الفصل 21 | من 26 فصل

رواية في هواها متيم الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
19
كلمة
5,275
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

تعالت وتيرة أنفاسه، وراح صدره يعلو ويهبط لا يصدق أنه سمع منها كلمة كتلك، فهي تستجديه بالبقاء، بل لا تريده أن يبتعد. تتخذ منه حصناً آمناً، فهذا ما كان يريد سماعه منها. التفت برأسه لها ونظر إليها، وجدها تطالعه بخضراوتيها بشيء من الخوف، كطفلة تائهة لا تعرف السبيل إلى النجاة. فما كان منه سوى أن حاول يبث بنفسها الأمان وهو يقول: –متخافيش يا حبيبتى أنا معاكى.

لم تبدِ اعتراضاً على قوله تلك الكلمة، بل ضمنها مزيداً من الأمان الذي يريدها أن تشعر به، فأومأت برأسها مراراً وهي تقول: –ماشى يا رفيق. بدأ الخجل يزحف لوجنتيها، فتركت قميصه ببطء، وأشار لها بالجلوس، فأمتنت لعرضه فهي تشعر بأن قدميها غير قادرتان على حملها. جلست وجلس هو بجانبها، بل أنه أسر يدها بين كفه وتشابكت أصابعهما سوياً. ورفع رأسه يشير لفاروق وإلهام قائلاً: –اتفضلوا أقعدوا، انتوا واقفين ليه.

على مضض جلس فاروق على أحد المقاعد وجلست إلهام بالمقعد المجاور له، فصمتا ولم يبدُ أن أحداً منهما سينوي الحديث. فزفر رفيق قائلاً بهدوء: –خير، انتوا كنتوا عايزين تطمنوا على ليان وباسم مش كده؟ أظن كده انتوا اطمنتوا وعرفتوا أنهم هنا في أمان وكويسين. شبك فاروق يديه ببعضهما البعض قائلاً: –واضح أوي أنهم كويسين وأنك عملتلهم غسيل مخ بسرعة أوي. خرجت ليان عن صمتها وهي تقول بصياح: –يعني إيه عملنا غسيل مخ؟

إحنا هنا عايشين كويس وأنا مبسوطة مع جوزي وبحبه كمان. أثلجت صدره بقولها، حتى وإن كان يعلم أنها لم تقل ذلك إلا حفاظاً على صورتها أمامهما، ولكن لا يهم، يكفي أنه سمع منها كلمة الحب حتى وإن كانت لا تقصده. انهضت إلهام وهي تقول: –يلا بينا يا فاروق، أدينا اطمنا عليهم. ربنا يسعدك يا حبيبتي.

بدون أن تحاول توديع ابنتها مثلما فعلت عند مجيئها، كانت تسرع الخطى نحو باب المنزل، فنهض فاروق هو الآخر، ولكنه لم ينسَ أن يلقي نظرة كارهة لرفيق، ويتوعد له بداخله بأنه لن يتركه يهنأ بالحصول عليها.

بعد رحيلهما، صعد رفيق لغرفته وكفه قابضاً على يد ليان، فهو أصدر قراره من قبل أنها ستمكث معه بالغرفة الخاصة به. ولكن بمجئ والدتها وزوجها نسيت أن تناقشه بقراره هذا، فهي غير مستعدة للإقامة معه بمكان خاص بهما، على الأقل ليس الآن. ولكن يبدو عليه أن لديه التصميم الكامل لتنفيذ ما قاله، أو بالأصح ما أمر به.

وقفت بوسط الغرفة تضم ذراعيها أمام صدرها، محاولة منها أن توقف ارتجاف جسدها، خاصة بعد رؤيتها لذلك الفراش الواسع والوثير الخاص به. فهي لم تنسَ نظراته عندما طلب من والدته أن تجعل الخادمة تقوم بنقل أغراضها إلى غرفته، فنظراته كانت نظرة تهديد، فهي إذا عارضت كلامه ستنال منه عقاباً شديداً. فاضطرت أن ترضخ لحديثه وأن تذهب معه.

