الفصل 18 | من 19 فصل

رواية في غيابة الجب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
21
كلمة
1,714
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

أومأ الشاب بإحترام وهو يقول: اتفضل ادخل وأنا هبلغه. دخل جمال إلى المنزل بزهو وتفاخر ثم جلس على الأريكة بانتظار قدومه. ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى خرج "بلال" ليقابله، فأقدم عليه وهو يرحب به باهتمام، بينما صافحه الآخر ببرود وتنحنح ثم بدأ حديثه قائلاً: طبعاً يا شيخ بلال، انت فاكرني. تحدث "بلال" وقال: أيوه يا جمال بيه، أنا عملت لك زيارة للبيت عندك في إسكندرية من كذا شهر. ثم تساءل: خير.. هي بنت حضرتك تعبت تاني؟

أجاب جمال باقتضاب قائلاً: بص يا شيخ بلال، خليني أجلك دوغري وأدخل في الموضوع مباشرة. تعجب بلال ولكنه أومأ موافقاً وقال: اتفضل. وصلتني أخبار إنك بتدور على بنت أختك اللي انت اتنازلت عن حضانتها من وهي حتة لحمة حمرا، وجاي دلوقتي عايز ترجعها ليك.. صحيح؟ اندهش "بلال" وقال بلهجة حادة: وحضرتك تعرف عن المواضيع دي منين، لا مؤاخذة، ويخصك في إيه؟

تجاهل جمال سؤاله وسأله: صحيح يا شيخ بلال، لما سألت عرفت إنك كان لك أخت اسمها مشيرة.. ده صحيح! أيوه مشيرة تبقى هي هند.. اسمها الحقيقي هند بس كانت معروفة باسم مشيرة على اسم جدتي زي ما كنا بنناديها يعني.. مقولتليش عرفت منين الموضوع ده ويخصك في إيه؟ يخصني إنها بنتي.!! نزلت كلمته كالصاعقة على أذني بلال الذي تمتم بتعجب: بنتك! بنتك إزاي مش فاهم؟

بنتي.. أنا اللي خدتها من المؤسسة من وهي عمرها سنتين وربيتها لحد ما بقى عندها 22 سنة.. ربيتها بكل حب وحنان واحترام وعوضتها عن غياب أبوها وأمها وأهلها كلهم.. كبرت وربيت وعلمت وقدمت كل حاجة ليها، وتيجي انت دلوقتي بعد كل ده عايز ترجعها ليك! بأي حق! أنا خالها يعني أولى حد بتربيتها، وبعدين مـ....... وكنت فين يا خالها وهي مرمية في المركز سنتين! اتنازلت عن حضانتها ليه! نظر "بلال" أرضاً

بخزي ثم أردف: كنت شاب وطايش لسه.. محسبتهاش صح.. غلطت.. ما أي حد بيغلط يا أخي. بس دي مش غلطة تعدي يا شيخنا.. دي غلطة بفورة.. جاي دلوقتي تفتكر إن ليك بنت أخت! طيب اديني عقلك كده.. هي هتبص في وشك إزاي وهي عارفة إنك اتخليت عنها وسيبتها لناس غريبة تربيها؟ لم يجيب الشيخ بلال فتابع جمال حديثه قائلاً: الأحسن ولمصلحتنا كلنا يا شيخ بلال إنك تتراجع عن الخطوة دي.. لأنها مش هتفيدك.

