فتحت عينيها ما إن شعرت بالسيارة تتوقف فجأة. ألقت نظرة على المكان لتجد أنه جاء بها للبحر. خرج من السيارة وذهب لها، ومد يده مردفًا بابتسامة: "تسمحيلي يا حرمي المصون؟ داخلها تخبط ما بين القبول وارضاء فضولها لما سيفعله، وبين رفضها حتى لا تستسلم لمشاعرها وتسامحه بسهولة على ما صدر منه. انتصر فضولها لتمُد يدها بتردد وتضعها بين يده التي شدت على يدها بحنية وسحبها للخارج. رفع يدها وقبلها ببطء، ثم التف ووقف خلفها.
انتفضت بتفاجئ ما إن رأت تلك القماشة الصغيرة سوداء اللون التي وضعها على عينيها. قاسم بهدوء: "هشيلها أول ما نوصل." لماذا يفعل بها هذا؟ إنه يزيدها فضولاً، لكنها لا تريد إظهارها. أخذ بيدها وباليد الأخرى ضمها له ليتحرك معها ببطء وحذر. بعد مدة من السير توقف ووقف خلفها، نازعًا تلك القماشة عن عينيها. فتحت عينيها ببطء لتنظر أمامها بتفاجئ وصدمة، ثم نظرت لقاسم بنفس النظرات. في المقابل ابتسم قاسم لها. ***
كان يقف وبيده كأس به عصير تفاح حتى يظن الجميع أنه خمر. فمنذ أن تعرفت على قاسم وشفتيها لم تذق طعم الخمر، فقد أجبره على الامتناع عن شربها. كانت عيناه موجهة على تلك الفتاة التي نالت اهتمامه دون أي مجهود يُذكر. سليم بابتسامة: "عن إذنكم." قالها للمحيطين به، ثم تركهم ورحل تحت نظراتهم المحبطة. اقترب منها ووقف بجانبها للحظات قبل أن يمد يده بهدوء ويمسك البطاقة المعلقة برقبتها. سليم بهدوء: "إممم، جميلة نور الدين."
نظر لعينيها ليكمل بهيام: "إنتي فعلاً جميلة." كانت في البداية تنظر له بتعجب من تصرفاته، لتتحول نظراتها من التعجب للارتباك بسبب نظراته العميقة الموجهة لها. جميلة بحدة: "أفندم؟ ابتعد عنها ونظف حلقه، مردفًا برزانة: "نبدأ من الأول، أنا سلي... جميلة بهدوء: "أنا أكيد عارفه إنت مين، وعارفه برضه تاريخك المشرف مع الستات، فـ أحب أقولك من البداية إني أنا مش منهم."
ونظرت له نظرة ذات مغزى قبل أن تأخذ حقيبتها وتغادر، مما جعله يبتسم. سليم بينما كان يتابعها وهي ترحل: "شكلك هتتعبيني معاكي." *** خرجت من البوابة وما إن كانت على وشك المغادرة، سُحبت من معصمها بقوة بعيدًا عن الحراسة. بغضب: "إنتي بتعملي إيه مع سليم؟ نفضت يدها عنها مردفة بغضب كذلك: "منار أنا مش ناقصاكي، عايزة تقولي لخالك قولي، أنا جبت آخري." ورحلت تاركة إياها، بينما كانت تتمتم بغضب:
"ده إيه البلاوي اللي بتتحدف عليا دي يا ربي! منار بوعيد: "لو ما وريتك يا جميلة، مبقاش أنا منار." وعادت للحفلة. *** كانت تجلس على مائدة الطعام التي كانت تتوسط منصة محاطة بالستائر البيضاء في مظهر يخطف الأنفاس. ظل قاسم ينظر لها وهي تتأمل المكان، وعلى وجهه ابتسامة. ما إن نظرت له حتى نظفت حلقها بإحراج لأنها أطالت التأمل في المكان. قاسم بابتسامة: "عجبتك المفاجأة؟ نظفت حلقها من جديد ونظرت للطعام وبدأت تأكل،
مردفة بهدوء واستفزاز: "يعني مش بطالة." بدأت ابتسامته في الاهتزاز وبدأت أيضاً أعراض ذبحة قلبية في الظهور على ملامح وجهه. لكن رغم ذلك أكمل مردفًا بهدوء: "هي متأخرة شوية، كنت حابب أعملهالك من زمان من وقت ما عجبتك الفكرة في المسلسل التركي ده." لم تستطع مقاومة الابتسامة التي بدأت في الظهور على وجهها، متذكرة غيرته حين عاد من عمله ووجدها تنظر في التلفاز بهيام للبطل بسبب حبه واهتمامه بالبطلة.
