حاول رفيق إحكام السيطرة على غضب شقيقه الأصغر، فصوته ربما سمعه كل العاملين بالشركة. فهو لا يلومه على غضبه المتملك منه، فهذا حقهم جميعاً، ولكن ليست كل الأمور بإمكانها أن تحل بالغضب والعصبية. بعد أن جلس على رأس مائدة الاجتماعات، وجلس أكمل مقابل له على الطرف الآخر، رفع يده يشير لمالك بالهدوء وهو يقول بحزم: –مالك اهدى شوية وسيبني أنا أتكلم إذا سمحت يا باشمهندس.
أغلق مالك فمه، وصدره مازال يعلو ويهبط من فرط حنقه الشديد. فلو بإمكانه أن يقوم ويحطم فك ذلك الرجل الجالس بالمقعد المقابل، والذي يبدو سعيداً بإخراجه عن طوره، فلن يتوانى عن فعل ذلك. حول رفيق بصره للرجل المخول له التحدث باسم الشركة محل النزاع، فقال بهدوء: –ممكن أعرف إيه سبب أنكم عايزين ترجعوا في اتفاقكم معانا تاني بعد أنا ما حليت الموضوع معاكم؟
نقر الرجل بالقلم على سطح المائدة عدة نقرات أثارت الاستياء أكثر بصدر أكمل ومالك، ولكنهما حاولا أن يتصنعا البرود، حتى تمر تلك الجلسة بسلام. كف عن نقر القلم وانحنى قليلاً للأمام وقال: –اكتشفنا أن المبلغ المالي اللي انتوا عارضينه مقابل الأراضي اللي هتاخدوها قليل جداً، فأحنا لقينا اللي هيدفع أكتر. –ويكون مين ده بقى إن شاء الله اللي هيدفع لكم أكتر مننا؟ قالها أكمل ساخراً. فنظر له الرجل وهو يبتسم بجانب ثغره، فرد قائلاً:
–عامر باشا الرفاعي. تهدلت قسمات وجه أكمل، وليس هذا وحسب، بل مالك ورفيق نظر كل منهما للآخر بدهشة. فهم يعلمون أن عامر ليست أعماله مختصة بشراء الأراضي أو البناء، فلماذا الآن أراد فعل ذلك؟ فأسرع مالك بالقول: –عامر الرفاعي! طب ليه ده مش نوع البيزنس بتاعه خالص، إيه اللي خلاه المرة دي حابب يشتري الأراضي دي بالذات يعني؟ رد الرجل قائلاً بسماجة:
–جايز حابب يغير نشاطه، ثم ده مش شغلي، أنا المهم عندي اللي هيدفعلي أكتر. وانتوا عارفين الأراضي دي موقعها عامل إزاي، ولو انتوا عملتوا عليها مشروع الإسكان شوفوا هتكسبوا إزاي، دي الشركة بتاعتكم كانت هتتنقل نقلة تانية خالص. –وإيه المطلوب دلوقتي؟ قالها رفيق ببرود وجمود، فهو يعلم الدلالة من فعل عامر الرفاعي. فربما أراد إيذاء صديقه، ولم يجد ضرر من إيذاءه هو الآخر. عدل الرجل من هندامه وهو يقول ببرود كأن الأمر لا يعنيه:
–حلوها انتوا مع عامر باشا، واللي هيأمر بيه هيتنفذ. يعني لو قال لي خلاص أمضي معاكم العقود همضيها فوراً، أما إذا ما كانش حابب التعامل بينا فأنا آسف مش هكمل الصفقة. ران الصمت عليهم، كل منهم يفكر بكيفية الخروج من ذلك المأزق. فكان أكمل هو من بدأ القول، فرفع يده يشير للرجل بالانصراف وهو يقول: –طب اتفضلوا حضراتكم انتوا على ما نحل الموضوع. نهض الرجل يتبعه رفقاؤه، بينما ظلوا هم جالسين بأماكنهم. فحدق مالك برفيق وهو يقول:
–وبعدين يا أبيه هنعمل إيه دلوقتي في المشكلة دي؟ ارتكز رفيق بمرفقيه على سطح المائدة وأستند بفكه على كفيه المضمومين، وظل ينظر هو وأكمل لبعضهما البعض بصمت. فزفر أكمل من أنفه قائلاً: –هتتحل المشكلة يا مالك متقلقش، بس سيبني أنا ورفيق لوحدنا شوية. انصاع مالك لمطلبه، فلملم أوراقه وخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه. بينما ترك أكمل مقعده وخطا عدة خطوات واقترب من مقعد رفيق، فجلس على مقعد قريب منه.
