التفت لتضع يدها على مقبض الباب لكنها تصنمت ما إن استمعت لاسمها يخرج من بين شفتيه. وقفت مكانها مغلقة عينيها بينما كانت ما تزال تقف معطية ظهرها له، منتظرة إياه أن يتحدث. لتهرب لبيت والدتها التي تسكن في الشقة المقابلة لهم، لتهرب لحضنها منه. ولأول مرة منذ زواجهم الذي دام لثلاثة سنوات، كانت في تلك المدة كلما ضاقت بها الحال أو حزنت لسبب ما، حتى وإن كان هو السبب والذي كان نادراً ما يحدث، كان حضنه الملجأ الوحيد لها.
حتى أنه وجد أنها بقيت هكذا لبعض الوقت حتى أردف أخيراً بهدوء: "ممكن تبصيلي؟ تحركت بتردد ونظرت باتجاهه، لكنها لم تجرؤ على أن تنظر في عينيه. قاسم برجاء حزين: "عشق بقولك بصيلي، مش بصي للارض. آخر طلب علشان خاطر." نزلت دمعة متمرّدة من عينيها لتأخذ نفساً عميقاً قبل أن ترفع رأسها ناظرة لعينيه. قاسم بابتسامة منكسرة: "خلي بالك من نفسك، هتوحشيني يا عشقي." "انتبهي لقلبٍ أحبه."
استطاع رؤية النظرة الساخرة والمتألمة في عينيها، وكم كان يتألم لألمها، لكن الظروف كانت أقوى منه. لقد أُجبر على فعل ذلك، وبالتفكير في ذلك فإنه يزداد ألماً. أومأت له بلا مبالاة، ثم تحركت مغلقة الباب خلفها، تاركة ذلك القاسم ينظر في أثرها ودموعه تتساقط بصمت.
جلس خلف الباب ليبكي بحرقة، ولأول مرة منذ فترة طويلة. فاخر مرة قد بكى فيها بهذا الشكل كانت عندما فقد كلا والديه في الثانية عشر من عمره. لقد كان تماماً مثل ذلك الطفل الذي كان عليه عند فقدانه لكل ما يملك، والآن هو فقدها مثلهم. كانت تجلس في الجهة المقابلة له من الباب، تكتم شهقاتها. فيوجد جزء منها يشعر بأنه يخفي شيئاً ما، وكم تتمنى أن تتبع شعورها هذا، لكن كيف؟ وكل شيء يخبرها وبوضوح بأنه قد خانها حقاً؟
كانت على استعداد أن لا تصدق عيناها التي رأته مع امرأة غيرها، وأن لا تصدق أذناها التي استمعت له يتغزل بجمالها وشدة حبه لها. كانت فقط تنتظره أن يخبرها بأنه لم يفعل، وكانت لتصدقه هو فقط، لكنه أيضاً لم ينكر فعلته. انهارت قوتها وقوة تماسكها لترتفع صوت شهقاتها. تداركت نفسها ونهضت سريعاً وبتعثر، ما إن استمعت لصوت بكائه يتوقف، وذهبت لشقة والدتها تطرق عليها.
لحظات وفتحت امرأة في بداية الخمسينات وعلى وجهها يرتسم الفزع وآثار النوم واضحة عليها. الأم بفزع بسبب حالتها: "يا ساتر يارب. مالك يا ضنايا؟ ارتمت عشق في حضنها وأخفت وجهها في صدرها لتنهمر دموعها من جديد، بينما كانت شهقاتها تخرج مكتومة. كانت والدتها تربت على ظهرها في محاولة منها لبث الراحة والطمأنينة. الأم بحنية وألم على حال ابنتها: "اهدي يا عشق. اهدي يا ضنايا. اتخانقتي مع قاسم ولا إيه؟ لم تجبها عشق لتكمل بمزاح:
"شكلك اتخانقتي معاه يا عبيطة. بقي الموضوع يستاهل كل ده! "ثواني بس وهتلاقيه بيخبط علينا ياخدك. ده مش بيستحمل يقعد ثواني من غي... عشق بصوت متحشرج: "اطلقنا." أُلجمت الصدمة لسان والدتها لتسحبها للداخل بصمت، فهي الآن بحاجة لدعمها. جلست بها على الأريكة وعشق فقط كانت تبكي وأمها تربت عليها بصمت، تاركة لها الفرصة لتعبر عن حزنها وضيقها بالبكاء.
مر بعض الوقت لتبعد عشق عنها قليلاً ما إن شعرت بارتخائها بين يديها، ليتضح أنها قد غفت من إرهاقها البدني والنفسي. وضعته بوضعية مريحة للنوم على الأريكة، فهي لن تستطيع تحريكها لغرفتها، ومن ثم ذهبت لتحضر بطانية لها. وضعت البطانية عليها جيداً، ثم جلست بجانبها تمرر يدها على وجنتها المبتلة بدموعها بحنان. الأم بحزن: "كان مكتوبلك فين ده كله يا بنتي؟ (في الصباح) الأم بخفوت وحده: "بقولك عشق لو عرفت هتنهار." عشق بهدوء:
"يا خالتي... هو إيه اللي لو عرفته هنهار؟ بلا مبالاة وبرود: "سي قاسم سافر وساب البلد." لم تتحدث لكنها أومأت بصمت وبملامح جامدة قبل أن تذهب لغرفتها. (بعد مرور ستة أشهر) كانت تجلس بشرود في بلكونة منزلهم، وبلا شعور منها وكما اعتادت في الفترة الأخيرة، يدها تحركت باتجاه بطنها المنتفخ، لتمرر يدها عليها صعوداً ونزولاً بحنية، لتستشعر حركة متحمسة أسفل يدها.
