تحميل رواية «في غيابة الجب» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في يوم من الأيام التي تبعث في نفسك شعور بعدم الطمأنينة، هواءه بارد تشعر وكأنه محمّل بكل الطاقة السلبية التي يحتويها المكان. ذهبت "مشيرة" إلى بيت ذاك الذي يتهرب منها دائمًا بعد أن أعطاها موثقًا بأنه سوف يتزوجها. وقفت تقرع باب منزله بيأس وهوان تملكها، وعباراتها تسابق دقات قلبها أيهما سيسرع! أتاها صوت "رشدي"، ذلك الكهل الطيب، قائلاً: _مش موجود يا "مشيرة" يا بنتي. قولتلك وفري صحتك وأعصابك ومتسأليش عنه تاني.. ده كأنه فص ملح وداب! نظرت له "مشيرة" نظرات تنم عن كم الأذى الموجود بداخلها، ثم جففت دمعاتها...
رواية في غيابة الجب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نعمة حسن
بحاسبك إنتي عشان بحبك إنتي مش بحبها هي!!
ماذا! بماذا نطق ذلك اللعين! هل يحبني حقا؟
شعرت بثقل بلسانها و خدر بجميع أطرافها يشملها ثم قالت بأحرف متقطعه:
= إنت.. إنت قولت إيه دلوقتي حالا؟
أحس هو بالندم علي تسرعه و عدم تريثه فمسح وجهه بضيق و غضب و لم يجيب.
بادرته هي بالسؤال مرة أخري: رد عليا.. قولـت إيه؟
ثم بدأت ملامح وجهها تميل للضعف أكثر و قالت:
_ قولـت إنك بتحبني.. صح؟
و قبل أن يجيب بالإيجاب أو السلب كانت هي تطوّق عنقه بيدها الضئيلة و تضحك بهيستيريا قائلة:
_ أنا كمان بحبك يا رزق.. بحبك أووووي!!
لم ينفك أن يفيق من صدمته بسبب ذلك العناق المفاجئ حتي زادت دهشته بإعترافها له بحبها!
= بتحبيني؟
برز بها صوته مذهولا مشدوها متوسلا أيضا فأومأت بموافقة شديده و قالت:
_ بحبك أووي يا رزق.
رفعها عن الأرض يشدد من ضمه إليها و أطبق علي جسدها الصغير بذراعيه حتي كادت تتهشم عظامها مما أسعدها لكونها أيقنت أنه يعشقها و بشدة!
أنزلها أرضا وأحاط وجهها بكفيه و قال بتساؤل قلق:
_ إنتي قولتي إنك بتحبيني دلوقتي؟ ولا أنا بيتهيألي؟
وضعت يديها علي كفيه اللذان يحيطان وجهها و إبتسمت وهي تنظر داخل عينيه مباشرة وقالت:
= لا مش متهيألك.. أنا فعلا بحبك!
أغمض عينيه بسعادة بالغه وهو يجذبها لصدره يحتضنها بعشق بات واضحا ولا حاجة له في إخفاؤه بعد الآن.
حاصرت خصره بيديها الناعمتين و أسندت رأسها إلي صدره تبتسم بحب و سعاده بينما قبّـل هو أعلي رأسها بحنان بالغ و قال مناديا:
_ فله!!
نظرت للأعلي لتقابل عينه و قالت:
= فله! حلو أوي الإسم ده ناديني بيه علي طول!
_ إنتي تؤمري يا ست البنات.. كل طلباتك مجابه بس إنتي تشاوري.
لم تجيبه بل أعادت التشبث بحضنه تتلذذ بعناقه الذي تشعر وكأنها كانت تفتقده منذ أمد بعيد، فقال:
_ إن شاء الله ربنا يقدرني و أعمل كل اللي أقدر عليه عشان أستحقك.. أنا عارف إن طريقي مش سهل لكن بردو مش مستحيل.
أعادت النظر بداخل عينيه بثبات و قالت بصدق:
= أنا مش عاوزه أي حاجة يا رزق.. عايزة أعيش معاك بس حتي لو في أوضة واحده.
إبتسم لحديثها الذي أثلج صدره و قال:
_ إنتي مقامك أعلي من كده بكتير.. إنتي تستاهلي تعيشي في قصر مش في أوضة!! و إن شاء الله هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أعيشك في نفس مستواكي.
ثم أكمل و القلق ينبض بعيناه: الخوف كله من جمال بيه!
_ بابي! ليه!
= ليه إيه! إنتي فكرك يعني جمال بيه هيوافق يجوز بنته الوحيده للحارس بتاعه؟ مهما كان بيعزني أو بيعتبرني زي إبنه.. بس لما الأمر يوصل عندك إنتي كل حاجه هتختلف.
إبتسمت بلطف و قالت تطمئنه: متقلقش يا رزق.. أنا مش صغيرة و بابي مش هيجبرني علي حاجة و كمان لما يعرف أد إيه أنا بحبك مش هيرفض إننا نتجوز!
إبتسم لبرائتها و لم يشأ أن يعكّـر صفو تلك اللحظه الحالمه و قال:
_ إممممم.. طيب قوليلي أنا الأول أد إيه إنتي بتحبيني!!
= بحبك أكتر من كل حاجة في الدنيا..
بترت كلماتها وهي تزمجر قائلة:
= قولولي صح.. كنت بتتكلم مع حنين في إيه؟ و الشنطه اللي إديتهالها دي فيها إيه؟
ضحك ملء فمه و قال بسعاده يداعب وجنتيها:
_ حبيبي بيغير يا ناس!
أزاحت يديه عن وجنتيها بغيظ و قالت:
= بلاش هزار.. كنتوا بتتكلموا في إيه و ضحككوا واصلني و أنا في الشاليه!!
_ هنكون كنا بنتكلم في إيه يا نون يعني؟ أنا كنت بدور عليكي فلمحتها و ناديت عليها أسألها عنك فقالتلي دي نايمه لسه فعطيتها الشنطه اللي شوفتيها دي كان فيها المايوة اللي قولتلك هجيبهولك بدل المسخرة اللي كنتي لبساه ده.
قال الأخيرة بعتاب بالغ فأخفضت بصرها بحرج و قالت:
_ وبعدين؟
= وبعدين أخدت الشنطه و لقيتها بتقوللي إنت بتحبها صح؟ فـ أنا إستغربت و فضلت أضحك زي الأهبل وهي تضحك علي ضحكي اللي مالوش سبب.. و بعدين يستي لسه هرد عليها ظهرتي إنتي قدامي!
صرّخ علي أسنانه من شدة الغيظ وقال بنبرة أرهبتها:
_ أقسم بالله لو اللي عملتيه ده إتكرر تاني ما هتشوفي مني طيب.
ثم تحدث بصوت أكثر حنان: لينااا.. إنتي مش بس حبيبتي.. إنتي بنتي و حته من روحي كمان و هتبقي بإذن الله مراتي و شريكة حياتي.. يعني كل حاجة ليا.. أنا عايز كمان أبقا كل حاجة ليكي.. و تعرفي إني بخاف عليكي و بغير عليكي كمان.. يعني اللي أقوللك بلاش منه تعرفي إنه فعلا هيضرك.. ماشي يا فله؟
اومأت بإبتسامة عريضه و دفنت رأسها في صدره تلتمس منه الدفء فقال ممازحا:
_ ما خلاص بقا إنتي ما صدقتي ولا إيه؟
إبتعدت عنه تنظر له بصدمة فضحك فورا وهو يجذبها لصدره يحتضنها و يقبل جبينها قائلا:
_ إنتي تعملي اللي إنتي عايزاه.. بس يلا نشوف حنين صاحبتك راحت فين ألا تكون تاهت.
= إستني صح.. و ليه مستنيتوش أجي معاكوا الحفله؟
_ والله دي بقا تسألي صاحبتك فيها لأن أنا عن نفسي قولتلها نستني قالتلي هي أول ما تعرف هتيجي جري.. و حصل.
ثم أكمل بتلاعب أثار حنقها:
_ ساعة ما عرفتي إن إحنا سوا جيتي علي ملا وشك!
إنفجر ضاحكا عندما رأي أمارات الغيظ ترتسم علي وجهها فأمسك بيدها يحتضنها بكف يده و قال:
= ده إنتي حبيبتي يا فـله و محدش يملي عيني غيرك.. يلا بينا؟
_ أيوة يلا زمان حنين قلبت الدنيا علينا!
= لا مش إنتي هترجعي هناك بالمسخرة اللي إنتي لبساها دي.. لو عايزة تحضري الحفله يبقا نرجع البيت نغيري و تنزلي.. غير كده لأ!
_ خلاص أنا هستناك في العربيه.. هات حنين و تعالي نروح كلنا و نسهر في أي مكان تاني.
= طيب كلميها إسأليها هي فين.
قامت لينا بالإتصال بـ حنين التي أجابت مسرعه و قالت بحدة:
_ أيوة يا لينا.. إنتوا إختفيتوا فين كده؟
= إنتي فين يا حنين عشان رزق ييجي ياخدك؟
_ أنا في مكاني متحركتش.
تحدثت لينا إلي رزق و قالت: بتقول لسه في مكانها!
رزق: طيب قوليلها تخرج عند البوابه الرئيسيه و إحنا هنروحلها بالعربية.
ذهب رزق يصطحب لينا إلي حيث تنتظرهم حنين فركبت السيارة وهي تسدد لهم نظرات حانقة ثم عادوا جميعهم إلي الشاليـه....
تجلس ليـنا علي فراشها ممسكه بهاتفها تتبادل الرسائل النصيه مع رزق و ترتسم إبتسامه هادئه علي وجهها فقالت حنين:
_ سيدي يا سيدي.. أعطنا مما أعطاك الله يست!
نظرت لها لينا و إبتسمت قائلة:
= بحبه أوي يا نانا.. وبحبك إنتي كمان.
_ إدعو للعمده إدعوله.. لولا مخططاتي و تدابيري الشيطانيه مكنش حد منكم إعترف للتاني أنه بيحبه.
= معاكي حق.. أنا لما عرفت إنكوا سوا في الحفله كنت هتجن و لو كنت طولت أخنقك يومها كنت عملتها.
_ بقا يا هبله تغيري عليه مني.. والله عجايب!
قالت الأخيرة بشفاه ملتويه حانقه ثم إعتدلت بجلستها عندما إستمعت إلي طرقات علي باب غرفتهما...
_ إدخل.
قالتها لينا وهي تأذن بالدخول للطارق فدخل "جمال" يبتسم بـ بشاشة و جلس بجانب لينا فقال:
= سمعت صوتكوا فـ عرفت إنكم لسه صاحيين قولت ادخل أرخم عليكوا.. هاا منمتوش ليه؟
أجابت لينا: مفيش يا بابي كنا بندردش سوا شويه.. المجنونه "حنين" مصممه تنزل الميه دلوقتي...
_ أيوة إنتهزوا الفرصه يا لينا إنتي و حنين.. إحنا هنرجع الصبح.
قالت حنين تخاطب لينا: سمعتي يا بومة!! بينا بقا ننزل سوا نودع البحر!
_ لا يا حبيبتي ودعي إنتي..
أنا بخاف أنزل بالليل.
تخافي من إيه؟ الناس كلها في الميه، وبعدين العوم بتاع بالليل ده له طعم تاني يا غبيه.
متحاوليش تقنعيني.. مش هنزل.. عايزه تنزلي إنتي إتفضلي.
ثم قالت بتراجع: ولا أقول لك.. بلاش تنزلي.. خلينا نستنى النهار يطلع وننزل سوا.
قالت حنين بإصرار: لا يا ماما خليكي انتي للنهار.. إحنا بتوع الليل وأخره!!
إرتدت حنين ثوب سباحتها ونزلت بالفعل، بينما ظل جمال برفقة لينا يحادثها فقال:
إتبسطتي يا حبيبة بابي!
إبتسمت قائلة: الحمدلله يا بابي إتبسطت أوي.. خلينا كل أسبوع نيجي نقضي الويك إند هنا.
جذبها إليه يحتضنها بسعادة وقال:
لولي تؤمر وإحنا ننفذ.. علي الله بس مامي توافق!!
لا سيب مامي عليا.. مش هترفض.
إن شاء الله يروحي.. يلا نامي انتي بقا عشان تصحي فايقه.
لأ أنا هنزل أشوف حنين و آخدها ونطلع ننام.
وضعت لينا علي كتفيها شال خفيف ونزلت إلى الأسفل تبحث عن حنين، فوجدت رزق يجلس يدخن سيجارته بشراهه، فجذبتها من بين أصبعيه بغتة، مما جعله ينظر لها بحدة، ولكن ابتسم فور أن رآها وقال:
هو إنتي.. فكرت حد تاني، كان زماني كسرتله وشه.
قالت وهي تجلس بجانبه: كل ده عشان سيجارة يعني!
قال وهو يسحب آخر أنفاس سيجارته ويلقيها تحت قدمه: لا مش عشان سيجاره.. عشان مبحبش حد يتعدي حدوده معايا!!
قالت بغنج: طب وأنا!
إبتسم ونظر إلى عينيها اللتان يعشقهما:
إنت حبيبي انت.. تعمل اللي انت عايزه.
راقتها طريقة تدليله لها واتسعت ابتسامتها، فسألها:
منمتيش ليه! هنمشي بكرة بدري!
منمتش.. العبيطه حنين صممت تنزل الميه، فقولت أنزل أستناها عشان نطلع سوا.
اتسعت عينيه بفزع وقال: تنزل الميه دلوقتي!
أومأت بنعم وقالت: أيوه.. في إيه مالك!
نهض واقفا وهو يقول:
في إيه إيه! الموج عالي جدا.. إزاي تسيبوها تنزل!
هرول مسرعا نحو الشاطئ وركضت لينا خلفه، وقد تمكن منها القلق ودب الرعب في أوصالها.
حنييييييييين....
ناداها رزق بأعلى صوته، وفعلت لينا المثل عدة مرات ولكن دون جدوى.
صرخ بها منفعلا وقال: إنتوا بتستعبطوا! ده وقت حد يعوم فيه!
قالت لينا بصوت متحشرج: والله حاولت أمنعها مسمعتش كلامي.. كانت مصرة إنها تنزل الميه......
لم تستطرد كلماتها عندما رأت على مدد بصرها مجموعة من الشباب يحملون شخص ما ويخرجون به إلى الشاطئ.
ظلت تتمتم بداخلها: يارب لأ والنبي.. حنين لأ يارب.
ولكن خاب أملها عندما تبين لها وجه "حنين"، ولكنه شاحب للغاية!!
صرخت باسمها: حنييييييييين..
ثم هرولت نحوهم، ويتبعها رزق.
سقطت أرضا بجانبها وهي تصفع خدها بخفة وهي تردد اسمها بهيستيرية وتقول:
حنين.. حنين فوقي.. عشان خاطري يا حنين والنبي.. بالله عليكي فوقي وكلميني.
صرخ رزق بالحشد الذي يلتف حولهم قائلا:
إنتوا بتتفرجوا! حد يطلب إسعاف ولا أي حاجة..
إتصرفوووووا.
قال أحد الشباب: أنا معايا عربيتي هناك أهي.. تعالوا معايا ناخدها المستشفى...
استقل رزق ولينا السيارة ويصطحبون تلك الغائبة عن الوعي "حنين" برفقة ذلك الشاب الذي أوصلهم إلى المشفي، وصعد برفقتهم ينتظر أمام غرفة الإنعاش.
لم يمر كثير من الوقت حتى خرج الطبيب وتبدو على وجهه علامات الأسف وقال:
للأسف مقدرناش نعمل حاجة.. البقاء لله.. شدوا حيلكوا.
فور أن استمعت لينا لكلمات الطبيب سقطت أرضا مغشيا عليها!
مع فقدان من تحب تصبح روحك خاوية.. قلبك ينبض وأنت تتمنى أن يا ليته لو توقف!.. جسدك هزيل شاحب منزوع منه الحياة.
كم هو شعور مؤلم أن يرحل المقربون لقلبك ويبقي الغرباء عن روحك! ولكن عزاءك الوحيد يا قلبي أننا ومهما عشنا راحلون!!
خطت لينا تلك الكلمات بقلبها المكلوم والذي يئن شوقا لروحها التي واراها الثرى، ثم صعدت إلى فراشها وتكوّمت حول نفسها مرة أخرى تحتوي نفسها بذراعيها وعيناها لا تتوقف عن البكاء.
دخلت "بسمة" إلى غرفتها فوجدتها كما تركتها بأول النهار، فجلست بجانبها وهي تواسيها بحسرة وقالت:
لينا يا قلب ماما.. حرام عليكي يا حبيبتي متعمليش في نفسك كده.. طب عشان خاطري أنا.. عشان خاطر ماما يا لينا.. ورحمة حنين تردي عليا.
نظرت لينا إلى والدتها ودمعاتها تسيل دون هوادة على وجنتيها المتهدلتين ووجهها الشاحب ولم تجب، ثم أعادت النظر أمامها مرة أخرى.
تابعت والدتها بسيل جارف من العبرات:
عشان خاطر ربنا يا بنتي متعمليش كده فيا.. أنا هموت من قهرتي عليكي.. سنة بحالها عدت ومسمعتش صوتك والنبي يا حنين ردي عليا.
استمعت بسمة إلى صوت بوق سيارة زوجها والذي يخبرهم بأنه ينتظرهما، فقالت:
بابي مستنينا عشان نروح نزور "حنين" عشان السنوية.. يلا عشان أساعدك تلبسي.
استجابت لينا لكلام والدتها دون أدنى مقاومة، وارتدت ملابسها السوداء ثم نزلت برفقتها إلى الأسفل.
كانت تسير برتابة شديدة وكأنها إنسان آلي خالٍ من الروح.
صعدت إلى السيارة بجانب والدتها، وبالأمام يجلس والدها بجانب رزق الذي نظر إليها بمرآة السيارة بشوق مهلك.
نظرت هي إليه نظرات خالية من التعبير، بل من الحياة إن أردنا الدقة في القول.
لقد خسر الكثير من وزنه ونمت لحيته بكثافة، لقد أصبح شاحب وهزيل مثلها تماما.
إتحرك يا رزق!
قطع نظراتهم صوت جمال الذي أمر رزق بالسير، ففعل حتى وصلوا إلى المقابر.
نزلت "لينا" تجر قدميها بثقل وهي تشعر بأنها مكبلة بأغلال ما تمنعها من التقدم.
دخلت إلى المدفن الموجودة به نصف روحها، ووضعت فوقه باقة من الزهور التي كانت تفضلها حنين.
جلست بجوار المدفن ولا إراديا انهمرت عيناها بالدموع وقالت:
ليه يا حنين! كنتي الحقيقة الوحيدة اللي في حياتي والحاجة الوحيدة اللي اخترتها.. سيبتيني ليه! قلتلك متنزليش.. أنا حذرتك بس إنتي صممتي تودعي البحر.
ارتفع صوت نحيبها وتابعت:
لو كنت أعرف إنك بتودعي الحياة كلها وبتودعيني يستحيل كنت أسيبك تنزلي.. أنا متيتمة من بعدك يا حنين.. لا حاسة بحياة ولا حاسة بحد ولا عارفة أعيش من غيرك.. يا ريتني كنت أنا اللي مت وإنتي تفضلي.
وصولا إلى ذلك الحد لم تحتمل "بسمة" وجذبت لينا تحتضنها وهي تقول:
حرام يا لينا كلامك ده وعياطك ده بيعذبها.. ادعي لها يبنتي ربنا يرحمها هي محتاجة دعائك ليها.
ربنا يرحمك يا حنين.. ابقي زوريني ما أنا بزورك يا حنين..
إنتي وحشتيني أوي.
قالت الأخيرة بنياط قلب متقطع، فساعدتها والدتها كي تنهض عن الأرض ووقفوا جميعهم يقرأون الفاتحة ثم غادروا.
يجلس جمال وبجانبه زوجته لا تتوقف عن النحيب بأسى، فقال بضيق:
حرام عليكي يا بسمة أنا مش عارف أصبر مين بالظبط.. إنتي ولا بنتك ولا أصبر نفسي على الحال اللي وصلنا له.
ثم اعتدل ونظر لها وقال بحزن:
إنتي متخيلة إن بنتك بترمي اللوم عليا ومقطعاني بقالها سنة!! معتقده إني السبب عشان شجعت حنين الله يرحمها تنزل الميه يومها.. مش راضية تقتنع إن ده قضاء الله.
زفر مطولا وأكمل: بقالي سنة مسمعتش صوتها.. بتعاقبني!
جففت بسمة دمعاتها نسبيا وقالت:
إحنا لازم ناخدها لدكتور.. مينفعش نسيبها كده دي عايشة على المحاليل!!
= وهو يعني أنا قصرت! ماهو على يدك حاولت معاها بدل المرة ألف وهي رافضة.. أعمل إيه يعني آخدها غصب عنها!
= خلاص نجيب الشيخ بلال يقرألها ويرقيها.. ممكن نفسيتها تتحسن شوية.
رمقه بنظرات متعجبة وقال:
وإشمعنا الشيخ بلال يعني! ما نجيب أي شيخ تاني!
تنهدت بحيرة وقالت: اعمل أي حاجة يا جمال المهم بنتي تبقى كويسة.
قطع حديثهم دخول "موانا" تقول:
العم "بكري" برة.. عايز يشوف لينا.
نهض جمال مسرعا، وكذلك زوجته يستقبلانه، فدخل بابتسامته البشوشة كعادته وهو يقول:
لينا وحشتني وشكلها كده مش عايزة تشوفني.. قولت أجيلها أنا.
صافحه "جمال" بحرارة ورحب به ليجلس وقال:
لينا تعبانة يا عم بكري.. إنت جيتلنا نجده من السما.. يمكن إنت اللي تقدر تخليها تتكلم.
أومأ "بكري" بأسى وقال: ده اللي خلاني أجيلها النهارده.. ممكن أشوفها!
وقفت "بسمة" وهي تقول: ياريت يا عم بكري..
ربنا يجعل الشفا على إيديك.
اصطحبته إلى غرفة "لينا" وقامت بطرق الباب وفتحته ثم قالت:
"عم بكري جاي يشوفك يا لينا."
استرعت تلك الكلمات كل انتباه "لينا" فنظرت باتجاه الباب وسرعان ما هرولت ناحية العم بكري عندما رأته.
احتضنته بشدة وأجهشت بالبكاء، فضمها إلى صدره بحنان أبوي افتقدته هي طيلة العام المنصرم، وربت على ظهرها وكأنه يواسيها.
تركتهم "بسمة" بمفردهم ونزلت إلى الأسفل.
هدهدها العم بكري وهو يقول:
"كفاية عياط بقا يا لينا يا بنتي.. وبعدين هفضل واقف على الباب كده؟ لأ، أبوس إيدك الصحة مبقتش زي زمان."
قال الأخيرة مازحًا، فابتسمت لينا وسط دموعها وأمسكت بيده وجلست، وأجلسته بجانبها وظلت تنظر له بصمت لم يخلو من دموعها المنهمرة بوفرة.