يعلم ما تشعر به الآن، ولكنه لم يُلقِ بالاً لما تفعله. فهو في غرفة الثياب يقوم بتبديل ثيابه ليؤدي صلاته ويذهب للنوم، فغداً لديه مهام كثيرة بالشركة. انتظرته حتى انتهى من صلاته، ولكن قبل ذهابه إلى فراشه استوقفته قائلة بصوت مرتجف: –ممكن أعرف ليه انت عايز تخليني أقعد معاك في أوضة واحدة؟ انت عارف إن جوازنا جواز على الورق عشان تبقى وصي عليا وده الكلام اللي تيتة الله يرحمها قالتهولي. رد رفيق قائلاً بهدوء: –عارف كل الكلام ده.

خفضت وجهها أرضاً وقالت: –طالما الموضوع كده، ليه بقى أقعد معاك في أوضة واحدة؟ أنا كان ممكن أقعد مع رهف في أوضتها. جلس رفيق على حافة الفراش وهو يقول: –رهف للأسف سريرها مش كبير، مش هتعرفي تنامي جنبها كويس، وأكيد أنتي تعبتي من النوم الغير مريحة دي. أزدردت لعابها قائلة بخجل: –هات لي سرير وحطهولي في أوضة رهف، وكده تتحل المشكلة. رد رفيق قائلاً بنفاذ صبر:

–مش هجيب لك حاجة، ولو مش عايزة تنامي هنا روحي نامي في الجنينة يا ليان ومتوجعنيش دماغي بقى، عايز أنام ورايا شغل الصبح. –انت بارد أوي يا دكتور رفيق. قالتها ليان فجأة، فوضعت يدها على فمها، فما تلك الرعونة التي تحدثت بها، ولكن لسانها لم يعتد بعد على أن يقول أكثر الكلمات لطفاً له، بل ما زال معتاداً على الهجوم، ولكنها حقاً لا تريد أن تتشاجر معه خاصة الآن. التوى ثغره بابتسامة ساخرة وهو يقول:

–مقولتيش حاجة جديدة، تصبحي على خير بقى وبطلي دوشة. كزت ليان على أسنانها وقالت: –طب أنام أنا فين دلوقتي ها؟ رد رفيق قائلاً ببرود: –في المكان اللي يريحك، تصبحي على خير.

تمدد على فراشه منهياً حديثه معها، فهو يعلم أنها لن تكون مهمة سهلة. أن يراها أمامه وأن تشاركه غرفته أو ربما تشاركه الفراش أيضاً. ولكن منذ أن علم أنها كانت تحب ذلك الشاب المدعو ماجد، وكأن قلبه انطفأت به تلك الجذوة التي اشتعلت مؤخراً. فحتى لو كان قلبه ما زال يخفق، لابد من أن يميته، مثلما أماته سابقاً، فربما هذا قدره وهذه ستكون حياته، حتى تنتهي أيامه بتلك الدنيا التي لازمه بها قلة الحظ من الحب والعشق.

مسكين هذا القلب، الذي كلما نبض من أجل أنثى، تكون هي الأنثى الخاطئة. فيكفيني جراحاً أيها القلب، فلترحمني ولتعد لسباتك الثلجي مرة أخرى، فأنت ستخفق فقط من أجل أن تجعلني على قيد الحياة، كأنه يصدر أوامره التي يريد أن ينصاع لها هذا القلب، الذي بدأ يعلن تمرده عليه منذ أن رأى تلك الفتاة التي أصبحت تسمى... زوجته. ظلت تدور حول نفسها، تحاول إيجاد أي مكان لتنام به. وجدت أريكة بالغرفة، ولكنها لن تكون مريحة. فماذا تفعل هي الآن؟

فهي تشعر بإرهاق شديد، وتريد أن تنام. وجدت غطاء خفيف، سحبته تدثر نفسها به، في هذا الليل البارد. ظلت تنظر إليه وهي تراه يتقلب بفراشه، بينما هي تنام على تلك الأريكة، التي إذا حاولت أن تغير من وضع نومها ستسقط أرضاً. شعرت بثقل أجفانها، فأغمضت عينيها وذهبت بسبات عميق.

ظل رفيق ينظر إليها بعد أن غفت، وكأنه يزيد من إحساسه بخيبة أمله في حبه. فرأها على وشك السقوط، هب سريعاً من مكانه، ووصل إليها قبل أن تقع على الأرض، فتلقاها بين ذراعيه، وبالرغم من ذلك لم تفق من نومها.