وأيضًا لم تبتسم بسبب تلك الذكرى فقط، بل اهتمامه بما تحب كما كان يفعل دائمًا ساعد في رسم تلك البسمة. لكن تبخر كل ذلك عندما أكمل. قاسم بشيء من الإحراج: "بس وقتها مقدرتش أعملك المفاجأة دي علشان كان لازم أنفذ الخطة." علق الطعام في حلقها مما جعلها تختنق وتسعل بقوة. فنهض قاسم سريعًا وأمسك بكوب الماء وجعلها تشرب، مردفًا بخوف وقلق عليها: "عشق، إنتي كويسة؟ أبعدت كوب الماء وتنفست بعمق، مردفة بصوت خافت:
"أنا مش جعانة، حابة أتمشى على البحر شوية، ممكن نقوم؟ استطاع الشعور بكذبتها الصغيرة، لكنه رغم ذلك أومأ لها وساعدها على النهوض. *** كان يمشيان بجانب بعضهما البعض بصمت، وبين الحين والآخر يلقي قاسم عليها نظرة سريعة، فقد كانت تنظر للأرض بصمت. تنهد ليردف بهدوء ورزانة: "عشق، خلاص إحنا لازم نتكلم، مهما أجلنا مصيرنا نتكلم ونتعاتب ونوضح كل حاجة للنهاية." نظرت له لتردف بهدوء يتخلله عتاب خفي: "لسه هنكلم في إيه تاني يا قاسم؟
ما إنت قلت وعملت كل حاجة، حسستني إني ماليش قيمة في حياتك، فجأة قررت تبعد لوحدك من غير ما تقولي، ده بدل ما تقولي خدعتني! وبعدين رجعت فجأة ورديتني من غير برضه ما تاخد رأيي، أنا مكنتش همنع عشان ابني، لكن الفكرة إنك برضه معملتش حساب لرأيي؟! وكله كوم وشكك فيا كوم تاني! "كان على وشك التحدث، فـ أشارت له مكملة: "مش عايزنا نتعاتب؟ سيبني أطلع اللي في قلبي.. قاسم، إنت متربي معايا من صغري، يعني إنت أكتر واحد عارف أخلاقي!
أنا لما وافقت أتجاوزك كنت بحبك... وهنا لم ينتظر أكثر، فقاطعها مردفًا ببعض الخوف والفزع: "إستني، كنتي بتحبيني؟! فهمت ما يقصده وما ينتظره منها ليطمئن قلبه، لكنها ادعت عدم الفهم ونظرت له بجمود ولم تتحدث. تنهد وأجلسها على الرمال وجلس بجانبها ناظرًا للبحر، مردفًا بهدوء:
"أنا عملت كل حاجة عشان بحبك، أيوه عرفت إني غلطت وجرحتك، بس فكرت إني بكده هخليكي تكملي حياتك، صدقيني أنا كمان كنت تعبان من غيرك، بس مكنتش عايزك تعيشي مع راجل عاجز." نظر لها بعينين حمراوين، ليضع يده على بطنها مكملاً بألم: "هيحرِمك من إنك تكوني أم.. مكنتش عايز أبقى أناني يا عشق، مكنتش عايز أفضل معاكي وأنا عارف إن سعادتك هتطفي وتزعلي، مكنتش هستحمل وأنا السبب في كده."
