بعد مرور عدة أيام... ترقد لينا على سريرها في ذلك المصح النفسي الذي أودعوها إياه بعد نوبة الصرع الشديدة التي داهمتها. كان يقف كلاهما من والدها، بسمة ورزق، جميعهم ينتظرون إفاقتها وعودتها للوعي من جديد. مر الطبيب المعالج لها، والذي ربت على كتف جمال وهو يواسيه، وقال: "متقلقش يا جمال بيه، آنسة لينا هتبقى كويسة إن شاء الله، ده إنت المفروض تحمد ربنا إن حد بنفس ظروفها دي وما أذاش نفسه أو اللي حواليه." نظر له
جمال بتعب وإرهاق ثم سأله: "ظروف إيه مش فاهم؟ قال الطبيب بعملية شديدة: "هو حضراتكوا معرضتوهاش لطبيب نفسي قبل كده؟ "لأ، حاولنا معاها مرات كتير بس دايماً كانت بتنفعل وتغضب ومابترضاش تروح لأي دكتور." أومأ الطبيب بتفهم وقال: "اتفضلوا معايا." التفوا ثلاثتهم حول الطبيب الذي بدأ حديثه وهو يقول: "حضرتك يا جمال بيه بتقول إنكوا حاولتوا تقنعوها تروح لدكتور بس هي كانت بترفض.. صح؟ أومأ جمال بموافقة فسأله الطبيب مجدداً:
"إيه الأعراض اللي شفتوها منها تخليكوا تقولوا ناخدها لدكتور؟ نظر جمال إلى بسمة، ومن ثم اعتدل بمجلسه وتكلم:
"يعني.. لينا طول عمرها ليها تصرفات عجيبة وشخصيتها أعجب كمان.. انطوائية، منعزلة دايماً، مبتحبش تكون صداقات كتير، من بعد وفاة صاحبتها الله يرحمها وهي قافلة على نفسها.. كتير حاولنا معاها إنها تعرف ناس جديدة وتعيش حياتها بس هي كانت بترفض.. فأنا كنت بحاول معاها إنها تروح لدكتور نفسي تتكلم معاه بما إنها مش بتتكلم معانا بس مفيش فايدة." ضيّق الطبيب عينيه بتركيز وهو يتساءل: "حضرتك بتقول إنها كانت بتتصرف تصرفات عجيبة.. زي إيه؟
تنهد جمال مردفاً: "يعني مثلاً كانت بتفهم اللي قدامها من لغة جسده أو نظراته، وكانت أوقات كتير بسمعها بتكلم نفسها ولما أسألها بتتكلمي مع مين تقوللي مع بابسي مثلاً.. اللي هو الكلب بتاعها.. ومن بعد موت حنين صاحبتها بقت تقوللي بتكلم مع حنين." أومأ الطبيب متفهماً وسأله مجدداً: "حاجة زي دي ما خليتكش تقول مثلاً دي مجنونة أو مريضة نفسية؟
"كنت شاكك في حاجة زي كده.. عشان كده كنت بحاول معاها نروح لدكتور.. لدرجة إني فكرتها ممسوسة وجيبتلها شيخ بس قال مفيش حاجة." ابتسم الطبيب وهو يقول: "يعني حضرتك جيبتلها شيخ.. كان من باب أولى تجيبيلها دكتور." "منا بقول لحضرتك كانت رافضة وبشدة.. كل ما كنت بحاول أتكلم معاها كانت بتقول إنتوا مفكريني مجنونة وكانت بتغضب وتخاصمنا بالأيام." أومأ الطبيب ثم عقد يديه وبدأ حديثه بجدية وهو يقول:
"بص يا جمال بيه إنت والمدام.. لينا للأسف مريضة بمرض الذهان أو ما يسمى بالانفصام.. المرض ده كل ما كان تشخيصه بدري كل ما كان أحسن للحالة، وللأسف واضح إن لينا بتعاني منه من فترة طويلة ومتعرضتش على دكتور يشخص الحالة صح ولا يديها علاج عشان كده الحالة اتطورت للأسوأ وبقت منعزلة اجتماعياً زي ما حضرتك بتقول." وتابع:
"مريض الذهان أو الفصام دايماً بيتوهم إنه بيسمع أصوات مش موجودة أو بيشوف حاجات مش موجودة، وممكن توصل كمان إنه يشم روايح مش موجودة، وعلى طول بيعتقد إنه عنده قوة خارقة أو خاصة." هنا تساءلت بسمة: "زي إنها بتعرف لغة الجسد يعني؟ أومأ الطبيب نافياً:
"لا خالص بالعكس.. لغة الجسد مش قوة خارقة إنما هي منحة ربنا بيميز بيها حد عن التاني مش أكتر.. وواضح إن لينا مميزة من صغرها. اللي أقصدُه هو إن لينا كانت بتتوهم إنها عندها القدرة إنها تتكلم مع ناس مش موجودة زي صاحبتها كده.. أو إنها عندها القدرة تتكلم مع حيوانات وتفهمهم زي الكلب بتاعها." سحب شهيقاً وأكمل وهو يوجه حديثه إلى جمال: "أنا ليه قولتلك لينا أحسن من غيرها؟
لأن مريض الفصام ممكن في حالة من اللاوعي يأذي نفسه أو توصل لإنه يقتل حد." "يقتل!! برز بها صوت رزق الذي تمتم متعجباً، فقال الطبيب: "أيوة بتحصل.. ولسه جايلنا حالة من شهرين قتلت والدتها لأنها كانت بتعتقد إنها بتخون باباها.. ولما سألتها عرفتي منين إنها خانت والدك قالتلي شوفتها بعيون الغراب اللي بابا مربيه.." ظهر التعجب والذهول جلياً على وجوههم، فقال: "متستغربوش.. مرض الذهان هو أسوأ مرض نفسي ممكن يصاب بيه الإنسان."
تساءلت بسمة: "طب وإيه الأسباب اللي ممكن تؤدي إن الإنسان يبقى مريض بالانفصام؟ "عوامل كتيرة جداً.. ممكن عوامل جينية زي إن حد من قرايب المريض يكون له تاريخ مع المرض ده.. وممكن عوامل بيئية زي إن المريض مثلاً اتعرض لصدمة شديدة وهو في بطن أمه أو وهو لسه حديث الولادة بتسهم في ظهور المرض." نظر ثلاثتهم لبعضهم البعض بصمت، فتابع الدكتور وقال:
"وممكن لو فيه خلل في العلاقات العائلية ده بيزود فرص الإصابة بالمرض.. أو لو الشخص ده بيتعاطي المخدرات مثلاً، أو لو عنده مرض مناعي ذاتي.. كل دي عوامل بتسبب الإصابة بمرض الذهان." تساءل جمال بلهفة وخوف وقال: "طب والحل إيه يا دكتور؟ هتفضل في المصحة هنا؟ "ده على حسب رغبتكم أولاً وثانياً على حسب استجابتها للعلاج." تحدث رزق وقال: "طيب وحضرتك شايف إيه؟
"والله اللي أنا شايفه إن الحالة الحمد لله مش خطيرة أوي ومش مستدعية إنها تفضل هنا خصوصاً وإن الفصام ملوش علاج نهائي." قالت بسمة بقلق: "يعني إيه يا دكتور ملوش علاج.. يعني هتفضل كده طول عمرها؟ تحدث بحرص وهو يقول:
"مدام بسمة أنا مقولتش ملوش علاج.. أنا بقول ملوش علاج نهائي.. بمعنى إنه له علاج للسيطرة على الأعراض والحد منها لكن ملوش علاج للشفاء منه.. يعني زي مرض السكر كده.. بناخد علاج عشان نسبة السكر تفضل منتظمة لا يقل ولا يزيد لكن مفيش ليه علاج بيقضي عليه تماماً." تساءل رزق باهتمام: "طب المفروض نتصرف معاها إزاي وهتتفك إمتى ولا هتفضل كده لحد إمتى؟
"أولاً هي نايمة بفعل المهدئات اللي بتاخدها واللي هنوقفها أول ما حالتها تستقر شوية.. ثانياً بقا والأهم.. تبعدوها عن التوتر أو أي جو فيه شحنات سلبية تماماً، وياريت على الأقل في الفترة الجاية ما يكونش جنبها غير الناس اللي بتحبهم وبتطمئن لهم بس، وتبعدوها عن أي ضغط أو توتر زي ما قلت في بداية كلامي.. إلى جانب الأدوية اللي بتاخدها وممنوع توقفها حتى لو اتسحنت.. هتبقى كويسة إن شاء الله."