"عاملة إيه يا لينا؟"
تساءل العم بكري وكأنه لا يعلم حالها، فقالت:
"عايشة.. بس عايشة من غير روح.. حنين خدت روحي معاها وسبتني بس أتذل من غيرها.. الحياة من غيرها صعبة أوي يا عم بكري."
لم يتمالك دموعاته وتمتم قائلاً:
"الله يرحمك يا حنين يا بنتي ويحسن إليكي."
"ربنا يرحمها.. ويجمعني بيها قريب بقا عشان أنا تعبت!"
جفف دموعاتها بكف يده الحاني وقال:
"ربنا يطول في عمرك يا بنتي ويفرحك بشبابك."
"وإيه فايدة عمري وشبابي من غير روحي يا عم بكري؟"
تنهد "بكري" مطولاً وقال: "استغفري ربنا يا لينا وصلي على النبي كده.. ده قضاء ربنا وقدره مينفعش نعترض.. كل اللي نقدر نعمله إننا نصبر ونحتسب وندعي لها إن ربنا يرحمها ويغفر لها."
"الله يرحمك ويغفر لك يا حنين."
ربت على ظهر يدها وهو يقول: "أيوة كده يا حبيبتي.. وبعدين أنا عاتب عليكي أوووي.. سنة بحالها يا لينا لا تزوريني ولا تسألي عني؟ هو اللي بيننا كان حنين وبس؟"
"لا والله مش كده أبدا.. أنا بس مش قادرة أجي البيت وحنين مش فيه."
"ماهو أبو حنين فيه وأم حنين فيه وإخوات حنين فيه وكلهم بيحبوكي وبيقولولك وحشتينا."
احتضنته بقوة وقبلت رأسه كما كانت تفعل "حنين"، فما كان منه إلا أن شدد من ضمه إليها مربتاً على ظهرها وقال:
"لو بتحبي حنين يا لينا يبقى لازم تقوي.. كلي وعيشي حياتك وافرحي واضحكي.. خليها تكون مطمئنة عليكي.. اتفقينا؟"
أومأت بموافقة مقتضبة، فصافحها قائلاً:
"هستناكي تيجي تزورينا وتقعدي معانا يومين.. تمام؟"
"إن شاء الله."
"مع السلامة."
وانصرف مغادرًا وهو يجاهد ألا تفضحه عبراته.
صافح والد ووالدة لينا وطمئنهما على حالها ثم هرول مسرعًا إلى الخارج.
بمجرد ما خطت قدماه خارج الفيلا حتى انفجرت دموعه من محجريه تسيل بغزارة، فهرول إليه رزق الذي رآه وناوله محرمة وهو يربت على ظهره ويقول:
"تعيش وتفتكر يا عم بكري.. أنا عارف إن الزيارة دي قلبت عليك المواجع بس أنا مكانش قدامي غيرك!!"
"لا يبني متقولش كده.. لينا بنتي زي حنين الله يرحمها تمام.. ويعز عليا أشوفها بالحالة دي.. كويس إنك كلمتني عشان أجي أشوفها.. ربنا يباركلك يبني."
تحدث رزق بنبرة مترددة وقال:
"عم بكري أنا كنت عايز أقولك على حاجة!"
رواية في غيابة الجب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نعمة حسن
عم بكري، أنا كنت عايز أقولك حاجة.
نظر له بكري بتساؤل مهتم، فقال رزق:
مش هينفع نتكلم وإحنا واقفين كده، اتفضل معايا أوصلك ونتكلم في الطريق.
استقل بكري السيارة برفقة رزق، ثم سأله:
اتكلم يا رزق يا ابني، قلقتني!
أوقف رزق السيارة على جانب الطريق، ثم نظر له وحمحم قائلاً:
بص يا عم بكري، إنت زي أبويا، وأنا عارف كمان إن لينا بتعتبرك زي أبوها، وأنا سبق وصارحتك إني بحب لينا وهي كمان بتحبني.
أومأ بكري موافقاً وقال: صحيح، وبعدين؟
أنا كنت عايز أقول لك على حاجة تخص لينا، وعارف إنك أهل للثقة. فاكر موضوع البنت اللي طلعتها من البير لما كنت في مصر القديمة لسه؟
أومأ الآخر موافقاً وقال:
طبعاً، وهي دي حاجة تتنسي!
البنت دي تعرف عنها حاجة حالياً؟
زم بكري شفتيه وقال:
لأ خالص، أنا يومها بعد ما خرجتها من البير خدتها البيت عندي، وبعدها على طول سمعنا ناس بتقول لقينا واحدة ميتة في الكوخ! فـ اضطريت أبلغ عن البنت، ربك والحق أنا مكنتش عايز أبلغ وكنت عايز أسيب البنت تتربي وسطنا، بس خوفت بردو. وبعدها خدوهـا وعملوا محضر عثور وعملوا تحليل، والنتيجة أثبتت إنها بنت الست اللي لقوها في الكوخ، ولأن هويتها كانت مجهولة وقتها اعتبروها لقيطة وخدوها مركز صحي تتربي فيه لحد ما تتم سنتين. بس ده كل اللي أعرفه!
هز رزق رأسه بتأكيد لحديثه ولكونه على علم سابق به، فسأله العم بكري متعجباً:
بس إشمعنى بتسأل؟ إيه اللي فكرك بالموضوع ده؟
أصل البنت دي تبقى لينا!
نفض بكري رأسه بتعجب وتساءل مجدداً بذهول:
بنت مين مش فاهم؟
لينا يا عم بكري تبقى البنت اللي طلعتها من البير!
رمقه بكري بنظرات مستنكرة وقال:
مش معقولة! إنت متأكد؟
بنسبة 99% متأكد.
قال بكري بتفكير وشك: طيب لو هي لينا إيه اللي جابها إسكندريه؟
لأن مدام بسمة دورت في كل دور الأيتام ومؤسسات الرعاية اللي هنا في إسكندرية بس مرتاحتش لحد فيهم، فـ نزلوا مصر يدوروا وقلبها اختار لينا من بين كل الأطفال اللي شافتهم.
وإنت عرفت الكلام ده منين؟
جمال بيه اللي حكالي كل حاجة. هو بيعتبرني زي ابنه وبيثق فيا، واختار إنه يحكيلي عشان لو لا قدر الله في يوم من الأيام حصله حاجة متبقاش لينا لوحدها.
أعاد بكري التفكير بصوت مرتفع وقال:
طيب وإيه اللي يثبت إن البنت دي لينا؟ ما يمكن ظروفهم متشابهة مش أكتر!
لأ طبعاً يا عم بكري، أولاً في محضر العثور مكتوب العنوان بالتفصيل، وكمان مديرة المؤسسة اللي لينا كانت فيها قالت فعلاً لـ جمال بيه إن الأم توفت في نفس يوم الولادة. والكلام ده بقاله 21 سنة أهو، وإنت سايب مصر من 21 سنة من بعد اللي حصل. أكيد دي مش صدف كلها!
نظر العم بكري أمامه بتيه واستغراب في آن. "وقبحانك سبحانك يا رب.. بقا تمر الأيام ونتقابل تاني!! ده أنا أول واحد شيلتها على كفوف إيديا دي وحضنتها، ويومها أم خالد مكانش هاين عليها تسيبها.. ولا حنين..."
عند ذكر سيرة حنين رق قلبه وترقـرقت الدموع بعينه وتابع:
الله يرحمك يا حنين.. من يوم ما شفتيها وقلبك اتعلق بيها وكنتي عايزاها تبقا بنتك.. يا ترى لو كنتي عايشة دلوقتي كان هيكون رد فعلك إيه لما تعرفي حاجة زي دي!
قام رزق بتنبيهه قائلاً:
طبعاً بعد إذنك يا عم بكري مش عايز حد يعرف إني بلغتك حاجة زي دي، وخصوصاً جمال بيه!
ولا تحمل هم يا ابني.. بس إنت ناوي على إيه؟
عايز أوصل لأهل لينا!
ضيّق بكري بين حاجبيه بتعجب وقال:
توصل لأهل لينا؟ إزاي؟ وليه؟
إزاي فـ دي محتاجة مجهود شوية. أنا عرفت اسم خالها وعنوانه وتقريباً أغلب المعلومات عنه. أما ليه بقا فـ دي الأهم.
مش فاهم قصدك.
لينا وحيدة يا عم بكري، وخصوصاً من بعد حنين الله يرحمها وهي حاسة باليتم. لازم تتعرف على أهلها، وساعتها يبقى ليها حرية الاختيار تقبلهم أو لأ. مش جايز تحبهم وتقرب منهم ويحبوها ويقدروا يهونوا عليها!
الموضوع مش بالسهولة دي يا رزق. جمال بيه لو عرف إنك بتنخور ورا الموضوع ده وعايز توصلها بأهلها الحقيقيين مش هيسكت، ومش بعيد يمشيك كمان.
بالظبط، وده اللي مخوفني لأن أنا عارف لينا بالنسبة له إيه. بس ده حقها!
والله يا ابني ما عارف أقول لك إيه! بس معتقدش لينا تقبل بيهم. يعني واحدة أمها اتخلت عنها ورمتها في بير مظنش إنها هتقبل بأي حد من طرفها!
مش عارف يا عم بكري، بس أنا سألت لينا قبل كده وقالت لي إذا كان أمي دي نفسها لو رجعت وقالت لي سامحيني هسامحها.. يبقى مش هسامحهم هما اللي مالهومش ذنب!
وتابع: لينا حاسة بالوحدة يا عم بكري وبالذات إنها مش اجتماعية ومش بتعرف تتعامل مع ناس جديدة. أنا متأكد إن لو قربت من أهلها ولقت منهم حب وود هيفرق معاها كتير.
قال بكري ببوادر اقتناع قد ارتسمت على وجهه:
جايز كلامك صحيح.. بس بردو متتسرعش وتاخد خطوة مش محسوبة. قبل ما نعرف لينا بأهلها لازم هما الأول يعرفوا بوجودها، ونشوف هيطلبوا يقابلوها أو لأ.
كلامك صح.. عالعموم أنا مش هتصرف من غير ما أرجع لك في كل حاجة الأول.
ربنا يا ابني يقدم اللي فيه الخير.
يارب.
وبعد إنهاء حوارهما، قام رزق بإيصاله إلى منزله ثم عاد إلى الفيلا.
بينما تجلس لينا بغرفتها، مسجاة على سريرها الذي ملّ من ملازمتها له، رن هاتفها وكان المتصل رزق.
لم تجب كعادتها، فأعاد الاتصال مرات عديدة حتى قامت بإجابة المكالمة.
ألو... أخيراً رديتي يا لينا!
تفوه رزق بتلك الكلمات وصوته يدل على مدى التعب الذي حل به.
لقد اشتاقت صوته حد السماء، إنه يبدو متعباً للغاية مثلها تماماً.
لم تجبه، ولكنها وقفت أمام نافذة غرفتها تطالعه بنظرات ممتلأة بالفقد والاشتياق والحنين.. وآاااه من الحنين!
سالت دمعاتها لا إرادياً وهي تستمع له يقول:
عشان خاطري يا لينا ردي عليا.. صوتك وحشني.. أنا مش عارف أعيش من غيرك يا لينا وحياتي بايظة.. أنا عارف إن خسارتك متتعوضش.. بس ارحميني.. أنا كمان بتعذب وأنا شايفك بتموتي بالبطيء قدام عيني ومش عارف أعملك حاجة.
استمع لصوت نهنـهتها، فأغمض عينيه بألم وحسرة ونظر إلى الأعلى، فوجدها تقف خلف زجاج نافذتها، فوضع هاتفه بجيبه ثم دخل إلى الفيلا.
صعد إلى غرفتها وفتح الباب بغتة، مما أثار دهشتها، ولكنها لم تتحدث.
قطع المسافة بينهما ليقف في مواجهتها ويقول:
حرام عليكي يا لينا اللي بتعمليه فيا ده! وحشتيني.
وكأنها كانت تنتظر سحب ذلك الفتيل، فـ أسرعت تعانقه عناقاً متعباً، فضمها هو إليه بشوق بالغ وهو يشم رائحتها التي اشتاقها، ورفعها عن الأرض وهو يطبق بيديه على عظامها حتى كادت تصرخ ألماً.
أبعد وجهه من عنقها ونظر إليها وهو ما زال يحتضنها، ثم قال:
وحشتيني يا فلة.. كده تعذبيني معايا طول السنة دي؟ هونتِ عليكي إزاي توجعي قلبي عليكي بالشكل ده؟
بادلته النظر بأعين باكية قد أنهكها البكاء، فما كان منه إلا أن قبّل عينيها بحب ولطف وهو يتودد إليها بنبرة حنونة ويقول:
صوتك وحشني يا فلة.
أعادت النظر إليه وهي لا تتوقف عن البكاء، فـ فعلها مرة أخرى وقام بتقبيل عينيها وقال:
أنا بحبك يا لينا.. بتحبيني؟
أومأت له بنعم وهي تجاهد كي تمتنع عن البكاء، فقال وهو ينظر لها بثبات داخل عينيها:
انطقي وقوليها...
عشان خاطري قوليها يا لينا.
دفنت رأسها بعنقه وهي تمسد رقبته بذراعيها ثم قالت:
_بحبك أوي يا رزق.
تنفس الصعداء و ضمها إليه أكثر و قال:
_لينا أنا مش هقدر أبعد عنك تاني..عشان خاطري متقلقينيش عليكي..أنا عارف إنها مش حاجه سهله..بس كمان ده مش حل..الحزن في القلب..لازم تاكلي و تخرجي و تضحكي عشان تعيشي..ده قضاء ربنا و قدره.
بدأت بالبكاء مرة أخري وهي تقول:
_حنين ماتت و سابتني يا رزق..متعرفش إنها كانت أمي!
اللي أنا فيه ده غصب عني أنا مكنتش أعرف حد غيرها وهي كانت بالنسبة لي كل الناس..أهل و قرايب و صحاب.
ربت علي ظهرها قائلا بعتاب مصطنع:
_طب و أنا فين من ده كله!
فاجئته هي عندما طبعت قبله خاطفه بجانب ثغره ثم قالت:
_إنت حبيبي يا رزق.
تنحنح قائلا بنبرة مهزوزة:
=لا أنا هنزل قبل ما جمال بيه و مدام بسمة يرجعوا.. أصل لو فضلت هنا مش خارج خالص.
إشتعلت نيران الخجل بوجهها ثم حاولت تبديل الخوار و سألته:
_هما فين!
=مش عارف الحقيقه..هو قاللي هخلص و هكلمك تيجي تاخدنا.
أومأت له فقام بإحتضانها المرة الأخيره و إنصرف.
_أنا مش عارف إنتي جيبانا هنا ليه!
قالها جمال وهو يجلس علي مقعد قديم متهالك بمكان تملؤه رؤوس الحيوانات و الأشكال الغريبه و أمامه مدخنه يتطاير منها الدخان الكثيف.
و تابع بضجر: انا لو أعرف إنك هتجيبينا لبتوع أشتاتا أشتوت دول والله ما كنت جيت معاكي.
إزدردت "بسمة"ريقها بخوف و توتر ثم قالت وهي تلتصق به:
_والله انا ما كنت أعرف إنه كده..اللي دلتني قالتلي شيخ و بيعالج بالقرآن!منها لله بقا.
=أهو لا طلع شيخ ولا بيعالج بالقرآن..إتبسطي بقـ......
بتر كلمته عندما رأي رجلا طويل القامه نحيل الجسد يدخل إلي الغرفه و يجلس بمقابلهم ثم تحدث بصوته الغليظ:
_أؤمروا يا بشوات..!
تحدثت بسمة بأحرف متقطعه متلعثمه وقالت:
=بـ بـ بـ..بنتي يا سيدنا الشيخ..من يوم وفاة صاحبتها من سنه وهي لا بتاكل ولا بتشرب ولا بتتكلم!!
ثم تابعت بأسي:قولت أجي أسألك أعمل معاها إيه ولا دي حلها إيه! يمكن الحل في إيديك!
أغمض الرجل عينيه و بدأ بإصدار همهمات غير مفهومه ثم إرتفع صوته وهو يلقي بشئ ما داخل النار المشعله أمامه و يقول:
_مدد يا أسيادنا..تفكوا كرب الحزينه و تجلوا عتمتها لينا بنت مشيرة...
رواية في غيابة الجب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نعمة حسن
مدد يا أسيادنا.. تفكوا كرب الحزينة وتجلوا عتمتها. لينا بنت مشيرة!
=مشيرة!
نطق بها كل من جمال و بسمة متعجبين، فقالت بسمة:
_مشيرة مين يا مولانا؟ اسمها لينا بنت هند.
نظر إلى جمال وهو يرمقه بنظرات غير واضحة، ثم أغمض عينيه وأخذ يصنع حركات دائرية برأسه ويتمتم:
_لينا بنت مشيرة بنت زاهية بنت مشيرة...!!
نظر له جمال بتعجب لم ينجح في إخفائه، ثم قال:
=أنا مش فاهم حاجة!
تجاهل الرجل حديثه وظل يتمتم بكلمات غير مفهومة، ثم قال:
_مدد مدد مددددددد.. مدد يا أسيادنا تفرحوا المتعوس.. لأجل إن تباركوا خطاه ويدوس.. وتباهي أهله وتنحر كل من هو مفروس... مددددددد.
نهض جمال متأففاً وهو يقول: مفروس إيه ومهروس إيه.. قومي يا بنتي نمشي من هنا.
على الفور وقفت بسمة وهي ترتجف من شدة خوفها، فأوقفها صوت ذلك الشيخ "معروف" كما ينادونه وهو يقول:
_الأسياد طلبت حضور صاحبة العلة.. وأنتي متجيش!
وأشار بسبابته إلى بسمة التي تقوّس حاجبيها بدهشة شديدة وقالت:
_وأنا مش هاجي إزاي وأسيب بنتي لوحدها؟
أجابها باقتضاب: أبوها ييجي.
كان هذا دور "جمال" في التعجب فسأل الشيخ وقال:
_إشمعنا أنا يعني؟ ما دي أمها زي ما أنا أبوها!
أصدر ذلك الـ "معروف" خواراً عنيفاً أثار في نفوسهم الرعب وتحدث بلهجة آمرة لا تقبل النقاش:
=كلامي واضح.. الأسياد طلبت حضور صاحبة العلة ومعاها أبوها.
ثم وجه حديثه إلى جمال وقال:
=هتقسموا الليل نصين وهتجيب بنتك وتيجي.. وهتستنوني في الساحة اللي هيتعمل فيها المولد بكرة.
وتحت وقع تلك الرهبة التي بعثها في أنفسهم لم يسعه إلا أن يومئ موافقاً ويصطحب زوجته وينصرف!
خرج جمال وزوجته وهما يشعران وكأنهما يجرّان أثقالاً تتشبث بأقدامهما حتى ابتعَدا عن تلك الحارة، فقام جمال بالاتصال بـ "رزق" وطلب منه الحضور بالسيارة لاصطحابهما.
سألته بسمة: هو إنت مجيتش بالعربية ليه بدل ما إحنا واقفين في الشارع كده!
لم يجيبها، كان شارداً بحديث الشيخ "معروف"، نظرت له بتعجب وقالت:
_جمااال.. أنا بكلمك.. مجيتش بالعربية ليه بقولك؟
=ها؟.. آه.. كنتي عايزانا نيجي بالعربية ونطمع اللي اسمه الزفت معروف ده فينا؟
زمّت شفتيها وقالت: مش عارفه مش مرتاحاله.. كلامه غريب كده ومش مفهوم ونظراته مش مريحة.. ومين مشيرة ومين زاهية أنا دماغي لفت!
تحدث بنبرة وجلة: متشغليش دماغك ده كله هبل!
تسائلت: طيب وإنت ناوي تجيب لينا بكرة وتيجي؟
_لأ طبعاً أجيبها فين؟ استحالة.
بعد مرور قرابة النصف ساعة حضر رزق وبحوزته السيارة فاستقلّها جمال و بسمة عائدين نحو الفيلا...
بعد وصولهم الفيلا استأذن جمال من بسمة قائلاً:
_لو سمحتي يا بسمة هنتكلم أنا ورزق كلمتين.. اطلعي اطمني إنتي على لينا.
أومأت بسمة موافقة وصعدت إلى غرفة بسمة لتطمئن عليها ولكنها لم تجدها!
بحثت عنها كثيراً دون فائدة، فقررت النزول وإخبار جمال وعند وصولها إلى غرفة مكتبه استمعت إلى حديثه مع رزق...
رزق: معلش يا جمال بيه أنا توهت منك.. معلش قول تاني!
أجاب جمال بحنق: مالك يا رزق فهمك بقى بطيء ليه؟ بقوللك عايزك تنزل مصر القديمة في العنوان اللي هكتبهولك في ورقة دلوقتي وهتسأل هناك على واحدة اسمها "مشيرة" عايزك تعرف كل حاجة عنها.. عايشة، متجوزة، مطلقة، مخلفة ولا لأ ولو مخلفة معاها كام عيل.. كل تفصيلة حتى لو مش مفيدة عايز أعرفها.
رزق: ماشي كل ده سهل.. اسمها مشيرة إيه بقى؟
جمال: لا معرفش!
رزق: متعرفش إزاي لامؤاخذة.. يعني هروح أسأل على واحدة اسمها مشيرة بس!! ما أكيد في نفس المكان ده فيه ما لا يقل عن 3 أو 4 مشيرة.. هسأل عن أنهي واحدة فيهم!
جمال بنفاذ صبر: إتصرف بقى يا رزق إنت مش هتغلب!
ابتسم رزق حانقاً وهو يقول باستنكار:
_لا مؤاخذة يا جمال بيه أنا كده هبقى بعمل زي اللي بيشتري سمك في ميه!! طيب على الأقل قوللي أي معلومة عنها.. اسم أبوها، اسم أمها، عيلتهم، أي حاجة!
=للأسف معرفش عنها حاجة غير اسمها وحتى اسمها كنت نسيته!
ظهرت أمارات الحيرة على وجه رزق الذي قال:
_يعني اعذرني يا جمال بيه لامؤاخذة في السؤال.. إنت عايز تعرف معلومات عن واحدة متعرفهاش ليه؟ ماهو لازم أبقى فاهم أنا بدور عليها بناء على إيه؟
زفر جمال مطولاً ثم قال: بص يا رزق إنت عارف إن أنا بثق فيك ثقة عمياء وبعتبرك زي ابني.. الكلام اللي هقولهولك ده مينفعش يخرج لحد.
_مش محتاج تقوللي يا جمال بيه.. سرك في بير!
تنهد جمال بثقل وقال: النهاردة كنا عند شيخ اسمه الشيخ معروف.. أنا رايح على أساس إنه شيخ بيعالج بالقرآن زي شيخ بلال كده بس اتفاجأت إنه دجال.. شغل جماجم وأدمغة حيوانات وبخور وحيطان حمرا والراجل نفسه شكله ميطمنش.. المهم.. أول ما اتكلمنا قولناله على حالة لينا وإنها قاطعة الأكل ومبتتكلمش فقعد يكلم نفسه كده ويهمههم ويقول حاجات غريبة وقام قايل لينا بنت مشيرة!
