نظرت لها جميلة لتتنهد بسخط وقد تأكدت تماما من شكوكها، فنهضت بلا مبالاة متجهة لمكتبه. طَرقت على الباب لتدخل ما إن سمعت صوته يسمح للطارق بالدخول. جميلة بهدوء: حضرتَك طلبتني؟ المدير بسخرية: أهلًا أهلًا بآنسة جميلة المحترمة بتاعتنا اللي سايبة الشغل ورايحة تتسرمح مع سليم الشافعي. جميلة بغضب وقد نفذ صبرها: إيه تتسرمح دي؟ احترم نفسك بقى، أنا إن كنت ساكتة عشان محترمة ومحتاجة الشغلانة دي، بس الموضوع زاد عن حده أوي!
صمتت تتنفس لتهدأ نفسها، لكنها أكملت بغضب أكبر عندما وجدته يبتسم بسخرية. جميلة: محروق الشغلانة على صاحبها عشان أنا جبت آخري، أنا مستحملة قلة ذوق بنت اختك وصحابها ومستحملة ظلمك ليا بعدم ترقيتي رغم إننا كلنا عارفين إني أستحق الترقية دي، كل ده وساكتة، بس كفاية بقى خلاص! تحولت ملامحه من السخرية للاندهاش، فلاول مرة تتحدث معه هكذا، ليردف بغضب: أنتي مط...
سبقته جميلة مرفعة بثقة: أنا اللي بقدم استقالتي، وأنا فعلًا غلطت إني سكت لناس زبالة زيك انت وبنت اختك. ولم تنتظر أن يتحدث ورحلت، صافعة الباب خلفها بقوة. ما إن خرجت حتى ارتفع صوت الهمسات من جديد، لكنها تجاهلت الأمر وذهبت لمكتبها وأخذت حقيبتها، وكانت على وشك الرحيل، لكن... منار بتشفّي: حاولت تلعب على سليم الشافعي، خسرت شغلها، فلا طالت سماء ولا أرض. توقفت في مكانها لتقف للحظات قليلة قبل أن تلتف وتتقدم منها.
ابتسمت منار بتشفّي وجمعت يديها لصدرها، بينما نظراتها كانت كلها احتقار وتعالٍ موجهة لجميلة. وقفت أمامها لتبتسم جميلة لها قبل أن ترفع يدها وتسقطها بقوة على وجنتها. صيحات متفاجئة سدحت في المكان بعدما كان قد عم الصمت في انتظار ردة فعل جميلة. وضعت منار يدها على وجنتها بصدمة، لكن سرعان ما تلاشت صدمتها ورفعت يدها مردفة بغضب: آه يا بنت ال...
قبضت جميلة على يدها قبل أن تسقط على وجنتها وقامت بثنيها للخلف، مما جعل منار تلتف معها بينما تئن. جميلة: الأهل آه، يا عديمة التربية والذوق! أنا آه مش متدينة، بس أنا برضه أنضف منك، مش أنا اللي ألعب على راجل وعايزة أوقعه، أنا مش زيك! ما إن انتهت نفضتها بعيدًا عنها مما جعلها تسقط، فلم تهتم وأخذت حقيبتها وغادرت، متجاهلة صراخ منار المتوعد لها. وقفت أمام باب شقتهم لتتنهد بعمق، راسمَة على وجهها ابتسامة مصطنعة. فتحت الباب
ودخلت مردفة بمرح بمصطنع: يا أهل الدار، أنا جيت. جاءها صوت والدتها الحاني من البلكونة: إحنا هنا يا جميلة. ذهبت لهم لتجدهم يجلسون وينظرون للخارج، والدها على كرسيه المتحرك ووالدتها بجانبه على كرسي عادي وبيدهم كوب قهوة. انحنت وقبلت يد والدتها التي ربتت على ظهرها بحنية وحب، ثم اتجهت لوالدها وجثت على ركبتيها وقبلت يده. رفعت رأسها ونظرت لها مردفة بابتسامة: عامل إيه يا بابا النهارده؟ ابتسم لها والدها ثم ربت على وجنتها مردفًا
بصوت حاني: الحمد لله يا حبيبتي. والدتها بتساؤل وقلق: مالك يا جميلة راجعة بدري كده ليه؟ جميلة بنفس الابتسامة: مفيش يا ماما، مرهقة شوية بس فاستأذنت إني هروح والمدير وافق. ابتسمت والدتها وأومأت لها، فجلسوا يتحدثون سويًا ويمزحون سويًا قبل أن تذهب جميلة لغرفتها. ما إن دخلت جميلة غرفتها حتى ألقت بنفسها على السرير، سامحة لدموعها بأخذ مجراها على وجنتيها، فهي حقًا كانت بحاجة لتلك الوظيفة وبشدة. أتسرعت قليلًا فيما فعلته؟
أكان عليها ضرب كرامتها بعرض الحائط والاعتذار له كما فعلت كثيرًا؟ لما الحياة ليست عادلة هكذا؟! نهضت سريعا ومسحت دموعها جيدًا قبل أن تردف للطارق بصوت حاولت جعله طبيعي قدر الإمكان: ادخلي يا ماما. دخلت والدتها بابتسامة وجلست بجانبها مردفة: اتكلمي. أدعت جميلة عدم الفهم وأردفت بابتسامة مصطنعة مهتزة قليلًا: اتكلم إيه يا ماما؟ والدتها: اللي حصل معاكي بجد يا جميلة، أنا سكت بره عشان أبوكي.