شكر جمال الطبيب لسعة صدره وتفهمه، ومن ثم انصرفوا نحو غرفة لينا مجدداً ينتظرون إفاقتها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جلس جمال إلى جانب بسمة التي تجلس على مقعد الاستراحة الموجود بالممر أمام الغرفة، ثم قال: "سمعتي كلام الدكتور يا بسمة؟ ياريت تأجلي موضوع الطلاق ده على الأقل لحد لينا ما تقوم بالسلامة.. خلينا نبقى كلنا جنبها." نظرت له بانتباه وبرز صوتها مستاءة وهي تقول:
"أيوة سمعت كلام الدكتور يا جمال.. بس مش هتتنازل عن قراري.. مش وجودنا مع بعض اللي هيعالج لينا.. لينا مشكلتها بقت معاك إنت يا جمال.. واستحالة تقبل بيك في حياتها تاني لا أب حقيقي ولا أب بديل." مسح وجهه بغضب عارم وهو يقول: "إنتي ليه مصممة تحاسبيني على حاجة أنا مليش يد فيها.. أنا معترف إني غلطت بس ده كان زمان وأي حد بيغلط.. المفروض عقابك ليا ده يبقى لو أنا عملت حاجة زي دي وإنتي في حياتي.. ده مش ذنبي." قالت بإنفعال مماثل:
"لأ ذنبك يا جمال.. أنا لما كنت بسألك وأقوللك عمرك ما عرفت بنت ولا صاحبت بنت تقوللي أنا؟ أنا عمري ما عرفت قبلك ولا حبيت قبلك.. إنتي أول وآخر واحدة في حياتي.. يا شيخ ده أنا من كتر ما كنت بصدقك كنت بعيط من فرحتي بنضافتك وعفتك." ثم تابعت ببغض: "وطلعت مفيش أوسخ منك يا جمال!! فاجأه نعتها المهين، ولكن لم يعقب، فتابعت هي:
"إنت من جواك عارف كويس أوي إنك تستحق اللي بيجرالك.. أنا عن نفسي مكتفية بالطلاق.. مش عايزة شوشرة ولا تقليب في الماضي لأنه مش هيفيد بحاجة.. بس خليك مستعد للي بنتك هتعمله لما تفوق." ثم قالت بتهكم ساخر: "ده كله كوم وعقاب ربنا ليك كوم تاني خالص.. ولسه ذنب مشيرة اللي في رقبتك." تفوه حانقاً: "ذنبها في رقبتي ليه؟ وأنا كنت غصبتها على حاجة؟ أطلقت ضحكة ساخرة وقالت: "هه.. اظهر على حقيقتك كمان وكمان.."
إنت صغرت في عيني قوي يا جمال. أشاح بوجهه بعيدًا عنها ثم قال: _أفهم من كده إنك مصممة على طلبك؟ = و يا ريت تعجل وبلاش مماطلة عالفاضي. _ماشي يا بسمة اللي تشوفيه. *** بعد مرور يومان آخران وبعد إتمام إجراءات طلاق بسمة، يتواجد الجميع بغرفتها بعد إفاقتها وبدء تعافيها. تجلس بسمة بجانبها وتقول: حمدلله على سلامتك يا حبيبتي. احتضنتها لينا بشدة وتشبت بها وهي تقول: _انتي هتسيبيني يا مامي؟ ضمتها بسمة إليها بحنان صادق
وقد سالت دمعاتها وهي تقول: = عمري ما هسيبك يا روح مامي.. حد يسيب روحه؟ شدت من ضمها إليها واستكانت بين ذراعيها قبل أن يصل إلى مسامعها صوت والدها وهو يقول: _حمدلله على سلامتك يا لينا يا حبيبتي. انقبض قلبها وبدأت معدلاتها الحيوية بالاضطراب وتشنجت عضلاتها وطفقت تصرخ بشدة، فضمتها بسمة إليها بحنان وهي تهدأ من روعها وتقول: _اهدي يا لينا.. اهدي يا حبيبتي بابي عايز يطمن عليكي. زادت نظراتها حدة وهي تنظر له بأعين باكية وترتجف،
فصرخت بسمة به قائلة: _لو سمحت يا جمال اخرج دلوقتي. على مضض غادر جمال الغرفة، فأسرع رزق إليها يحاول تهدئتها وهو يقول: _خلاص يا لينا خرج.. اهدي وهنعمل كل اللي انتي عايزاه. "رزق" قالتها وهي تحتضنه فجأة مما أثار خجله، ولكنه لم يبالي فجذبها إليه يضمها بشوق ولهفة ويمسح على رأسها بحنان، فقالت: _أنا مش عايزة أشوفه تاني.. متخليهوش ييجي تاني. مسحت بسمة على شعرها بحب وقالت: = كل اللي انتي عايزاه هيحصل بس تهدي نفسك.