شد أكمل على ذراع رفيق ليجعله ينتبه على ما سيقوله، فقال وهو يشعر بنيران في صدره من أفعال والد زوجته: –شكل الملعوب المرة دي بسبب حرمي المصون، اللي مش مكفيها حياتي التعيسة لاء جاية تكمل عليا في شغلي كمان. رمقه رفيق بهدوء متسائلاً قائلاً: –وهتعمل إيه دلوقتي معاهم؟ مد أكمل يده وربت على ذراع رفيق وهو يقول: –متقلقش هحلها يا رفيق، لأن ميرضنيش تعبنا وشقانا السنين دي كلها يروح على الفاضي علشان بنت عامر الرفاعي وأبوه.
لم يزد أكمل كلمة أخرى، بل نهض عن مقعده وخرج من الغرفة. نظر رفيق لأثره، وهو لا يعلم هل من الحكمة أن يترك صديقه فريسة لزوجته ووالدها، أم ماذا يفعل بتلك الحالة؟ فهو يشعر بتضييق الخناق عليهما، وليس هذا فحسب، فكل منهما له همومه وأحزانه الخاصة. ***
جلست منى بتبرم، وهي ترى رجلاً يحاول الاقتراب من رهف وليان بحجة ضبط مقاس الأثواب. فعلى الرغم من اعتراضهما، إلا أن الغضب بداخلها زاد أضعافاً. فهي فعلت ما تم الاتفاق عليه بينها وبين رفيق، من أن ستكون تلك المرة هو أول وآخر مرة لفعل ذلك. فهو تركهما يفعلان ذلك من باب الترويح عنهما فقط، وعندما ستعودان للمنزل سيخبرهما بأن الأمر انتهى لهذا الحد، ولن تذهبا لمتجر ليلى مرة أخرى. نهضت منى من مكانها وهي تقترب من ليان،
فهتفت بالرجل قائلة: –عنك أنت يا أخويا، أنت عايز تعمل إيه في الفستان وأنا هعدله أنا بفهم في أمور الخياطة كويس. نظر الرجل لها من رأسها لأخمص قدميها ورفع شفته العليا قائلاً بترفع: –لاء يا مدام متتعبيش نفسك، أنا عارف شغلي كويس. –وأنا عارفة بناتي كويس، مبيحبوش حد ملزق يضايقهم. قالتها منى فجأة وهي عاقدة ذراعيها أمام صدرها. فشهق الرجل بخفوت. فما لبث أن نادى ليلى قائلاً: –مدام ليلى، مدام ليلى لو سمحتي، مش عارف أشتغل أنا كده.
ناولت ليلى الثوب الذي كانت تحمله بيدها لإحدى الفتيات وأقتربت منه باسمة وهي تقول: –مالك بس زعلان ليه يا كوكو؟ عايزين نخلص شغلنا بسرعة. وضعت رهف وليان أيديهما على فمهما ليكتما صوت ضحكاتهما على مسمى ذلك الرجل. فما كان منه سوى أن علا صوته قائلاً بحدة: –في إيه؟ بتضحكوا على إيه انتوا؟ ده اسمه تهريج يا مدام ليلى، ماهو مش جايبالي بنات فلاحين وخام علشان يعملوا العرض دول هيوقعوه. عايزاني زي ما بيقول المثل أعمل من الفسيخ شربات.
شهقت منى وهي تدب على صدرها وهي تقول: –هم مين اللي فسيخ يا بتاع أنت؟ دا جمالهم مش موجود في عيلتك يا كوكو. قال كوكو قال يا أخي اتوكس على اسمك كده وأنت شبه الفرخة البيضا، راجل نص سوى. يلا يا رهف أنتي وليان. لم تنس رهف إعطاءه حصتها هي الأخرى، فأخذت ثوب من جانبها وألقته بوجهه وهي تقول: –خد ده ألبسه هيبقى حلو عليك يا أستاذ كوكو. طب وربنا خسارة فيك الشيكولاتة اللي أدتهالك. تبقى تطفحها إن شاء الله.
