الفصل 1 | من 19 فصل

رواية في غيابة الجب الفصل الأول 1 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
18
كلمة
1,995
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

في يوم من الأيام التي تبعث في نفسك شعور بعدم الطمأنينة، هواءه بارد تشعر وكأنه محمّل بكل الطاقة السلبية التي يحتويها المكان. ذهبت "مشيرة" إلى بيت ذاك الذي يتهرب منها دائمًا بعد أن أعطاها موثقًا بأنه سوف يتزوجها. وقفت تقرع باب منزله بيأس وهوان تملكها، وعباراتها تسابق دقات قلبها أيهما سيسرع! أتاها صوت "رشدي"، ذلك الكهل الطيب، قائلاً:

_مش موجود يا "مشيرة" يا بنتي. قولتلك وفري صحتك وأعصابك ومتسأليش عنه تاني.. ده كأنه فص ملح وداب! نظرت له "مشيرة" نظرات تنم عن كم الأذى الموجود بداخلها، ثم جففت دمعاتها بظهر كفيها وأومأت له بإيجاب ثم غادرت كما أتت. عادت إلى بيتها تجر أذيال الخيبة، ثم دخلت وألقت التحية على والدتها العجوز التي تساءلت: _كنتي فين من صباحية ربنا يا مشيرة؟ ثم أكملت بتوعد مبطن: _ده الشيخ "بلال" حاالف بس لما يشوفك.. ادخلي نامي بقا قبل ما ييجي.

نظرت "مشيرة" إلى والدتها بتأفف وقالت: _شيخ! شيخ على نفسه مش عليا. زجرتها والدتها بغضب وقالت: _اتكلمي كويس عن أخوكي.. أيوة شيخ.. ربنا يحميه لشبابه ويخليه. هزت رأسها بلا مبالاة وقالت: _والنبي يا أما أنا اللي فيا مكفيني.. أنا داخلة ومتصحينيش. أسرعت "مشيرة" إلى غرفتها وقامت بخلع ردائها سريعًا، ثم بدأت بفك ذلك المشد اللعين التي تربطه على خصرها لإخفاء بطنها المتكور الذي بات ظاهراً.

_أنا مش عارفة ماسك ومتبت فيا ليه، إذا كنت نفسي مش عايزاك!! أعمل إيه بس يا رب! قالت جملتها وهي تحدث جنينها صاحب الأشهر الخمسة بنزق، ثم دخلت إلى فراشها المتهالك وأغمضت عينيها، وسرعان ما غطت بالنوم. "ترى أنها وكأن قوة ما تسحبها لأسفل وهي لا تقاوم أدنى مقاومة تذكر، تستمع إلى أصوات تتردد من حولها وكأن أحدهم يستغيث بها، أصوات متداخلة لا تفقه منها شيئاً إلا كلمة واحدة ميزتها أذناها عن سائر الكلمات: _مامااا إلحقيني!

التقطت أذنيها تلك الكلمتين لصوت صارخ باكي. ظلت هي تجوب ببصرها يمينًا ويسارًا عن صاحب ذلك النداء، ولكنها لم تجده. فزعت من نومها بشدة عندما أحست وكأن أحد ما يمسك بقدميها، ولكنها تنهدت عندما وجدت "القط" الذي ترعاه والدتها، فركلته بقدمها بانزعاج وتمتمت: _غور انت كمان. عادت لتكمل نومها ولكنها لم تستطع، أطلقت لخيالها العنان فإذ به يقودها نحو مهلكها ومعذبها الأوحد. حدثت نفسها فقالت:

_منك لله يا "جمال".. من يوم ما عرفتك وأنا مشوفتش يوم عدل، بس أعمل إيه.. أنا اللي أستاهل إني آمنت لكلب سعران زيك.. وديني لأنتقم منك وأشربك العذاب ألوان بس ألاقيك! شعرت باقتراب خطوات أخيها من باب غرفتها فأغمضت عينيها بسرعة متصنعة النوم. طرق "بلال" باب غرفتها مرات عدة فلم تجب، فانصرف عائدًا نحو مكان مقعد والدته. جلس بجانبها فسألته: _عملت إيه يا حبيبي في جلسة النهارده؟ تنهد مطولاً ثم أجاب:

_كان يوم صعب أوي أوي يا أما.. تخيلي بنت عندها 14 سنة ومعمولها سحر سفلي!! أنا مش عارف مين اللي يجيله قلب يأذي حد بالشكل ده! وعشان إيه أصلاً.. الدنيا فانية ومش مستاهلة والله. مصمصت والدته شفتيها بحسرة وقالت: _يا حبيبتي يا بنتي.. منهم لله اللي بيأذوا الناس.. ربنا يأذيهم في نور عنيهم ويجازيك خير عن كل خير بتعمله يا حبيبي.. أوعى يا بلال تكون بتاخد فلوس قصاد الخير اللي بتعمله؟ _وإنتي تعرفي عن ابنك كده يا أم بلال؟

اطمني.. كله لوجه الله. ابتسمت وقالت: _ربنا يحبك ويحبب فيك خلقه يا حبيبي. _ياااارب ياما.. عن إذنك بقا إيه.. آخدلي دش كده وأفرد ضهري ألا أنا هلكان. =لو جعان الأكل عندك.. اغرف وكل. _لا مش جعان.. تصبحي على خير يا بركة. =وإنت من أهله يا حبيبي. قالت الأخيرة وهي تلوح بيديها للقطط التي ترعاها فالتفوا حولها وبدأت بوضع الطعام والماء أمامهم.

يقف "جمال" أمام منزله القديم المتهالك بعد أن جمع كل أغراضه من الداخل ونادى إلى "عطوة" الذي يعمل بالمقهى المقابل لمنزله وقال: _بص يا "عطوة".. أي حد يسأل عليا قول له سافر الكويت ومش هيرجع قبل سنة. _طب والأبلة "مشيرة" يا عم "جمال" دي يوماتي بتيجي تقف قدام الباب وتعـيط وتفضل تخبط عليك. =أهي "مشيرة" دي بالذات لما تيجي قول لها هو مسافر ومش راجع تاني أبدا.. تمام يا "عطوة"؟ _أوامرك يا عم "جمال".

استل "جمال" من جيب سترته حفنة جنيهات ثم وضعها بقبضة يد "عطوة"، ثم أخذ أغراضه وغادر الحي. قام بالاتصال بصديقه "مرسي" الذي أجاب وكأنه كان بانتظار تلك المكالمة فقال: _إيه يا "جمال" هو ده اللي ساعة وأرن عليك؟ أتاه صوت "جمال" متذمراً وقال: _يبني على ما لميت هدومي وجبت الحاجة وخرجت.. ها أجيلك فين؟ _تعالى على الشقة الجديدة حالا.. الناس مستنيين ومجهزين الفلوس، عايزين نخلص من الحاجة دي قبل ما تتشم.

=حصل.. نصايه وأوصل.. بس على اتفاقنا.. إنت الربع وأنا التلت أرباع. _ياعم مااااشي.. إخلص بس وحياة أمك ألا أنا متوغوش. =قربت أهو.. يلا سلام. بعد مرور أقل من نصف ساعة كان يقف "جمال" أمام الشقة التي سيتم بها الاتفاق، طرق الباب ففتحه "مرسي" مسرعاً ثم جذبه للداخل مسرعاً وأغلق الباب بعد أن تطلع حوله بأعين مرتابة! _هاا يا "جمال" البضاعة حاضرة؟ سأل كبيرهم المدعو "بيومي"، فأومأ "جمال" موافقاً وقال:

_حاضرة يا باشا وكله تمام التمام.. أشوف الفلوس بقاا. نظر "بيومي" إلى شاب بجانبه ففتح حقيبة جلد كبيرة تمتلئ إلى آخرها بالنقود مما جعل أعين "جمال" و"مرسي" تجحظ بشدة ولعابهم يسيل على ما يرونه فقال "جمال": _سلم واستلم يا ريس. أعطاه ذلك الشاب الحقيبة المزدحمة بالأموال فناوله "جمال" الحقيبة الأخرى التي تحتوي على "المخدرات" فأخذوها وانصرفوا مغادرين. جلسا "جمال" و"مرسي" يتقاسمان النقود بحسب اتفاقهما فتساءل "مرسي":

_هتعمل إيه بالـ 2 مليون دول يا بن الأبالسة؟ _هعمل! دنا هعمل وهعمل وهعمل.. أول حاجة هطير على إسكندرية وهشتري أجدع شقة على البحر وأتجوزلي بت متدلعة كده من بنات بحري وأفتح أي مصلحة أعيش منها. = طب ومشيرة؟ _مشيرة مين وزفت مين! مشيرة دي ورقتها باشت خلاص، خلينا ننضف بقى ونشوف النسوان النضيفة.. وحسك عينك يا مرسي تعرفها إني لسه في مصر.. أنا قايلهم في الحارة يبلغوها إني مسافر الكويت.