أومأت لينا بموافقة ثم نظرت حولها بتعجب وهي تقول: _أنا في مستشفى ليه؟ هو إيه اللي حصللي؟ تحدث رزق قائلاً: انتي تعبتي والنوبة جاتلك تاني فـ جيبنالك دكتور وهو اللي جابك هنا عشان يتابعك كويس. _طب أنا عايزة أخرج من هنا.. المكان هنا خانقني. تحدثت بسمة: حاضر يا روحي هنخرج.. الدكتور يشوفك بس ويعرف إنك بقيتي كويسة وهنخرج فورًا.
خرج رزق لاستدعاء الطبيب فوجد جمال يجلس على مقعد ويضع رأسه بين كفيه، فذهب إليه ورتب على كتفه قائلاً: جمال بيه. انتبه جمال ونهض على الفور وهو يقول: لينا مالها يا رزق.. حصلها كده ليه؟ حمحم رزق وتكلم بحرص فقال: حضرتك عارف إن ده وارد يحصل خصوصًا إنها بتمر بصدمة عصبية مش هينة.. أرجوك متزعلش ومتضغطش عليها.. هي هتاخد وقت وهتبقى كويسة إن شاء الله. تمتم جمال: إن شاء الله. _اتفضل أروحك وأرجع اخدهم لأن لينا عايزة تخرج.
= لأ لأ.. أنا هفضل مستني هنا لحد ما تمشوا. _أنا آسف يا جمال بيه بس أنا خايف لينا تشوفك تتعب تاني.. معلش استحمل تصرفاتها وتعالى على نفسك الفترة دي. أومأ جمال بتفهم وقال: صح.. خلاص يا رزق خليك جنبهم انت وأنا هطلب حامد يجيلي بالعربية وأروح. ثم تساءل بحزن: هي هتروح مع بسمة؟ زم رزق شفتيه وتكلم بشفقة: على الأغلب أيوة.
هز جمال رأسه بموافقة وقال: خلاص يا رزق هستنى منك تطمني عليهم.. ولو أنا غبت ومسألتش ابقي تعالي زورني وطمني عليهم.. وخلي بالك منهم يا رزق والنبي. _ولا يكون لك فكر يا جمال بيه.. في عيني. انصرف جمال مغادرًا، بينما ذهب رزق لاستدعاء الطبيب الذي ذهب معه إلى غرفة لينا، فدخل قائلاً: = ما شاء الله.. بقينا عال العال أهو يا لينا. تحدث رزق وقال: لينا عايزة تخرج يا دكتور.. هينفع؟
تشدق الطبيب وقال: ينفع طبعًا.. بس هنلتزم بالعلاج ونروق كده على ما نقدر ولو أمكن نطلع الساحل يومين نفرفش و..... قاطعته لينا قائلة: لا الساحل لا. تكلم الطبيب بكل هدوء وقال: الساحل لا مفيش مشاكل.. نروح أي مكان تاني بنرتاح فيه ونغير جو.. أهم حاجة نبعد عن أي توتر وقلق.. اتفقنا؟ أومأت لينا بتأكيد فانصرف الطبيب، بينما استعدت هي للمغادرة. اصطحب رزق لينا وبسمة وأخذ أغراضهم ثم غادروا المستشفى. استقلوا
السيارة فقالت لينا: إحنا رايحين فين؟ قالت بسمة: المكان اللي تحبيه يا روحي. حدثت لينا رزق وقالت: ودينا عند مامي يا رزق. أومأ رزق موافقًا وهو يشير إلى عينيه ويقول: من عنيا. *** في تلك الأثناء دخل جمال إلى الفيلا وألقى سترته إلى المقعد بإهمال ثم نادى "موانا" قائلاً: _أنا تعبان وهطلع أرتاح.. متصحنيش إلا لو رزق اتصل. = أجهز الغدا؟ _لا مش عايز آكل.. عايز أرتاح وبس.