ساد الهرج والمرج بالمكان، فجلست ليان مكانها وهي تضحك بقوة وعيناها تذرف الدموع من كثرة ضحكها. فتأوهت بصوت منخفض وهي تشعر بتقلصات معدتها من أثر ضحكها المستمر على ما فعلته منى ورهف. أقترب منها باسم وهو يضحك هو الآخر: –ليان شوفتي طنط منى ورهف واللي عملوه. حاولت ليان التقاط أنفاسها اللاهثة وهي تقول: –مش قادرة يا باسم، وربنا هموت. أنا مضحكتش كده بقالي كتير. آه يا بطني. لم ينته الأمر إلا بصراخ ليلى وهي تقول:
–باااااااااس، كفاية. وانت يا كوكو روح أنت دلوقتي. ذهب وعيناه تطلق شرار، يود لو يحرقهن أحياء. حاولت ليلى تلطيف الأجواء، فهي لا تريد أن ينشأ بينهم سوء تفاهم، وبذلك ستنقطع العلاقات بينهم ولن يعود بإمكانها الذهاب لمنزل رفيق. فأقتربت من منى ومسحت على ذراعها بلطف: –آسفة يا طنط على اللي حصل، ولو أنتوا اتضايقتوا هشوف حد تاني يتابع مع البنات.
–لا تاني ولا تالت، خلاص كده. أصلاً رفيق مش موافق إنهم يكملوا في الموضوع، هو بس خلاهم ييجوا النهاردة زي فسحة كده، لكن لا هيخليهم يعملوا بروفات تاني ولا يعملوا العرض من الأساس. وأنا قلت لك علشان تشوفي حد غيرهم. يلا يا بنات. أنهت منى حديثها وأشارت لهما بأن يتبعاها، فلم يبدوا اعتراضاً على قولها، بل ساروا خلفها بصمت. فهما حقاً بما رأوه اليوم، لن يكون الاستمرار بالأمر شئ حسن.
امتعضت ليلى واستاءت بشدة مما حدث، فهي من كانت تظن أنه سمح لها بالاقتراب منهم، بل أنه رحب بعمل زوجته وشقيقته. لتعلم الآن أنه كان سيعمل على إحباط كل محاولاتها المستقبلية، فما زال كما هو، لا يعلم أحد ما يخطط له بعقله. *** عاد أكمل إلى منزله كالإعصار، فولج غرفة النوم وهو يسرع بخطواته ليبحث عن شهيرة، فهو منذ أن وطأت قدميه المنزل وهو يبحث عنها ولم يعثر لها على أثر. فخرج من الغرفة ووقف بمنتصف الصالة الفسيحة.
فصرخ باسمها منادياً: –شهيرررررة. ولكن لم يأتيه رد منها، سوى الخادمة التي جاءت مهرولة من المطبخ وتعمل على تجفيف يدها بمريول المطبخ. فأزدردت لعابها وهي تقول: –مالك يا أكمل بيه؟ الست شهيرة مش هنا، أخذت الهانم الصغيرة وراحت عند بابها. كأنه كان بانتظار سماع ذلك، فخرج من المنزل مثلما أتى، فأستقل سيارته يتجه صوب منزل والد زوجته. فمن يدري ماذا يفعلان الآن وما هي تلك الخطة الجديدة التي تحاك له بالخفاء؟
لم يدر كم استغرق من وقت حتى وصل لمنزل عامر الرفاعي، فترجل من السيارة وولج للمنزل بهيئته الشرسة، فوجد زوجته ووالدها يجلسان يضحكان ويتثامران. فالتفت عامر برأسه ورآه واقفاً خلفه وصدره يعلو ويهبط من الغضب، فعاد برأسه لوضعه الطبيعي واحتسى من مشروبه ببرود. فابتسم قائلاً بدهاء: –أهلاً يا أكمل، اتفضل اشرب حاجة. مالك واقف عندك ليه كده؟
خطا أكمل خطواته تجاه مجلسهما، فوقف بحيث كان ماثلاً أمامهما. فوقع بصره أولاً على زوجته، التي تجلس واضعة ساق على الأخرى وتنظر له بشماتة. فتحول ببصره عنها ونظر لوالدها وهو يقول بإستياء: –هو إيه اللي عملته ده يا باشا، وعلشان إيه ده كله؟ عايز توقعني أنا ورفيق، إحنا عملنالك إيه؟ رفع عامر يده يشير لشهيرة بيده وهو يقول: –أنت عارف علشانها هي مستعد أعمل إيه؟ وياما حذرتك.