تعجب مرسي ولكنه شعر بغبطة تملؤه ولم يعقب واكتفى بإيماءة مقتضبة منه، فتابع جمال قائلاً: _أدي يا سيدي نصيبك أهو وفوقه بوسة.. ألحق أهب أنا بقى على إسكندرية وأصرف الفلوس قبل ما يتحط عليهم.. سلااام يا صاحبي. = سلاام يا جمل. على الفور انطلق جمال نحو الإسكندرية وقابل سمسار عقارات كان هو على تواصل دائم معه، وقام بشراء شقة تناسب متطلبات وإمكانيات جمال، وأخذ منه النقود وسلمه مفاتيح شقته ثم انصرف.

ظل يتطلع حوله بحالمية وسعادة وهو يفرك يديه ببعضهما ويقول: والله وهتحلو يا جمال يا بدري وهتبقى من عين أعيان إسكندرية.. الصبر حلو.. كلها سنتين وأبقى جمال بيه البدري ويتضرب لي تعظيم سلام كمان! أنهى جملته وهو يقفز قفزة متحمسة على ذلك الفراش الوثير فارداً ساعديه يستقبل الأيام القادمة بصدر متسع. بعد مرور أربعة أشهر...

استيقظت مشيرة إثر ألم شديد يفتك بأحشائها، منذ أن تركت بيتها وهربت وهي تمر بأسوأ الظروف، لا تتناول الطعام لأيام متتالية، حاولت مراراً وتكراراً التخلص من ذلك الرابض بأحشائها ولكنها فشلت، فكانت تسأله دوماً: نفسي أعرف إنت ولا إنتي متمسكين بالحياة على إيه! مش هتلاقوا فيها غير كل حزن وغدر وخيانة.. وبكرة تشوفوا.

تحاملت على آلامها ونهضت تحاول الخروج من ذلك الكوخ النائي الذي تمكث به فلم تستطع، أحست بسائل لزج يسيل على جانب قدميها فنظرت وتفاجأت عندما علمت أنها على مشارف الولادة وأن جنينها أعلن قدومه للحياة. سقطت في الأرض من شدة التعب، تفكر كثيراً ماذا ستفعل وكيف ستطلب المساعدة ومن ستطلبها؟ صرخت بأعلى صوتها تحاول الاستغاثة بأي شخص من الممكن أن يساعدها ولكن دون جدوى، فنطق لسانها بقلة حيلة: يااااارب. _ياااااا رب.

قالتها والدة مشيرة وهي تبكي بقهر، فسألها بلال: = فيكي إيه يا أما؟ قالت ببكاء: قلبي مقبوض يا بلال.. حاسة إن مشيرة في ضيقة.. يا ترى إنتي فين يا بنتي؟ مسح وجهه وشعره بضيق وغضب وقال: قلبت الدنيا عليها ياما وكأنها اتبخرت.. لو حية كان بان لها أثر. _لااا.. تف من بؤك هي عايشة أنا متأكدة.. بس هتجنن.. اتخطفت ولا سابت البيت بمزاجها ولا راحت فين بس.. يارب ينجيكي يا مشيرة يا بنت قلبي.

مرت قرابة الساعة ومشيرة تحاول مساعدة نفسها كي تضع طفلها. كانت حبات العرق تتناثر فوق جبينها بغزارة وحالها يرثى له، إلى أن استمعت إلى صوت بكاء صغيرها وقد أطل برأسه، فانتزعته بشدة من داخلها ولفظت أنفاسها المشتتة، ثم زحفت قليلاً والتقطت سكيناً وقطعت به الحبل السري وهي تلهث بخوف شديد تملك منها، وذلك مخافة الوصمة التي تلحق بكل أم عزباء.