صعد إلى غرفته وأخذ حمامًا دافئًا ثم دخل إلى فراشه وراح في سبات عميق... *** قامت "بسمة" بمساعدة لينا كي تأخذ حمامًا وتبدل ملابسها ثم صعدت إلى الفراش لكي تحظى بقسط من الراحة. _ارتاحي بقى على ما أحضر الغدا وأعملك كل الأكل اللي نفسك فيه. ابتسمت لينا وهي تقول: معقولة يا مامي.. هتدخلي المطبخ؟ _عيب عليكي ده أنا طباخة بريمو.. دلوقتي تجربي وتحكمي.
ذهبت لإعداد الطعام قبل أن يستأذن منها رزق ويدخل إلى الغرفة ليطمئن على لينا، فجلس بجانبها وأمسك بكفيها بين يديه وقال: = عاملة إيه دلوقتي يا فلة؟ ابتسمت بوهن وقالت: الحمدلله كويسة. = الحمدلله.. وهتبقي زي الفل إن شاء الله أهم حاجة تاكلي وتاخدي العلاج. _هو انت هتمشي؟ = أيوه هرجع الفيلا دلوقتي. _ومش هشوفك تاني؟ = وهو أنا أقدر أغيب ومشوفش نصي التاني؟ اتسعت ابتسامتها فاقترب منها وقبل جبينها وقال:
_هجيلك كل يوم أطمن عليكي وأشوف لو عايزين حاجة أجبهالكوا.. وهكلمك على الموبايل طول الوقت.. أهم حاجة دلوقتي تخلي بالك من صحتك. أومأت بتأكيد فانصرف مغادرًا نحو الفيلا... فور وصوله إلى الفيلا سأل السائق "حامد": _وصلت جمال بيه يا حامد؟ أومأ الآخر وقال: أيوة وصلته وطلع. هز رأسه موافقًا ثم دخل إلى الفيلا ونادى "موانا" فقال: _جمال بيه فوق ولا في المكتب؟ = هو فوق نايم وقال لي متصحينيش غير لو رزق اتصل.
_تمام.. اطلعي صحيه وشوفي هيقولك إيه؟ صعدت موانا إلى الطابق العلوي وطرق عدة طرقات على باب غرفة جمال ولكن لم يأتها رد. نادت رزق قائلة: مش بيرد يا رزق. صعد إلى الأعلى وطرق الباب مناديًا باسمه فقال: _جمال بيه..!! لم يأتهم جواب فأدار مقبض الباب ببطء فوجده ينام على فراشه بكل هدوء، فناداه مجددًا: _جمال بيه..!! دخل إلى الغرفة وقام بهزه برفق وهو يقول: _جمال بيه..!!
بدأ القلق يعتمل بداخله فناداه مجددًا وهو يهزه بشدة عدة مرات دون جدوى. وضع رزق يده موضع النبض برقبة جمال وهنا كانت الصدمة... توقف النبض.... !!! *** الموت ناقوس يقرع آذاننا كل حين ليوقظ كل غافل منا ويشعرنا أن الحياة الدنيا ممر وليست مستقرًا.
ارتفع صوت القرآن الكريم يصدح عاليًا في كل أرجاء البيت، امتلأ الهواء بعبق البخور الذي يلف الجو بالمنزل، خيمت الكآبة والحزن على الأجواء المحيطة، نحيب وبكاء وعويل، القريب والغريب يواسي ويربت على اليد والأكتاف، الغادي والراحل يوصي بالصبر ويتمنى السلوان.
بينما تجلس لينا صاحبة الوجه الشاحب والعينين الحمراوين المنتفختين ترتدي ثيابًا من اللون الأسود ووشاحًا أسودًا وبجانبها بسمة التي ترتدي الأسود كذلك وتنتحب بشدة وهي تشعر بأنها تكاد تهوي أرضًا وتضم "لينا" إليها بخوف وحسرة. احتضنتها "سماح" زوجة "بكري" وهي تمسح على شعرها بشفقة وحزن وتقول: _شدي حيلك يا لينا يبنتي.. ربنا يصبركوا. أومأت لينا دون أن تنبس ببنت شفة ثم جلست على مقعدها بوهن، تشعر بأن قدماها لم تعد تحملها.