رفعت شهيرة شعرها خلف أذنها بخيلاء، فهي تعلم مدى حب والدها لها، وما بإمكانه أن يفعله من أجلها. فرد أكمل قائلاً بغيظ: –وأنا كنت عملت إيه لده كله؟ ليه دايماً جايب الحق عليا أنا وسايبها هي تعمل اللي هي عايزاه؟ ربنا يعلم حاولت أعدي حاجات كتير علشان بس المركب تمشي وعلشان خاطر بنتي، حتى اسأل بنتك المحترمة آخر مرة كانت زوجة ليا امتى. احتقن وجه شهيرة بدماء الغضب، فهي ترى أنه لا يحق له بإخبار أحد بما يحدث بحياتهما الخاصة.
فعلا صوتها باحتجاج: –إيه اللي أنت بتقوله ده يا أكمل؟ بتحاول تطلع نفسك بريء وخلاص مش كده؟ فلو بإمكانه لكان بكى الآن كالأطفال، فما الذي أوقع نفسه به من تلك الزيجة؟ ولكن الخسارة والحسرة لن تناله هو فقط، بل ستنال من صديقه أيضاً. فربما من الأفضل له مسايرة الريح حتى تمر بسلام. فضم كفيه وهو يقف مستقيم يقول بصوت تخلو منه الحياة: –طلباتك يا عامر بيه أنت وشهيرة هانم. وضع عامر الكوب من يده وهو يقول:
–طلباتنا إن أنت تحترم إنك متجوز بنت عامر الرفاعي وخليك كويس معاها ومتزعلهاش. وأنا أحبك يا أكمل. قضمت شهيرة شفتها السفلى كونها سترى تخلي زوجها عن كبريائه أمامها. فلم تنتظر كثيراً حتى سمعته يقول: –أوامرك يا عامر باشا، بس كده هشيلها على راسي من فوق، بس بلاش تضرني أنا ورفيق. ثم هو ملوش ذنب في اللي بيحصل بينا، لأن الشركة إحنا عملناها بدمنا وشقانا، فبلاش تكسرنا في السوق يا باشا وأنا مستعد أعمل كل اللي انت عايزهم.
إهانة ليست بعدها إهانة، أن يقف أمامهما كالطفل المذنب يبدي أسفه ويعطي وعود وعهود بأن يكون مطيعاً. لهو بالأمر المميت والمهين لكبريائه وكرامته ورجولته. ولكن هو من أخطأ منذ البداية وعليه تحمل نتائج أفعاله. فرفع عامر يده يشير لشهيرة بالنهوض وهو يقول: –يلا يا حبيبتي روحي بيتك، وإن كان على كنزي خليها هنا النهاردة. ولو في أي حاجة جديدة بلغيني بيها. –حاضر يابابي.
قالتها شهيرة وهي تترك مقعدها وتضع حقيبتها على كتفها، فتقدمته بالمسير، فسار خلفها صامتاً، فهو لن يكون قادراً على الحديث بعد ذلك. فما فعله بالداخل قضى على ما تبقى لديه من شعور، فهو يعلم بأي سلوك وتصرف ستتعامل معه، فهي ستجعله يشعر بأنه عبد قد ابتاعه لها والدها من أجل الترفيه عنها. ***
شعر رفيق بالأسف على حال صديقه، فهو أنهى المحادثة بينهما عبر الهاتف منذ ثوان معدودة. فبعدما هاتفه أكمل يخبره بأن كل شيء سيكون على ما يرام، لم يحتمل البقاء بالشركة أكثر من ذلك، بل أخبر مالك بأنه سيعود للمنزل لشعوره الشديد بالإرهاق. فأخذ سيارته وعاد إلى منزله، ولج المنزل فلم يرى أحد، فأرتمى على تلك الأريكة العريضة التي وجدها بالصالة. سحب رابطة عنقه، وفتح الأزرار الأولى من قميصه كأنه يشعر بالاختناق. فربما والدته وزوجته وشقيقته لم يعدن للمنزل بعد.