وجودها بين يديه أشعل لهيباً في قلبه، فوجد نفسه يبتعد سريعاً، بعد أن وضعها على الأريكة مرة أخرى، وكأن شيئاً خفياً قد لدغه، جعله يبتعد عنها، فربما أيامه القادمة ستشهد جحيماً لم يمر به في حياته، التي قضاها في شقاء سواء بدني أو نفسي. ***

جاءت سارة للشركة مبكراً اليوم، فهي أرادت إنهاء كتابة استقالتها قبل مجيئه. فهي ستقدمها لرفيق وستغادر الشركة قبل أن يأتي. فهي لا تريد أن تزيد من شعورها بأنها فعلت شيئاً خاطئ وأنها تركت قلبها يميل لرجل ليس حراً. فجلست على المقعد خلف مكتبها وسحبت ورقة بيضاء، خطت عليها كلمات الاستقالة. وبعد انتهائها خرجت من غرفة مكتبها واتجهت صوب غرفة مكتب رفيق. طرق الباب عدة طرقات وأذن رفيق للطارق بالدخول، فولجت الغرفة باستحياء،

وتقدمت من مكتبه قائلة: –صباح الخير يا مستر رفيق. كنت عايزة حضرتك توافق لي على طلب الاستقالة دي. مدت يدها بالورقة، فأخذها رفيق وهو مقطب الجبين من قرارها المفاجئ، فتطلع إليها بحيرة: –وليه عايزة تقدمي استقالتك يا باشمهندسة سارة؟ هو الشغل هنا في مشكلة؟ أسرعت سارة بتحريك رأسها سلباً وهي تقول:

–لا والله أبداً، بس عشان المسافة من بيتي لهنا بعيدة جداً وكمان والدتي محتاجة أن أكون جنبها عشان تعبانة، فـ أنا قررت أن أشوف شركة تكون قريبة من البيت عشان هي مالهاش غيري ياخد باله منها. يعلم أنها تكذب بشأن تلك الأسباب التي تريد من أجلها ترك العمل هنا، فهو علم من أكمل بشأن انجذابه لها، وربما هي الأخرى حالها لا يفرق عنه، لذلك قررت الابتعاد.

زفر رفيق بتيه من أن الأمر صعب إصدار حكم به يرضي جميع الأطراف، ولكن ربما هذا أفضل. فأخذ الورقة وخط اسمه بطرفها. فرفع رأسه لها وتبسم بدون مرح: –تمام يا آنسة سارة، ربنا يوفقك. بادلته سارة الابتسام بإبتسامة تحمل بين طياتها الألم، فخرجت بعد ذلك من غرفة مكتبه، بل من الشركة بأكملها. فقبل الابتعاد التفتت تنظر للمبنى نظرة أخيرة، قبل أن تشير لعربة أجرة لتعيدها للمنزل، فهذا هو القرار الصائب بالوقت الحالي.

وصلت سيارة الأجرة أمام البناية السكنية التي تقطن بها، دفعت ما عليها من أجرة، وترجلت من السيارة. صعدت الدرج تشعر بأن المسافة من الدور الأول للسطح طويلة جداً، ففكرت بشأن أن يتركا تلك البناية، وتبحث عن مكان آخر لتعيش به هي ووالدتها. وصلت للغرفة وهي تلتقط أنفاسها، كمن كانت تركض بسباق. وجدت والدتها تجلس أمام الغرفة، فتركت مكانها واقتربت منها وهي تقول: –سارة إيه اللي رجعك كده من الشغل بدري؟ ردت سارة قائلة:

–أصل قدمت استقالتي يا ماما من الشركة وهشوف مكان تاني أشتغل فيه. هبّت والدتها صدرها وهي تقول: –يالهوي ليه يا بنتي كده؟ دا انتي كنتي بتقولي أنها شركة كويسة وكان مرتبك كويس. حاولت سارة الابتسام وهي تمسد على ذراعيها لتطمئنها: –هو نصيبي في الشغل انتهى لحد كده يا ماما، ومتقلقيش إن شاء الله هلقى شغل تاني وقريب منك عشان أعرف أراعيكي. أنتي مريضة ومحتاجة حد ياخد باله منك. أنا هدخل أرتاح شوية عشان أبقى أنزل أدور على شغل تاني.

