجعلها تشعر أنها تنسلخ عن قشرة اسمها "راما" التي لطالما ارتدتها. لم تصرخ، لم تبكِ، لكن داخلها كان يعج بصوت خانق.
في اللحظة الأولى، تساءلت لماذا شعرت كأنها تستحقه. لماذا كان في الألم شيء يشبه التبرئة. كأن ضربات السوط تمحو شيئًا آثمًا لم تعرف اسمه، لكنها اعتقدت يومًا أنها مذنبة به. الموسيقى كانت تعمق من وقع المشهد داخل عقلها، النغم الحزين تسلل لذكريات أيامها الأولى في الحديقة، حين كانت تمشي بين الممرات العطرية بعينين مفتوحتين للحياة. والآن، نفس الزهور التي صنعت منها درب السيد، تسقط أوراقها تحت وقع السوط، كما سقطت ثقتها في نفسها.
كانت تشعر أن كل جلدة لا تعاقبها فقط على ما فعلت الليلة، بل على كل الرغبات الخفية التي لم تعترف بها، على كل المرات التي أرادت أن تتمرد لكنها بقيت خاضعة، وعلى ذلك الدافع الغامض بداخلها لتختبر حدود ما يُسمح به.
حين أشار لها السيد أن تنسحب، لم تشعر أنها عادت إلى ركن الغرفة، بل إلى ركن بداخلها ظل مظلمًا لسنوات. في الركن، وهي تحتمي من ضوء المدفأة، كانت تتلمس بين ألم جسدها وألم وعيها، شعورًا مزيجًا بين الإهانة الغامضة والاعتراف الخفي، شعور المرأة التي تعرف أن الجرح يُحفر ليس في الجسد وحده، بل في تلك المنطقة من الروح التي تخشى أن يعبرها أحد. كان الخوف حاضرًا، لكن تحته، كان هناك شيء أعمق…
شيء يشبه توقًا مريضًا للفهم. لفهم لماذا هذا الألم له طعم خاص، لماذا تسقط أوراق الزهور تحت وقع السياط كما تسقط أقنعتها واحدة تلو الأخرى. وظلت هكذا… تستمع لانتهاء الموسيقى، لاهثة، تتشمم رائحة دمها المختلط بعطر الزهور الباقي في الجو، وعيناها تتجنبان ظل السيد.
ثم أولت سيدها وجهها وانسحبت تجاه الباب بظهر منحنى. عندما خرجت من الباب ابتلعت أنفاسها. كان السلم خاليًا من الخدم، وعلى غير العادة بدا أن لا أحد يهتم بعقابها داخل القصر. خادمة نكرة.. شعرت بالألم عندما مررت يدها على ظهرها، شعرت أن ملابسها تمزقت لكن روحها كانت مست أكثر. فتحت باب غرفتها وأحكمت غلقه، ثم نزعت ملابسها ووقفت أمام المرآة. كانت هناك خطوط متعرجة على ظهرها بقايا الجلدات التي تلقتها بمهانة.
ربما لم تؤلمها الصفعات أكثر من الطريقة التي تم بها عقابها. حتى في عقابه كان السيد لا يوليها أي اهتمام، لم ينظر إليها ولا مرة وهذا ما أثر في كبريائها أكثر. كانت كلماته الحادة هي التي توجهها: "قفي هنا، تحركي، انحني، قبلي، ازحفي." بمهانة أطلقت راما صرخة مكتومة. آه لو فقط انتبه لها! لو ترك لفافة التبغ أو نظر في وجهها! كان يفعل كل ذلك بدم بارد، ثم احمرت وجنتيها خجلًا عندما عبرتها الذكرى الوحيدة التي لا ترغب بتذكرها.
"هل يفعل ذلك مع كل الخادمات؟ أم أنا فقط؟ دهنت كل البقع التي مسها السوط في جسدها، حاولت أن تنام على ظهرها بلا فائدة. أخيرًا فتحت نافذة الغرفة ونامت على جانبها في مواجهة القمر. لا شيء يحدث صدفة في قاموس راما، لذلك رغم الألم أطلقت ابتسامة ساخرة. عندما يحين الوقت سترفع علامة الانتصار في وجه كل قبح العالم. لم يكن جلده أو صفعه قادر على كسر عزيمتها، سيحتاج لأكثر من سوط حتى يهزمها.
لكنها في الحقيقة لم تتمرد، لم ترفض أو تعترض، لم تمنحه فرصة للاستمتاع وخسرت جزءًا من روحها. كل الذين تعرضوا لعقاب السيد، يحتفظون بالذكرى لأنفسهم. كيرا، تالين والأخريات لا يتحدثن عن ما حدث في غرفة السيد، لكن راما رغبت بشدة أن تعرف ما حدث، أرادت أن تقارن بين عقابها وعقاب الأخريات، كان هناك مشهد ناقص أرادت أن تتثبت منه. في الصباح قصدت راما الحديقة الملكية، استيقظت قبل جميع الخدم حتى تتحاشى نظراتهم وأسئلتهم.
حينما حل وقت الغداء وتجمعت الخادمات على الطاولة لم يسألها أحد عن ما حدث، كانت قوانين لارينا تحرم ذلك. ما يحدث في غرفة السيد يخص السيد ولا شيء آخر. رغم ذلك بعد انتهاء تجمع الغداء سحبت راما تالين من يدها. أقرب خادمة لها، وحبستها داخل غرفتها. "لن تخرجي من هنا حتى تخبريني كيف كان عقاب السيد معك." رفعت تالين يدها. "كان قد مر وقت طويل، انسى يا راما." "لن أفتح فمي." "أريد أن أعرف أرجوك، ألست صديقتك المقربة؟ همست تالين:
"أعلم." ثم غمزت بعينها وأغلقت باب غرفتها بإحكام وجلست على السرير. "أيتها المتدربة راما دي فلور، أخبريني بالحقيقة كلها." "ماذا فعل السيد معك منذ لحظة دخولك وحتى ظهورك أمام وجهي اليوم؟ "في المقابل ستخبرك تالين دي فلور بحكايتها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!