أغمض عينيه فغلبه النعاس، ولم يشعر بمجيئهن. فأقتربت منه منى بسرعة لتطمئن على حاله، فليس من عادته أن يعود من عمله باكراً. فربتت على صدره بهدوء وحنان وهي تناديه: –رفيق رفيق، أنت نايم ليه كده؟ وايه اللي رجعك من شغلك بدري؟ دي مش عوايدك. رد رفيق بنعاس: –كنت حاسس أني مرهق شوية يا أمي، ومعلش عايز فنجان قهوة من إيدك الحلوة. دماغي هتنفجر. –حاضر يا قلب أمك من عيوني.
قالتها والدته ونهضت من مكانها وذهبت للمطبخ، بينما ظلت ليان تتفرس به وهو نائماً بوداعة وشعره الكثيف مشعث وقميصه كشف عن الجزء العلوي من صدره. فرفع يده يضغط على عيناه بإرهاف. فلم هي تنظر إليه هكذا؟ عنفت ليان نفسها على أنها سمحت لعينيها أن تفتن بملامحه الرجولية الآسرة. ففتح عيناه فجأة، ورآها تحدق به، فعقد حاجبيه بتعجب من فعلتها. فشهقت بخفوت وهي تقول: –أنا طالعة أغير هدومي يا رهف، ويلا يا باسم أنت كمان غير هدومك.
أرادت أن تتبعها رهف، إلا أن رفيق استوقفها ليسألها عن معرفتها بليان. فهو يريد معرفة كل شيء عنها، يريد أن يعرف ما تحبه؟ وما تكرهه؟ ما هواياتها المفضلة؟ فهو يريد معرفة كل شيء عن تلك الساحرة الصغيرة، التي ما أن يحث قلبه وعقله على الابتعاد عنها، يجد نفسه يعود من جديد ويغرق ببحر أوهامه. فنادى شقيقته برفق وهو يعتدل بجلسته: –استني يا رهف عايز اسألك على حاجة. جلست رهف بجانبه وهي تقول: –خير يا أبيه، في إيه؟
نظر رفيق لأعلى الدرج ليضمن عدم مجيئها، فنظر لرهف قائلاً: –هو يعني عايز اسألك عن ليان. تعرفي إيه عنها؟ عايز اعرف كل حاجة انتي تعرفيها عنها، حتى لو حاجة تافهة. زوت رهف ما بين حاجبيها وهي تقول بغرابة: –اشمعنى يعني؟ إيه السبب يا أبيه؟ رد رفيق قائلاً: –مش هتعيش معانا، لازم اعرف كل حاجة عنها. وكمان هي بقت مراتي فلازم اعرفها كويس. بدا أن رهف اقتنعت بمبرره فردت قائلة:
–آه ماشي. هي فاضل 3 شهور وتتم 19 سنة. بتحب اللون الأزرق جداً والأبيض. صوتها خرافة لما بتقرأ قرآن أو بتغني. بتحب الشيكولاتة البابلز جداً ولبان الفراولة. بتكره لبس الكعب العالي. ملتزمة مؤدبة، شخصية جميلة وهي جميلة زي ما انت شايف. في الكلية مش مصاحبة حد غيري، مش من النوع اللي بتحب تصاحب بنات. بتعرف ولاد وكده يعني. رفع رفيق حاجبيه قائلاً: –ده كله عرفتيه عنها في كام الشهر بتوع الترم الأول في الكلية؟ ردت رهف قائلة بعفوية:
–وحياتك أنت في أول أسبوع لينا في الكلية عرفت ده كله. حتى لما في شاب جه مرة ولقتها بتكلمه ولما استغربت وسألتها فقالتلي إنه اسمه ماجد ويبقى ابن صاحب باباها. بيحبها وكمان هي بتحبه ومستنية يخلص كلية ويتجوزها. أدركت رهف ذلة لسانها ولكن بعد أن فات الأوان، فتلك الكلمات وقعت عليه كمن طعنه أحد بخنجر مسموم. فسقط قلبه صريعاً. ماهذا الحظ السيء الذي يطارده دوماً؟
لماذا كتب على قلبه عدم الراحة وأن يظل جريحاً نازفاً مدمياً فاقداً للشعور بالحب؟ ابتلعت رهف لعابها بتوتر من سخافة ما تفوهت به، فليان أصبحت الآن زوجة أخيها، فهي يجب أن تحترس بحديثها. ولكن ماذا تقول أو تفعل لتصلح ذلك الخطأ الفادح؟ فتلعثمت رهف وقالت بتوتر: –اا ابيه أنا مش قصدى حاجة باللي قولته. حاول رفيق رفع عاتق الحرج عنها فابتسم لها وهو يقول: –ولا يهمك يا حبيبتي، ده كله حصل قبل ما اتجوزها يعني شيء ميخصنيش. وضعت
رهف يدها على يده وهي تقول: –يعني انت مش زعلان مني؟ حرك رفيق رأسه سلباً وهو يقول: –لاء يا حبيبتي، ويلا علشان تطلعي تغيري هدومك.