أنهت سارة حديثها مع والدتها وولجت للداخل، وما زالت والدتها تفكر فيما قالته من أسباب رأت أنها غير مقنعة، فربما ابنتها تواجه مشكلة وهي لا تعلم، فلتتركها الآن على أن تتحدث معها لاحقاً.

أرتتمت سارة على الفراش وهي تفكر في صحة قرارها الذي أخذته اليوم. فهذا أفضل للجميع، عوضاً عن تصبح الأمور أكثر تأزماً، فهي ستحاول أن تنسى تلك المشاعر التي شعرت بها بغير محلها. فهو ليس حراً ولن يكون، فهي لم تفكر مطلقاً بتخريب حياته، فهي عندما بدأت تشعر نحوه بانجذاب، لم تكن تعلم أنه زوج وأب أيضاً. ***

ذلك الشعور الناجم عن غيرتها منذ علمها بأن ربما هناك شيء خفي بين رفيق وليلى، جعلها لا تحسن التفكير أو أن تعي على ما يحدث. فهي تقضي أوقاتها بتحليل تلك العواطف الجديدة التي بدأت تطرأ عليها ولا تخلو من الخطورة. فأن يجعلها رفيق تشعر بأن ما كانت تكنه لماجد لم يخرج من نطاق حب طفولة ساذج وبريء، وأن أحلامها الوردية البريئة باتت الآن تحمل طابع الجرأة والطمع بحبه، لهو بالأمر الذي يستحق التفكير. حتى أنها باتت لو أن يتخلى رفيق عن بروده ولا يضع اعتباراً لأي شيء آخر سوى أن يجعلها تشعر به وبحبه لها. فما زال تصريحه لها بالحب، يجلدها بسياط الندم والغباء، على أنها أنهت الأمر باتهام سخيف من كونه يفتعل ذلك الحب.

فتحت رهف عين وأغلقت الأخرى، تنظر إليها كأنها لا تصدق ما يحدث بالأونة الأخيرة، وأن ليان أصبحت حقاً زوجة أخيها. فهي كانت تعلم بشأن أنها تحب شخص آخر. فرفعت ليان شفتها العليا وهي تقول: –مالك يا أختي بتبصيلي بعين ونص ليه كده؟ ضحكت رهف وقالت: –مبهورة من اللي بيحصل، أنا في قمة البهورة. قطبت ليان حاجبيها وهي تقول:

–لأ متتبهريش، انتي أساساً كنتي كل الوقت ده بتخمنيني وبتضحكي عليا وهو أخوكي وأنا مغفلة وما أخدتش بالي من اسمك واسمه. قبلتها رهف على وجنتها وهي تقول: –أصل حبيتك جداً والله وخفت أقولك تاخدي مني موقف وترفضي تصاحبيني، بس الصراحة دي أجد مفاجأة حصلت أجد من الجمودية نفسها. وكزتها ليان بكتفها قائلة بتفكه: –تعرفي تسكتي يا رهف بكلامك ده اللي بيوديني في داهية وبيضحكني. تبسمت رهف قائلة: –المهم نورتي البيت انتي وباسم. هو فين صحيح؟

وانتِ سبتيني أنام لوحدي ليه؟ اصطبغ وجه ليان بلون قانٍ وهي ترد قائلة: –باين عليه قاعد مع مامتك تحت. ثم أخوكي هو اللي أصر أروح أقعد معاه في أوضته. حاولت رهف تغيير دفة الحديث حتى لا تزيد من شعورها بالخجل، فقالت متفكهة كعادتها: –تعالي ننزل لهم تحت، زمان أبيه رفيق ومالك راجعين من الشغل. يلا بينا بقى ننزل نعمل هجوم و سطو مثلث على التلاجة. نظرت لها ليان وتساءلت: –هم أخواتك بيشتغلوا فين؟ مش رفيق بيشتغل دكتور في الجامعة بس؟

حركت رهف رأسها برفض وهي تقول: –لأ مبيشتغلش في الجامعة بس، أبيه رفيق هو وصاحبه فاتحين شركة والحمد لله شغالة كويس، بيشتروا أراضي وبيبنوا عمارات. ومالك هو المهندس المعماري اللي بيعمل تصميمات المباني. شفتي أخواتي عسلات إزاي؟ يلا بينا بقى عشان جعت وشنطتي شطبت على كل اللي فيها على ما أروح أملأها من السوبر ماركت. قهقهت ليان على قولها وهي تقول: –انتي مفجوعة كده ليه يا رهف؟ يا ساتر يا رب. أغمضت رهف عينيها وقالت بهيام:

–الأكل بالنسبة ليا أسلوب حياة. في بيني وبينه عشق لا ينتهي. ابتسمت ليان على قولها، ولكنها تذكرت أيضاً ذلك الرجل الذي يبدو عليه كأنه خلق من فولاذ، ولا يمكن أي شيء يؤثر به، حتى كلماتها التي تعلم هي أنها كلمات واهية تتسلح بها لتداري ضعفها كحواء تنشد الأمان من آدم.

أثناء مرورها من أمام تلك المنضدة ببهو المنزل، وجدت عنواناً تصدر الصفحة الأولى من الجريدة لفت انتباهها. فأخذت الجريدة تحدق بتلك الصورة لذلك الشاب، والذي لم يكن سوى ذلك الشاب من بلدتها والذي يدعى "بكر". قرأت الخبر بنبرة شابها الصدمة وهي تقول: –مقتل شاب أثناء مداهمة الشرطة لوكر لبيع المخدرات وأسفرت النتائج أن الشاب يدعى بكر المرسى وهو من قرية ريفية كان يعمل بالأونة الأخيرة بتجارة المخدرات.

رفعت رأسها بعدما انتهت من قراءة الخبر، ولكنها شعرت بشعور طفيف من الحزن، على أن مصير ذلك الشاب العابث هو الموت قتلاً. قبل أن تسألها رهف عن من يكون هذا الشاب، دلف رفيق إلى المنزل يتبعه مالك، فألقت الجريدة من يدها. فحاول رفيق أن لا ينظر إليها، فقام بإلقاء تحية سريعة عليهم، ثم ذهب لتبديل ثيابه قبل تناول العشاء.

هبط الدرج وجلس على رأس المائدة يتابع الحوار بين أسرته، فوالدته تشمل باسم برعايتها، كأنه طفل صغير بحاجة للعطف والحنان. فوضعت له الطعام في طبقه وهي تقول: –كل ياباسم انت مكسوف يا حبيبي. رد باسم قائلاً بخجل: –لأ حضرتك، أنا باكل أهو. تبسمت له منى قائلة: –متقوليش حضرتك، قولى ماما منى يا باسم، أنت وليان. أومأ باسم برأسه قائلاً: –حاضر يا ماما منى. أراد مالك المزاح مع زوجة شقيقه، فنظر إليها قائلاً:

–منورة يا ليان، نورك غطى على الكهربا والله. شعرت ليان بالخجل من قوله، فردت قائلة: –شكراً يا باشمهندس مالك. ابْتَلَعَت رهف الطعام العالق بجوفها ومن ثم قالت: –بصي يا ليان أنا ومالك بنحب الهزار جداً بالمعنى الصريح كده، احنا نجيب الشلل. فاحسن لك تاخدي على الجو بسرعة. وانت يا باسم فك كده متبقاش زي اختك نكدي. ردت ليان بسرعة قائلة: –لمي نفسك أحسن لك يا رهف، ماشي؟ قالت رهف بغرور مصطنع:

–ولا تقدر تعملي حاجة، انتي هنا على أرضي. زفر رفيق قائلاً بهدوء: –أظن الأكل له احترامه، ياريت تاكلوا وانتوا ساكتين. ردت والدته قائلة: –سيبهم يا رفيق، دمهم عسل الاتنين. نظرت له ليان بطرف عينيها، وحولت بصرها لوجه والدته وهي تقول: –شكراً يا ماما منى، انتي أحلى ماما عشان خلفتي رهف. تصنع مالك العبوس وهو يقول: –طب والحزين اللي زيي ملوش كلمتين حلوين؟ تبسمت ليان وقالت: –وعشان خلفتي مالك كمان.