كم أرادت أن تحتضنه الآن، لكنها تريد وبشدة أن يكمل للنهاية حتى تعلم كل شيء وتعلم ما يفكر به لينتهي كل هذا. فاكتفت بأن تردف بصوت متحشرج أثر التأثر بكلماته وحالته تلك: "بس إنت مش السبب في كده! دي حاجة مش في إيدك، وأنا كنت هقبل باللي كاتبه ربنا، كنت هبقى سعيدة بوجودك معايا! ملس على وجنتها مردفًا بابتسامة منطفئة:
"أنا عشت التجربة، فضلت ست شهور فاكر نفسي مش بخلف والموضوع مش سهل يا عشق، كنتي هتبقي زعلانه وأنا مستحيل أقبل أشوفك كده." ابتعد وتنهد مكملاً: "يوم ما رجعت كنت راجع عشان الشغل، سليم كان عايز يجي هو عشان مرجعش للبداية تاني، هو كان فاكر إني عرفت أتخطاكي شوية." قالها بسخرية ليكمل بصوت متحشرج متأثر:
"معرفش إنك عمرك ما روحتي عن بالي طول الست شهور، عشان كده ضعفت وقررت أرجع وأنا بقنع نفسي إني هتابعك من بعيد ومش هتعامل معاكي، لكن مستحملتش لما لقيت الزينة اللي محطوطة في بلكونتكم، جه في بالي أسوأ احتمال إنك بتتجوزي! كنت طالع ودقات قلبي بتسبقني، كنت حاسس إن قلبي هيقف من كتر ما بيدق جامد." أخذ نفسًا عميقًا يحاول من خلاله تهدئة مشاعره، ثم أكمل: "لما لقيته قاعد جنبك وهيلبسك الدبلة، كنت عايز أقتله وأنا مش ندمان يا عشق!
قالها ونظر بقوة وعمق لعيونها الحمراء أيضاً كعينيه، وأكمل بثقة: "مش ندمان إني رديتك ومش ندمان كمان على اللي عملته، ولو رجع بيا الزمن لورا هعمل كده تاني وزيادة! *** كان يبتسم بتكلف للفتيات والسيدات من حوله، وبداخله يتمنى أن ينتهي الحفل سريعًا، فقد فقد حماسه منذ أن رحلت تلك الفتاة مع عقله. نظر بتعجب لتلك الفتاة التي تشير له بأن يذهب لها بثقة، فاستأذن منهن وذهب لها، وفضوله من يقوده. منار بهمس:
"على فكرة أنا بس حابة أقولك إنه البنت اللي كنت واقف معاها دي شمال ومش كويسة، بتلعب على اللي زي حضرتك عشان تسرقهم، فـ خلي بالك." رفع سليم حاجبيه ونظر لها من أسفلها لأعلاها، ليهز رأسه بابتسامة تتخللها سخرية مستترة، قبل أن يرحل تاركًا إياها تبتسم بثقة. *** صمت للحظات بعدما انتهى من إلقاء كلماته سابقًا، ليقطع هذا الصمت مردفًا بندم لتسببه في شعورها بتلك المشاعر:
"أنا عمري ما شكيت فيكي يا عشق، وعلشان أكمل بنفس الصراحة، فأنا بعترفلك إنه كلام الدكتور أثر فيا شوية، بس أنا لو كنت شاكك فعلًا والشك سيطر عليا، مكنتش رديتك يا عشق، مكنتش روحت للدكتور أفهم إيه اللي حصل، مكنتش هتخانق معاه بعد اللي قاله، مكنتش هعمل التحاليل تاني، أنا آسف إني قلتلك الكلام ده وقتها، بس كنت مضايق من اللي قاله." صمت من جديد منتظرًا أي ردة فعل منها، لكنها لم تتحدث.
فنظر لها وجدها تنظر له بصمت، فـ أحاط وجنتيها بكفيه مردفًا بندم وأمل: "حقك عليا يا عشق، حقك على قلبي، أنا آسف، أنا غلطت، بس عمري ما هكرر الغلطة دي تاني، هقولك على كل حاجة، سامحيني، كفاية جفاء يا عشقي، مش مستحمل بعدك وتعاملك معايا كده، خلينا نرجع تاني زي الأول، ادي علاقتنا فرصة تانية، وصدقيني مش هتندمي، هخليكي تحبيني تاني." عشق:..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!