صعدت رهف الدرج، فرأى والدته قادمة بقدح القهوة، الذي أوصاها به، فتناوله من يدها وهو يتمتم بعبارات الشكر. احتسى قهوته بهدوء، بينما عقله يفكر بما سمعه من شقيقته، وخاصة ذلك الجزء المتعلق بقصة حب ليان وماجد. فسخونة وحرارة القهوة، زادت من شعوره بتلك النيران التي شبت بداخله، فماجد هو الحبيب المنشود إذن. فلا يعلم لما ثارت كرامته الآن وهو يحدث والدته قائلاً: –هي ليان بتنام في أوضة رهف إزاي؟
وسرير رهف مش كبير وتلاقيهم مبيعرفوش يناموا كويس. فخلي الشغالة تاخد شنطة ليان وهدومها علشان تحطها في أوضتي، علشان هتقعد معايا في نفس الأوضة يا أمي. سمعت ليان ذلك أثناء هبوطها الدرج، فاتسعت عيناها بدهشة وصدمة، تنظر إليه بغرابة، فزواجهما ليس زواجاً حقيقياً، وإنما هي زيجة مزيفة لا أكثر. ولكن جاءت كلماته المتممة لحديثه مخيبة لآمالها وهو يراها تقف على بعد عدة أمتار منهما، خاصة عندما سمعته يردف بنبرة هادئة:
–روحي يا ليان لمي حاجتك من أوضة رهف علشان الشغالة تحطها في أوضتي، وياريت من غير كلام كتير، ماشي. لم تتحرك من مكانها، وكأنه يوجه حديثه إلى أحد آخر، فظلت واقفة مكانها وهي عاقدة ذراعيها أمام صدرها تنظر إليه بعينان مصدومة من أوامره التي يلقيها عليها.
لم يكتف بذلك، بل أنهى قدح قهوته وخرج للحديقة منهياً الأمر. فهو رآى بعينيها الكثير من الرفض، فهو لم يشأ أن يثار بينهما شجار ويسمعه كل من بالمنزل. ولكن ما أن وصل للحديقة وجد ليلى قادمة، ويبدو على وجهها الامتعاض. فأقتربت منه وعقدت ذراعيها قائلة: –يعني كنت بتضحك عليا يا رفيق؟ قولت أنك موافق على أن رهف وليان يعملوا العرض، وأنت أساساً مش ناوي تخليهم يكملوا. عايز توقعلي العرض. مسد رفيق على شعره ورد قائلاً ببرود:
–وهو ده اللي مخليكي شايطة كده؟ اشتعلت عيناها بالغضب وهي تجيبه: –أنا مبحبش شغلي يتأثر، ولا إن حد يسببلي خسائر. يعني لو كنت أعلنت رفضك من الأول، كنت اتصرفت. مش تخليني أطمن إن فيه حد هيعمل العرض وأرفض الموديلز التانيين، وأنت تبوظلي كل حاجة في لحظة. التوى ثغر رفيق ورد قائلاً:
–أهو ده اللي كنت عايز أسمعه منك يا ليلى، وكنت عايز أشوفك على حقيقتك. لو حسيتي إن حد ممكن يعطلك شغلك أو طموحك، أنتي واحدة مادية وعايزة تستفيدي من أي فرصة والسلام. وأنتي مرجعتيش ليا إلا لما عرفتي إن أنا بقيت غني. شوفتي بقى إنك أصلاً مبتحبيش إلا نفسك ومصلحتك، وحبك ليا اللي بتحاولي توهميني بيه مش أكتر من مجرد حيلة منك علشان تضحكي عليا وأنك تستفيدي مني يا ليلى. وعلشان كده أفضلك تنسحبي من حياتي بهدوء، قبل ما اتخلى عن ذوقي
وهتشوفي مني تصرف مش هيعجبك. أنا لحد دلوقتي بتعامل معاكي بذوق، فابعدي عني وعن عيلتي يا ليلى ماشي، واتفصلي امشي من هنا بهدوء، ومتفتكريش إن أنا رفيق بتاع زمان، أنتي متعرفيش السنين اللي فاتت عملت فيا إيه، يعني ممكن أدوس عليكي من غير ما أحس بذرة ندم.