دب مالك على صدره بهدوء وهو يقول متفكهاً: –الله يكرم أصلك، شكراً على ثقتك الغالية دي. أفلتت منها ابتسامة عريضة، أصابت قلبه برجفة قوية، فأغمض عينيه بتعب، وأطلق زفرة حارة سمعها كل الحاضرين، فنظروا إليه وتعجب. هو علام ينظرون؟ فزوى بين حاجبيه قائلاً: –انتوا بتبصولي كده ليه يا جماعة؟ في حاجة ولا إيه؟ نظرت والدته له قائلة بإهتمام: –انت تعبان ولا إيه يا حبيبي؟

ساكت ومبتتكلمش زي عوايدك، وكمان اتنهدت كده جامد زي ما يكون في حاجة تعباك. نظر رفيق لطبقه، حتى لا يتمكن أحد من قراءة ما كتب على وجهه بوضوح، فرد قائلاً: –مفيش، بس كان في شغل كتير النهاردة، فأنا حاسس أن أنا مرهق شوية. عن إذنكم. هبّ واقفاً قاصداً حديقة المنزل، فهو يريد أن يجلس بمفرده، لعل الهدوء يريحه ولو قليلاً، من تلك العواصف التي تعصف بقلبه وتقلب حياته رأساً على عقب. ***

تدور حول نفسها بغرفتها، فهي لم تهتدِ بعد لحل يمكنها من التقرب منه، فحتى إصرارها بالتقرب من عائلته لم تأتِ بالنتائج المرجوة. لم تخرج من دوامة أفكارها إلا على طرق الخادمة لباب الغرفة. فنظرت ليلى تجاه الباب وهي تقول: –أيوة، إيه؟ –حضرتك، في واحد تحت بيقول إنه جوز حضرتك. قالتها الخادمة بأدب، في انتظار قولها. فانتفضت ليلى من مكانها وهي تقول: –جوزي ده إيه كمان؟

ارتجفت الخادمة من صوت صيحتها، فوجدتها تسرع بخطواتها للدور السفلي. هبطت ليلى الدرج والشياطين بأثرها، فوجدت ما يدعى زوجها، أو إذا صح القول طليقها. فأقتربت منه بخطواتها وملامحها الغاضبة فصرخت بوجهه قائلة: –أنت إيه اللي جابك هنا؟ إحنا مش خلاص اتطلقنا وكل واحد راح لحاله؟ تبسم ذلك الرجل ووضع يده بجيبه قائلاً بتسلية: –طلقتك وجاي عشان نرجع لبعض تاني، فيها إيه يعني يا حبيبتي؟ اكتشفت إن مقدرش أعيش من غيرك يا ليلتي.

فغرّت ليلى فاها بعد سماع ما قاله، فأرتدت بخطواتها للخلف وهي تتلعثم قائلة: –نرجع لبعض تاني! ومين قالك إن أنا عايزة أرجعلك؟ أنا مصدقت خلصت منك. بثلاث خطوات قطع المسافة بينهما، فنأت بجسدها عنه، قبل أن يمد يده ويقبض على ذراعها، فابتسم على فعلتها وقال: –ما قولتلك أنا مقدرتش أعيش من غيرك، فإيه رأيك بقى تطلعي تجيبي شنطتك وتخلينا نروح للمأذون نتجوز تاني ونروح بيتنا. –لا مش هاجي معاك. قالتها ليلى باحتجاج صريح.

فما كان منه سوى أن اقترب أكثر، حتى لم يعد لديها مهرب منه، فهو يعلم سبب رفضها القاطع، ولكن يعلم أن قلبه لا يريد غيرها. فعندما وقع الطلاق بينهما، ظنت أنها نالت حريتها منه، ولكنه فعل ذلك ليجعلها تكف عن المشاجرات التي كانت تفتعلها معه، لتجعل صبره ينفذ ويمنحها الطلاق. فهو يعلم كيف يجعلها تعود إليه منصاعة. فبتلك السنوات التي كانت بها زوجة له، علم طباعها جيداً، وعلم أيضاً كيف يجعلها تتخلى عن جمودها وصلابتها.