صافحت "سماح" بسمة وهي تقول: البقاء لله يا ست بسمة ربنا يصبركوا. تحدثت بسمة بصوتها المختنق المتحشرج: الدنيا والدوام لله يا أم خالد. اقترب رزق من لينا وحمحم ثم قال: لينا.. الغسل خلص. ثم تابع بتردد: عايزة تشوفيه قبل ما يمشي؟ انقبض قلبها إثر كلمته وأومأت بنعم، فاصطحبها إلى الغرفة التي يتم بها الغسل. أجفلت فور دخولها إلى الغرفة، نظرت من مكانها فوجدته ملفوفاً بالكفن الأبيض، فاقشعر بدنها وانتفضت بشدة.
تقدمت منه ووقفت بجانبه، تشعر بالبرودة تسري بجميع أطرافها، وخاصة عندما نظرت إلى وجهه. انفجرت باكية، فحاولت كتم نحيبها بأن كممت فمها بيديها وهي تهز رأسها بعدم تصديق وقالت: ليه؟ ليه حرمتني أكون معاك في آخر أيامك.. لو مكانش ده كله حصل كنت زماني جمبك، على الأقل كنت لحقت أشبع منك.. طول عمرك أناني.. حرمتني منك من قبل ما آجي الدنيا وأعرفك، ولما عرفتك بردو حرمتني منك تاني! ثم تابعت بهيستيرية: كنت هسامحك...
والله كنت هسامحك وهرجع أعيش معاك.. أنا عمري ما عرفت أب غيرك.. بس إنت مستنتش ومشيت. تقدمت منه وطبعت قبلة أخيرة على وجنته، ثم هرولت إلى الخارج مسرعة. بعد انتهاء مراسم الدفن والعزاء، وبعد مرور شهر على وفاة "جمال"، غادرت لينا وبسمة ومعهما موانا إلى بيت بسمة. رن جرس المنزل ففتحت موانا، فإذا برزق يقف وبجانبه "صبري" المحامي الخاص بـ "جمال". بعد المصافحة والتحية، جلس صبري الذي بدأ حديثه مباشرة وقال:
طبعاً، كان المفروض نفتح الوصية من فترة، بس أستاذ رزق كان مأجل الموضوع لحين استقرار الأمور. انتهى من قراءة نص الوصية ثم قال: جمال بيه الله يرحمه أوصى بأن من بعد ورث مدام بسمة، تلت أرباع ممتلكاته من عقارات ورصيد في البنوك يروح للآنسة لينا، والربع للأستاذ رزق.. ونظراً لأن الطلاق بعد الوصية، فحق مدام بسمة من الورث هيسقط! أومأت بسمة بتفهم شديد، بينما تساءلت لينا وقالت: بس اللي أعرفه إن المكفول مش بيورث من الكافل!
أجاب المحامي وقال: مظبوط.. عشان كده جمال بيه الله يرحمه تنازل لك عن تلت أرباع ثروته تنازل رسمي، لأنه عارف إنك ملكيش حق تورثيه. كان رزق يستمع إلى هذا الحوار بذهن شارد. أيعقل؟ لهذا الحد كان يعده قريباً منه لتصل به الحال أن يهبه ربع ثروته! نهض المحامي وهو يقول: في أي استفسارات؟ أومأ الجميع بالرفض، فقال: تمام.. لو في أي حاجة حابين تسألوا عنها، أستاذ رزق هيكون على تواصل دائم معايا.. عن إذنكم. انصرف المحامي،
فقالت بسمة: ليه يا لينا؟ قطبت لينا حاجبيها بتعجب وقالت: ليه إيه؟ ليه معرفتيش المحامي إنه جمال يبقى باباكي فعلاً وتخليه يمشي في الإجراءات ويطلع لك شهادة ميلاد جديدة.. ده حقك! =وهيفيد بإيه؟ خلاص ملوش لزوم نجرح في ناس ماتت ونفتح في الماضي.. الله يرحمه ويرحمها ويسامحهم. ثم نظرت إلى بسمة وقالت بابتسامة: =وبعدين أنا لو عايزة أغير شهادة ميلادي هيبقا عشان حاجة واحدة بس! _إيه هي؟ =عشان أكتب اسم الأم "بسمة محمد رياض"...
ابتسمت بسمة بحب وحنان وجذبت لينا إلى صدرها تحتضنها بشدة، فبادلتها الأخرى تلك المشاعر الصادقة، ولكن قاطعهم رنين جرس المنزل مرة أخرى، فقام رزق وفتح الباب وتفاجأ عندما رأى الزائرين. تمتم متعجباً: الشيخ بلال؟ _السلام عليكم. تشدق بها الشيخ بلال بحرج، فأفسح له رزق المجال وهو يرحب به ويقول: اتفضل. دخل بلال وأولاده محمد وعبدالرحمن إلى غرفة الاستقبال، فقال رزق: ثواني هبلغهم. قال بلال: كنا عايزين نعزي لينا ونتكلم معاها شوية.