قضب رزق حاجبيه بتعجب بينما أكمل جمال قائلاً:
_بسمة قالتله اسمها لينا بنت هند قال لينا بنت مشيرة بنت زاهية بنت مشيرة.. المهم خدناه على قد عقله ومشينا معاه للآخر فقال قال إيه الأسياد طالبة تشوف صاحبة العلة بنفسها اللي هي لينا.. وعايزني أروح معاها و بسمة لأ.
تحدث رزق باستغراب وقال: إشمعنا يعني؟
_مش عارف.. بيقول لازم أبوها اللي يكون معاها! الحقيقة أنا مش فاهم حاجة ومش عارف أعمل إيه بس الاسم خلاني أفكر في حسابات تانية خالص.
=الاسم اللي هو مشيرة؟
أومأ جمال موافقاً فسأله رزق مستفهماً:
_إشمعنا؟ هو حضرتك تعرف حد بالاسم ده؟
مسح جمال وجهه بضيق وقال: كنت... كنت زمان على علاقة بواحدة اسمها مشيرة.. من قبل ما أتزوج بسمة.
حمحم رزق بعدم ارتياح وبدّل من وضعية جلوسه وقال:
_جمال بيه أنا دماغي لفت.. دلوقتي إنت كنت تعرف واحدة اسمها مشيرة.. تمام.. إيه بقى علاقتها بـ مشيرة اللي معروف ده بيقول عليها؟
ثم تابع وكأنه يستوعب الكلام للتو: تقصد إن ممكن مشيرة دي اللي كنت تعرفها تبقى هي أم لينا؟
نظر له جمال وزمّ شفتيه ورفع كتفيه وهو يقول:
_مش عارف.. أنا دماغي هتتشل من التفكير ومش قادر أوصل لحاجة.. بس إشمعنا يعني اسم مشيرة اللي قاله الشيخ معروف؟ يعني ليه مقالش أي اسم تاني؟ حاسس إنها مش مجرد صدفة.
=طب ثواني.. إزاي ممكن تكون مشيرة دي أمها ومكتوب في شهادة ميلاد لينا اسم الأم هند؟.. وإزاي ممكن تكون أمها وإنت متعرفش كل السنين دي؟ يعني لو هي أمها ليه محاولتش توصلك أو توصللها؟
_مش عارف بس أنا مكنتش واخد الموضوع جد معاها.. يعني مشيت معاها يومين زي أي واحدة مشيت معاها قبلها.. وبعدها جيت على إسكندرية.. بعدها وصلني إنها بتحاول توصل لي بس يومين وأخبارها اتقطعت ومعرفتش عنها حاجة تاني لدرجة إني نسيت إني كنت على علاقة بواحدة اسمها مشيرة أصلاً.
=يعني لا مؤاخذة حضرتك.. حصل بينك وبينها حاجة؟
أومأ جمال بأسف وهو يشيح بوجهه للجانب الآخر وقال:
_يعني احتمال تكون كانت حامل وأنا معرفش!
قال رزق بدهشة: يعني كده ممكن تكون آنسة لينا بنتك فعلاً؟
ضرب جمال جبهته بقبضة يده عدة مرات وهو يقول:
_مش عارف.. مش عارف يا رزق.. طيب لو هي أم لينا تبقى مرن هند دي وإزاي لقوها في البير.. أنا التفكير هيشل دماغي.. إنت لازم تشوف الموضوع ده يا رزق.
أومأ رزق بإنهاك وقال: تحت أمرك يا جمال بيه.. دلوقتي حالا هجهز وهنزل على مصر إن شاء الله.. عن إذنك.
خرج من غرفة المكتب بعد أن أسرعت "بسمة" بالركض إلى الأعلى سريعاً وهي تكتم نحيبها ثم دخلت غرفة لينا وانفجرت بالبكاء وهي تتحدث إلى نفسها:
_معقول؟ كل السنين دي يا جمال وأنا عايشة معاك على غش؟ مستحيل.. معقول تطلع في الآخر إنت أبو لينا الحقيقي!! وإزاي متعرفش؟ لاااا أكيد عارف ومخبي ويمكن كمان تكون زورت شهادة الميلاد وكان عندك علم بكل حاجة بتحصل من الأول خالص!!
أنا إزاي كنت عميا ومش شايفاك على حقيقتك؟ وإزاي غضيت النظر عن كون لينا تشبهك بالدرجة دي؟
قاطع حديثها الباكي دخول لينا لغرفتها، فأسرعت تجفف دموعها وتبتسم إليها.
أسرعت لينا بالجلوس بجانب والدتها والنظر إليها دون حديث، ثم احتضنتها بشدة، فبادلتها بسمة احتضانها وأجهشت بالبكاء بشدة.
"بتعيطي ليه يا مامي؟"
قالتها لينا بعد معاناة، فضمتها والدتها إليها بحنان وهي تقول: "أخيرًا يا لينا سمعتيني صوتك.. أنا بحبك أوي يا لينا."
"بتعيطي ليه يا مامي؟ بابي مزعلك؟"
"بابي؟ لأ بابي مش مزعلني يا حبيبتي.. أنا بس دخلت أوضتك ملقتكيش فقولت أستناكي.. وأنا قاعدة كده نفسي صعبت عليا إكمنك مخصماني.. بس."
"أنا مقدرش أخاصمك يا مامي.. أنا بس تعبانة ومش قادرة أخرج من اللي أنا فيه."
مسحت بسمة على شعرها بحنان نابع من أعماق قلبها، ونظرت لها بحب وهي تتفرس بملامحها الهادئة وقالت:
"الدنيا مبتقفش على حد يا لينا.. وكلنا هنموت.. افتكريها بالرحمة والدعاء ليها.. ومهما هيحصل وهتمر أيام عمرك ما هتنسيها.. لكن بردو مينفعش توقفي حياتك وتنعتزلي وتضيعي شبابك في الحزن يبنتي.. العمر بيعدي يا لينا ولسه ياما هتقابلي."
ثم ابتسمت وهي ما زالت تمسح بيدها الحانية على شعرها وتابعت:
"لسه هتحبي وتتحبي.. وتعرفي ناس وتفارقي ناس وفي ناس تلاقيهم نضاف وطيبين عكس ما كنتي بتحسبيهم.. وناس تتخدعي فيهم وأنتي كنتي مفكراهم ملايكة!"
قالت الأخيرة بابتسامة ساخرة ثم أكملت:
"لسه الحياة هتعلمك دروس كتير أوي يا لينا ولازم تكوني مستعدة للمواجهة.. الزمان ده مبيرحمش الضعيف يبنتي.. لو مكنتيش قوية هتتداسي تحت الرجلين والكل هيخطي فوقك ويعدي ولا هيبصوا وراهم.. متستسلميش من أول اختبار يا لينا و خليكي قوية وإرمي حمولك على ربنا."
أومأت لينا وهي تبتسم بحب لوالدتها التي استطاعت وبالقليل من الكلمات أن تهدأ روعها وتعيدها إلى صفوها، فأعادت احتضانها وهي تتشبث بها وتقول بصوت هامس وديع:
"ربنا ما يحرمني منك أبدا يا مامي."
ربتت والدتها على كتفها وهي تقول:
"ولا يحرمني منك يا حبيبة مامي.. يلا هنزل أنا أشوف بابي كده وهبقى أرجعلك."
***
نزلت بسمة إلى حديقة الڤيلا حيث يجلس جمال شارداً، فجلست إلى جواره وقالت:
"سرحان في إيه يا جمال؟"
نظر إليها وكأنه أفاق لتوه، ثم قال:
"لأ أبدًا.. عايز أنام الظاهر كده."
"إممممم.. طيب ما تدخل تنام."
"آااه.. هطلع أشوف لينا وبعدها هاخد دش وأنام."
تركها وصعد إلى غرفة لينا وهم بطرق الباب، ولكن استمع إلى صوتها تتحدث مع أحد ما وتقول:
"يا بنتي زي ما بقولك كده.. هو اللي قاللي الكلام ده بنفسه ومن يوم اللي حصل وهو كان بيحاول يكون قريب مني بس أنا كنت بعيدة عن كل حاجة."
ارتفعت ضحكاتها ثم قالت:
"وحشتيني أوي يا حنين.. أسبوع يا ندلة متجيش ولا تكلميني؟"
وصولاً إلى ذلك الحد، ولم ينتظر، أدار مقبض الباب بغتة وهو يقول:
"بتكلمي مين يا لينا؟"
وللعجب لم تبد هي أي ردة فعل متذمرة، ولكنها ابتسمت وقالت:
"دي حنين يا بابي!!"
أصابه الدهشة، ولكن حاول إخفاءها وتساءل:
"حنين إزاي يعني؟"
ضحكت وهي تقول:
"طبعًا حضرتك مش هتصدقني.. بس أنا فعلاً على تواصل مع حنين الله يرحمها دايماً."
"على تواصل مع حنين الله يرحمها؟"
"متستغربش يا بابي.. أنا بقدر أتكلم مع حنين بجد، وحتى لما بطلب منها أشوفها بتزورني في الحلم!"
ارتفع حاجبيه من فرط الدهشة فسألته بتردد:
"حضرتك مش مصدقني يا بابي؟"
"ها؟ لأ طبعًا يا حبيبتي مصدقك.. مصدقك."
قالت بحدة: "لأ مش مصدقني.. وأكيد مفكرني مجنونة.. زي قبل كده لما كنت بقول إني بكلم "بابسي" وإنتوا موتوه، بس المرة دي "حنين" مش عايشة عشان تبعدوني عنها."
احتضنها كي يستطيع مواراة عينيه عنها وقال:
"قطع لسان اللي يقول عليكي مجنونة.. لينا يا حبيبتي أنا معنديش غيرك أخاف عليه.. إنتي بنتي."
التمست صدق حديثه فعانقته فقال لها:
"تعرفي إني بحب الموالد أوي.. كنت في مولد النهاردة أنا ومامي.. إيه رأيك تيجي معايا بمرة وأهو تغيري جو!"
"الله.. حلو أوي بجد.. ومامي كمان تبقى معانا."
"هنشوف لو قدرت تيجي هناخدها معانا.. بس اعملي حسابك هنمشي الفجر عشان نلحق قبل الزحمة."
"أوكي ماشي.. ألحق أنام بقا ساعتين عشان أبقى مصحصحة وقتها."
"برافو يا حبيبة قلبي.. يلا تصبحي على خير."
خرج من غرفتها وهو يقلب كفيه عجباً على ما آل إليه حال ابنته، أصبحت تحدث نفسها.. بالفعل لو عرض عليها الذهاب إلى طبيب ستثور وتغضب كالعادة وتنعتزل مجدداً.. إذاً ما الحل؟
دخل غرفته فوجد "بسمة" تستعد للنوم، فجلس بجانبها وهو يقول:
"لينا رجعت تكلم نفسها تاني يا بسمة!!"
اعتدلت بسمة بمجلسها وقالت: "إيه؟ إزاي ده؟"
"كنت واقف قدام أوضتها ولسه هدخل سمعتها بتتكلم وتضحك، ولما سألتها قالتلي بكلم حنين!!"
ضربت بسمة صدرها براحة يدها بفزع وقالت: "يالهوي!"
وضع رأسه بين كفيه بقلة حيلة وهو يقول:
"أنا مش عارف هي فيها إيه بالظبط؟ أنا هتجن مش عارف ألاقيها منين ولا منين؟"
"إحنا لازم نوديها لدكتور.. حتى لو غصب عنها."
"لأ.. مش هتوافق وهتقعد تقول إنتوا مفكريني مجنونة وهتاخد جمب مننا تاني وإحنا ما صدقنا."
وتابع بتفكير: "اسمعي.. أنا لازم أخدها للشيخ معروف بكرة زي ما قال.. أنا قولتلها أنا بحب الموالد وتعالي معايا بكرة المولد وأهو تغيري جو، فهي وافقت.. فأنا هاخدها بكرة على أساس إنه المولد وهتصرف بأي طريقة وأخلي الشيخ يشوفها."
"وإنت فكرك بنتك هتوافق؟ ولا هيخيل عليها الكلام ده؟ أكيد هتعرف إنك مدبر كل حاجة."
"سيبيها لوقتها.. أنا ممكن أقول للشيخ معروف وهو يساعدني.. أهم حاجة تيجي معايا.. ولو قالتلك تعالي معانا اتحججي بأي حاجة."
أومأت بسمة موافقة، ثم خلد كلاهما إلى النوم وهما يغرقان ببحر من الأفكار اللامتناهية.
جمال.. يفكر فيما إذا اتضحت الحقيقة وكانت لينا ابنته بالفعل؟
بسمة.. تتذكر تلك السنوات التي مضت وهي على غفلة من أمرها وتفكر كذلك بحالة لينا الغريبة.
أما لينا.. تفكر في مجريات أمورها حياتها.. الفقد، الشوق، الحب، الموت، الخسارة، الحنين!!
رزق.. يفكر فيما ستؤول إليه الأمور إن ثبت أبوة جمال لـ لينا فعليًا، وكيف ستتقبل هي تلك الحقيقة!
وكل يبكي على ليلاه!!
رواية في غيابة الجب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نعمة حسن
مع آذان الفجر، قامت لينا وتوضأت ثم أدت فرضها وبدلت ملابسها استعدادًا للذهاب بصحبة والدها إلى ذلك "المولد".
ودعت والدتها التي اعتذرت عن الذهاب بحجة أنها تشعر بآلام في رأسها، ثم استقلت السيارة برفقة والدها وانصرفوا منطلقين نحو ساحة المولد.
آلاف الرؤوس، آلاف الأجساد تتكدس بجوار بعضها البعض، يهزون الأرض بأقدامهم، تلتصق الخدود والأكتاف، تتقارب الأنفاس، صرخات وأهات وعويل، غابة من أجساد الرجال والأطفال والنساء، كتل بشرية هائجة، حشد سائر يتجمع في دوائر صغيرة وكبيرة كأنه دودة خرافية تتلوى على أرض لا نهاية لها.
الشوارع المحيطة بالجامع مزينة بالأعلام والفوانيس، البازرات المجاورة مزدانة بالأنوار المتلألئة، أعداد لا تحصى من الأكشاك الصغيرة، ألعاب سحرية، سحرة، مهرجون، قارئ السيرة، الرجال الذين يتزينون ويرتدون ملابس النساء ويضعون الأصباغ وأحمر الشفاه، عروض التسلية، آكلو النار، مسارح الخيام الكبيرة، أكشاك الرقص الحافلة بالمطربين والراقصات، يقطعها مساحات مكشوفة للعب العصا وألعاب الفروسية.
هالها ما رأت، أصابها الذعر، خافت، تشبثت بأيدي أبيها، توسلت إليه أن يبعدها عن هذا الزحام ولكنها لم تستطع.
"ميبقاش قلبك خفيف أومال.. تعالي معايا ومتخافيش لسه هنركب مراجيح أنا وانتي وناكل بوظه وحاجات كتير متعرفيهاش ولا عمرك سمعتي عنها."
نجح في إثارة فضولها فمشت إلى جواره حتى توقفا أمام سيدة عجوز تمد يديها طلبًا للمساعدة النقدية أو بالأحرى "تتسول" ولكن بأسلوب أكثر جذبًا وتقول:
"ربنا يكرمك يا بنتي، ويوسع صدرك بمحبة النبي."
ابتسمت لينا وأخرجت من حقيبتها مبلغًا محترمًا من المال وأعطته لتلك العجوز التي اتسعت عيناها بفرحة ثم نادت أطفالها:
"جبرت.. تعالوا نلحق بقا نحضر الزفة دلوقتي وبعدين نحضر حلقة الذكر!!"
وضعت تلك العجوز المال الذي تناولته من لينا بصدرها ثم هرولت مع أطفالها منصرفين، فنظرت لينا إلى والدها بتعجب مما جعله يضحك عاليًا ويقول:
"متخليش إيدك فرطة أوي كده.. لسه هتقابلي من نفس العينة ييجي 500 واحدة وكلهم مش محتاجين على فكرة."
أبصروا جموعًا تجري من كل ركن وزاوية ودرب تصيح، سوف يبدأ الموكب "الزفة" الآن.
يقطع موكب الزفة من حين لآخر الموسيقيون الجوالون وأصحاب الألعاب البهلوانية، وضاربو الطبول والدفوف.
اشتد الزحام وارتفعت الأصوات وسادت حالة من الفوضى العارمة حولها فقال والدها:
"تعالي نزور الشيخ معروف.. بيقولوا بيقرأ الطالع!!"
"طالع إيه ونازل إيه بس يا بابي! هو حضرتك بتصدق الكلام ده؟!"
"لا مش قصة بصدق.. بس عندي فضول أعرف بيقولوا إيه وبييقنعوا الناس إزاي! إنما مهما يقول مش هصدق كلامه طبعًا."
تبينت مراوغة والدها بالحديث ولكنها لم تعترض على أية حال.
كانت تسير إلى جوار والدها وهي تجول ببصرها هنا وهناك تشاهد لاعبو النشان.. حتى أحست بيد تجذب حقيبتها من يدها بشدة فصرخت بفزع تستغيث بوالدها الذي وقف غاضبًا يقول:
"معلش يا لينا يا حبيبتي.. استعوضي ربنا فيها.. استحالة ترجع ده مولد زي ما إنتي شايفة!"
"بس دي فيها موبايلي والكاميرا بتاعتي يا بابي..."
"معلش يا روحي فداكي."
على مضض أكملت سيرها معه حتى ذهبوا إلى مقر الشيخ معروف.
الحجرة إضاءتها خافتة، يوجد بها نافذة لكن لا ينفذ منها أي شعاع ضوء فهي مدهونة باللون الأسود، جدران الحجرة مطلية باللون الأحمر، يوجد في وسط الغرفة عدة وسائد ملونة من الصوف يجلس عليها الشيخ وأمامه مجمرة يتصاعد منها دخان البخور الذي يعبق به المكان كله، تنحنح الشيخ وقال لهم:
"السلام عليكم.. اتفضلوا."
جلس جمال وأمر ابنته بالجلوس فجلست إلى جواره وشعور يملؤها بعدم الراحة.
تحدث جمال إلى الشيخ وهو يرمقه بنظرات ذات مغزى وقال:
"إحنا جيناك عشان قالوا إنك بتقرا الطالع.. حبينا نشوف حظنا.."
أومأ الشيخ بنظرات متفهمة ونظر إلى لينا نظرات متفحصة قطعها عندما دخل شاب أسمر طويل إلى الخيمة يقول:
"إنتوا اللي مسروق منكوا الشنطة؟!"
نظرت له لينا بسعادة وقالت: أيوة شنطتي فيها فلوس وموبايل وكاميرا.. لونها أبيض.
تحدث الشاب إلى جمال قائلاً: اتفضل يا بيه معايا وأنا أجيبهالك.
على الفور نهض جمال وهو يقول: استني هنا يا لينا هجيب الشنطة وهرجع فورًا.
خرج ولم يمهلها فرصة للاعتراض فـ همت لتلتحق به فأوقفها صوت الشيخ معروف وهو يقول:
"رايحة فين! تعالي شوفيهم من الشباك ده أحسن! بلاش تخرجي وتتوهي وتتداس تحت الرجلين في الزحمة."
ذهبت إلى حيث أشار وقفت تبحث بعينيها عن والدها ولكنها لم تراه.
انتبهت على يد تجرجرها خارج الخيمة بسرعة وبعنف.
كتم أنفاسها، لاذ بها إلى قبو مظلم وحاول أن يجردها من ملابسها فـ طفقت تصرخ بشدة فأطبق على يدها بإحكام.
عن عمد سقطت أرضًا، فانحنى يتفحصها بنظرات شيطانية ثم هم برفع ملابسها عنها ولكن سرعان ما باغتته بلكمة قوية من قدمها بوجهه جعلته يترنح ويسقط على الأرض فركضت إلى الأعلى بسرعة تلاحقها أنفاسها اللاهثة حتى خرجت من القبو.
ظلت تنظر حولها فإذ بها تسير وسط الزحام، ارتفع نحيبها وزاد بكاؤها الهستيري وخصوصًا عندما رأت الشيخ معروف يلحق بها.
هرولت تركض للأمام وهي لا تدري أين ستذهب ولكنها أطلقت قدماها للريح وهي تنظر خلفها وتراه ما زال يتبعها حتى اصطدمت بجسد صلب جعلها تتوقف قسرًا.
"مش تبصي قدامك يا آنسة!"
نظرت إلى الناطق بتلك الكلمات وعينيها تفيض بالذعر وقالت:
"في واحد بيجري ورايا عايز يخطفني."
تعجب هيئتها المشعثة التي تتنافى كليًا مع وجهها الملائكي وقال:
"واحد مين ده وهو فين؟!"
ظلت تتلفت حولها ولكنها لم تجد له أثرًا فقالت:
"مش عارفه اختفى فين!! كان بيجري ورايا."
تحدث الشاب وقال:
"طيب خلاص إهدي.. هو ممكن شافك معايا فـ مشي.. إنتي إزاي ماشية لوحدك في مكان زي ده؟!"
قالت وهي تحاول التوقف عن البكاء:
"مكنتش لوحدي.. بابي كان معايا."
ثم أجهشت بالبكاء بشدة وهي تقول: بابي.. هرجعه إزاي دلوقتي!!
أعطاها زجاجة مياه وهو يقول:
"خدي إشربي و إهدي.. قوليلي رقمه وأنا أكلمه ونعرف مكانه."
تجرعت القليل من الماء ثم أملته رقم والدها فقام بالاتصال به ولكنه لم يجيب.
زم شفتيه وهو ينظر لها بأسف فانفجرت باكية مرة أخرى وقالت:
"مبيردش! يعني أنا ضيعت منه كده خلاص؟!"
حاول تهدأتها فقال: إهدي بس يا آنسة.. أنا هبعتله رسالة لأن الموبايل ممكن يفصل في أي وقت وهفضل أرن لحد ما يرد إن شاء الله.. بس لامؤاخذة في السؤال يعني إنتي إيه اللي خلاكي تسيبيه وتبعدي؟!
مسحت دمعاتها وقالت: أنا مسيبتوش.. أنا شنطتي اتسرقت في المولد وبعدين...........
أوقفها بإشارة من يده لكي تتوقف عن الاسترسال وقال:
"وبعدين جه واحد يقوله تعالي معايا وأنا أرجعلك الشنطة فـ طبعًا سابك ومشي واللي كان بيجري وراكي ده كان بيحاول يتهجم عليكي.. مش كده؟!"
أومأت بتعجب وقالت: أيوة صح.. إنت عرفت منين؟!
"عرفت منين إيه! إنتوا أول مرة تيجوا مولد ولا إيه.. يا ماما الموالد دي أصبحت بؤرة نجاسة وعفانة وكل شئ قذر بقى بيحصل فيها.. إنتي مش أول ولا آخر واحدة يتعمل معاها كده بالعكس ده إنتي أوفرهم حظًا عشان العبد لله أنقذك."