وهنا سقطت دموعها من جديد وبدأت في سرد ما حدث من بداية ما حدث في الحفل وصولًا لما حدث في العمل. جميلة ببكاء وتلعثم: بس هو ده كل اللي حصل. أنا كنت دايما ببقى في حالي وهي اللي كانت على طول بتستفزني، وبرضه كنت بعتذر عشان مخسرش وظيفتي بسببها، رغم كل الظلم ده كنت مستحملة، بس أنا إنسانة يا ماما وجبت آخري.
فتحت والدتها يديها لها فارتمت في أحضانها، بينما كانت ما تزال تبكي، وكانت والدتها تربت على ظهرها في محاولة منها لجعلها تتوقف عن البكاء. والدتها: إنتي مغلطتيش في أي حاجة، إلا حاجة واحدة. اعتدلت جميلة في جلستها ونظرت لها بتساؤل، بينما كانت عينيها محمرة وآثار الدموع واضحة.
والدتها: إنك فضلتِ مكملة. جميلة، أنا وأبوكي مكناش هنبقى مبسوطين أكيد لو تعبتي. وعرفنا إنه بسبب الشغل، أنا عارفاكي وعارفة إنك مش بتستحملي حد ييجي عليكي، وأكيد كنتِ مكملة عشانَّا، بس إحنا تهمنا صحتك. والتعب مش جسدي بس، ونفسي كمان، وإحنا هنبقى عايزين وردتنا مفتحة على طول، معيزنهاش تدبل! ابتسمت لها جميلة وأومأت. فنهضت والدتها مردفة لها: غيري هدومك وتعالي عشان تأكلي.
وأومأت لها من جديد، ثم نهضت بعدما غادرت لتقوم بتبديل ملابسها. خرجت وجلست معهم وتناولوا طعامهم في جو أسري سعيد من الخارج، بينما داخل كل منهم أحزان وهموم. بعدما انتهوا ساعدت والدتها في إعادة الأطباق للداخل، ومن ثم قامت بتنظيفهم، قبل أن تذهب لغرفتها. ألقت على السرير وأغلقت عينيها لتذهب لعالم الأحلام هربًا من واقعها الأليم. كانوا يجلسان وأمامهم أحد الراغبين في الحصول على وظيفة في شركتهم.