_حاضر هبلغها. ذهب رزق وقال لـ لينا: لينا.. الشيخ بلال هنا. نظرت لينا إلى بسمة التي انتابها القلق من احتمالية رجوع لينا له، فقالت: في حاجة؟ _بيقول جاي يعزي لينا ومعاه ولاده الاتنين. ثم تحدث إلى لينا وقال: لو مش حابة تقابليهم أقوللهم هي تعبانة. قالت لينا بثقة: لا هقابلهم.. خلينا نقفل الصفحة دي. ذهبت لمقابلتهم ودخلت غرفة الاستقبال، فأجفل بلال عند رؤيتها ووقف منتبهاً، بينما صافحته هي ببرود وجلست.
_البقاء لله يا لينا يا بنتي.. والله ما نعرف غير إمبارح. أومأت قائلة باقتضاب: الدنيا والدوام لله. _دول ولادي.. محمد وعبد الرحمن. نظرت مباشرة إلى عبدالرحمن ولا إرادياً ابتسمت ثم قالت: مش فاكرني يا عبدالرحمن؟ نظر إليها بصدمة وقال: مش إنتي البنت بتاعة المولد! _أيوة أنا. طفق يقلب كفيه بتعجب، فقال والده: إنتوا تعرفوا بعض؟ أومأت لينا وشبح ابتسامة يظهر على ثغرها ثم قالت: _اتقابلنا صدفة قبل كده وعبدالرحمن ساعدني.
=سبحان الله.. رب صدفة خير من ألف ميعاد. أومأت لينا بتأكيد، فانتبهت إلى صوت محمد الذي قال: _إزيك يا لينا.. أنا اسمي محمد. قال الأخيرة وهو يمد يده لمصافحتها، ففعلت وقالت: =إزيك يا محمد.. أنا كويسة الحمد لله. قاطع حديثهم بلال والذي قال: _لينا أنا كنت عايز أتكلم معاكي في كلمتين لو تسمحي. نظرت له باهتمام وقالت: بعد إذن حضرتك لو جاي تتكلم في الماضي يبقى بلاش.
زم شفتيه بحيرة وقال: والله مش عارف أقول لك إيه.. بس الحاضر مبني على الماضي. _يبقى منتكلمش في حاجة خالص.. الاتنين ماتوا والله يرحمهم.. أظن مفيش حاجة نتكلم فيها. =هما ماتوا بس أنا عايش والمفروض والطبيعي تيجي تعيشي وسط أهلك وناسك. ابتسمت بتهكم ولكنها تحدثت بإيجاز شديد: _مع احترامي لحضرتك بس أنا عمري فيه كام عشرين سنة تانيين عشان أقضيهم وأنا بتعود على أهلي اللي معرفهمش دول!!
.. أنا بالنسبة ليا طول عمري كان أهلي مامي وبابي الله يرحمه.. معنديش استعداد ولا عندي طاقة أعرف أهل غيرهم. تحدث عبدالرحمن وقال: بس يا لينا اللي حصل زمان بابا مكانش له يد فيه.. إحنا كمان ملناش ذنب نتحرم من بنت عمتنا الوحيدة. ابتسمت لينا وقالت: بص يا عبدالرحمن.. في حاجات كده مينفعش فيها تبديل أو تعديل.. بنعيشها زي ما هي وبنحبها زي ما هي.. ولو اتغيرت أو اتبدلت مبيبقاش ليها طعم.. ده مش ذنب حد.. بس هي كده.
