الفصل 8 | من 35 فصل

رواية فتيات القصر الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
18
كلمة
875
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

حينما دقت عقارب ساعة القصر الحادية عشرة مساءً، تسللت من ممرات الحديقة الداخلية نحو الجناح الغربي، حيث جناح السيد الخاص. الأضواء كانت خافتة، لا شيء سوى وهج المدفأة يراقص جدران الغرفة بضوء مائل إلى النحاسي. الموسيقى تنبعث من آلة فيولين منفردة، معزوفة "Adagio in G Minor" لألبينوني، نغم شجيّ يشبه نحيبًا مكتومًا، يتردد صداه فى الأرجاء. الباب كان مواربًا، كأن السيد تركه كذلك عمدًا.

دفعت الباب بحذر ودخلت، تغمرنى رائحة التبغ الفاخر الممزوج بعطر الزهور الذابلة قرب النافذة. السيد لم يتحرك، جالسًا فى كرسيه الجلدي الداكن، ظله يمتد حتى أطراف الغرفة، بينما سيجار طويل يتوهج طرفه بين أصابعه. «اقتربي.» جاء صوته هادئًا، لكنه يحمل نبرة سلطويه لا تسمح بالتردد. مشيت خطوتين لكن السيد همس: ليس كذلك، افعليها بالطريقه الصحيحه.

ترددت لحظه قبل أن انزل على ركبتي وازحف، أطراف أصابعى تحتك بالسجادة الوثيرة، رائحة زهر ثقيلة وعبق جلده يملأ الأجواء. عندما توقفت عند قدميه، لم يقل شيئًا. انتظرت. أطال صمته، وكأن في ذلك متعة أكبر من أي فعل. ثم أشار بإصبعه نحو الأرض: «هنا.» زحفت إلى حيث أشار، وعندما استقريت سمعته يقول: «ارفعي رأسك.» فعلت. نظره ثبت في عيني طويلًا. لم يكن فيه غضب ولا رضا… كان فيه شيء آخر. شيء يتلذذ برؤية ارتباكي. «هل تعرفين لماذا أنت هنا؟

همست: «لا… يا سيدي.» «لأنك… بحاجة للتذكير.» لم توضح كلماتُه ما الذي سيذكرنى به. لكنه قالها بطريقة جعلت جسدى يقشعر. أشار بيده: «ازحفي. ببطء. إلى نهاية الغرفة. ثم عودي.» ترددت، ثم تحركت. صوت قماش ثوبى على الأرض كان أوضح من أن يتجاهله. تحركت ببطء، اشعر بنظراته تسير فوق ككف غير مرئية. عندما وصلت للحافة، استدرت بعناء وبدأت طريق العودة، نظراتى لم تغادر الأرض. «أبطأ.» خففت من حركتى. «جيد.»

كان صوته يمر بى كما تمر الموسيقى الثقيلة، يشد حواسى دون أن يمسها. عندما وصلت عند قدميه، لم يأمرنى بالوقوف، صالب ساقيه قرب المدفأة وسحب من لفافة التبغ. فجأة وقف خلفى، لم يمسنى. فقط صوته العميق، كأنما ينبثق من جدران القصر لا من حنجرته. «قولي من أنت.» ترددت. ثم همست: «راما يا سيدي.» «لا. هذا اسمك فقط.» قالها بهدوء. صوت الكلمات كأنه ينزع عنى قشرة لا تُرى. «من أنت؟ " راما دي فلور سيدي."

صمتت، وراحت الموسيقى تلتفّ حولى. شعرت بشيء غريب، أن كلمات السيد تخترقني لا لتؤلم، بل لتوقظ ما لم اسمح لنفسي أن تلمسه. اقتربت أكثر، حتى شعرت بحرارة وجوده. همس: «أترين؟ لا حاجة للسوط. العقول تُروَّض بالنظرات.» شعرت بقشعريرة. ظللت جاثية. «اسندي ظهرك للحائط، ضعي يديك على ركبتيك، واغمضي عينيك.» فعلت. مرت دقائق… أو ربما ساعات، لا أدري. لم اسمع سوى خطواته البطيئة، صدى الموسيقى، ووشوشة أنفاسي.

أحيانًا كان يقترب حتى اشعر بحرارة وجوده… وأحيانًا يتوارى فلا اعرف إن كان غادر. مرر طرف إصبعه على عنقي —لمسة سريعة، بلا معنى ظاهر —لكنها صنعت في رجفة لم اعرفها من قبل. «أنتِ… ممتعة حين تصمتين.» ثم جلس على مقعده، وأمرني أن ابقى كما أنا. بقيت كذلك حتى تعرّق جسدي وخدرت أطرافي. لكنني لم أجرؤ على التحرك. ظلت هناك، متعبة، مذعنة، وفي داخلي شيء يتفتت وشيء آخر يتشكل. وفي النهاية، قال:

«عندما تنظرين في المرآة الليلة… تذكري هذا.» ثم جلدني فوق ظهري عدت مرات. شعرت بعلامات السوط فوق ظهري. لم تكن جلدات عنيفة أو قاسية رغم ذلك شعرت أنها تتخلل روحي. " ادعي في سرك أن لا تريني مرة أخرى، لأن حينها يا فتاة، يا راما دي فلور، ستجدين شيء آخر، شخص آخر وعقاب آخر." ثم تركني انسحب ببطء من الغرفة… جسدي سليم، لكن روحي ثقيلة. في غرفتي، نزعت ملابسي ووقفت أمام المرآة. لا جروح. لا علامات.

لكنني عرفت… أنني خسرت اليوم شيئًا من نفسي وتركت جزءًا آخر معلقًا في غرفة السيد. ابتسمت تالين وهمست: "هذا السيد غريب، لكن يبدو لي أنه ابتكر لك عقابًا خاصًا، يشعرني أنه لم ينته منك بعد."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...