قال الأخير وهو يعدل من لياقة قميصه متصنعًا، فابتسمت رغماً عنها وقالت:
"ماشي.. شكرًا يا سيادة المنقذ.. تشرفنا يا اسمك إيه.."
مد يديه يصافحها وقال بنبرة ممازحة:
"عبدالرحمن.. عبدالرحمن بلال السيد الشيخ."
ضحكت وقالت: هو أنا هطلعلك بطاقة.. شكرًا يا أستاذ عبدالرحمن.. وأنا لينا البدري.
"تشرفنا يا آنسة لينا البدري.. لو حبيتي تتوهي أو تتخطفى تاني ابقي بلغيني بس ياريت من قبلها عشان أستعد."
ارتفعت ضحكاتها لأسلوبه المضحك وقالت:
"ده إنت متعود على كده بقا.. شكلك عاملها شغلانتك."
"عيب عليكي ده منظر حد بتاع موالد أساسًا؟!"
يعني أهلي، وبالأخص الحاج أبويا، لو يعرف إني باجي هنا والله ليقيم عليا الحد. أنا أصلاً مش من إسكندريه، أنا من مصر وبآجي المولد كل سنة زي ما اتعودت من صغري إني آجي مع جدي أبو أمي الله يرحمه. بس باجي من غير ما أهلي يعرفوا لأن أبويا مبيحبش الأماكن دي. أصله شيخ بقا وكده، وبالنسبة له كل اللي بيحصل هنا ده دجل وشعوذة.
"ماهو عنده حق فعلاً، كل ده دجل وشعوذة."
"متفق معاكي طبعاً. أنا عن نفسي باجي أتفرج بس، وممكن أشارك في حلقة الذكر، ده أخري يعني."
أومأت بنعم وسألته: "كلمة تاني."
"هو مين؟"
إرتفع حاجبيها بتعجب وحنق وقالت: "بابي!!"
"بابي آه، معلش الكلام خدني ونسيت. أصلي رغاي شوية بس!"
أدارت وجهها وهي تتمتم: "شوية؟!"
"سمعتك على فكرة!"
إبتسمت على أسلوبه المازح وقالت: "مردش؟"
"اصبري بيرن......... ألووو."
تهللت أساريرها وإختطفت الهاتف من بين يديه وقالت:
"أيوة يا بابي، أنا لينا. إنت فين؟"
"إنتي اللي فين يا لينا؟ أنا رجعت الخيمة ملقيتش حد."
إنفجرت باكية مجدداً وهي تقول:
"أنا كنت هموت يا بابي، الحيوان كان هيخطفني."
"مين ده وإزاي؟ قولولي إنتي فين بسرعة!"
"أنا مش عارفة أنا فين بالظبط، هخلي صاحب الموبايل يبعتلك اللوكيشن!"
إلتقط "عبدالرحمن" منها الهاتف وهو يقول مستنكراً:
"لوكيشن إيه؟ إنتي مفكرة نفسك في القطامية سيتي؟"
تحدث إلى والدها وقال: "أيوة يا حج، إحنا موجودين هنا ورا المسجد بالظبط جمب الخيم بتاعت الصوفيين."
"ماشي، أنا جاي حالا. إديني لينا."
أعطاها الهاتف فتحدثت إلى والدها بنبرة مرتجفة فقال:
"أنا آسف يا حبيبتي، والله آسف. متخافيش أنا جايلك حالا."
بعد مرور حوالي عشرة دقائق، لاح طيف والدها من بعيد فأسرعت تهرول إليه واحتضنته بشدة فبادلها العناق كذلك وهو يمسح على رأسها بحنان وتحدث بأسف فقال:
"أنا آسف يا بابي، كل ده بسببي."
"أنا كنت هموت من الخوف يا بابي، الشيخ هباب ده كان بيتهجم عليا عايز يـ...."
أجهشت بالبكاء مرة أخرى بينما عض هو أنامله من الندم وقال: "خلاص إهدي يا حبيبتي، أهم حاجة إنتي كويسة!"
أومأت بنعم وقالت: "عايزة أمشي من هنا."
"يلا حالا."
نظر إلى ذلك الذي يقف على مقربة منهم فقال:
"إنت اللي كلمتني؟"
أومأ "عبدالرحمن" موافقاً فصافحه "جمال" بامتنان وقال:
"شكراً جزيلاً، ده الكارت بتاعي لو احتجت أي حاجة متترددش تكلمني."
وأخرج من جيب سترته كارت شخصي وأعطاه إياه فأومأ "عبدالرحمن" وقال:
"الشكر لله يا فندم، أي حد مكاني كان هيعمل كده، وحمدلله على سلامة الآنسة."
تصافحوا للمرة الأخيرة وأخذ جمال ابنته وخرجا مغادرين المكان.
إستقلا سيارتهما وأدار جمال المحرك وبدأ بالابتعاد بها وهو ينظر بأسف وندم إلى ابنته التي تعرضت للمعاناة والعذاب بسبب تصرفاته الحمقاء.
نظرت له وسألته: "فين الشنطة يا بابي؟"
زفر بـ غل وغيظ وهو يقول:
"ولاد الكلب، حرامية ونصّابين. روحت معاه وفضلنا نلف، وفي الآخر لقيتها شنطة قديمة مش شنطتك. رجعت بعدها عالخيمة ودخلت لا لقيتك ولا لقيت الشيخ زفت، كنت هتجن، مش عارف أوصلك ولا عارف حصل معاكي إيه لحد ما لقيتك بتتكلمي."
أغمضت لينا عينيها بتعب وهي تحاول كبح جماح رغبتها في الصراخ عالياً وإفراغ شحنات سلبية متراكمة بداخلها.
وصلت "بسمة" إلى المكان التي اتفقت مع صديقتها المقربة "د. نادية" على أن يتقابلا به.
جلست بسمة إلى جوار نادية التي كانت بإنتظارها فقالت:
"معلش يا نادية اتأخرت عليكي، دي الحاجة اللي طلبتيها أهي، شعرة من لينا وشعرة من جمال."
أومأت نادية وقالت: "تمام يا حبيبتي، أنا هديهم لـ حسام أخويا وهو هيعمل التحاليل وإن شاء الله أول لما النتيجة تظهر هبلغك فوراً."
هزت بسمة رأسها بقلق وقالت: "ماشي، بس مش عايزة أكد عليكي يا نادية بالله عليكي، مفيش جنس مخلوق يعرف عن موضوع التحاليل دي!"
ربتت نادية على يدها تطمئنها وقالت: "متقلقيش يا حبيبتي، سرك في بير، إن شاء الله ربنا يخيب ظنك والموضوع كله يكون صدفة مش أكتر."
نظرت بسمة أمامها بشرود وهي تتمتم:
"هيبان.. كله هيبان."
ثم نهضت وحملت حقيبتها وهي تقول:
"أنا همشي يا نادية قبل ما جمال ولينا يرجعوا، هستنى منك تليفون، يلا باي."
وعلى عجالة من أمرها أوقفت سيارة أجرة واستقلتها عائدة إلى الڤيلا.
في مصر القديمة بحي الحطابة وبحارة تدعي "حارة الغجر".
يقف "رزق" يتلفت حوله يحاول الإمساك بطرف خيط يبدأ من خلاله.
ذهب إلى رجل مسن يجلس على مقعد متهالك أمام محل لبيع مستلزمات التنظيف وألقى السلام قائلاً:
"سلام عليكم يا بركة."
"وعليكم السلام ورحمة الله يبني، اتفضل."
"لو سمحت يا حج كنت عايز أسألك على حاجة."
"اتفضل يبني، اسحبلك كرسي واقعد، تشرب شاي؟"
"نشرب يا حج وماله."
"اتنين شاي يا منعم!"
حمحم رزق وبدأ حديثه وقال:
"حضرتك من أهل الحارة الأصليين يا حج، مش كده؟"
"يووووه، مولود فيها وجدودي مولودين فيها، ادخل في الموضوع على طول ولو أقدر أساعدك مش هتأخر."
"عايز أسأل على واحدة اسمها مشيرة."
"مشيرة إيه؟"
"مش عارف اسم أبوها الحقيقة، بس على ما أظن أمها اسمها الست زاهية."
ضيّق الرجل عينيه بتفكير وتذكر ثم قال:
"زاهية زاهية زاهية زاهية.. شوف، على ما أتذكر كان فيه واحدة اسمها الست زاهية الدلالة، وكان فيه برضو الست زاهية الخاطبة بس دي ماتت من زمان، وكان فيه واحدة اسمها الخالة زاهية كانت ست طيبة أوي كانت غاوية تربي قطط وكلاب وتأكلهم وتعطف عليهم، بس مش عارف إذا كانت عايشة ولا لأ لأنهم سابوا الحارة من فترة كبيرة جداً."
انتبه رزق إلى كلماته الأخيرة وسأله: "من فترة كبيرة قد إيه تقريباً كده؟"
"لأ من زمان، ييجي من عشرين سنة ولا أكتر، مش فاكر بالظبط."
بدأ رزق بالتشبث بذلك الأمل الطفيف وسأله مجدداً:
"طب لو عايز أوصلهم، متعرفش إزاي؟"
"والله يبني ما أعرف، أخبارهم اتقطعت من ساعتها."
"أخبارهم؟ تقصد مين؟"
"هي وعيالها، كان معاها ولد وبنت عزاب من غير جواز وفجأة محدش سمع عنهم حاجة واتقطعت أخبارهم، هي دي اللي بتدور عليها؟"
"على الأغلب أيوة، طب متعرفش أي معلومة تقدر توصلني بيهم؟"
"والله يبني اللي أعرفه إن ابنها كان شيخ تقريباً أو حاجة زي كده وجوزها من عيلة اسمها الشيخ كمان، للأسف أنا مش فاكر اسم عيالها، السن بقا له أحكام، إنت ممكن تسأل عن ولاد عيلة الشيخ موجودين فين في الحواري اللي جمبنا وإن شاء الله توصل لحاجة."
نهض "رزق" وهو يصافحه بحرارة ثم شكره وغادر نحو طريقه المجهول.
رواية في غيابة الجب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نعمة حسن
عادت بسمة إلى الڤيلا سريعاً، بدلت ملابسها وجلست تنتظر جمال ولينا. عاد الاثنان ويحمل كل منهما آثار الأسى والإرهاق على وجهه، مما جعل بسمة تتناسى الأمر الذي يشغلها. نهضت مسرعة تتساءل عن أحوالهما.
"حمدلله على السلامة يا حبيبتي.. مالك كده إنتي تعبانة؟"
هزت لينا رأسها بالنفي وصعدت على الفور إلى غرفتها، مما أثار حفيظة بسمة. سألت جمال قائلة:
"لينا مالها يا جمال.. حصل إيه؟"
ألقى جمال بجسده المتعب على المقعد من خلفه وتنهد بإرهاق وقال:
"الشيخ معروف."
"ماله؟ ما تنطق عمل إيه؟"
"حاول يتهجم عليها!"
ألجمتها الصدمة، وأذهلها ما سمعت. كان دورها لتجلس بجواره، وعلامات الدهشة تعتلي وجهها، وهي تردد:
"يتهجم عليها؟ وحصل إيه؟ عملها حاجة؟"
مسح وجهه بغضب وهو يقول:
"ربنا نجاها الحمدلله.. أنا مش هقدر أسامح نفسي يا بسمة.. أنا اللي صممت أخدها معايا هناك. مش هقدر أبص في وشها تاني..!"
نظرت له بسمة بغضب متفاقم، ولكنها تحدثت بنبرة مخالفة تماماً لما يعتمل بصدرها، وقالت:
"وهو يعني إنت كنت تعرف إنه هيعمل كده.. الحمدلله إن ربنا سترها.. أنا هطلع أطمن عليها."
صعدت بسمة إلى غرفة لينا وطَرقت الباب عدة طرقات، فلم يأتها رد. أدارت مقبض الباب بخفة ودخلت. رأت لينا متكومة في فراشها، تضم نفسها بذراعيها بحماية وتغمض عينيها.
نادتها بسمة عدة مرات فلم تجب، فعلمت أنها قد سقطت في سبات عميق.
أغلقت الباب من خلفها ونزلت إلى الأسفل. لم تجد جمال حيث تركته. نظرت إلى غرفة مكتبه، فوجدت الضوء مشعلاً. ذهبت ووقفت خلف الباب تستمع إلى جمال وهو يتحدث بهاتفه ويقول:
"يعني وصلت لحاجة ولا لأ؟"
"على وشك يا جمال بيه.. هانت وهجيبلك الخبر اليقين."
"إنجز يا رزق عايز أخلص من الموضوع ده عشان أعرف هتصرف إزاي."
"إن شاء الله حاضر.. مع السلامة."
ألقى جمال بالهاتف على سطح مكتبه وقام بفتح خزنته السرية، وأخرج الأوراق الخاصة بلينا وظل يتفحصها بتمعن، حتى استمع إلى طرقات على باب غرفته.
"إدخل..."
انفرج الباب، ودخلت بسمة ويرتسم على وجهها شبح ابتسامة، وتقول:
"دورت عليك بره ملقيتكش.. مش هتتغدى؟"
"لا يا بسمة مش عايز.. معلش هاتيلي فنجان قهوة."
دخلت بسمة بخطوات واثقة، ثم وقفت خلفه وبدأت بتدليك ظهره وكتفيه بحنان، وهي تقول:
"مالك يا جمال؟ إيه اللي تاعبك؟"
أراح جمال ظهره على الكرسي من خلفه وتنهد بإرهاق بالغ وقال:
"كل حاجة تعباني وضغطاني يا بسمة.. تعب لينا والموضوع اللي حصل النهارده أثر عليها بزيادة.."
"متشيلش نفسك فوق طاقتها.. ولو تعبان إرتاح إنت ورزق يشوف الشغل."
ثم تساءلت: "آاااه صح.. رزق من امبارح مش باين.. هو فين؟"
اعتدل بمجلسه وهو يقول:
"رزق بيتابع الشغل ومش فاضي.. هقوم آخد دش كده يمكن أفوق."
انسلت من بين يديها وفر هارباً، بينما ظلت ترمقه هي بنظرات ساخرة غاضبة.
***
كان رزق يجوب بين الحارات والأزقة، متسائلاً عن من يرشده عن عائلة "الشيخ"، حتى توقف أمام محل تصليح سيارات.
"السلام عليكم يا ذوق!!"
"وعليكم السلام يا أفندي.. أؤمر؟"
"إنت صاحب المحل هنا؟"
"لا والله صاحب المحل يبقى الأسطى عطوة.. تحب أناديه؟"
"ياريت يبقى كتر خيرك."
قام ذلك الشاب اليافع بمناداة صاحب المحل وهو يقول:
"يا أسطى عطوة.. يا أسطى عطوة.. كلم ناس عاوزينك."
خرج من المحل رجل يبدو في مقتبل الأربعين، مسح يده ووجهه، ثم ذهب إلى رزق وقال:
"إتفضل يا باشا.. لا مؤاخذة."
قال الأخيرة وهو يسحب مقعداً ويعطيه لرزق، الذي جلس وهو يشكره وقال:
"أنا مش هطول عليك يا أسطى عطوة.. كنت عايز منك خدمة."
"أؤمر أنا عنيا ليك.. هتشد ولا تجدد؟"
"لأ أنا مش جايلك بخصوص العربيات.. أنا الحقيقة كنت بسأل إذا كنت تعرف حد من عيلة الشيخ ولا لأ.."
ضيق الأسطى عطوة بين حاجبيه باستغراب وقال:
"بتسأل على مين تحديداً في عيلة الشيخ؟"
"مش شخص بعينه.. أنا عايز أعرف إذا كانوا لسه موجودين في الحطابة ولا لأ."
"آاه.. عالعموم هما موجودين أيوه وفي منهم واحد حبيبي وبييجي يصلح عربيته هنا دايماً.. لو تحب اتصل بيه؟"
"لأ لأ.. ملوش لزوم دلوقتي.. طيب هما ساكنين فين؟"
"هو مفيش غير الشيخ بلال ومراته وولاده الاتنين.. أمه وأخته الله يرحمهم."
ثم تمتم بحزن: "الله يرحمك يا أبلة مشيرة ويسامحك."
أحس رزق وكأن عقله قد توقف عن الاستيعاب، فتقدم بكرسيه من "عطوة" وسأله بتأنٍ:
"لأ معلش واحدة واحدة كده.. مين الشيخ بلال ومين الأبلة مشيرة؟"
"الشيخ بلال.. حد ميعرفوش؟"
"قصدك بلال الشيخ بقى.. ولا إيه؟"
ضحك عطوة قائلاً: "ماهو اسمه الشيخ بلال الشيخ لأنه من عيلة الشيخ وفي نفس الوقت هو شيخ بيعالج بالقرآن يعني.. ربنا يجازيه كل خير."
"بلال السيد الشيخ؟"
نطق بها رزق وهو يبدأ بربط الخيوط ببعضها، فقال عطوة:
"إسم الله علييييك.. بلال السيد الشيخ."
نظر له رزق بتركيز مرة أخرى وسأله ثانية:
"طيب إنت قلت اسم واحدة.. مشيرة باين."
مصمص الرجل شفتيه بحسرة وقال:
"آيوة أخت الشيخ بلال.. أبلة مشيرة الله يرحمها ويحسن إليها.. ماتت في عز شبابها.. كنت أنا أيامها لسه شغال صبي في القهوة اللي جمبنا دي وكانت كل ما تيجي هنا تديني فلوس وحاجة حلوة.. والله لسه فاكر شكلها كأني لسه شايفها امبارح!"
"كانت بتيجي هنا! هي كانت ساكنة هنا؟"
"لأ هما أيامها كانوا ساكنين عند التل.."
بس كانت بتيجي هنا باستمرار، كان ليها معارف هنا وكانت بتيجي تزورهم.
معارف زي مين يعني؟
جرا إيه يا حضرت، هو انت جاي تقصقص في سيرة واحدة ميتة لا مؤاخذة؟ دي مش أصول يعني!
مش قصدي يا أسطي عطوة طبعًا، بس الفضول غلبني معلش.
آه، ألا حضرتك يعني مهتم وبتسأل ليه؟
لأ ده موضوع يطول شرحه، متشغلش بالك.. يعني دلوقتي مشيرة دي تبقى أخت الشيخ بلال اللي بيعالج، مش كده؟
مظبوط.
أومأ رزق والحيرة تتآكله، ثم نظر له وقال:
ومتعرفش مشيرة دي اتجوزت ولا خلفت ولا لأ؟
بدأ الرجل بالتأفف وقال باقتضاب:
بقولك ماتت في عز شبابها ومكانلهاش حد.
نهض رزق واقفًا، ومد إليه يده يصافحه ثم قال:
ألف شكر يا ذوق، ربنا يديك الصحة، عن إذنك.
انصرف رزق مشوشًا، مشتتًا، شاردًا، يفكر بحديث الأسطي عطوة وهو يحدث نفسه ويقول:
يعني مشيرة تبقى أخت الشيخ بلال والشيخ بلال أخو هند، يبقى هند هي مشيرة!!
أفاق من شروده على بوق سيارة ينذره بأن يتنحى جانبًا، فأشار له بيده بأسف واتخذ طريقه عائدًا نحو الإسكندرية.
تجلس لينا بغرفتها شاردة، تتذكر ما فعله ذلك المدعو بالشيخ معروف بها وتتخيل ماذا كان ليحدث إن تمكن ونال منها.
عند ذلك الخاطر أغمضت عينيها باشمئزاز وأراحت ظهرها إلى الفراش وهي تتذكر الأهوال والعجائب التي رأتها في المولد.
المتسولة المبتكرة، سارق الحقيبة، خدعة الشيخ معروف، القبو المظلم، الزحام، الفتى الذي اصطدمت به.
لاح شبح ابتسامة إلى ثغرها وهي تتذكر مزاحه المضحك وطريقة تقديمه لنفسه.
"عبد الرحمن.. عبد الرحمن بلال السيد الشيخ"
ومضات سريعة جالت بخاطرها "هند السيد الشيخ"...!
فتحت عينيها إلى آخرها وكأنها لدغها عقرب واعتدلت بمجلسها وظلت تردد:
عبدالرحمن بلال السيد الشيخ..... هند السيد الشيخ.
لعنت غباءها وهي تقول: يا سلام.. يعني عشان اسمين متشابهين يبقوا قرايب.. إيه السذاجة دي!!
أمسكت بهاتفها وهي تحاول الوصول إلى رزق ولكنـه كالعادة.. غير متاح.
وضعت شالها على كتفيها وهي تشم رائحته وتقول:
آاااه يا حنين.. الله يرحمك يا حبيبتي.
نزلت إلى حديقة الڤيلا وجلست على أرجوحتها وهي تهز نفسها بخفة وتتطلع إلى المكان الذي يقف فيه رزق دائمًا. وسرعان ما ظهر بطلها الهمام ولاح طيفه بالأرجاء يبعث بنفسها الراحة والسكينة.
رآها على مد البصر تجلس بمكانها المعتاد، فهرول ناحيتها وهو يجاهد كي لا تفضحه لهفته.
وقف قبالتها وهو يحاول السيطرة على نفسه كي لا يحتضنها وقال بلوعة:
وحشتيني يا فلة.
اتسعت ابتسامتها ووقفت أمامه تتفرس بملامحه التي اشتاقتها كثيرًا، وقالت:
وإنت كمان يا رزق وحشتني خالص..
قالت الأخيرة وقد لمعت العبرات بعينيها:
= في إيه مالك؟ حصل معاكي إيه؟
_ مش هينفع أحكيلك دلوقتي.. إحنا لازم نقعد و نتكلم.. عندي كلام كتير أوي عايزة أحكيهولك.
تقرب منها بإندفاع وقلق وقال:
مالك يا بنتي قلقتيني؟
رفعت عينيها إليه وهي تبتسم بشوق:
متقلقش.. أنا كويسه.
ثم تابعت:
بكرة هقول لـ بابي إني عايزك توصلني أي مكان و نقعد مع بعض.
_ ماشي اللي تشوفيه.. أنا هدخل لـ جمال بيه دلوقتي عشان عايزه في حاجة و بعدها هروح لأني منمتش بقالي يومين.
= وأنا كمان هطلع أنام.. تصبح على خير.
صعدت لينا إلي غرفتها بينما دخل رزق لمقابلة جمال الذي كان ينتظره على أحر من الجمر.
_ ها يا رزق عملت إيه؟
نطق بها جمال ملتاعًا وهو لا يطيق الانتظار، فجلس رزق وبدأ بالحديث بعد تنهيدة حارة.
= كلام الشيخ معروف صحيح.. مشيرة تبقا هي هند السيد الشيخ والدة لينا..!