بعد أن استقر به الحال وقام بشراء "مطعم" بحي راقي في الإسكندرية، بدأت حياته تتبدل إلى الأفضل وكف عن تجارة الممنوعات وبدأ يخطو خطوات جدية. في صباح يوم جديد وهو يفتح باب شقته الجديدة التي تعتلي "المطعم" الخاص به، فإذا به يصطدم بفتاة حسناء أسرت ملامحها الرقيقة قلبه. تنحنح واقترب منها وقال: إحمممم.. صباح الخير يا آنسة. ابتسمت ونطقت بصوتها العذب: صباح النور. _إنتي جديدة معانا هنا في العمارة؟

= أيوة بقالنا يومين بس.. حضرتك ساكن قديم هنا؟ _لا أنا مالك.. الشقة دي بتاعتي.. والمطعم اللي تحت كمان بتاعي. = معقوله!! مع إني كنت تحت امبارح مشوفتكش! _ممكن أكون كنت نايم.. أصل أنا مواعيدي ملخبطة.. على العموم تنوري المطعم في أي وقت.. هستنى زيارتك. = إن شاء الله.. قريب جداً.. عن إذنك عشان ماما بتنادي. انصرفت للداخل بعد أن أطلقت سهام عينيها على قلبه الذي وقع صريعاً لها. نزل هو إلى "المطعم" ومحياه يبتسم لا إرادياً.

أتاه اتصال من مرسي فأجاب: _فين يبني.. رنيت عليك كتير وتليفونك مقفول؟ = والله يا جمال كان عندي شوية مشاكل وأمي كانت تعبانة ومكانش ليا نفس لأي حاجة. _لا ألف سلامة يا حبيبي.. وهي عاملة إيه دلوقتي؟ = أهو الحمد لله.. أحسن.. قوللي إنت عامل إيه؟ _أنا فل الفل الحمد لله.. ربنا كارمني آخر كرم والقشية معدن.. ما تيجي تشتغل معايا وسيبك من الحارة ودوشتها. = وأسيب أمي وإخواتي لمين؟

ما إنت عارف مفيش غيري.. المهم كنت عايز أسألك عن "مشيرة". _يوووه ده أنا نسيتها يبني.. مالها مشيرة؟ = مالها إيه! البت اختفت يبني وكأنها مكانتش موجودة من أصله.. أهلها قلبوا عليها الحارة ومصر القديمة كلها ملهاش أثر.. إنت عملت فيها إيه؟ رفع جمال كتفيه بعدم اهتمام وقال:

_وأنا هعملها إيه.. أنا من آخر مرة كانت معايا فيها وأنا مشوفتهاش تاني.. وبعدين متقلقش على اللي زي مشيرة تلاقيها غطسانة مع زبون جديد ولا حاجة ولما تخلص المصلحة هتظهر تاني. = يا عم حرام عليك.. إنت عارف إنها مش كده وكانت ماشية معاك عشان بتحبك بجد.

_يا عم يا مرسي الكلام ده مبياكلش ولا يشرب معايا.. منتا عارف اللي فيها.. وبعدين أنا ناقصني إيه عشان أتجوز واحدة متداس عليها قبل الجواز.. لا ده أنا بكرة هوريك اللي هتجوزها دي شكلها إيه! وديني لأتجوز برنسيسة. = برنسيسة! ربنا يهديك يا جمال ويسااامحك. _ماشي يا شيخنا.. ادعيلي.. يلا هروح أنا بقى عندي شغل. = ماشي يا صاحبي.. مع السلامة.

على مضض.. نهضت وحاولت تجاهل تلك الآلام التي تفتك بجسدها كلياً.. قامت وجذبت قميص خاص بها ولفت به مولودتها ثم ارتدت ملابسها ونقابها ثم خرجت من الكوخ تحمل طفلتها التي لا تكف عن البكاء والصراخ. _بتعيطي ليه؟ منا قولتلك أنا منفعكيش.. جيالي أعمل بيكي إيه؟ ولا هعرف أرضعك.. ولا هعرف أخلي بالي منك.. إنتي كده كده ميتة. سارت قليلاً حتى رأت على امتداد بصرها "بئر" فتقدمت منه ووقفت أمامه ثم نظرت إلى طفلتها بعينين

باكيتين وقلب مشتعل وقالت: سامحيني.. مينفعش أتعلق بيكي وبعدين أموتك.. دلوقتي أحسن! قالت الأخيرة متجاهلة صراخ تلك الصغيرة ثم رفعتها إلى أنفها تشم رائحتها للمرة الأولى والأخيرة ثم ألقت بها إلى البئر.. ومضت!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...