خرج صوته مرعباً وهو يلقي بتهديده، فمن الأفضل لها أن تتجنبه. فهو يشعر بالضيق والاختناق من كل تلك الأحداث التي واجهها بالأونة الأخيرة، وجاء تهديده لها بثمرته إذ وجدها تسرع الخطى بالخروج من منزله. وما أن هم بالعودة للداخل وجد ليان تقف على مقربة منه، ويبدو أنها استمعت لحديثه مع ليلى. أراد تجاوزها ليلج للداخل، فأستوقفته وهي تسأل بفضول وإلحاح: –أنا عايزة أعرف بالظبط إيه اللي بينك وبين مدام ليلى.
–شئ ميخصكيش، ومتسأليش على حاجة تخصني، خليكي في حالك. قال رفيق عبارته وخطى خطوتين، فقبضت على ذراعه وهي تقول بغضب: –معناه إيه كلامك ده؟ ثم أنا مش بكلمك سايبني ورايح فين؟ لازم ترد عليا، وليه كلامك معايا بقى بالشكل ده؟ أزاح يدها من على ذراعه بشيء من الجفاء ورد قائلاً بصياح: –أنتي عايزة مني إيه بالظبط؟ عايزاني أكلمك إزاي يعني؟ مش ده اللي أنتي عايزاه؟
أنا مش فاضي ولا تحت أمر مزاجك، اللي بيتغير كل شوية. أنا تعبان ونفسيتي زفت، فأحسن حاجة تعمليها اتجنبيني خالص اليومين دول، فاهمة؟ حدقت ليان بأثره وهي مذهولة، ليس من شيء إلا من ذلك الشعور، الذي باتت تشعر به تجاهه. ***
حاول فاروق البحث عن حل يمكنه من الذهاب لمنزل رفيق، فالوقت الآن ليس بصالحه، فإما أن يأتي بليان، وإما ستكون رأسه بالمقابل. فبعد أن يأس من الدوران حول نفسه، خرج من غرفة نومه يبحث عن إلهام، فهي التي ستمكنه من الذهاب هناك. وجدها تجلس على الأريكة بالصالة وتشاهد التلفاز، فجلس بجانبها وتودد لها قائلاً: –إلهام، هو أنتي مش هتروحي تزوري بنتك في بيت جوزها؟ تعجبت إلهام من اقتراح زوجها فردت قائلة:
–وأنت عايزني أروح أزورها ليه يا فاروق؟ داعب فاروق وجنتها بلطافة وهو يقول: –الله، هي مش بنتك برضه ولا أنتي نسيتي؟ مش تروحي تشوفي جوزها ده كويس معاها ولا لاء؟ معيشها كويس ولا لاء؟ مش جايز معذب ولادك معاه وقارفهم في عيشتهم ومش بعيد كمان تلاقيه بينهب ورثهم يا إلهام؟ هو أنا اللي هقولك. غرس القلق بقلبها من رسمه لتلك الصورة، التي يمكن أن تكون عليها حال أولادها، فهتفت باهتمام:
–عندك حق والله يا فاروق، حتى كمان هو اتجوزها وهو ميعرفهاش ووافق يتجوزها ليه بالسرعة دي؟ أكيد زي ما بتقول عايز يلهف اللي وراها واللي قدامها. اتسعت ابتسامة فاروق، وهو يستمع لحديث زوجته، ويبدو عليها الاقتناع التام بما قاله. فنهض من مكانها بسرعة وهي تقول: –هو كان أداني الكارت بتاعه فيه العنوان، كنت حاطاه في شنطتي، هدور عليه ونشوفه ساكن فين ونروح نشوفهم. ولو طلع زي ما بتقول كده مش هعديهاله على خير.