ابتسمت بتلقائية، رغم أنه يؤلمها بحركته في بعض الأحيان، إلا أنه يعطيها دافعاً للاستمرار. وكيف لا يفعل وهو آخر ما تبقى لها منه؟ تعلم أنه عليها نسيانه والمضي قدماً في حياتها، لكن كيف لقلبٍ محب أن ينسى بسهولة؟ نهرت نفسها ما إن فكرت في عذر لما تفكر فيه، فهي الآن مخطوبة لرجل آخر، لا يصح الآن أن تفكر في غيره، حتى وإن كان زوجها السابق ووالد طفلها القادم و... وحبيبه.
تنهدت ونهضت لتتحرك ببطء وحرص خوفاً على جنينها للداخل، بينما كانت يداها واحدة خلف ظهرها والأخرى على بطنها. الأم: "اقعدي يا حبيبتي ريحي، خالد لسه قافل معايا." صمتت قليلاً من ثم تنهدت مكملة: "عايز يتكلم في موضوع إننا مفروض نعمل الخطوبة رسمي ونلبس دبل." تعدلت عشق في جلستها لتجلس بوضعية أكثر راحة لها، مردفة بضيق: "أنا مش فاهمة ماله في إيه؟
ما إحنا قولنا هنكتب كتاب على طول بعد ما أولد، وبعدين ده منظر واحدة تتخطب وهنعزم ناس كمان! هيقولوا إيه يا ماما؟ الأم بقلة حيلة: "مش عارفه يا بنتي والله. بيقول إنك قربتي أهو خلاص تولدي وحابب يعيش معاكي كل لحظة زي أي اتنين طبيعيين." عشق بغضب من أفعاله: "طبيعيين إيه يا ماما؟ خالد ده رايق. أنا قولتلك من الأول مش عايزة أتجوّز وهربي ابني لوحدي." الأم بقلق:
"اهدي يا عشق. غلط عليكي. وبعدين خالد ابن خالتك وشاريكي. وبعدين يا بنتي أنا عايزة أطمن عليكي قبل ما أموت، ولازم يا حبيبتي تكملي حياتك، متقفيش مكانك." صمتت عشق تتنفس بعمق حتى تهدأ، لتمر لحظات من ثم تردف بهدوء: "أنا تعبت منه يا ماما ومش فارقة الحقيقة. خليه يعمل اللي هو عايزه." ونهضت ذاهبة لغرفتها لتنام كي لا تراهم. مرت لحظات وسدح صوت طرقات الباب في المكان، فاتجهت الأم لتفتح الباب. خالد بتنهيدة: "نامت صح؟
تنهدت الأم أيضاً مردفة بخجل منه: "معلش يا حبيبي الحمل بقي وتعبُه." خالد بحنق هامساً: "لولا إصرارها على الاحتفاظ بيه كان زمانا اتجوزنا." الأم بتساؤل: "إيه؟ خالد بارتباك: "لا ولا حاجة يا خالتي." الأم: "طب ادخل. هنفضل واقفين على الباب؟ دخل ليجلسوا على الأريكة يتحدثون بشأن عقد الخطوبة غداً مساءً، وما بين إلحاح خالد ورغبتها في جعل ابنتها تكمل حياتها وتنسى زوجها السابق، وافقت.
مر اليوم بدون أحداث تُذكر، لتشرق شمس يوم جديد حاملاً معه أحداث جديدة. الأم برفق: "عشق قومي يا عشق. خالد جاي بعد شوية هنروح نجيب الدبل." قامت بخمول. سابه خالد وتسرعه بداخلها. ارتدوا ملابسهم وجلسوا يتحدثون سوياً منتظرين مجيئهم. مر بعض الوقت ليصل لمسامعهم صوت بوق سيارته، لينزلوا له واتجهوا جميعاً لوجهتهم. خالد بهدوء: "اختاري كل اللي يعجبك يا عشق." عشق ببرود: "دبلة بس كويسة."
تنهد بضيق، فهو يعلم برفضها له في البداية، لكنه ظن مع محاولاته ستحبه كما يحبها، لكنها عنيدة لا تنسى ذلك الوغد الذي اختطفها منه سابقاً. اختار كلا منهم خاتمه، وأوصلهم خالد للمنزل وذهب هو لمنزله ليستعد. كانت تصعد السلم ببطء وحرص خوفاً على جنينها، لتقف ما إن مرت بجانب شقتهم، أم يجدر بها القول شقته؟ ابتلعت الغصة التي تكونت في حلقها، ثم صعدت ذاهبة لشقة والدتها متجاهلة رغبتها في البكاء.
لم تشعر بنفسها أو بمرور الوقت إلا وهي تجلس بجانب خالد على وشك أن يضع الخاتم في إصبعها، لكنه تصنم مكانه والتفوا جميعاً ينظرون باتجاه الباب. "هتخطب واحدة متجوزة إزاي يا أخوها؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!