فمد يده بداخل سترته وأخرج منها بعض الأوراق وهو يقول: –حتى لو قولتلك إن أنا موافق نفتح فرع لشركة الأزياء في دبي وأنتي اللي هتبقي مشرفة عليه هناك واشتريت لك هناك البيت اللي كان نفسك فيه. بدأ تأثير حديثه على وجهها، فابتسمت ببطء قائلة: –وإيه اللي خلاك تغير رأيك وتعمل ده كله؟ ما أنت كنت رافض واتخانقنا بسبب الموضوع ده وأنت طلقتني. اقترب من وجهها هامساً:

–الصراحة يا ليلى، أنتي اللي زودتيها بقيتي عايشة على الخناق بينا وأي حاجة تقوليلى طلقني، وكل بني آدم وله طاقة، بس صدقيني إحنا الاتنين منفعتش إلا لبعض ونقدر نفهم بعض كويس. فعلشان كده عايز نرجع لبعض، قولتي إيه؟ رفعت ليلى يديها ووضعت شعرها خلف أذنيها وهي تقول: –أوك موافقة، بس البيت اللي هتشتريه في دبي هيتكتب باسمي، بس كمان في عرض للأتيليه بتاعي هنا على ما أخلصه تكون أنت خلصت كل حاجة في دبي ونسافر على طول. إيه رأيك؟

أومأ برأسه بهدوء، يعلن موافقته على كل مطالبها، فهمس بأذنها قائلاً: –طب يلا روحي هاتي شنطتك عشان نرجع بيتنا. هو البيت ده كنتي شرياه ولا مأجراه؟ ردت ليلى قائلة: –لأ كنت مأجراه وإيجاره هيخلص على أول الشهر. –خلاص مش مهم، أبقى بلغي صاحبه إنك خلاص ماشية وأدي الخدامة مرتبها ويلا خلينا نمشي.

أنهى حديثه، فأسرعت بتنفيذ ما قاله، فهو سيحقق لها ما أرادت من أحلام بأن تمتلك منزلاً وعملاً بالمكان الذي رغبت به، فهي حتى لم تفكر مطلقاً بأمر رفيق وتصريحها له بأنها كانت ما تزال تحبه. فها هي تقوم بلملمة أغراضها لتعود لمنزل زوجها، بعدما أعطاها وعداً بتنفيذ مطالبها، فهي امرأة متطلبة وتريد تنفيذ أحلامها بأي طريقة ممكنة. *** بعد مرور بعض الوقت، ذهب كل منهم إلى غرفته، ولجت ليان الغرفة بتوتر، فماذا تفعل هي الآن؟

فهي أيضاً تريد النعاس، فأين ستنام؟ فلا يوجد في الغرفة شيء يغري بالنوم عليه، فنومها على الأريكة أصاب جسدها بالتيبس في مفاصلها، ففكرت أين ستنام الآن، إلا إذا كانت ستنام على الأرض. وجدت نفسها تذهب بجوار الفراش تسحب وسادة، وتسحب أيضاً الغطاء الذي يتدثر به، فوجدته يهب جالساً على الفراش ينظر إليها بنظرة استياء قابلتها هي بنظرة باردة. فصاح بها قائلاً: –إيه اللي انتي عملتيه ده؟ بتسحبي الغطا من عليا ليه؟ ردت ليان قائلة ببرود:

–ليه عايزني أنام على الأرض من غير غطا عشان يجيلى برد؟ زفر رفيق من أنفه قائلاً بغضب: –وتنامي على الأرض ليه أصلاً؟ ما تنامي على السرير، إيه مش عاجب سعادتك يعني إنك تنامي جنبي؟ ابتَلَعَت ليان لعابها قائلة: –عايزني أنام جنبك؟ متعودتش أنام أنا جنب حد غريب. رفع رفيق حاجبه الأيسر قائلاً بسخرية: –أنا مش غريب على فكرة، أنا جوزك، ولا أنتِ حابة تعملي شغل العيال بتاعك ده يا تافهة. هل نعتها بصفة التفاهة الآن؟

هل ما زال لديه رصيد لا ينتهي من الإهانات، التي تصيبها فتجعلها راغبة في الثأر منه؟ فرفعت يدها تشير لنفسها وهي تقول: –بتقولي أنا يا تافهة؟ بتقولي أنا الكلام ده؟

–أوعى يكون عقلك صورلك إنك ممكن تقلّي أدبك عليا وأسكتلك أو أسيبك تتمادي في كلامك وتصرفاتك تؤدي لاء يا حلوة، انتي بتحلمي. أنا عندي استعداد أكون كابوس من كوابيسك لو فضلتِ بقلة أدبك ومحترمتيش نفسك، هتبقي مؤدبة خير وبركة وربنا يعدي الأيام دي بخير. هتقلّي أدبك يبقى متلوميش إلا نفسك، لأن أنا بصبر وبستحمل زي الجمل كده، بس أول لما بيقلب بيقلب صاحبه. فهمتي يا ليان؟