ذهبت إلهام للبحث عن حقيبتها، وصفق فاروق بحماس وخبث، فإلهام سهلة الانقياد، وربما ساذجة أكثر من اللازم، فهي ستساهم بتخريب تلك الزيجة دون أن تدري. وجدها تخرج وهي تلوح بالبطاقة التعريفية الخاصة برفيق وهي تقول: –لقيته أهو يا فاروق، قوم غير هدومك خلينا نروح لهم. بلمح البصر كان فاروق تاركاً مكانه، وأرتدى ثيابه وأنتظرها حتى انتهت من ارتداء ثيابها هي الأخرى. فخرجا من المنزل وأستقلا سيارته للذهاب لمنزل رفيق.
فبمنزل رفيق وبعد انتهائهم من تناول طعام العشاء، وجلوسهم بغرفة المعيشة، ولجت الخادمة وهي تعلن عن قدوم رجل وامرأة يزعمان أنهما أقارب زوجة سيد المنزل. فبالبدء نظر رفيق وليان لبعضهما البعض بغرابة من مجيء والدتها وزوجها. ولكنه لم يتخلى عن تهذيبه فأذن لهما بالدخول.
انصرف الجالسين ولم يتبقى سوى ليان وباسم ورفيق، فوالدته لم تستحب الترحيب بهما بعد علمها بما فعلاه، فأرادت الانسحاب من تلك الجلسة بلطف، بل أنها سحبت معها رهف ومالك أيضاً. ولجت إلهام وهي تقترب من ابنتها تحتضنها بلهفة: –حبيبتي عاملة إيه دلوقتي؟ أنتي كويسة؟ ابتعدت ليان عنها قليلاً وقالت: –الحمد لله. بس إيه سبب الزيارة السعيدة دي؟ ابتسم فاروق وعيناه منصبة على وجهها: –حبينا نيجي نطمن عليكم.
أسرع رفيق بالوقوف أمامها، ليحجبها خلفه، فهو يحاول أن يتمالك أعصابه بصعوبة بالغة، فهو ليس بحال أو مزاج لتحمل ذلك الرجل البغيض. –وهم الحمد لله كويسين وفي أحسن حال. قالها رفيق ببرود، بينما ظلت ليان مكانها، كأنه جدار تختبأ خلفه من شرور الدنيا، فبدون وعي منها رفعت يدها وتمسكت بقميصه من الخلف، كأنها طفلة تستنجد بوالدها من شيء ترى أنه سيتسبب لها بإساءة. امتعضت إلهام من حديث رفيق الجاف فردت قائلة:
–هو أنت ليه واقف قدامها كده ومخبيها عنا؟ هو إحنا هناكلها؟ دي بنتي. ذلك الفتى الواقف بجانب شقيقته صامتاً، كان ينتظر أن تظهر له والدته اشتياقها إليه، ولكن تلك المرة كسابقيها، فحتى لو أخبرته به، فهو لن يصدقها، فهو وجد والدة زوج شقيقته تعامله أفضل من والدته التي أنجبته. فأراد أن ينصرف من تلك الجلسة التي أصابته بالاختناق، فهتف قائلاً: –أنا تعبان شوية يا أمي، وكمان عايز اروح انام.
ذهب باسم بعد علمه أنه ترك شقيقته بيد أمينة، فزوجها قادر على الدفاع عنها مثلما كان يفعل هو دائماً حسب مقدرته. رمق فاروق رفيق بغيظ وقال: –هو أنت قولت إيه للعيال عننا؟ مش طايقين يبصوا في وشنا. –عندك حق يا فاروق، دا شكله كده بدأ يلعب في دماغهم. قالتها إلهام وهي ترمق رفيق بغيظ هي الأخرى. فمط رفيق شفته السفلى بعدم اكتراث قائلاً:
–أنا مقولتش ليهم حاجة ولا جبت سيرتكم قدامهم بكلمة. أنا أصلاً مكنتش فاكركم. ولو عايزين تتكلموا معاها أهى قدامك كلموها براحتكم وهسيبكم لوحدكم لو أنتوا حابين وهبعتلكم واجب الضيافة كمان. أنا أعرف في الأصول. مد رفيق يده خلف ظهره ليسحب ذراعها، فوجدها تتمسك به أكثر رافضة ذلك، بل أنها هتفت به وصوتها به غصة كأنها على وشك البكاء: –لاء يا رفيق متبعدش عني، خليك معايا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!