ثم تابع بنبرة أقرب للوعيد: واوعى تكون فاكر إني جيتلك من إسكندرية مخصوص عشان أنا خايف منك أو خايف لو ظهرت لينا تختارك.. استحالة ده يحصل.. لينا متعرفش غيرنا واستحالة تقبل بحد تاني.. أنا بس مش عايز ظهورك في حياتها يسبب لها أي تعب أو ضغط لأنها حساسة جداً وبتتعب من أقل حاجة. نهض واقفاً وهو يستعد للمغادرة:

نصيحة مني خليك بعيد.. انتوا بالنسبة لـ لينا هوا.. مش موجودين.. وتأكد إني لو حسيت إن وجودكوا ده هيسبب لها ولو 1% أذى أنا مستعد أعمل أي حاجة وقتها. وقف "بلال" ثائراً وهو يقول بغضب: انت جاي تهددني في بيتي! وبعدين تعالي هنا.. انت عرفت إزاي إني أبقى خالها! وإني بدور عليها! كل حاجة بتتعرف وبتبان يا شيخ.. متستغربش. انصرف وأغلق الباب من خلفه ثم أطلق زفيراً طويلاً طرد معه كل التوتر والقلق اللذان كانا يعتملان بداخله.

استقل سيارته عائداً إلى الإسكندرية، بينما كان "بلال" يجلس برفقة أولاده متسائلين عن هوية الضيف الخفيف للغاية وعن سبب الزيارة. تحدث "بلال" بحزن وندم وقال: ده جمال بيه البدري اللي كفل بنت مشيرة أختي الله يرحمها ويساامحها. نظر ولداه لبعضهما البعض ثم تحدث عبدالرحمن وقال: وكان جاي عايز إيه! عرف إني بدور عليها فكان جاي يحذرني أو يهددني بمعنى أصح إني أبعد عن طريقهم ومقلبش في الماضي. وحضرتك ناوي على إيه يا بابا!

زفر بلال بضيق وهو يقول: والله يبني ما عارف.. أنا عرْيَان قدام نفسي.. قال لي إيه اللي خلاك تتنازل عنها من البداية.. معاه حق. وليه مقولتلوش إن ستي الله يرحمها هي اللي رفضت وخافت من الفضايح! هيفيد بإيه يا عبده.. اللي حصل حصل وخلاص.. هو معاه حق.. أنا هقابلها بأنهي وش دلوقتي ولا هي إزاي هتسامحني وتقبل بيا بعد ما اتربت وسطهم 20 سنة!! يعني إيه يا بابا! هنسيب لحمنا للناس الغريبة! برز بها صوت "محمد" الابن الأصغر له وهو يستنكر

حديث والده الذي قال: هعمل إيه يا محمد.. مفيش بإيديا حاجة أعملها يبني. نهض وهو يتمتم بقلة حيلة: لله الأمر من قبل ومن بعد. يجلس رزق أرضاً وهو يضم "لينا" إليه ويحاول إفاقتها. لينا.. فوقي يا لينا عشان خاطري.. لينا. صرخ منادياً بـ "موانا" التي جاءت تهرول واندشت عندما رأت لينا مسجاة أرضاً فقال رزق: إنتي لسه هتتنحي.. هاتي إزازة برفان أو أي حاجة.

أسرعت "موانا" وأحضرت قنينة عطر ملك لها، فقام رزق بنثر بعض منها على يديه ثم قرب يديه من أنف لينا والتي بدأت بالاستجابة له وطفقت تفتح عينيها ببطء. نظرت له بأعين زائغة تهاجمها الرؤية الضبابية المشوشة، فراح يمسح على شعرها بهدوء وحنان ويردد: لينا.. سمعاني يا حبيبتي؟

فتحت عينيها بتمهل وسرعان ما دفعته عنها بشدة حتى سقط جسده للخلف وقامت مسرعة وهي تتلفت حولها كالمجنونة حتى رأت الورقة بجانبها فأمسكت بها مجدداً وأنهالت دمعاتها بدون تصديق وهي تردد بهيستيرية: إزاي! إزاي! إزاي يا رزق! .. أنا بنته! طب إزاي! نهض رزق وهو يحاول الاقتراب منها والسيطرة عليها وهو يقول: لينا يا حبيبتي اهدي عشان خاطري وأنا هفهمك كل حاجة. صرخت به قائلة: متقولليش اهدي.. أهدي إيه.. هو إيه اللي أهدي!!!