نفض جمال رأسه بتعجب وقال:
إزاي مش فاهم؟
= أنا روحت المكان اللي حضرتك قولتلي عليه وسألت على إسم مشيرة الأول محدش عرف.. سألت على إسم زاهيه اللي الشيخ معروف قال عليه فـ إتضح إن كان في واحدة إسمها زاهيه عندها ولد وبنت عايشين هناك بس أخبارهم اتقطعت من 20 سنة.. والراجل اللي سألته ده قالي إنها كانت متجوزة من عيلة الشيخ.. سألت على عيلة الشيخ لحد ما توصلت إنه مش باقي منهم غير واحد إسمه "الشيخ بلال" وعياله.
فغر جمال فاه مصدومًا وقال:
يعني مشيرة تبقا أخت الشيخ بلال؟
لم يجبه رزق وتابع حديثه:
ولقيت الراجل بيقول الله يرحمك يا أبله مشيرة!
_ يعني كان يعرفها معرفة شخصية؟
= هو قالي إنها كانت بتديله فلوس وبتعطف عليه.. كان لسه صغير أيامها.. وقاللي كمان إنها كانت بتروح المنطقة بتاعتهم تزور ناس معرفة ولما سألته مين مرضاش يقول وقعد يقولي إنت هتتكلم عن ناس ميتين..!
ضيق جمال عينيه وتساءل وكأنه يلملم شتات الماضي:
إسمه إيه الراجل ده؟
_ الأسطي عطوة.
= عطوة القهوجي؟
_ أيوة هو قالي فعلاً إنه كان شغال في قهوة زمان بس حالياً ميكانيكي وعنده ورشة.
ثم تساءل رزق بشك:
حضرتك تعرفه؟
أومأ جمال بموافقة وقال:
أعرفه.
هز رزق رأسه وقال:
والأسطي عطوة ده أكدلي إن الشيخ بلال ده هو اللي بيعالج بالقرآن وإن مشيرة دي ماتت في عز شبابها.. يعني حضرتك كل الأدلة بتثبت إن هند هي مشيرة ومشيرة هي هند.. وحضرتك بكده تبقا أبو لينا الحقيقي.. ناقص بس نعمل تحليل DNA عشان نقطع الشك باليقين.
أطلق جمال ضحكة ساخرة بخفة أتبعها بضحكات عالية تحولت إلى ضحك هستيري لم يستطع مقاومته ثم قال:
_ يعني أنا كل السنين دي بربي بنتي اللي من صلبي على أساس إنها مش بنتي!!
أنهى جملته ودخل في موجة ضحك هستيري مرة أخرى مما أثار ذهول رزق فخرج من الغرفة وتركه ليهدأ.. ولكن فوجئ بـ بسمة تقف أمام الباب.
تجلس "بسمة" برفقة "رزق" متسائلة وعبراتها تتساقط دون هوادة:
_ ولينا مصيرها إيه دلوقتي؟ هتتصرف إزاي لما تعرف إن جمال يبقا باباها الحقيقي؟
تنهد رزق بقلة حيلة وتشقق قائلاً:
= الحقيقة يا بسمة هانم أنا مش عارف.. أنا كل خوفي الصدمة تخليها تتعب وتن عزل تاني.
_ رزق.. أنا مش عايزة جمال يعرف إني عارفة لحد ما نتيجة التحاليل تظهر وأواجهه بالدليل.
تنحنح رزق متسائلاً:
لامؤاخذة في السؤال يا بسمة هانم.. هو حضرتك ناوية على إيه؟
= بكرة تعرف!
تفوهت بتلك الكلمتين وهي تنهض منصرفة، فقام هو واستقل سيارته عائدًا إلى بيته.
صعدت بسمة إلى غرفتها فوجدت صديقتها "نادية" تتصل بها، فأخذت هاتفها ودخلت إلى الشرفة ثم أجابت الاتصال:
_ ألو.. أيوة يا نادية.
= أيوة يا بسمة.
جاء صوتها آسفًا فزاد توتر بسمة وقالت:
_ النتيجة طلعت؟
= أيوة حسام لسه مبلغني دلوقتي.. التحليل إيجابي.
أغمضت بسمة عينيها بحسرة وكأنها كانت تنتظر لآخر وهلة تكذيب النتائج، ثم برز صوتها هادئًا للغاية:
_ ماشي.. شكراً يا نادية.. هفوت عليكي بكرة.. مع السلامة.
مر الصباح وتأهبت لينا للخروج مع رزق بعدما أخبرت والدها أنها تريد الذهاب للتسوق.
صعدت إلى السيارة بجانب رزق الذي كان يرمقها بنظرات مشتاقة وقال:
_ ست البنات تحب تروح فين بقا؟
= أي مكان.. طالما معاك مش هتفرق.
ذهب بها إلى مكانه المفضل.. حديقة واسعة تملك من المساحات الخضراء الوفيرة.. هادئة لا يشوبها الضجيج.
افترشت الأرض ففعل مثلها وجلس إلى جانبها وبدأ الحديث متسائلاً:
_ ها.. عايزك تحكيلي كل حاجة حصلت معاكي في اليومين اللي غبت فيهم؟
مدت أناملها الرقيقة وأمسكت بيده ثم بدأت حديثها وهي تنظر له فقالت:
= مفيش.. كانت حنين بتونسني دايماً فـ ده اللي كان مهون عليا.
حاول إخفاء تعجبه وسألها:
كانت بتونسك إزاي؟ مش فاهم.
= كانت بتزورني.. نتكلم سوا.. كده.
حك ذقنه بتعجب، فالتقطته هي فقالت:
رزق هو إنت مفكر زيهم إني مجنونة؟
ضغط على يديها بشدة وقال:
بعد الشر عليكي يا ست البنات.. إنتي زي الفل.
ابتسمت بشك يساورها ثم قالت:
ورحت المولد.
_ المولد؟ آه صح هو اليومين دول.. بس إشمعنى يعني؟
== بابي قاللي تعالي معايا نغير جو.. بس طلع كله قرف وناس زبالة.
قالت الأخيرة بشرود فسألها:
حصل إيه؟
حمحمت تجلي حلقها ثم قالت:
يعني.. شنطتي اتسرقت..
_ وإيه تاني؟
أشاحت بوجهها بعيداً ولم تجب، فسألها بإصرار:
_ حصل إيه تاني يا لينا؟ أنا قلبي كان حاسس إنك فيكي حاجة أصلاً.. انطقي!
= الشيخ زفت اللي هناك بيقرا الطالع.. كان هيخطفني و يـ...
توقفت عندما شاهدت نفور عروقه وبروزها وإحمرار عينيه بغضب جم، فقالت:
_ بس متقلقش.. أنا هربت منه وملحقش يعملي حاجة!
تحدث من بين أسنانه بغيظ:
ولو كان عمل؟
نظرت له بعدم فهم فقال:
ولو كان عمل فيكي حاجة كنت هعمل إيه؟ إفرضي كان اغتصبك وموتك ومحدش لحقك!
إكتسى وجهها بملامح الذعر والخوف وقالت:
بس الحمد لله ربنا لطف.
_ أنا لو كنت موجود يستحيل كنت هسيبك تروحي مكان زي ده.. أنا مش عارف جمال بيه بيفكر إزاي أصلاً..
= هو مكانش يعرف إن ده يحصل.. ووقتها كان هو بيجيب الشنطة بتاعتي اللي اتسرقت.
هز رأسه عدة مرات وقال:
آااااه.. دي عصابة بقا ومتفقين سوا.. واحد يسرق الشنطة والتاني ييجي ياخده عشان يرجعهاله ويستفرد بيكي إبن الحرام ده لوحده.
أجابت بتلقائية:
أيوة صح.. عبدالرحمن قال كده بردو!
ارتفع حاجبه بإستنكار وسألها بصوت حاد مرتفع:
_ نعم يختي؟ ومين عبدالرحمن ده كمان؟
= عبدالرحمن ده اللي اتخبطت فيه وأنا بجري من الحيوان معروف.. وهو اللي وقف معايا لحد ما رجعني لـ بابي!
_ آاااه.. وإنتوا وقفتوا تتسايروا بقا وتتعرفوا؟
= لا أبداً مش كده.. هو بس شاب لطيف وحب يضيع الخوف والتوتر اللي كنت فيهم فـ عرفني عن نفسه يعني.
_ أه.. وإسمه إيه بقا اللطيف؟
= ما بقولك عبدالرحمن.. عبدالرحمن بلال السيد الشيخ.
تجهم وجهه واضطربت ملامحه وسألها:
_ بتقولي مين؟
أجابت وملامحها لا تخلو من التعجب:
= في إيه؟ إنت تعرفه؟ أنا كان عندي حق.. الإسم مش صدفة!
لم يجيبها فقالت:
ده يبقا قريب هند.. مش كده؟
حسم قراره وأطلق لسانه قائلاً:
_ ده يبقا إبن الشيخ بلال.... خالك!
رواية في غيابة الجب الفصل السادس عشر 16 - بقلم نعمة حسن
ده يبقا إبن الشيخ بلال.....خالك!
ألجمتها الصدمة، أخرستها، أفقدتها النطق على ما يبدو.
نظر إليها يتبيّن ردة فعلها فوجدها تنظر له والصدمة تكسو عيناها وملامحها أجمع.
=خالي؟!
قالتها بتمهل وكأنها تستشعر وقع تلك الكلمة لأول مرة على مسامعها ثم تابعت:
=أنا مش فاهمه حاجة..!
علِم أن مهمته صعبة إن لم تكن مستحيلة ولكنّه تحلّى ببعض من الشجاعة وقال:
_الشيخ بلال السيد الشيخ يبقا أخو مامتك "هند السيد الشيخ".
=متقولش مامتي..إسمها "هند" وبس!
برز صوتها حاداً، غليظاً، مستنكراً، فلم يُجبها وأشاح بوجهه للجهة الأخرى يحاول استجماع قوته ورباطة جأشه.
استدار إليها مرة أخرى واعتدل بمجلسه ليقابل وجهها الشاحب ثم أمسك بيديها بين يديه وقال:
_لينا...بصيلي.
فعلت كما طلب منها ونظرت إليه فقال: بتثقي فيا؟
أومأت بنعم فقال: إنتي لازم تعرفي كل حاجة بتدور حواليكي.. إنتي مش صغيرة ولا ضعيفة.. إنتي قوية وقدها وقدود كمان.
ثم تساءل: إنتي مش قولتي قبل كده إنك كنتي تتمني إنه يكون لكِ أهل وقرايب؟
نظرت له بأعين مشتتة وقالت: مش عارفة.. يمكن كنت بقول كده عشان مكنتش أتخيل إن ده هيحصل فعلاً.
_لأ.. إنتي كنتي بتقولي كده لأنك كنتي محتاجة لكده بجد.. ولحد دلوقتي إنتي محتاجة إنك تتعرفي على أهلك ويكون لكِ عزوة وسند.
=عزوة وسند؟!
رددت كلماته باستنكار شديد وسألته:
=وكانوا فين العزوة والسند وأنا مرمية في مؤسسة للأطفال اللقطاء ومجهولة النسب؟! مكانوش سند ليا وقتها؟!
_كل واحد بيغلط يا لينا.. كل الناس بتغلط.. وبعدين وقتها الموضوع كان صعب والصدمة كانت مؤثرة عليهم فـ أكيد التصرف ده كان من غير تفكير.
=إنت بتدافع عنهم!! هو إنت عايزني أرجع لهم مثلاً وأسيب بابي ومامي؟
_أولاً.. أنا مش بدافع عنهم ولا حاجة.. الشخص الوحيد اللي يهمني في الليلة دي كلها هي إنتي.. أنا نفسي أشوفك مبسوطة ووسط أهلك وليكِ قرايب كتير وأصحاب ولمة.. لينا إنتي من بعد "حنين" الله يرحمها وإنتي متعرفيش حاجة عند حد.. ولا بتخرجي ولا بتكلمي صحابك.. رجعتي انطوائية كما كنتي قبل ما تتعرفي على حنين.
تنهدت وقلبها يعتصر ألماً فقالت: الله يرحمها.
تابع حديثه قائلاً: ثانياً بقا والأهم.. أنا مش عايزكِ تسيبي جمال بيه وبسمة هانم أكيد.. بس مهما عاشوا مش باقيين لكِ.. لما بعد عمر طويل يموتوا هتعيشي لوحدك؟
شددت من ضمها ليديه وقالت: إنت معايا.
لم يُجب، ظل ينظر إلى عينيها التي امتلأت بدموع عجز هو عن تفسير سببها.
توقف عقله عن التفكير وهداه إلى حل واحد.... عناق.
جذبها إلى صدره يعتصرها بين أضلعه، ففعلت هي المثل وجاء صوتها مهزوزاً تقول:
_رزق أنا مليش غيرك.. لو إنت كمان سبتني أنا هموت.
رقّ قلبه لرؤية ضعفها وانكسارها..
كم أنتِ فقيرة حظ يا لينا!....
ربت على ظهرها بحنان بالغ وقال: أنا عمري ما هسيبك يا فلة.. إنتي حتة مني.. أنا عايز أتجوزك النهارده قبل بكرة بس خايف.
ابتعدت عنه ونظرت له بحيرة وقالت:
_خايف من إيه؟
=من أبوكي.. لو اتقدمتلكِ وعرف إننا بنحب بعض وهو رفض استحالة هيسيبني أقعد في الفيلا.. هيبعدني عنكِ.
_ليه؟
تساءلت بتعجب ولكنّه حاول أن يتملّص من إجابة سؤالها ولكنها ألحت عليه إلحاحاً بالغاً.
_ليه يا رزق؟ أكيد إنت تعرف حاجة هو مش عايزك تقولهالي عشان كده لو عرف إننا بنحب بعض هيمشيك.
حكّ أنفه، حكّ عنقه، ثم لمس أذنه وقال:
=مش قصـ.........
قاطعته بحدة قائلة: متكملش.. من قبل ما تتكلم بتكذب.
زفر رزق وقد أصابه التوتر الشديد، فأمسكت لينا بوجهه تديره إليها ليواجهها وقالت:
_رزق.. أنا بثق فيك.. بلاش تخبي عليا عشان لو عرفت إنك مخبي عني حاجة هتخسرني صدقني.
نظر إليها وعينيه تفيض باللوم والغضب في آنٍ واحد..
قال: أخسرك؟ عندك استعداد يعني؟
_رزق بلاش كده.. إنت عارف إن أنا بحبك.. عشان خاطري بلاش تخبي عليا حاجة.
=عايزة تعرفي إيه يا لينا؟
_كل حاجة إنت تعرفها.
قرر التخلص من إلحاحها وإخبارها بنصف الحقيقة الأقل تأثيراً عليها _أو هكذا ظن_ وإخفاء البقية.
=اللي أعرفه هو اللي مكتوب في الورق بس.. معرفش حاجة زيادة.
_وإيه هو اللي مكتوب في الورق وخصوصاً في محضر العثور؟ إشمعنى الورق ده بالذات بابي كان حريص أوي إني مشوفوش ولا أعرف حاجة عنه.
=اللي مكتوب في محضر العثور.. المكان والوقت اللي لقوكي فيه....
بتر حديثه وهو لا يستطيع الاسترسال، فحثته على أن يستكمل كلامه وقالت:
_هاا.. كمل... لقوني فين؟
=في بير.
نظرت له وكأنه يهذي، ثم صدرت منها ضحكة متهكمة وقالت: بير؟ إنت بتتكلم جد؟
أومأ بنعم، فنظرت له وبدأت ابتسامتها في التلاشي شيئاً فشيئاً وقالت:
_وهي اللي رمتني في البير؟
=معرفش.. اللي أعرفه إنها ماتت يومها كمان.. وبعدها إنتي روحتي مركز صحي.. ده كل اللي أعرفه.
_وعرفت منين إنه عبدالرحمن ده يبقا إبن خالي؟
=لما تعبتي أيام "بابسي" وجه الشيخ بلال عشان يرقيكي يومها وهو ماشي ساب الكارت بتاعه لجمال بيه ولما شاف الاسم شك وخلاني أسأل حد في السجل المدني ومن هنا عرفت إن بلال أخو هند.
كانت تستمع له بشرود وتيه وقد صعقتها الصدمة فقالت:
_يعني الشيخ بلال ده يبقا خالي؟ واللي يساعدني يوم المولد ده عن الناس كلها يطلع إبن خالي!
أومأ رزق بنعم وهو يترقب رد فعلها الحاد، صراخها، بكائها، ولكنها فاجأته بقولها:
_أنا عايزة أزورهم!
***
تململت في فراشها، نظرت له فوجدته ينام نوماً عميقاً، ابتسمت بتهكم وهي تنهض من جانبه ثم تذهب وترتدي ملابسها ثم أمسكت بورقة وقلم وبدأت بكتابة رسالتها إليه:-
"أنا ماشية يا جمال، ماشية ومتدورّش عليا لأنك مش هتعرف توصل لي. مهانش عليا أختفي فجأة من غير ما أسيب لك رسالة ومهانش عليا بردو أفضل بعد ما اكتشفت الحقيقة وقد إيه أنا كنت مخدوعة فيك... طبعاً إنت مش محتاج إني أقول لك خلي بالك من لينا.. أعتقد محدش هيخلي باله منها قد أبوها!.. متستغربش.. أنا سمعتك وانت بتتكلم مع رزق وعرفت كل حاجة وعملت DNA واتأكدت إنك بابا لينا الحقيقي.. ذنب مشيرة في رقبتك ليوم الدين.. ولسه ياما هتشوف.. ربنا يعينك على اللي جاي".
وضعت بسمة القلم من يدها وطوت الورقة ثم وضعتها بجانبه على الكومود بجانب الفراش ثم أخذت حقيبتها وغادرت.
بعدها استيقظ هو من نومه، لم يجدها بجانبه فلم يهتم ظناً منه أنها بالخارج ولكن جذب انتباهه ورقة مطوية بجانبه فـالتقطها واعتدل جالساً ثم بدأ بقراءتها.
اتسعت عيناه بصدمة وللمرة الأولى يبكي، بسمة حياته كما كان يناديها، سعادة أيامه وحب عمره غادرت.
كان يخشى لحظة المواجهة ولكنها كعادتها تعفيه من كل ما هو شاق.
التقط هاتفه وبدأ بالاتصال بها فوجد الهاتف مغلقاً، قام بالاتصال بـ رزق الذي تعجب اتصاله بذلك الوقت فقال:
_خير يا جمال بيه؟
=بسمة عرفت كل حاجة وسابت البيت.. تروح شقة باباها تشوفها هناك ولو مكانتش هناك تقلب الدنيا لحد ما تلاقيها.
جاهد رزق كي يخفي توتره وقال: حاضر يا جمال بيه.
نهض جمال من مرقده وبدّل ملابسه ثم صعد إلى غرفة لينا فوجدها مازالت غارقة بالنوم.
نزل إلى الأسفل وجلس ينتظر مجيء رزق قرابة ساعة حتى أتى فسأله جمال متلهفاً:
_ها.. لقيتها؟
هز رزق رأسه بنفي وقال: روحت بصيت لقيت القفل على الشقة وسألت البواب قالي مجتش.
ضرب جمال جبهته بيده مغتاظاً وقال: تقب وتغطس يا رزق وتعرف مكانها فين.. سامعني؟
أومأ رزق موافقاً وقال: تحت أمرك يا جمال بيه.
***
أفاقت لينا من نومها وبدلت ملابسها ثم نزلت لتناول فطورها فوجدت والدها يقف بصحبة رزق، ذهبت إليهم قائلة:
_صباح الخير..
أجاب جمال ورزق: صباح النور.
_إيه متوترين كده ليه على الصبح؟ في حاجة؟
أجاب جمال: لا يا حبيبتي مفيش.. رزق بس كان بيوصل مامي المنصورة عشان في حالة وفاة هناك وأنا كنت بسأله عليها.
اقتربت منه أكثر وسألته: المنصورة!! أول مرة أعرف إن مامي كان ليها قرايب هناك.
اتجه بؤبؤ عينه إلى اليمين وهو يقول:
_لا ما هو مش قرايب أوي يعني.. هي اللي ماتت تبقى بنت عم باباها وهي أصرّت تروح تعزي.
تبيّنت مراوغته وإخفاءه للحقيقة فسألته مجدداً:
_بس مامي عمرها ما سافرت من غير ما تقولي.. دي كانت بتبقى عايزاني أروح معاها!
أنقذه رنين هاتف رزق والذي قال: عم بكري!!
قالت لينا متلهفة: رد بسرررعة.
أجاب رزق قائلاً: أيوة يا عم بكري.. وعليكم السلام ورحمة الله.
_عامل إيه يبني ولينا عاملة إيه؟
=الحمد لله يا عم بكري كلنا بخير.
أخذت لينا منه الهاتف وتحدثت إلى "بكري" وقالت:
_ألو.. إزيك يا عمو بكري؟
=يا ندلة.. هو أنا لو مسألتش إنتي متسأليش؟
_معلش والله أنا آسفة.. متزعلش مني..
=ماشي ياستي مش زعلان.. كنت بكلمك بقا عشان أعزمكوا على خطوبة "خالد" ابني.. بكرة بإذن الله.
_ألف مبروك يا عمو.. عقبال حنان وحنيـ.......
بترت كلمتها بألم عندما أدركت ما تفوهت به فابتسم هو وقال: عقبال ما أفرح بيكي يا بنتي.. خليني بقا أكلم جمال بيه وأعزمه.
ناولت أباها الهاتف ثم ابتعدت عنهم وجلست على أرجوحتها تهز نفسها بخفة وهي تتذكر جلوس حنين معها على تلك الأرجوحة وحديثهم سوياً.
سالت عبراتها عندما تذكرت ابتسامتها العذبة وضحكتها اللطيفة فتمتمت:
_الله يرحمك يا حنين يا حبيبتي.
***
باليوم التالي ذهب كلا من جمال ورزق ولينا لحضور خطبة "خالد" الابن الأكبر لـ "بكري".
رحب الجميع بهم وخاصة بكري وزوجته التي كانت تحتضن لينا بشدة ومشاعر صادقة.
جلس جمال ورزق بالجانب المخصص للرجال بينما انضمت لينا للنساء.
جلست إلى جانب "سماح" زوجة بكري و"حنان" ابنتها ونسوة أخريات لا تعرفهم هي.
كانت تتحدث إلى "سماح" التي كانت تتساءل عن أحوالها وآخر أخبارها بينما كانت ترمقها "حنان" بنظرات مغتاظة لم تدرك لها تفسيراً.
استأذن رزق من جمال بأنه سيذهب ويعود فوراً.
كانت عينا "حنان" تتبعه فقالت لوالدتها:
_ماما أنا رايحة الحمام أظبط هدومي وجاية.
ذهبت إلى حيث يقف رزق يستند إلى حائط رخامي من خلفه ويدخن سيجارته، اقتحمت المكان بابتسامتها السمجة وهي تقول:
_إزيك يا أستاذ رزق.. مش رزق بردو؟
انتصب بموقفه وأجاب بجدية:
=تؤمري بحاجة يا آنسة حنان؟
اقتربت منه أكثر وهي تقول بخبث:
_الله.. اسمي طالع زي العسل من بين شفايفك يا رزق.