وخليكي فاكرة كلامي ده كويس وخلي مقولة "اتق شر الحليم إذا غضب" دي في عقلك على طول قبل ما تتصرفي تصرف ميُعجبنيش. أنهى رفيق حديثه والتقط أنفاسه، فهو يشعر بأن أعصابه على وشك الانفجار. فكأن كل الأحداث التي مر بها بالأونة الأخيرة، جعلته يفقد صوابه. فهو يعلم أنها لم تفعل شيئاً الآن يستحق اللوم منه، ولكن يأسه من الحصول على حبها، جعله يريد أن يساهم بفكرة رحيلها من المنزل، فربما يهنأ عيشه بعد ذلك. ردت ليان قائلة بإنفعال

وعيناها على وشك البكاء: –تصدق أنا خفت من كلامك، أنا خفت أهو خلاص، ولا عايزني أعمل إيه؟ عناد وتمرد، جمال يأسر الحواس، لسان سليط وروح ثائرة، حورية عنيدة صغيرة، ترهق قلبه أكثر فأكثر، حتى بات قلبه ينشد منه الرحمة. فهو الذي كان يأمره منذ بضع لحظات أن يكف عن التأثر بها، ليجد نفسه في الدقيقة التالية يزيد في خفقانه أكثر، كأنه على وشك تحطيم تلك الضلوع التي بمثابة سياج تحيطه، مانعة له أن يقفز خارج صدره من شدة دقاته.

وجد نفسه كأنه مسلوب الإرادة، ينهض من على فراشه يقف مواجهاً لها. تتحدث هي بانفعال، ترغي وتزبد من الغضب، لا يسمع كلمة مما تقوله، فهو يركز بصره على حركة شفتيها، يلاحظ انفراج شفتيها بغضب، لتضمها بتذمر وتهمهم من خلالهما بكلمات لا يفهمها. بدون أن يعي ما يفعل، رفع يده يتحسس قسمات وجهها بأنامله. لم يعِ ما يفعل إلا عندما وجدها تنفض يده عنها وهي تقول بما يشبه الخوف: –انت بتعمل إيه ها؟ كأنه انتبه على ما قالته فرد قائلاً:

–أنا عملت إيه يا ليان؟ ارتدت بخطواتها للخلف وهي تقول: –اسأل نفسك عملت إيه دلوقتي. خطا خطوة تجاهها وهو يقول: –حقي، وأنتي كلها حقي. –يعني إيه؟ أنا حقك؟ مش فاهمة تقصد إيه بكلامك ده. خطوة أخرى أمر قدميه بأن تخطيها وهو يقول: –قصدي اللي أنتي فهمتيه يا ليان. مش يمكن تعيشي سعيدة معايا؟

أنا بحاول أقاوِم مشاعري ناحيتك بس مش قادر. كل ما أقول لاء مش هفكر فيكي أرجع تاني وألاقيني مش قادر أوفي بالعهد اللي باخده على نفسي. عينيكي عاملة زي الخمرة المحرمة اللي كل ما أقول أن هتوب عنها مبقدرش أتوب. معقولة أنتي بتحبي الشاب ده أوي ومش مخليكي قادرة تشوفي حد غيره؟ كأنها فاتها تلميحه، فردت قائلة بعدم فهم: –شاب مين ده اللي تقصده؟ حدق بها رفيق بقوة وهو يقول:

–ماجد. أنا عرفت إنه هو الشاب اللي كنتي تقصديه بكلامك إنك بتحبي واحد تاني. فهي كأنها تعجبت من وقع اسم ماجد على أذنيها، فهو لا يعلم أن منذ أفعاله بالتقرب منها جعلها لا تتذكره. فردت قائلة بدون وعي منها على حديثها الذي ينطلق من بين شفتيها: –ماجد! أنت متعرفش إنك خليتني مقدرش أفكر فيه أو في حاجة تانية؟ مبقتش عارفة أفكر في حد غيرك أنت يا رفيق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...