تابعت وهي تنتحب بشدة: أنا بنته! يعني هو كان متجوز هند! كان يعرف إني بنته! ثم أجابت نفسها: أكيد لأ.. لو كان يعرف إشمعنى دلوقتي بس عمل التحليل! ثم نظرت إلى رزق باتهام وهي تقول: انت كنت تعرف.. صح؟ هز رأسه بنفي مرات متتالية وهو يقول: مكنتش أعرف ولا هو كان يعرف غير من كام يوم.. صدقيني. ابتسمت بسخرية وقالت: هه.. أصدقك! انت زيك زيهم كلكم خدعتوني.. أنا عايشة وسط شوية كدابين ومنافقين. اقترب منها أكثر وهو يقول: لينا اسمعيني.

لتقاطعه هي وهي تبتعد عنه بنفور شديد وتقول: اسمعني انت يا رزق.. لو محكيتليش كل حاجة تعرفها اعتبر إن كل واحد فينا من طريق. استوقفته جملتها فوقف ينظر لها بغضب وحزن في آن ويقول: تاني يا لينا! أزاحت بيديها جميع الأشياء الموجودة فوق سطح المكتب فسقطت حطام على الأرض بينما تصرخ هي بانفعال حاد: هو إيه اللي تاني يا لينا! محدش حاسس بيا لييييه!

يعني إيه أعيش 22 سنة باسم واحد مش موجود في حين إن أبويا الحقيقي عايش ويطلع في يوم وليلة هو اللي بيربيني! هو أنا بحلم! هدأ انفعالها قليلاً وتحول إلى انكسار وضعف وهي تتقدم من رزق متهدلة الأكتاف وتقول بنبرة آلمته جداً: أنا بحلم يا رزق.. مش كده! كل اللي أنا فيه ده كابوس وهفوق منه.. صح! احتضنها بقوة وظل يربت على ظهرها ويهدهدها كالطفل ويقول بتحايل: كل حاجة هتعدي يا حبيبتي.. إنتزعت نفسها من بين أحضانه وهي تحدق به

باستنكار ووجه متجهم وتقول: = إيه اللي هيعدي، فهمني؟! لم يتكلف الأمر سوى ثوانٍ معدودة عندما التقطت سلاحه من على خصره ثم صوبته ناحية رأسها وهي تقول: _لو مقلتليش على كل حاجة، هموت نفسي. اتسعت عيناه بفزع وذهول وهو يهرول ناحيتها، فأوقفته عندما استمع لصوت شد الزناد كتحذير أول، ثم قالت: _لو قربت تاني، هفرغ المسدس ده في دماغي. توقف مكانه كالجماد ولم يدرك ما يفعل. لقد تعطلت حواسه جميعًا وتوقف عقله عن التفكير.

أسرعت "موانا" بالاتصال بـ "جمال" وإبلاغه بما يحدث، فزاد من سرعة سيارته والخوف يقتله بالبطيء. قالت "لينا" وهي لازالت تمسك بالسلاح وتصوبه نحو رأسها: _اتكلم يا رزق..... مسح رزق عرقَه الذي يسيل، لأول مرة يذكرها، ثم قال: = عاوزة تعرفي إيه؟! _كل حاجة.. أنا بنته ولا مش بنته؟! = بنته. تجهم وجهها واضطربت ملامحها لتأكيده ذلك، ثم سألته: _إزاي؟! كان يعرف هند؟!

= كان يعرف واحدة اسمها "مشيرة" وكان على علاقة بيها، ولما سابها مكانش يعرف إنها حامل فيكي. _أومال مين هند؟! = هند هي مشيرة.. هند اسمها الحقيقي، وجمال بيه ماكنش يعرفه.. كان يعرفها باسم "مشيرة".. عشان كده معرفش ولا شك إنها تكون هي مشيرة اللي كان يعرفها. _وعرف مشيرة منين؟! = معرفش..