أصابه التوتر لحظة وابتعد خطوة للخلف فاقتربت أكثر وهي تقول بنبرة صوت ناعمة مثيرة:
_إيه مالك؟ خوفت ولا ضعفت!
قال بنبرة متلعثمة: ميصحش كده يا آنسة حنان.. بعد إذنك اخرجي.
_على فكرة عمرها ما هتحبك.. شوف إنت فين وهي فين؟ اختار اللي شبهك وانت شبهها و متبصش لفوق أوي عشان متقعش على جدور رقبتك.
-رزق!
تفاجأ رزق بدخول لينا وهي تنظر لهما نظرات مصدومة وقالت:
-يلا عشان هنمشي.
رمقت حنان بنظرات متهكمة فبادلتها الأخرى بنظرات متحدية ثم خرجوا منصرفين.
استقل الجميع السيارة في طريقهم إلى الفيلا حتى وصلوا فقال جمال:
_هتنامي يا لينا؟
أجابت لينا بشرود: شوية وهطلع.
_طيب يا حبيبتي أنا طلع أنام لأني مش قادر.
بمجرد غياب والدها عن نظرها حتى استدارت إلى رزق بحدة والتصقت به وهي تمسك بتلابيبه وتقول:
_إيه اللي كان بيحصل بينك وبين حنان؟
أمسك بيدها وهو يقول: ولا أي حاجة.. نزلي إيدك.
استفزتها طريقته واقتربت منه أكثر وهي تنظر داخل عينيه بثبات وتقول:
_ولا أي حاجة إزاي يعني؟ أومال كنتوا واقفين سوا ليه وبتتكلموا في إيه؟
=في إيه يا لينا مالك؟ هو أنا هكدب عليكي؟ بقولك مفيش حاجة..
هي جت تعمل شويتين بس أنا صدّيتها.
_يعني كانت بتقولك إيه؟
=كانت بتقول لي سيبك منها، هي عمرها ما هتبصلك. إرتحتي؟
_وإنت قولتلها إيه؟
=مقولتش حاجة، ملحقتش أقول أساسًا.
_يسلام، وكنت هتقول إيه لو لحقت؟
زفر بغضب، ثم سحب يديها اللتان تمسكان بتلابيبه وأنزلهما عنه، ثم تكلم بحدة وقال:
=لينا، أول وآخر مرة تعملي العبط ده. أنا مش عيل صغير قدامك ولا أنا بريالة عشان تقوليلي قولت وماقولتش. إنتي عارفاني كويس، مليش في الجو ده، وعارفه كمان إني بحبك، بس مش معني كده تتمادي.
تركها وانصرف، واستقل سيارته، فجلست هي على أرجوحتها وقد انهارت دمعاتها بشدة.
لأول مرة يقسو عليها هكذا، لقد اعتادته حنونًا، هادئًا، ظنت أنه سيتفهم أنها تغار، سيحتويها ويطمئنها بأنه ملكها الخاص.
ولكن بالنهاية خابت آمالها كالعادة.
بقيت جالسة بمكانها فترة طويلة وهي تتذكر كل ما مرت به من حزن، فقد، آلام، تشتت، ضياع.
تفاجئت به يجلس بجوارها مرة أخرى، ويمد يده يربت على كتفها بحنو ويقول:
=أنا آسف يا فلة، عشان خاطري متزعليش مني.
نظرت له بعتاب شديد، وانهالت دمعاتها مرة أخرى، ثم أسرعت واحتضنته بشدة، فضمها إليه بأسف وهو يقول:
=خلاص والنبي ما تعيطي، أنا كنت مضايق بس و جت فيكي، إنتي حقك عليا.
طوّقت عنقه بيديها بتملك رهيب، وهي تحك أنفها بلطف برقبته، فابتسم هو قائلًا:
=إنتي بتتمسحي فيا شبه القطة كده ليه؟
ثم تابع ممازحًا:
بتموتي فيا إنتي، ها؟
أومأت بموافقة وهي لازالت تحتضنه، فقال:
=لينا، أنا عايز أتجوزك، مش قادر أفضل بعيد عنك أكتر من كده.
نظرت له بسعادة، ثم طبعت قبلة رقيقة بجانب ثغره، مما جعله ينظر لها بوله ويقول:
=كده كتيير والله، كتير اللي بتعمليه فيا ده، الرحمة حلوة.
ضحكت بفرحة مما أسعده كثيرًا، فقال:
=عندي ليكي خبر حلو.
قالت بلهفة:
عرفت مكان مامي؟
أومأ موافقًا، وقال:
هي كلمتني النهارده وطلبت مني إني أخدك بكرة تقابليها، بس على شرط، جمال بيه ميعرفش.
_أنا نفسي أعرف إيه اللي حصل بينهم يوصلها لأنها تسيب البيت؟ وبابي لحد دلوقتي بيقوللي في المنصورة، مش راضي يقوللي الحقيقة.
=معلش يا حبيبي، بكرة كل حاجة هتتحل وترجع البيت إن شاء الله، أهم حاجة بس متعرفيش جمال بيه حاجة وقوليله هتخرجي تشتري أي حاجة.
_أوكي ماشي، إنت هتروح؟
=آه، خلاص هموت وأنام، وإنتي يلا اطلعي نامي.
هزت رأسها بموافقة، فاستوقفها قائلًا:
لينا.
نظرت له، فباغتها هو بقبلة عاشقة على وجنتها وهو يبتسم لها بحب واضح وصادق، فابتسمت بسعادة، ثم انصرفت.
ظل ينظر في أثرها وهو يتمتم بحيرة:
=هتطلعي من اللي إنتي فيه ده كله إزاي يا لينا؟ آه، ربنا يلطف بيكي.
رواية في غيابة الجب الفصل السابع عشر 17 - بقلم نعمة حسن
في الصباح استيقظت لينا بنشاط وحماس على عكس الأيام الماضية، فاليوم يوم اللقاء.
كانت تتمنى نفسها باللحظة التي ستلتقي والدتها بها، ستلقي بنفسها إلى حضنها سريعًا وتغمرها حتى تشبع شوق قلبها إليها.
ارتدت ملابسها وتأنقت ثم نزلت إلى الأسفل فوجدت والدها يجلس بغرفة مكتبه ويطالع شيئًا ما.
دخلت الغرفة وهي تقول: بابي، بعد إذنك رزق هييجي معايا أشتري شوية حاجات.
أومأ دون أدنى اعتراض قائلاً: براحتك يا بابا، أنا كمان هخرج دلوقتي ومش هعرف أرجع على الغداء، فلو حبيتي خلي رزق ياخدك مطعم واتغدوا سوا بدل ما تيجي تاكلي لوحدك.
ازدادت سعادتها وهي تقول: تمام ماشي، باي.
خرجت فوجدت رزق ينتظرها بداخل السيارة فصعدت إلى جانبه وترتسم على وجهها ابتسامة عذبة ازدادت عندما قال:
صباح الخير يا فلة.
قالت ضاحكة: صباح النور يا زوزي.
مين يا اختي!
زوووووزي.
إمممم، زوووزي، عليه العوض في الرجالة اللي تفضل تربي في شنباتها وعضلاتها ويتقالهم في الآخر يا زوزي.
الله، أومال أقول لك إيه طيب!
قولي لي أي حاجة ما عدا زوزي ده الله يسترك، مش حلوة في حقي يعني.
ضحكت ملء فمها وقالت: خلاص يبقى هقول لك يا زيزو.
زيزو معقول شوية، وبعدين يا حبيبي إنتي كفاية تقولي رزق بس، رزق لوحدها بتخليني مش على بعضي.
نظرت له بمكر وقالت: كنت فاكراك خجول وهادي، طلعت حلمنجي.
توقف بالسيارة فجأة وهو ينظر لها بتعجب ويقول:
طلعت إيه!
أجابت بهدوء: حلمنجي.
انفجر ضاحكًا بشدة وقد أدمعت عيناه من فرط الضحك وهو يقول: حلمنجي إزاي يعني!
مش عارف حلمنجي يعني إيه!
قال وهو يجاهد كي يكتم ضحكاته المتتالية:
لا والله أول مرة أسمعها، في حلنجي وفي كلمنجي إنما حلمنجي دي جديدة.
زفرت بتأفف وهي تقول بملل: مفرقتش يعني يا رزق، نفس المعنى، ملوش لازمة كل الضحك ده.
وجنتيها كالأطفال وهو يقول كمن يداعب طفلته:
حبيبي ده يا ناس، بتتكلمي عربي مكسر! ده أنا بيضالي في القفص.
قال الأخيرة بمزاح ساخر لتفاجئه هي بسؤالها:
هي مين!
مين إيه!
مين اللي بيضالك في القفص!
أمي، ألطم! اسكُتي خالص يا لينا لحد ما نوصل.
أدار محرك السيارة مرة أخرى فقامت هي بتشغيل كاسيت السيارة لتصدح أغنية ألهبت مشاعرهم وأضفت لحظات رومانسية للغاية...
كان ضروري تلاقيني مهما طالت سنيني
من قبل الحياة وأنا حاسة قابلتك زمان
ياما شفايفك قالولي وهما بيهمسولي بحبك
وأيوة ده صوتك وصورتك كمان
ومن قبل البداية بيني وبينك حكاية
رجعنا من النهارده نعيشها في نفس المكان
هواك أجمل معاني ملت روحي وكياني
مجرد حبيبي بشوفك بحس بأمان
بحس بأمان حتى وأنا بنزل على كتفك دموعي
وأنت جارحني مدويني يا حبيبي
بحس بأمان يملاني لو بنطق حروف اسمك
ساعتها لو بموت ترجع لي روحي يا حبيبي
توقف بالسيارة بغتة وهو ينظر لها بعشق خالص وتبادله هي نظرات هادئة أججت ثورة مشاعره.
وأغرب ما في حياتي عاشقة وياك آهاتي
وعارفة إن جوة قساوتك مداري الحنان
في حاجة نفسي فيها وياما حلمت بيها
تاخدني حبيبي في حضنك ويقف الزمان
ده من قبل البداية بيني وبينك حكاية
رجعنا من النهاردة نعيشها في نفس المكان
هواك أجمل معاني ملك روحي وكياني
مجرد حبيبي بشوفك بحس بأمان.
لم تنتهي الأغنية إلا وقد جذبها إلى صدره يحتضنها بشدة وهو مغمض العينين، يتمنى أن يتوقف الزمن بهم فعلاً، يعتصرها بين أحضانه يريد أن يخبأها كليًا بداخله.
رزق!
نطقت بها لينا وهي تتعجب ضمه إليها بتلك الشدة فهمهم متسائلاً دون أن يبتعد عنها.
همممم!
عضمي هيتكسر، إنت حاضني جامد ليه كده!
الحمقاء! هل تتساءل!
ابتعد عنها وهو ينظر بداخل عينيها ولا يحيد ببصره عنها وهو لا يزال شبه ملتصق بها فقال:
إنتي بتسألي!
ثم زفر بخفة قائلاً: إنتي بتجري في دمي يا لينا.
أسرتها كلمته وتشبيهه فأغمضت عينيها وأسندت جبهتها إلى جبهته وهي تطلق زفيرًا استنشقه هو بحب بالغ ثم اقتنص شفتيها بقبلة شغوفة جعلتها تفتح عينيها إلى آخرها بدهشة لم تملك غيرها.
لم تكن حاضرة، لقد كانت مغيبة إثر قبلته الهوجاء تلك.
ابتعد عنها وهو يلتقط أنفاسه المبعثرة ويقول:
أنا هتكلم مع مامتك النهارده، لازم تعرف إني بحبك وعايز أتجوزك.
أسعدتها كلماته تلك ولكن أصابها القلق فسألته:
طيب وبابي!
أومأ وقال: أكيد هفاتحه في الموضوع بس مش دلوقتي، يومين لما كل حاجة تتحل.
رزق هو أنا ليه حاسة إنك مخبي عليا حاجة!
هبقى بكدب لو قولتلك لأ، وأنا مش عايز أكدب عليكي.
يعني مخبي!
أمسك بوجهها بين كفيه وهو يقول:
لينا أنا عايزك تعرفي حاجة، محدش في الدنيا بيحبك قدي والله العظيم، ولا حد بيخاف عليكي قدي بردو، خليكي واثقة إني عمري ما أغشك أو أخدعك، بس كل حاجة ليها وقتها، خلاص!
هزت رأسها أن نعم وقالت: خلاص.
استمعا إلى رنين هاتف رزق فقال: بسمة هانم بترن، اتأخرنا عليها.
أجاب المكالمة قائلاً: أيوه يا مدام بسمة.
إنتوا فين يا رزق!
خلاص على وصول أهو، الطريق زحمة بس.
طيب يلا، أنجز.
بعد حوالي نصف ساعة كان رزق يترجل من السيارة ويقوم بفتح الباب لـ لينا التي نزلت وهي تسترسل معه النظرات المحبة الفخورة.
اصطحبها إلى الشقة التي تمكث بها والدتها وطرق الباب ففتحت "بسمة" وترتسم على وجهها أحن ابتسامة قد اشتاقتها لينا كثيرًا، فارتمت إلى حضنها تعانقها بحرارة وسالت دموعها وهي تقول:
كده يا مامي! هونت عليكي تمشي وتسيبيني!
مسحت والدتها على شعرها بحنان شديد وهي تربت على ظهرها قائلة:
طيب ادخلي الأول ونتكلم، اتفضل يا رزق.
دلف كلاهما للداخل وجلست لينا بجانب والدتها وهي مازالت تحتضنها باشتياق وقالت:
إيه اللي حصل يا مامي! للدرجة دي المشكلة كبيرة وملهاش حل غير إنك تسيبي البيت!
تنهدت بسمة وقالت: لينا يا حبيبتي، إنتي أكتر واحدة بتحبيني في الدنيا دي وبتفهميني، إنتي يمكن تستغربي كلامي وتشوفيها مش مفهوم بس أنا بستسمحك متسأليش في أي حاجة دلوقتي.
ثارت أعصابها وغضبت وقالت: هو كل ما أجي أكلم حد يقولي متسأليش!
هو أنا للدرجه دي مليش حق إني أعرف إيه اللي بيجري حواليا!
حاولت بسمة تهدأتها وهي تقول:
_يا لينا من فضلك إهدي..أرجوكي متضغطيش عليا عشان تعرفي أسباب..حاليا أنا مش مستعده أتكلم في اي حاجه.
ثم تابعت بحنق:
إديني مساحتي زي ما طول عمري مدياكي مساحتك..بتزعلي و تبعدي و تخاصمي و تنعزلي و بسيبك براحتك..أنا كمان ليا طاقه و طاقتي خلصت..سيبيني أتنفس شويه.
إحتدمت المواجهه بينهما ليقول رزق:
إهدوا يا جماعه و إتكلموا بالعقل.
سحبت لينا شهيقا إمتلأت به رئتيها ثم قالت:
_أوكي يا مامي اللي يريحك..بس ممكن أعرف هترجعي البيت إمتى!
=مش هرجع يا لينا..أنا و جمال هنتطلق!!
ألجمت الصدمة لسانها و جميع جسدها فرددت بإستنكار:
_هتتطلقوا! هتـ...هتتطلقوا ليه!
أشاحت بسمة بوجهها إلي الجهة الأخري و إمتنعت عن الإجابه فوقفت لينا أمامها وهي تقول بإصرار:
_هتتطلقوا ليه يا مامي! إيه اللي حصل!
=أرجوكي يا ليـ.......
قاطعتها لينا بصراخ حاد وهي تقول:
أرجوكي إنتي جاوبيني..إيه اللي حصل بين يوم و ليلة يخليكوا تتطلقوا!
ثم تابعت بهيستيريه:
أه..أكيد القرار ده صادر منك إنتي..أكيد دي رغبتك لأنه مخبي عليا إنكوا متخانقين أصلا..لو كان بيفكر في طلاق كان قاللي.
وقفت بسمة أمامها وهي تبكي وتقول:
لينا لو سمحتي إفهميني..الطلاق مش معناه إني هبعد عنك..لأ خـ......
قاطعتها مجددا وهي تقول:
مش هتبعدي عني! اومال هتعملي إيه يا بسمة هانم! هتيجي تقعدي في البيت معانا و إنتوا مطلقين!
_أكيد لأ..بس ليها حل تاني.
=ملهاش للأسف..ملهاش يا مامي..عايزة تبعدي في أكتر وقت أنا محتاجه لك فيه! هي دي أمومتك!
ثم تابعت وقد أعماها الغضب:
نسيت صح..أنا مش بنتك لو كنت بنتك حقيقي كنتي هتموتي ولا إنك تبعدي عني.
صفعتها بسمة بشدة فترنحت للوراء فأمسك بها رزق بشدة و ثبات وهو يرمق بسمة بنظرات غاضبه.
إلتقطت لينا حقيبتها و خرجت من الشقه مسرعه تنزل درجات السلم وهي لا تكاد تري لكثرة بكائها.
لحق بها رزق علي الفور و أدخلها إلي السيارة فإنفجرت باكيه و إرتفع نحيبها بشدة فـ مد يده إلي وجهها و مسح عبراتها بيديه وهو يقول:
_خلاص يا لينا بطلي عياط عشان خاطري.
=رجعني الڤيلا حالا.
_خلينا نروح مكان نقعد فيه لحد ما تهدي.
صرخت به بلهجه لا تقبل النقاش وقالت:
_=رزق.. بقولك رجعني الڤيلا حالا.
أدار محرك السيارة عائدا نحو الڤيلا كما أمرته وعند وصولهم ترجلت من السيارة مسرعه بإتجاه غرفة مكتب والدها فلم تجده.
أغلقت الباب خلفها سريعا عندما جذب إنتباهها شئ ما....
اللوحه المعلّقه بغرفة المكتب والتي تختبئ خلفها خزنته السرية مائلة بعض الشئ.
ذهبت ورفعتها عن الحائط ثم قامت بفتح الخزنه و اخرجت منها الأوراق جميعها.
جلست علي المكتب و أمامها الأوراق غير آبهه بذاك الذي سيحطم الباب طرقا.
بدأت بتصفح الأوراق بداية من شهادة الميلاد مرورا بـ محضر العثور وصولا بورقه صدمتها.
"فحص چيني DNA "
قرأت ما يحتويه الفحص بأعين زائغه حتي قرأت نتيجة الفحص والتي جاءت صادمة لها.
إشتدت الطرقات علي باب الغرفه فذهبت و فتحت.
إنفرج الباب فإذ بها تقف كالصنم أمام رزق الذي تسائل قائلا:
_في إيه يا لينا! مالك!
رفعت الورقه أمام عينيه و إرتفعت ضحكاتها بهيستيريه حتي سقطت أرضا أمام قدميه...
في مصر القديمة......
ترجّل من سيارته الفخمه و سار لأول مرة منذ مرور بضع و عشرون عاما بين تلك الحارات و الأزقه وهي ينظر هنا و هناك متذكرا ماضيه..
وصل إلي العنوان الذي حفظه مليا وإرتقي درجات سلم ذلك المنزل المتهالك ثم طرق الباب.
فتح الباب شابا يافعا في العقد الثالث من عمره متسائلا بذوق:
_افندم! مين حضرتك!
=الشيخ بلال موجود!
_أيوة..نقولله مين!
=جمال البدري
رواية في غيابة الجب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نعمة حسن
أومأ الشاب بإحترام وهو يقول: اتفضل ادخل وأنا هبلغه.
دخل جمال إلى المنزل بزهو وتفاخر ثم جلس على الأريكة بانتظار قدومه.
ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى خرج "بلال" ليقابله، فأقدم عليه وهو يرحب به باهتمام، بينما صافحه الآخر ببرود وتنحنح ثم بدأ حديثه قائلاً:
طبعاً يا شيخ بلال، انت فاكرني.
تحدث "بلال" وقال: أيوه يا جمال بيه، أنا عملت لك زيارة للبيت عندك في إسكندرية من كذا شهر.
ثم تساءل: خير.. هي بنت حضرتك تعبت تاني؟
أجاب جمال باقتضاب قائلاً: بص يا شيخ بلال، خليني أجلك دوغري وأدخل في الموضوع مباشرة.
تعجب بلال ولكنه أومأ موافقاً وقال: اتفضل.
وصلتني أخبار إنك بتدور على بنت أختك اللي انت اتنازلت عن حضانتها من وهي حتة لحمة حمرا، وجاي دلوقتي عايز ترجعها ليك.. صحيح؟
اندهش "بلال" وقال بلهجة حادة:
وحضرتك تعرف عن المواضيع دي منين، لا مؤاخذة، ويخصك في إيه؟
تجاهل جمال سؤاله وسأله: صحيح يا شيخ بلال، لما سألت عرفت إنك كان لك أخت اسمها مشيرة.. ده صحيح!
أيوه مشيرة تبقى هي هند.. اسمها الحقيقي هند بس كانت معروفة باسم مشيرة على اسم جدتي زي ما كنا بنناديها يعني.. مقولتليش عرفت منين الموضوع ده ويخصك في إيه؟
يخصني إنها بنتي.!!
نزلت كلمته كالصاعقة على أذني بلال الذي تمتم بتعجب:
بنتك! بنتك إزاي مش فاهم؟
بنتي.. أنا اللي خدتها من المؤسسة من وهي عمرها سنتين وربيتها لحد ما بقى عندها 22 سنة.. ربيتها بكل حب وحنان واحترام وعوضتها عن غياب أبوها وأمها وأهلها كلهم.. كبرت وربيت وعلمت وقدمت كل حاجة ليها، وتيجي انت دلوقتي بعد كل ده عايز ترجعها ليك! بأي حق!
أنا خالها يعني أولى حد بتربيتها، وبعدين مـ.......
وكنت فين يا خالها وهي مرمية في المركز سنتين! اتنازلت عن حضانتها ليه!
نظر "بلال" أرضاً بخزي ثم أردف: كنت شاب وطايش لسه.. محسبتهاش صح.. غلطت.. ما أي حد بيغلط يا أخي.
بس دي مش غلطة تعدي يا شيخنا.. دي غلطة بفورة.. جاي دلوقتي تفتكر إن ليك بنت أخت! طيب اديني عقلك كده.. هي هتبص في وشك إزاي وهي عارفة إنك اتخليت عنها وسيبتها لناس غريبة تربيها؟
لم يجيب الشيخ بلال فتابع جمال حديثه قائلاً:
الأحسن ولمصلحتنا كلنا يا شيخ بلال إنك تتراجع عن الخطوة دي.. لأنها مش هتفيدك.
ثم تابع بنبرة أقرب للوعيد: واوعى تكون فاكر إني جيتلك من إسكندرية مخصوص عشان أنا خايف منك أو خايف لو ظهرت لينا تختارك.. استحالة ده يحصل.. لينا متعرفش غيرنا واستحالة تقبل بحد تاني.. أنا بس مش عايز ظهورك في حياتها يسبب لها أي تعب أو ضغط لأنها حساسة جداً وبتتعب من أقل حاجة.