قاسم: تمام، جميل أوي. تقدر تسيب السي في بتاعك وهنبقى نكلمك. شكرهم الرجل ورحل، ليتنهد كلاهما بتعب. سليم بارهاق: ما كفاية كده النهارده، أنا أسهل لي أصمم عشر فساتين يدوي ولا أقعد كده. قاسم: لازم نخلص من الشركة عشان هيبقي باقي المصنع، واللي بالمناسبة هتبقي إنت المسئول عن اختيار الموظفين فيه لوحدك عشان بتفهم أكتر مني في الموضوع ده. نظر له سليم بصدمة للحظات قبل أن يردف بابتسامة
بغرض استفزاز قاسم: لا يا حبيبي، متفقناش على كده. هتقعد معايا عشان تعرف الاختيار بيبقى على أساس إيه، عشان لما أرجع لفرع أمريكا تعرف تظبط الدنيا هنا. تنهد قاسم من جديد مردفًا: هو إنت سايبه تحت إشراف جاك صح؟ أومأ سليم له بتعب، ليمد قاسم يده لسماعة الهاتف ووضعها على أذنه مردفًا: دخلي اللي بعده يا مريم.. طيب، هو باقي كام واحد؟ .. ماشي، دخليلنا اتنين قهوة. وأغلق ليردف سليم: باقي كام؟
قاسم: حوالي عشرة، ده غير إنه الساعة لسه تقريبًا 12، يعني حتى لو خلصنا دول المفروض نستنى لحد سبعة. (بعد مرور أربع ساعات) فتحت عينيها بارهاق، فجلست للحظات تنظر للسقف بشرود. نهضت بتكاسل متجهة للباب، ما إن قطعت بضع خطوات وقفت في مكانها بسبب حديث والديها الذي لفت انتباهها. نور الدين: الدوا قرب يخلص يا سامية. سامية: حاضر يا نور، هنزل الصيدلية بكرة أجيب.
عادت لغرفتها بهدوء وارتدت ملابسها، عازمة على البحث عن عمل، فالمال الذي تملكه بالكاد يكفي لدواء والدها. جلست بتعب على الرصيف، فبعدما ارتدت ملابسها أخبرت والدتها أنها ستذهب لرؤية صديقتها، فلم تكن تريدهم أن يعلموا أنها استمعت لحديثهم. والآن وبعد البحث لمدة ساعة ونصف تقريبًا دون راحة لم تجد أي وظيفة شاغرة.
نظرت لساعة يدها فوجدت أنها الخامسة والنصف، تبقى نصف ساعة على انتهاء موعد عملها السابق. لعنت حظها وحياتها ونهضت لتذهب لهناك. عندما وصلت وجدت أنهم قد خرجوا بالفعل من المبنى، وهناك تجمع من الفتيات حول أحدهم، لكنها لم تهتم، وكانت ستدخل لكنها توقفت مكانها ما إن سمعت اسمها. التفت وتفاجأت بسليم يقترب منها. سليم بابتسامة: إزيك يا آنسة جميلة؟ جميلة بجدية: الحمد لله. وكانت سترحل لكنها أمسك بمعصمها مردفًا: استني.
ترك يدها وحمحم ما إن نظرت له بحدة، ليردف بهدوء وبتلك الابتسامة: كنت حابب أعزمك بس على العشا وأتعرف عليكي. جميلة بحدة: عشا إيه يا أستاذ؟ أخرج معاك بصفتك إيه؟ إحنا مش في أمريكا هنا! ورحلت، تاركة إياه في صدمته وإحراجه بعض الشئ. تفاجأت: الحقي يا منار، سمعتي اللي سمعته؟! ده بيعزمها على العشا والغبية رفضت! منار بغل وحقد: أنا مش عارفة عاجباه في إيه تربية الحواري دي...
ده من أول ما خرجنا سأل عليها ومعبرنيش حتى. البت دي لازم تتربي. قامت بالطرق على باب مكتبه ودخلت ما إن سمح لها بالدخول، فتركت الباب مفتوح وتقدمت للداخل مردفة برسمية: حضرتك باقي على آخر الشهر تلات أيام وأنا اشتغلت الشهر كله بمنتهى الأمانة والجدية، وأظن حقي آخد مرتبى. ابتسم بينما كان يجلس بغرور على مكتبه ليردف بهدوء: حقك أكيد، ومرتبك هيوصلك على حسابك زي كل مرة. جميلة: شكرًا. والتفت لترحل لكنها توقفت مكانها
عندما أردف بنفس الهدوء: جميلة، أنا مستعد أتغاضى عن اللي حصل وأرجعك شغلك تاني، وكمان هتترقي للمكانة اللي تستحقيها، ومش هسمح بأي تجاوز في حقك، وهتاخدي كل الاحترام اللي تستحقيه. كل ده قصاد شرط واحد بس. وقفت مكانها بتفاجؤ من عرضه وبداخلها تفكر في نوعية هذا الشرط الذي يجعل رجلاً في غرور وظلم مديرها يفعل كل هذا!! التفت وأردفت له بتساؤل: وإيه بقى الشرط ده؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!