بس هو فجأة لقيته بيقولي: "في واحدة اسمها مشيرة، عاوزك تعرفلي إذا كانت عايشة ولا ماتت".. بعدها أنا نزلت مصر وروحت العنوان اللي قاله لي عليه، وسألت واكتشفت إن مشيرة دي هي هند. انتفض جسدها وهوت أرضًا، فأسرع رزق يمسك بها ويجذبها إليه، فقالت: _أنا مبقتش فاهمة حاجة.. اللي بيحصل ده فوق طاقتي واستيعابي.. عشان كده مامي سابت البيت. تابعت بأسى: عشان كده مرضيتش تقول لي على حاجة وتظهرها قدامي!! هي كمان اتخدعت فيه زيي.

نادى "موانا" بأن تحضر كوب ماء، ففعلت، ساعدها بأن تشرب الماء وهو يقول: _اهدي يا لينا.. كل حاجة هتبقى تمام، بس اهدي. نظرت له بعينين باكيتين وهي تقول: إزاي يا رزق؟! كل حاجة هتبقى تمام إزاي؟! أنا بخسر للمرة المليون!! ضمها إليه وقبّل جبينها بحنو، قبل أن يدخل والدها إلى الغرفة مسرعًا وهو يقول: _لينا حبيبتي.. مالك يا بابا؟! رفعت ناظريها إليه بحدة وبغض شديد، ثم قالت: _حبيبتك؟! انت عمرك ما حبيت حد غير نفسك. اقترب منها،

فأوقفته وهي تقول: متقربش مني. لمح بطرف عينه تلك الورقة الملقاة بإهمال على أرضية المكتب، فالتقطها بيد مرتعشة، ثم نظر إليها، فوجدها تبتسم بتهكم، ثم قالت: _هتكذب وتقولي إيه؟! خلاص أنا عرفت كل حاجة يا.. يا بابي. نطق بتلعثم وتخبط وهو يقول: = لينا الموضوع مش زي ما انتي فاهمة.. الحكاية ليها أبعاد تانية انتي متعرفيش بيها. _أبعاد؟! زي إيه؟! زي إنك عملت علاقة مع واحدة وسيبتها وهربت، ومكنتش تعرف إنها حامل منك.. مش كده؟!

نظر تلقائيًا إلى رزق، الذي وللعجب لم يجد بعينيه أي نظرات أسف أو ندم، فقالت لينا: _كنت مفكر إنك هتضحك على واحدة وتخدعها وتهرب، وهتكمل وتعيش حياتك عادي من بعدها من غير ما تتعاقب في الدنيا قبل الآخرة؟! لم يجيبها، فصاحت به صارخة: سيبتها حامل منك وهربت، وهي اتحملت وعاشت لوحدها لحد ما ولدتني.

ثم تابعت بنبرة مختنقة: بس مقدرتش تكمل.. رمتني في البير عشان تعفي نفسها من مسؤوليتي، لأنها مكانتش هتعرف تواجه الناس بيا.. وياريتها عاشت. قالت الأخيرة بتهكم بالغ وتابعت: بعد ده كله ماتت برضه وارتاحت، وسابتني أنا للعذاب.. ياريتني كنت مت في البير أو مت في بطنها قبل ما تولدني. هرول أبوها إليها وهو يقول: بعد الشر يا حبيـ..... _ابعد عني.. ابعد عني.. ابعد عنييييييييييييييييي.

صرخت بالأخيرة قبل أن تفقد الوعي وتصطدم رأسها بالأرض من تحتها وتدخل في نوبة صرع متجددة. بدأ جسدها بالانتفاض وتشنجت عضلاتها بشدة، مما جعل قلوبهم تهوي أرضًا، فصرخ جمال بـ رزق: _اطلب الدكتور حالا!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...