نهض واقفاً وهو يستعد للمغادرة:
نصيحة مني خليك بعيد.. انتوا بالنسبة لـ لينا هوا.. مش موجودين.. وتأكد إني لو حسيت إن وجودكوا ده هيسبب لها ولو 1% أذى أنا مستعد أعمل أي حاجة وقتها.
وقف "بلال" ثائراً وهو يقول بغضب:
انت جاي تهددني في بيتي! وبعدين تعالي هنا.. انت عرفت إزاي إني أبقى خالها! وإني بدور عليها!
كل حاجة بتتعرف وبتبان يا شيخ.. متستغربش.
انصرف وأغلق الباب من خلفه ثم أطلق زفيراً طويلاً طرد معه كل التوتر والقلق اللذان كانا يعتملان بداخله.
استقل سيارته عائداً إلى الإسكندرية، بينما كان "بلال" يجلس برفقة أولاده متسائلين عن هوية الضيف الخفيف للغاية وعن سبب الزيارة.
تحدث "بلال" بحزن وندم وقال:
ده جمال بيه البدري اللي كفل بنت مشيرة أختي الله يرحمها ويساامحها.
نظر ولداه لبعضهما البعض ثم تحدث عبدالرحمن وقال:
وكان جاي عايز إيه!
عرف إني بدور عليها فكان جاي يحذرني أو يهددني بمعنى أصح إني أبعد عن طريقهم ومقلبش في الماضي.
وحضرتك ناوي على إيه يا بابا!
زفر بلال بضيق وهو يقول: والله يبني ما عارف.. أنا عرْيَان قدام نفسي.. قال لي إيه اللي خلاك تتنازل عنها من البداية.. معاه حق.
وليه مقولتلوش إن ستي الله يرحمها هي اللي رفضت وخافت من الفضايح!
هيفيد بإيه يا عبده.. اللي حصل حصل وخلاص.. هو معاه حق.. أنا هقابلها بأنهي وش دلوقتي ولا هي إزاي هتسامحني وتقبل بيا بعد ما اتربت وسطهم 20 سنة!!
يعني إيه يا بابا! هنسيب لحمنا للناس الغريبة!
برز بها صوت "محمد" الابن الأصغر له وهو يستنكر حديث والده الذي قال:
هعمل إيه يا محمد.. مفيش بإيديا حاجة أعملها يبني.
نهض وهو يتمتم بقلة حيلة: لله الأمر من قبل ومن بعد.
يجلس رزق أرضاً وهو يضم "لينا" إليه ويحاول إفاقتها.
لينا.. فوقي يا لينا عشان خاطري.. لينا.
صرخ منادياً بـ "موانا" التي جاءت تهرول واندشت عندما رأت لينا مسجاة أرضاً فقال رزق:
إنتي لسه هتتنحي.. هاتي إزازة برفان أو أي حاجة.
أسرعت "موانا" وأحضرت قنينة عطر ملك لها، فقام رزق بنثر بعض منها على يديه ثم قرب يديه من أنف لينا والتي بدأت بالاستجابة له وطفقت تفتح عينيها ببطء.
نظرت له بأعين زائغة تهاجمها الرؤية الضبابية المشوشة، فراح يمسح على شعرها بهدوء وحنان ويردد:
لينا.. سمعاني يا حبيبتي؟
فتحت عينيها بتمهل وسرعان ما دفعته عنها بشدة حتى سقط جسده للخلف وقامت مسرعة وهي تتلفت حولها كالمجنونة حتى رأت الورقة بجانبها فأمسكت بها مجدداً وأنهالت دمعاتها بدون تصديق وهي تردد بهيستيرية:
إزاي! إزاي! إزاي يا رزق!.. أنا بنته! طب إزاي!
نهض رزق وهو يحاول الاقتراب منها والسيطرة عليها وهو يقول:
لينا يا حبيبتي اهدي عشان خاطري وأنا هفهمك كل حاجة.
صرخت به قائلة: متقولليش اهدي.. أهدي إيه.. هو إيه اللي أهدي!!!
تابعت وهي تنتحب بشدة: أنا بنته! يعني هو كان متجوز هند! كان يعرف إني بنته!
ثم أجابت نفسها: أكيد لأ.. لو كان يعرف إشمعنى دلوقتي بس عمل التحليل!
ثم نظرت إلى رزق باتهام وهي تقول: انت كنت تعرف.. صح؟
هز رأسه بنفي مرات متتالية وهو يقول: مكنتش أعرف ولا هو كان يعرف غير من كام يوم.. صدقيني.
ابتسمت بسخرية وقالت: هه.. أصدقك! انت زيك زيهم كلكم خدعتوني.. أنا عايشة وسط شوية كدابين ومنافقين.
اقترب منها أكثر وهو يقول: لينا اسمعيني.
لتقاطعه هي وهي تبتعد عنه بنفور شديد وتقول:
اسمعني انت يا رزق.. لو محكيتليش كل حاجة تعرفها اعتبر إن كل واحد فينا من طريق.
استوقفته جملتها فوقف ينظر لها بغضب وحزن في آن ويقول:
تاني يا لينا!
أزاحت بيديها جميع الأشياء الموجودة فوق سطح المكتب فسقطت حطام على الأرض بينما تصرخ هي بانفعال حاد:
هو إيه اللي تاني يا لينا! محدش حاسس بيا لييييه! يعني إيه أعيش 22 سنة باسم واحد مش موجود في حين إن أبويا الحقيقي عايش ويطلع في يوم وليلة هو اللي بيربيني! هو أنا بحلم!
هدأ انفعالها قليلاً وتحول إلى انكسار وضعف وهي تتقدم من رزق متهدلة الأكتاف وتقول بنبرة آلمته جداً:
أنا بحلم يا رزق.. مش كده! كل اللي أنا فيه ده كابوس وهفوق منه.. صح!
احتضنها بقوة وظل يربت على ظهرها ويهدهدها كالطفل ويقول بتحايل:
كل حاجة هتعدي يا حبيبتي..
إنتزعت نفسها من بين أحضانه وهي تحدق به باستنكار ووجه متجهم وتقول:
= إيه اللي هيعدي، فهمني؟!
لم يتكلف الأمر سوى ثوانٍ معدودة عندما التقطت سلاحه من على خصره ثم صوبته ناحية رأسها وهي تقول:
_ لو مقلتليش على كل حاجة، هموت نفسي.
اتسعت عيناه بفزع وذهول وهو يهرول ناحيتها، فأوقفته عندما استمع لصوت شد الزناد كتحذير أول، ثم قالت:
_ لو قربت تاني، هفرغ المسدس ده في دماغي.
توقف مكانه كالجماد ولم يدرك ما يفعل.
لقد تعطلت حواسه جميعًا وتوقف عقله عن التفكير.
أسرعت "موانا" بالاتصال بـ "جمال" وإبلاغه بما يحدث، فزاد من سرعة سيارته والخوف يقتله بالبطيء.
قالت "لينا" وهي لازالت تمسك بالسلاح وتصوبه نحو رأسها:
_ اتكلم يا رزق.....
مسح رزق عرقَه الذي يسيل، لأول مرة يذكرها، ثم قال:
= عاوزة تعرفي إيه؟!
_ كل حاجة.. أنا بنته ولا مش بنته؟!
= بنته.
تجهم وجهها واضطربت ملامحها لتأكيده ذلك، ثم سألته:
_ إزاي؟! كان يعرف هند؟!
= كان يعرف واحدة اسمها "مشيرة" وكان على علاقة بيها، ولما سابها مكانش يعرف إنها حامل فيكي.
_ أومال مين هند؟!
= هند هي مشيرة.. هند اسمها الحقيقي، وجمال بيه ماكنش يعرفه.. كان يعرفها باسم "مشيرة".. عشان كده معرفش ولا شك إنها تكون هي مشيرة اللي كان يعرفها.
_ وعرف مشيرة منين؟!
= معرفش.. بس هو فجأة لقيته بيقولي: "في واحدة اسمها مشيرة، عاوزك تعرفلي إذا كانت عايشة ولا ماتت".. بعدها أنا نزلت مصر وروحت العنوان اللي قاله لي عليه، وسألت واكتشفت إن مشيرة دي هي هند.
انتفض جسدها وهوت أرضًا، فأسرع رزق يمسك بها ويجذبها إليه، فقالت:
_ أنا مبقتش فاهمة حاجة.. اللي بيحصل ده فوق طاقتي واستيعابي.. عشان كده مامي سابت البيت.
تابعت بأسى: عشان كده مرضيتش تقول لي على حاجة وتظهرها قدامي!! هي كمان اتخدعت فيه زيي.
نادى "موانا" بأن تحضر كوب ماء، ففعلت، ساعدها بأن تشرب الماء وهو يقول:
_ اهدي يا لينا.. كل حاجة هتبقى تمام، بس اهدي.
نظرت له بعينين باكيتين وهي تقول: إزاي يا رزق؟! كل حاجة هتبقى تمام إزاي؟! أنا بخسر للمرة المليون!!
ضمها إليه وقبّل جبينها بحنو، قبل أن يدخل والدها إلى الغرفة مسرعًا وهو يقول:
_ لينا حبيبتي.. مالك يا بابا؟!
رفعت ناظريها إليه بحدة وبغض شديد، ثم قالت:
_ حبيبتك؟! انت عمرك ما حبيت حد غير نفسك.
اقترب منها، فأوقفته وهي تقول: متقربش مني.
لمح بطرف عينه تلك الورقة الملقاة بإهمال على أرضية المكتب، فالتقطها بيد مرتعشة، ثم نظر إليها، فوجدها تبتسم بتهكم، ثم قالت:
_ هتكذب وتقولي إيه؟! خلاص أنا عرفت كل حاجة يا.. يا بابي.
نطق بتلعثم وتخبط وهو يقول:
= لينا الموضوع مش زي ما انتي فاهمة.. الحكاية ليها أبعاد تانية انتي متعرفيش بيها.
_ أبعاد؟! زي إيه؟! زي إنك عملت علاقة مع واحدة وسيبتها وهربت، ومكنتش تعرف إنها حامل منك.. مش كده؟!
نظر تلقائيًا إلى رزق، الذي وللعجب لم يجد بعينيه أي نظرات أسف أو ندم، فقالت لينا:
_ كنت مفكر إنك هتضحك على واحدة وتخدعها وتهرب، وهتكمل وتعيش حياتك عادي من بعدها من غير ما تتعاقب في الدنيا قبل الآخرة؟!
لم يجيبها، فصاحت به صارخة: سيبتها حامل منك وهربت، وهي اتحملت وعاشت لوحدها لحد ما ولدتني.
ثم تابعت بنبرة مختنقة: بس مقدرتش تكمل.. رمتني في البير عشان تعفي نفسها من مسؤوليتي، لأنها مكانتش هتعرف تواجه الناس بيا.. وياريتها عاشت.
قالت الأخيرة بتهكم بالغ وتابعت: بعد ده كله ماتت برضه وارتاحت، وسابتني أنا للعذاب.. ياريتني كنت مت في البير أو مت في بطنها قبل ما تولدني.
هرول أبوها إليها وهو يقول: بعد الشر يا حبيـ.....
_ ابعد عني.. ابعد عني.. ابعد عنييييييييييييييييي.
صرخت بالأخيرة قبل أن تفقد الوعي وتصطدم رأسها بالأرض من تحتها وتدخل في نوبة صرع متجددة.
بدأ جسدها بالانتفاض وتشنجت عضلاتها بشدة، مما جعل قلوبهم تهوي أرضًا، فصرخ جمال بـ رزق:
_ اطلب الدكتور حالا!
رواية في غيابة الجب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نعمة حسن
بعد مرور عدة أيام...
ترقد لينا على سريرها في ذلك المصح النفسي الذي أودعوها إياه بعد نوبة الصرع الشديدة التي داهمتها.
كان يقف كلاهما من والدها، بسمة ورزق، جميعهم ينتظرون إفاقتها وعودتها للوعي من جديد.
مر الطبيب المعالج لها، والذي ربت على كتف جمال وهو يواسيه، وقال:
"متقلقش يا جمال بيه، آنسة لينا هتبقى كويسة إن شاء الله، ده إنت المفروض تحمد ربنا إن حد بنفس ظروفها دي وما أذاش نفسه أو اللي حواليه."
نظر له جمال بتعب وإرهاق ثم سأله:
"ظروف إيه مش فاهم؟"
قال الطبيب بعملية شديدة:
"هو حضراتكوا معرضتوهاش لطبيب نفسي قبل كده؟"
"لأ، حاولنا معاها مرات كتير بس دايماً كانت بتنفعل وتغضب ومابترضاش تروح لأي دكتور."
أومأ الطبيب بتفهم وقال:
"اتفضلوا معايا."
التفوا ثلاثتهم حول الطبيب الذي بدأ حديثه وهو يقول:
"حضرتك يا جمال بيه بتقول إنكوا حاولتوا تقنعوها تروح لدكتور بس هي كانت بترفض.. صح؟"
أومأ جمال بموافقة فسأله الطبيب مجدداً:
"إيه الأعراض اللي شفتوها منها تخليكوا تقولوا ناخدها لدكتور؟"
نظر جمال إلى بسمة، ومن ثم اعتدل بمجلسه وتكلم:
"يعني.. لينا طول عمرها ليها تصرفات عجيبة وشخصيتها أعجب كمان.. انطوائية، منعزلة دايماً، مبتحبش تكون صداقات كتير، من بعد وفاة صاحبتها الله يرحمها وهي قافلة على نفسها.. كتير حاولنا معاها إنها تعرف ناس جديدة وتعيش حياتها بس هي كانت بترفض.. فأنا كنت بحاول معاها إنها تروح لدكتور نفسي تتكلم معاه بما إنها مش بتتكلم معانا بس مفيش فايدة."
ضيّق الطبيب عينيه بتركيز وهو يتساءل:
"حضرتك بتقول إنها كانت بتتصرف تصرفات عجيبة.. زي إيه؟"
تنهد جمال مردفاً:
"يعني مثلاً كانت بتفهم اللي قدامها من لغة جسده أو نظراته، وكانت أوقات كتير بسمعها بتكلم نفسها ولما أسألها بتتكلمي مع مين تقوللي مع بابسي مثلاً.. اللي هو الكلب بتاعها.. ومن بعد موت حنين صاحبتها بقت تقوللي بتكلم مع حنين."
أومأ الطبيب متفهماً وسأله مجدداً:
"حاجة زي دي ما خليتكش تقول مثلاً دي مجنونة أو مريضة نفسية؟"
"كنت شاكك في حاجة زي كده.. عشان كده كنت بحاول معاها نروح لدكتور.. لدرجة إني فكرتها ممسوسة وجيبتلها شيخ بس قال مفيش حاجة."
ابتسم الطبيب وهو يقول:
"يعني حضرتك جيبتلها شيخ.. كان من باب أولى تجيبيلها دكتور."
"منا بقول لحضرتك كانت رافضة وبشدة.. كل ما كنت بحاول أتكلم معاها كانت بتقول إنتوا مفكريني مجنونة وكانت بتغضب وتخاصمنا بالأيام."
أومأ الطبيب ثم عقد يديه وبدأ حديثه بجدية وهو يقول:
"بص يا جمال بيه إنت والمدام.. لينا للأسف مريضة بمرض الذهان أو ما يسمى بالانفصام.. المرض ده كل ما كان تشخيصه بدري كل ما كان أحسن للحالة، وللأسف واضح إن لينا بتعاني منه من فترة طويلة ومتعرضتش على دكتور يشخص الحالة صح ولا يديها علاج عشان كده الحالة اتطورت للأسوأ وبقت منعزلة اجتماعياً زي ما حضرتك بتقول."
وتابع:
"مريض الذهان أو الفصام دايماً بيتوهم إنه بيسمع أصوات مش موجودة أو بيشوف حاجات مش موجودة، وممكن توصل كمان إنه يشم روايح مش موجودة، وعلى طول بيعتقد إنه عنده قوة خارقة أو خاصة."
هنا تساءلت بسمة:
"زي إنها بتعرف لغة الجسد يعني؟"
أومأ الطبيب نافياً:
"لا خالص بالعكس.. لغة الجسد مش قوة خارقة إنما هي منحة ربنا بيميز بيها حد عن التاني مش أكتر.. وواضح إن لينا مميزة من صغرها. اللي أقصدُه هو إن لينا كانت بتتوهم إنها عندها القدرة إنها تتكلم مع ناس مش موجودة زي صاحبتها كده.. أو إنها عندها القدرة تتكلم مع حيوانات وتفهمهم زي الكلب بتاعها."
سحب شهيقاً وأكمل وهو يوجه حديثه إلى جمال:
"أنا ليه قولتلك لينا أحسن من غيرها؟ لأن مريض الفصام ممكن في حالة من اللاوعي يأذي نفسه أو توصل لإنه يقتل حد."
"يقتل!!"
برز بها صوت رزق الذي تمتم متعجباً، فقال الطبيب:
"أيوة بتحصل.. ولسه جايلنا حالة من شهرين قتلت والدتها لأنها كانت بتعتقد إنها بتخون باباها.. ولما سألتها عرفتي منين إنها خانت والدك قالتلي شوفتها بعيون الغراب اللي بابا مربيه.."
ظهر التعجب والذهول جلياً على وجوههم، فقال:
"متستغربوش.. مرض الذهان هو أسوأ مرض نفسي ممكن يصاب بيه الإنسان."
تساءلت بسمة:
"طب وإيه الأسباب اللي ممكن تؤدي إن الإنسان يبقى مريض بالانفصام؟"
"عوامل كتيرة جداً.. ممكن عوامل جينية زي إن حد من قرايب المريض يكون له تاريخ مع المرض ده.. وممكن عوامل بيئية زي إن المريض مثلاً اتعرض لصدمة شديدة وهو في بطن أمه أو وهو لسه حديث الولادة بتسهم في ظهور المرض."
نظر ثلاثتهم لبعضهم البعض بصمت، فتابع الدكتور وقال:
"وممكن لو فيه خلل في العلاقات العائلية ده بيزود فرص الإصابة بالمرض.. أو لو الشخص ده بيتعاطي المخدرات مثلاً، أو لو عنده مرض مناعي ذاتي.. كل دي عوامل بتسبب الإصابة بمرض الذهان."
تساءل جمال بلهفة وخوف وقال:
"طب والحل إيه يا دكتور؟ هتفضل في المصحة هنا؟"
"ده على حسب رغبتكم أولاً وثانياً على حسب استجابتها للعلاج."
تحدث رزق وقال:
"طيب وحضرتك شايف إيه؟"
"والله اللي أنا شايفه إن الحالة الحمد لله مش خطيرة أوي ومش مستدعية إنها تفضل هنا خصوصاً وإن الفصام ملوش علاج نهائي."
قالت بسمة بقلق:
"يعني إيه يا دكتور ملوش علاج.. يعني هتفضل كده طول عمرها؟"
تحدث بحرص وهو يقول:
"مدام بسمة أنا مقولتش ملوش علاج.. أنا بقول ملوش علاج نهائي.. بمعنى إنه له علاج للسيطرة على الأعراض والحد منها لكن ملوش علاج للشفاء منه.. يعني زي مرض السكر كده.. بناخد علاج عشان نسبة السكر تفضل منتظمة لا يقل ولا يزيد لكن مفيش ليه علاج بيقضي عليه تماماً."
تساءل رزق باهتمام:
"طب المفروض نتصرف معاها إزاي وهتتفك إمتى ولا هتفضل كده لحد إمتى؟"
"أولاً هي نايمة بفعل المهدئات اللي بتاخدها واللي هنوقفها أول ما حالتها تستقر شوية.. ثانياً بقا والأهم.. تبعدوها عن التوتر أو أي جو فيه شحنات سلبية تماماً، وياريت على الأقل في الفترة الجاية ما يكونش جنبها غير الناس اللي بتحبهم وبتطمئن لهم بس، وتبعدوها عن أي ضغط أو توتر زي ما قلت في بداية كلامي.. إلى جانب الأدوية اللي بتاخدها وممنوع توقفها حتى لو اتسحنت.. هتبقى كويسة إن شاء الله."
شكر جمال الطبيب لسعة صدره وتفهمه، ومن ثم انصرفوا نحو غرفة لينا مجدداً ينتظرون إفاقتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلس جمال إلى جانب بسمة التي تجلس على مقعد الاستراحة الموجود بالممر أمام الغرفة، ثم قال:
"سمعتي كلام الدكتور يا بسمة؟ ياريت تأجلي موضوع الطلاق ده على الأقل لحد لينا ما تقوم بالسلامة.. خلينا نبقى كلنا جنبها."
نظرت له بانتباه وبرز صوتها مستاءة وهي تقول:
"أيوة سمعت كلام الدكتور يا جمال.. بس مش هتتنازل عن قراري.. مش وجودنا مع بعض اللي هيعالج لينا.. لينا مشكلتها بقت معاك إنت يا جمال.. واستحالة تقبل بيك في حياتها تاني لا أب حقيقي ولا أب بديل."
مسح وجهه بغضب عارم وهو يقول:
"إنتي ليه مصممة تحاسبيني على حاجة أنا مليش يد فيها.. أنا معترف إني غلطت بس ده كان زمان وأي حد بيغلط.. المفروض عقابك ليا ده يبقى لو أنا عملت حاجة زي دي وإنتي في حياتي.. ده مش ذنبي."
قالت بإنفعال مماثل:
"لأ ذنبك يا جمال.. أنا لما كنت بسألك وأقوللك عمرك ما عرفت بنت ولا صاحبت بنت تقوللي أنا؟ أنا عمري ما عرفت قبلك ولا حبيت قبلك.. إنتي أول وآخر واحدة في حياتي.. يا شيخ ده أنا من كتر ما كنت بصدقك كنت بعيط من فرحتي بنضافتك وعفتك."
ثم تابعت ببغض:
"وطلعت مفيش أوسخ منك يا جمال!!"
فاجأه نعتها المهين، ولكن لم يعقب، فتابعت هي:
"إنت من جواك عارف كويس أوي إنك تستحق اللي بيجرالك.. أنا عن نفسي مكتفية بالطلاق.. مش عايزة شوشرة ولا تقليب في الماضي لأنه مش هيفيد بحاجة.. بس خليك مستعد للي بنتك هتعمله لما تفوق."
ثم قالت بتهكم ساخر:
"ده كله كوم وعقاب ربنا ليك كوم تاني خالص.. ولسه ذنب مشيرة اللي في رقبتك."
تفوه حانقاً:
"ذنبها في رقبتي ليه؟ وأنا كنت غصبتها على حاجة؟"
أطلقت ضحكة ساخرة وقالت:
"هه.. اظهر على حقيقتك كمان وكمان.."
إنت صغرت في عيني قوي يا جمال.
أشاح بوجهه بعيدًا عنها ثم قال:
_ أفهم من كده إنك مصممة على طلبك؟
= و يا ريت تعجل وبلاش مماطلة عالفاضي.
_ ماشي يا بسمة اللي تشوفيه.
***
بعد مرور يومان آخران وبعد إتمام إجراءات طلاق بسمة، يتواجد الجميع بغرفتها بعد إفاقتها وبدء تعافيها.