وتابعت: أنا معنديش أي مشاكل معاكوا.. بالعكس أنا مرحبة بوجودكوا جداً.. بس مش لدرجة إني أسيب أمي وأجي أعيش معاكوا. _اللي يريحك يا لينا.. أنا مش عايز أي حاجة من الدنيا غير إني أسمع عنك خير دايماً.. ولو في أي وقت احتجتي أي حاجة كلميني وأنا أجي لحد عندك. =شكراً ربنا يخلي حضرتك. انصرف بلال وأولاده على وعد بالتواصل الدائم والمستمر. ذهبت لينا واحتضنت بسمة بشدة ثم قالت:
_جاي عايزني أرجع أعيش معاه باعتبار إنه أبويا.. مايعرفش إني ماليش أم غيرك. ضمتها بسمة إليها بحب وحنان يغلف قلبيهما. *** تجلس "لينا" تستند إلى رزق الذي يضمها بحنان وهو يقول: _هاا يا فلة.. سرحانة في إيه؟ رفعت ناظريها إليه ثم طبعت قبلة عاشقة على وجنته وقالت: =سرحانة في العفريتة اللي هناك دي.. كل ما تكبر بتبقا شبهك أكتر. نظر إلى طفلته ذات الأربعة أعوام وقال: حنين! _حنين دي فرحة عمري.. الوحيدة اللي بتشاركني في حبك.
=والله.. طب وبسمة؟ _لأ بسمة دي حاجة تانية.. تعرفي؟ =هااا؟ _بسمة دي الوحيدة اللي بتشاركني في حبك. نظرت له وقالت: ياراجل.. بردو؟ ضحك ملياً فضحكت هي بشدة فقال: _مهو مش عارف أفضل واحدة فيكوا عن التانية.. إنتوا التلاتة بناتي وإنتوا التلاتة حتة من قلبي. احتضنته بعشق تام وهي تقول: وإحنا من غيرك ولا نسوي أي حاجة. قبّل وجنتيها وهو يقول: ماتيجي أسلم على البيبي قبل ما أروح الشغل. نظرت له نظرة مغناجة وقالت: رزق.. اتلم.
*اتلم يا رزق و قوم روح شغلك خليها تشوف عيالها بدل ما هي لازقة جنبك كده* تحدثت بسمة بصراخ ممازح، فانتفض رزق على الفور وهو يقول: _منا ملموم والله يا حماتي هي اللي متبتة فيا.. يلا ألحق أمر أنا بقا على المصنع أشوف خلصوا الطلبيات ولا لأ وبعدها هعدي على المزرعة أبص عليهم.. هتعوزوا حاجة؟ قالت لينا: عايزين سلامتك يا حبيبي. وقالت بسمة: مع السلامة يا حبيبي ربنا يصلح حالك ويقويك.
قبّل طفلته الكبيرة ثم طفلتيه الصغيرتين قبل أن ينصرف. نادت لينا على طفلتيها: حنين.. هرولت الطفلتان إليها فحملت حنين وصعدت بسمة تلقائياً إلى حضن جدتها واحتضنت كل منهما الأخرى بحب وحنان وعطاء وألفة. *** نقابل ناس، نفارق ناس، وماشية الحياة عادي حال الدنيا بيتغير مابين الثانية والتانية، هنعمل إيه وده جارح وده مجروح وده عايش على الماضي وأحوالنا دي بتحيّر ولو نرضى هتحلالنا، بنزعل ليه! ومين الدنيا دايماله، محدش ضامن الأيام
يابخت اللي رضي بحاله، وفرّق بين حلال وحرام سؤال وإجابته عارفينها، في يوم هنسيبها، واخدين إيه مادام سايبنها سايبنها، هنتضايق ونزعل ليه! نصيحة عيش ومتخليش في حاجة شاغلة تفكيرك غير الفرحة وغير ضحكة مبتفارقكش في ملامحك ومش بتروح ترتب إيه وتحسب إيه، نصيبك كله هيصيبك لكن عافر مع الفرصة ومتسبهاش في يوم أبداً تضيع وتروح دقيقة بص كده حواليك، هتلقى شمس بتنوّر، وبعديها في عز الليل قمر سبحانه مين صوّر منوّر ليك
تمللي الأمل موجود قريب للي شايفينه، هتتفائل هتضحكلك، في غمضة عين هتبقي الدنيا ملك إيديك حياتنا ساعات بنرسمها وبنجمّلها بالألوان، في لون نختاره يكتمها ولون يدي لحياتنا آمان همومك بكره هتعدي، مفيش حاجة مبتعديش، حياة عايزاك تكون عنيد، وكل ما تقوي فيها تعيش نقابل ناس، نفارق ناس، وماشية الحياة عادي، حال الدنيا بيتغير مابين الثانية والتانية، هنعمل إيه
وده جارح وده مجروح وده عايش على الماضي، وأحوالنا دي بتحيّر ولو نرضى هتحلالنا، بنزعل ليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!