تجلس بسمة بجانبها وتقول: حمدلله على سلامتك يا حبيبتي.
احتضنتها لينا بشدة وتشبت بها وهي تقول:
_ انتي هتسيبيني يا مامي؟
ضمتها بسمة إليها بحنان صادق وقد سالت دمعاتها وهي تقول:
= عمري ما هسيبك يا روح مامي.. حد يسيب روحه؟
شدت من ضمها إليها واستكانت بين ذراعيها قبل أن يصل إلى مسامعها صوت والدها وهو يقول:
_ حمدلله على سلامتك يا لينا يا حبيبتي.
انقبض قلبها وبدأت معدلاتها الحيوية بالاضطراب وتشنجت عضلاتها وطفقت تصرخ بشدة، فضمتها بسمة إليها بحنان وهي تهدأ من روعها وتقول:
_ اهدي يا لينا.. اهدي يا حبيبتي بابي عايز يطمن عليكي.
زادت نظراتها حدة وهي تنظر له بأعين باكية وترتجف، فصرخت بسمة به قائلة:
_ لو سمحت يا جمال اخرج دلوقتي.
على مضض غادر جمال الغرفة، فأسرع رزق إليها يحاول تهدئتها وهو يقول:
_ خلاص يا لينا خرج.. اهدي وهنعمل كل اللي انتي عايزاه.
"رزق"
قالتها وهي تحتضنه فجأة مما أثار خجله، ولكنه لم يبالي فجذبها إليه يضمها بشوق ولهفة ويمسح على رأسها بحنان، فقالت:
_ أنا مش عايزة أشوفه تاني.. متخليهوش ييجي تاني.
مسحت بسمة على شعرها بحب وقالت:
= كل اللي انتي عايزاه هيحصل بس تهدي نفسك.
أومأت لينا بموافقة ثم نظرت حولها بتعجب وهي تقول:
_ أنا في مستشفى ليه؟ هو إيه اللي حصللي؟
تحدث رزق قائلاً: انتي تعبتي والنوبة جاتلك تاني فـ جيبنالك دكتور وهو اللي جابك هنا عشان يتابعك كويس.
_ طب أنا عايزة أخرج من هنا.. المكان هنا خانقني.
تحدثت بسمة: حاضر يا روحي هنخرج.. الدكتور يشوفك بس ويعرف إنك بقيتي كويسة وهنخرج فورًا.
خرج رزق لاستدعاء الطبيب فوجد جمال يجلس على مقعد ويضع رأسه بين كفيه، فذهب إليه ورتب على كتفه قائلاً: جمال بيه.
انتبه جمال ونهض على الفور وهو يقول: لينا مالها يا رزق.. حصلها كده ليه؟
حمحم رزق وتكلم بحرص فقال: حضرتك عارف إن ده وارد يحصل خصوصًا إنها بتمر بصدمة عصبية مش هينة.. أرجوك متزعلش ومتضغطش عليها.. هي هتاخد وقت وهتبقى كويسة إن شاء الله.
تمتم جمال: إن شاء الله.
_ اتفضل أروحك وأرجع اخدهم لأن لينا عايزة تخرج.
= لأ لأ.. أنا هفضل مستني هنا لحد ما تمشوا.
_ أنا آسف يا جمال بيه بس أنا خايف لينا تشوفك تتعب تاني.. معلش استحمل تصرفاتها وتعالى على نفسك الفترة دي.
أومأ جمال بتفهم وقال: صح.. خلاص يا رزق خليك جنبهم انت وأنا هطلب حامد يجيلي بالعربية وأروح.
ثم تساءل بحزن: هي هتروح مع بسمة؟
زم رزق شفتيه وتكلم بشفقة: على الأغلب أيوة.
هز جمال رأسه بموافقة وقال: خلاص يا رزق هستنى منك تطمني عليهم.. ولو أنا غبت ومسألتش ابقي تعالي زورني وطمني عليهم.. وخلي بالك منهم يا رزق والنبي.
_ ولا يكون لك فكر يا جمال بيه.. في عيني.
انصرف جمال مغادرًا، بينما ذهب رزق لاستدعاء الطبيب الذي ذهب معه إلى غرفة لينا، فدخل قائلاً:
= ما شاء الله.. بقينا عال العال أهو يا لينا.
تحدث رزق وقال: لينا عايزة تخرج يا دكتور.. هينفع؟
تشدق الطبيب وقال: ينفع طبعًا.. بس هنلتزم بالعلاج ونروق كده على ما نقدر ولو أمكن نطلع الساحل يومين نفرفش و.....
قاطعته لينا قائلة: لا الساحل لا.
تكلم الطبيب بكل هدوء وقال: الساحل لا مفيش مشاكل.. نروح أي مكان تاني بنرتاح فيه ونغير جو.. أهم حاجة نبعد عن أي توتر وقلق.. اتفقنا؟
أومأت لينا بتأكيد فانصرف الطبيب، بينما استعدت هي للمغادرة.
اصطحب رزق لينا وبسمة وأخذ أغراضهم ثم غادروا المستشفى.
استقلوا السيارة فقالت لينا: إحنا رايحين فين؟
قالت بسمة: المكان اللي تحبيه يا روحي.
حدثت لينا رزق وقالت: ودينا عند مامي يا رزق.
أومأ رزق موافقًا وهو يشير إلى عينيه ويقول: من عنيا.
***
في تلك الأثناء دخل جمال إلى الفيلا وألقى سترته إلى المقعد بإهمال ثم نادى "موانا" قائلاً:
_ أنا تعبان وهطلع أرتاح.. متصحنيش إلا لو رزق اتصل.
= أجهز الغدا؟
_ لا مش عايز آكل.. عايز أرتاح وبس.
صعد إلى غرفته وأخذ حمامًا دافئًا ثم دخل إلى فراشه وراح في سبات عميق...
***
قامت "بسمة" بمساعدة لينا كي تأخذ حمامًا وتبدل ملابسها ثم صعدت إلى الفراش لكي تحظى بقسط من الراحة.
_ ارتاحي بقى على ما أحضر الغدا وأعملك كل الأكل اللي نفسك فيه.
ابتسمت لينا وهي تقول: معقولة يا مامي.. هتدخلي المطبخ؟
_ عيب عليكي ده أنا طباخة بريمو.. دلوقتي تجربي وتحكمي.
ذهبت لإعداد الطعام قبل أن يستأذن منها رزق ويدخل إلى الغرفة ليطمئن على لينا، فجلس بجانبها وأمسك بكفيها بين يديه وقال:
= عاملة إيه دلوقتي يا فلة؟
ابتسمت بوهن وقالت: الحمدلله كويسة.
= الحمدلله.. وهتبقي زي الفل إن شاء الله أهم حاجة تاكلي وتاخدي العلاج.
_ هو انت هتمشي؟
= أيوه هرجع الفيلا دلوقتي.
_ ومش هشوفك تاني؟
= وهو أنا أقدر أغيب ومشوفش نصي التاني؟
اتسعت ابتسامتها فاقترب منها وقبل جبينها وقال:
_ هجيلك كل يوم أطمن عليكي وأشوف لو عايزين حاجة أجبهالكوا.. وهكلمك على الموبايل طول الوقت.. أهم حاجة دلوقتي تخلي بالك من صحتك.
أومأت بتأكيد فانصرف مغادرًا نحو الفيلا...
فور وصوله إلى الفيلا سأل السائق "حامد":
_ وصلت جمال بيه يا حامد؟
أومأ الآخر وقال: أيوة وصلته وطلع.
هز رأسه موافقًا ثم دخل إلى الفيلا ونادى "موانا" فقال:
_ جمال بيه فوق ولا في المكتب؟
= هو فوق نايم وقال لي متصحينيش غير لو رزق اتصل.
_ تمام.. اطلعي صحيه وشوفي هيقولك إيه؟
صعدت موانا إلى الطابق العلوي وطرق عدة طرقات على باب غرفة جمال ولكن لم يأتها رد.
نادت رزق قائلة: مش بيرد يا رزق.
صعد إلى الأعلى وطرق الباب مناديًا باسمه فقال:
_ جمال بيه..!!
لم يأتهم جواب فأدار مقبض الباب ببطء فوجده ينام على فراشه بكل هدوء، فناداه مجددًا:
_ جمال بيه..!!
دخل إلى الغرفة وقام بهزه برفق وهو يقول:
_ جمال بيه..!!
بدأ القلق يعتمل بداخله فناداه مجددًا وهو يهزه بشدة عدة مرات دون جدوى.
وضع رزق يده موضع النبض برقبة جمال وهنا كانت الصدمة... توقف النبض....!!!
***
الموت ناقوس يقرع آذاننا كل حين ليوقظ كل غافل منا ويشعرنا أن الحياة الدنيا ممر وليست مستقرًا.
ارتفع صوت القرآن الكريم يصدح عاليًا في كل أرجاء البيت، امتلأ الهواء بعبق البخور الذي يلف الجو بالمنزل، خيمت الكآبة والحزن على الأجواء المحيطة، نحيب وبكاء وعويل، القريب والغريب يواسي ويربت على اليد والأكتاف، الغادي والراحل يوصي بالصبر ويتمنى السلوان.
بينما تجلس لينا صاحبة الوجه الشاحب والعينين الحمراوين المنتفختين ترتدي ثيابًا من اللون الأسود ووشاحًا أسودًا وبجانبها بسمة التي ترتدي الأسود كذلك وتنتحب بشدة وهي تشعر بأنها تكاد تهوي أرضًا وتضم "لينا" إليها بخوف وحسرة.
احتضنتها "سماح" زوجة "بكري" وهي تمسح على شعرها بشفقة وحزن وتقول:
_ شدي حيلك يا لينا يبنتي.. ربنا يصبركوا.
أومأت لينا دون أن تنبس ببنت شفة ثم جلست على مقعدها بوهن، تشعر بأن قدماها لم تعد تحملها.
صافحت "سماح" بسمة وهي تقول: البقاء لله يا ست بسمة ربنا يصبركوا.
تحدثت بسمة بصوتها المختنق المتحشرج: الدنيا والدوام لله يا أم خالد.
اقترب رزق من لينا وحمحم ثم قال: لينا..
الغسل خلص.
ثم تابع بتردد: عايزة تشوفيه قبل ما يمشي؟
انقبض قلبها إثر كلمته وأومأت بنعم، فاصطحبها إلى الغرفة التي يتم بها الغسل.
أجفلت فور دخولها إلى الغرفة، نظرت من مكانها فوجدته ملفوفاً بالكفن الأبيض، فاقشعر بدنها وانتفضت بشدة.
تقدمت منه ووقفت بجانبه، تشعر بالبرودة تسري بجميع أطرافها، وخاصة عندما نظرت إلى وجهه.
انفجرت باكية، فحاولت كتم نحيبها بأن كممت فمها بيديها وهي تهز رأسها بعدم تصديق وقالت:
ليه؟ ليه حرمتني أكون معاك في آخر أيامك.. لو مكانش ده كله حصل كنت زماني جمبك، على الأقل كنت لحقت أشبع منك.. طول عمرك أناني.. حرمتني منك من قبل ما آجي الدنيا وأعرفك، ولما عرفتك بردو حرمتني منك تاني!
ثم تابعت بهيستيرية: كنت هسامحك... والله كنت هسامحك وهرجع أعيش معاك.. أنا عمري ما عرفت أب غيرك.. بس إنت مستنتش ومشيت.
تقدمت منه وطبعت قبلة أخيرة على وجنته، ثم هرولت إلى الخارج مسرعة.
بعد انتهاء مراسم الدفن والعزاء، وبعد مرور شهر على وفاة "جمال"، غادرت لينا وبسمة ومعهما موانا إلى بيت بسمة.
رن جرس المنزل ففتحت موانا، فإذا برزق يقف وبجانبه "صبري" المحامي الخاص بـ "جمال".
بعد المصافحة والتحية، جلس صبري الذي بدأ حديثه مباشرة وقال:
طبعاً، كان المفروض نفتح الوصية من فترة، بس أستاذ رزق كان مأجل الموضوع لحين استقرار الأمور.
انتهى من قراءة نص الوصية ثم قال: جمال بيه الله يرحمه أوصى بأن من بعد ورث مدام بسمة، تلت أرباع ممتلكاته من عقارات ورصيد في البنوك يروح للآنسة لينا، والربع للأستاذ رزق.. ونظراً لأن الطلاق بعد الوصية، فحق مدام بسمة من الورث هيسقط!
أومأت بسمة بتفهم شديد، بينما تساءلت لينا وقالت:
بس اللي أعرفه إن المكفول مش بيورث من الكافل!
أجاب المحامي وقال: مظبوط.. عشان كده جمال بيه الله يرحمه تنازل لك عن تلت أرباع ثروته تنازل رسمي، لأنه عارف إنك ملكيش حق تورثيه.
كان رزق يستمع إلى هذا الحوار بذهن شارد. أيعقل؟ لهذا الحد كان يعده قريباً منه لتصل به الحال أن يهبه ربع ثروته!
نهض المحامي وهو يقول: في أي استفسارات؟
أومأ الجميع بالرفض، فقال: تمام.. لو في أي حاجة حابين تسألوا عنها، أستاذ رزق هيكون على تواصل دائم معايا.. عن إذنكم.
انصرف المحامي، فقالت بسمة: ليه يا لينا؟
قطبت لينا حاجبيها بتعجب وقالت: ليه إيه؟
ليه معرفتيش المحامي إنه جمال يبقى باباكي فعلاً وتخليه يمشي في الإجراءات ويطلع لك شهادة ميلاد جديدة.. ده حقك!
=وهيفيد بإيه؟ خلاص ملوش لزوم نجرح في ناس ماتت ونفتح في الماضي.. الله يرحمه ويرحمها ويسامحهم.
ثم نظرت إلى بسمة وقالت بابتسامة:
=وبعدين أنا لو عايزة أغير شهادة ميلادي هيبقا عشان حاجة واحدة بس!
_إيه هي؟
=عشان أكتب اسم الأم "بسمة محمد رياض"...
ابتسمت بسمة بحب وحنان وجذبت لينا إلى صدرها تحتضنها بشدة، فبادلتها الأخرى تلك المشاعر الصادقة، ولكن قاطعهم رنين جرس المنزل مرة أخرى، فقام رزق وفتح الباب وتفاجأ عندما رأى الزائرين.
تمتم متعجباً: الشيخ بلال؟
_السلام عليكم.
تشدق بها الشيخ بلال بحرج، فأفسح له رزق المجال وهو يرحب به ويقول: اتفضل.
دخل بلال وأولاده محمد وعبدالرحمن إلى غرفة الاستقبال، فقال رزق: ثواني هبلغهم.
قال بلال: كنا عايزين نعزي لينا ونتكلم معاها شوية.
_حاضر هبلغها.
ذهب رزق وقال لـ لينا: لينا.. الشيخ بلال هنا.
نظرت لينا إلى بسمة التي انتابها القلق من احتمالية رجوع لينا له، فقالت: في حاجة؟
_بيقول جاي يعزي لينا ومعاه ولاده الاتنين.
ثم تحدث إلى لينا وقال: لو مش حابة تقابليهم أقوللهم هي تعبانة.
قالت لينا بثقة: لا هقابلهم.. خلينا نقفل الصفحة دي.
ذهبت لمقابلتهم ودخلت غرفة الاستقبال، فأجفل بلال عند رؤيتها ووقف منتبهاً، بينما صافحته هي ببرود وجلست.
_البقاء لله يا لينا يا بنتي.. والله ما نعرف غير إمبارح.
أومأت قائلة باقتضاب: الدنيا والدوام لله.
_دول ولادي.. محمد وعبد الرحمن.
نظرت مباشرة إلى عبدالرحمن ولا إرادياً ابتسمت ثم قالت: مش فاكرني يا عبدالرحمن؟
نظر إليها بصدمة وقال: مش إنتي البنت بتاعة المولد!
_أيوة أنا.
طفق يقلب كفيه بتعجب، فقال والده: إنتوا تعرفوا بعض؟
أومأت لينا وشبح ابتسامة يظهر على ثغرها ثم قالت:
_اتقابلنا صدفة قبل كده وعبدالرحمن ساعدني.
=سبحان الله.. رب صدفة خير من ألف ميعاد.
أومأت لينا بتأكيد، فانتبهت إلى صوت محمد الذي قال:
_إزيك يا لينا.. أنا اسمي محمد.
قال الأخيرة وهو يمد يده لمصافحتها، ففعلت وقالت:
=إزيك يا محمد.. أنا كويسة الحمد لله.
قاطع حديثهم بلال والذي قال:
_لينا أنا كنت عايز أتكلم معاكي في كلمتين لو تسمحي.
نظرت له باهتمام وقالت: بعد إذن حضرتك لو جاي تتكلم في الماضي يبقى بلاش.
زم شفتيه بحيرة وقال: والله مش عارف أقول لك إيه.. بس الحاضر مبني على الماضي.
_يبقى منتكلمش في حاجة خالص.. الاتنين ماتوا والله يرحمهم.. أظن مفيش حاجة نتكلم فيها.
=هما ماتوا بس أنا عايش والمفروض والطبيعي تيجي تعيشي وسط أهلك وناسك.
ابتسمت بتهكم ولكنها تحدثت بإيجاز شديد:
_مع احترامي لحضرتك بس أنا عمري فيه كام عشرين سنة تانيين عشان أقضيهم وأنا بتعود على أهلي اللي معرفهمش دول!!.. أنا بالنسبة ليا طول عمري كان أهلي مامي وبابي الله يرحمه.. معنديش استعداد ولا عندي طاقة أعرف أهل غيرهم.
تحدث عبدالرحمن وقال: بس يا لينا اللي حصل زمان بابا مكانش له يد فيه.. إحنا كمان ملناش ذنب نتحرم من بنت عمتنا الوحيدة.
ابتسمت لينا وقالت: بص يا عبدالرحمن.. في حاجات كده مينفعش فيها تبديل أو تعديل.. بنعيشها زي ما هي وبنحبها زي ما هي.. ولو اتغيرت أو اتبدلت مبيبقاش ليها طعم.. ده مش ذنب حد.. بس هي كده.
وتابعت: أنا معنديش أي مشاكل معاكوا.. بالعكس أنا مرحبة بوجودكوا جداً.. بس مش لدرجة إني أسيب أمي وأجي أعيش معاكوا.
_اللي يريحك يا لينا.. أنا مش عايز أي حاجة من الدنيا غير إني أسمع عنك خير دايماً.. ولو في أي وقت احتجتي أي حاجة كلميني وأنا أجي لحد عندك.
=شكراً ربنا يخلي حضرتك.
انصرف بلال وأولاده على وعد بالتواصل الدائم والمستمر.
ذهبت لينا واحتضنت بسمة بشدة ثم قالت:
_جاي عايزني أرجع أعيش معاه باعتبار إنه أبويا.. مايعرفش إني ماليش أم غيرك.
ضمتها بسمة إليها بحب وحنان يغلف قلبيهما.
***
تجلس "لينا" تستند إلى رزق الذي يضمها بحنان وهو يقول:
_هاا يا فلة.. سرحانة في إيه؟
رفعت ناظريها إليه ثم طبعت قبلة عاشقة على وجنته وقالت:
=سرحانة في العفريتة اللي هناك دي.. كل ما تكبر بتبقا شبهك أكتر.
نظر إلى طفلته ذات الأربعة أعوام وقال: حنين!
_حنين دي فرحة عمري.. الوحيدة اللي بتشاركني في حبك.
=والله.. طب وبسمة؟
_لأ بسمة دي حاجة تانية.. تعرفي؟
=هااا؟
_بسمة دي الوحيدة اللي بتشاركني في حبك.
نظرت له وقالت: ياراجل.. بردو؟
ضحك ملياً فضحكت هي بشدة فقال:
_مهو مش عارف أفضل واحدة فيكوا عن التانية.. إنتوا التلاتة بناتي وإنتوا التلاتة حتة من قلبي.
احتضنته بعشق تام وهي تقول: وإحنا من غيرك ولا نسوي أي حاجة.
قبّل وجنتيها وهو يقول: ماتيجي أسلم على البيبي قبل ما أروح الشغل.
نظرت له نظرة مغناجة وقالت: رزق.. اتلم.
*اتلم يا رزق و قوم روح شغلك خليها تشوف عيالها بدل ما هي لازقة جنبك كده*
تحدثت بسمة بصراخ ممازح، فانتفض رزق على الفور وهو يقول:
_منا ملموم والله يا حماتي هي اللي متبتة فيا.. يلا ألحق أمر أنا بقا على المصنع أشوف خلصوا الطلبيات ولا لأ وبعدها هعدي على المزرعة أبص عليهم.. هتعوزوا حاجة؟
قالت لينا: عايزين سلامتك يا حبيبي.
وقالت بسمة: مع السلامة يا حبيبي ربنا يصلح حالك ويقويك.
قبّل طفلته الكبيرة ثم طفلتيه الصغيرتين قبل أن ينصرف.
نادت لينا على طفلتيها: حنين..
هرولت الطفلتان إليها فحملت حنين وصعدت بسمة تلقائياً إلى حضن جدتها واحتضنت كل منهما الأخرى بحب وحنان وعطاء وألفة.
***
نقابل ناس، نفارق ناس، وماشية الحياة عادي
حال الدنيا بيتغير مابين الثانية والتانية، هنعمل إيه
وده جارح وده مجروح وده عايش على الماضي
وأحوالنا دي بتحيّر ولو نرضى هتحلالنا، بنزعل ليه!
ومين الدنيا دايماله، محدش ضامن الأيام
يابخت اللي رضي بحاله، وفرّق بين حلال وحرام
سؤال وإجابته عارفينها، في يوم هنسيبها، واخدين إيه
مادام سايبنها سايبنها، هنتضايق ونزعل ليه!
نصيحة عيش ومتخليش في حاجة شاغلة تفكيرك
غير الفرحة وغير ضحكة مبتفارقكش في ملامحك ومش بتروح
ترتب إيه وتحسب إيه، نصيبك كله هيصيبك لكن عافر مع الفرصة ومتسبهاش في يوم أبداً تضيع وتروح
دقيقة بص كده حواليك، هتلقى شمس بتنوّر، وبعديها في عز الليل قمر سبحانه مين صوّر منوّر ليك
تمللي الأمل موجود قريب للي شايفينه، هتتفائل هتضحكلك، في غمضة عين هتبقي الدنيا ملك إيديك
حياتنا ساعات بنرسمها وبنجمّلها بالألوان، في لون نختاره يكتمها ولون يدي لحياتنا آمان
همومك بكره هتعدي، مفيش حاجة مبتعديش، حياة عايزاك تكون عنيد، وكل ما تقوي فيها تعيش
نقابل ناس، نفارق ناس، وماشية الحياة عادي، حال الدنيا بيتغير مابين الثانية والتانية، هنعمل إيه
وده جارح وده مجروح وده عايش على الماضي، وأحوالنا دي بتحيّر ولو نرضى هتحلالنا، بنزعل ليه.