أحياناً يتساءل الإنسان هل هو حُرّ أم مَأْسُور؟ كالطائر الذي انكسر جناحيه، ولم يعد بإمكانه التحليق بسماء الحرية. أفرطت في رسم أحلامها وأمنياتها، ولما لا وهي ما إلا فتاة يافعة بطور النضوج العاطفي، فعالمها ينحصر بين قريتها الريفية وأسرتها الصغيرة وحب الطفولة لشاب لم ترى غيره منذ أن أبصرت النور.
ولكن فاجأتها الحياة بما لم تكن بإنتظاره، فذهبت أحلامها وأمنياتها كلها أدراج الرياح، وجاء ذلك الرجل، الذي لم تبغض أحداً مثلما تبغضه، ليضعها على مفترق طرق وعليها أن تنصاع له، فلا حل آخر أمامها سوى أن تنتظر ليأتيها الخلاص. ولكن كيف ستتحرر منه، وهو بات يعشقها بجنون، وهو رجل عارك الحياة، حتى تركت بصماتها على روحه، فلن تكون أفعالها الطفولية كافية لتجعله يسأم منها، فهي كأنها هرة صغيرة تتحدى أسدًا، وتريد الخروج ظافرة.
قال مالك بن دينار: رحم الله عبداً قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان لها قائداً. *** “صاحب النَدبَة” صوت الكروان شق الصمت المهيب، الذي حل على سماء تلك القرية الريفية، فأغضان الأشجار أخذت بالتمايل، مع نسمات الصباح الباكر، فالهواء نقي لم تختلط به أنفاس البشر بعد، والمناظر الطبيعية الخلابة تأسر الحواس.
تقف هي على سطح منزلهم بيدها تلك الطائرة الورقية، التي تمسك بطرف خيطها، تحركها يمينا ويساراً بابتسامة جميلة على ثغرها، فكلما ارتفعت الطائرة الورقية زاد حماسها أكثر، كأنها بمسابقة وتريد الفوز.
فتلك الفتاة ذات الثامنة عشرة ربيعاً، محبة للحياة تعشق اللهو والمرح والضحك تكره الحزن والكآبة، فهي ترى أنها نالت منهما القسط الكافي، بفقدان والدها وترك والدتها لهما بزواجها من رجل آخر بعد موت أبيها، و لا تسأل عنها هي وشقيقها إلا نادراً، و تعيش برفقة زوجها بالقاهرة، وربما أصابها النسيان بأن لديها أبناء، يجب أن تسأل عنهما، لذلك تحاول أن تتناسى أوجاعها بمرحها الدائم.
كانت مشغولة بما تفعله حتى سمعت صوت شقيقها الذي يصغرها بثلاثة أعوام يناديها بإلحاح. :” ليان ليان انزلي بقى” تأففت ليان قائلة بزمجرة. :” عايز ايه يا باسم سيبني بقى يا أخى” أقترب منها باسم وسحب يدها الممسكة بالطائرة الورقية وهو يقول. :” تيتة عمالة تنادى عليكى من الصبح وأنتى مش بتردى” قطبت ليان حاجبيها وقالت. :” هى تيتة صحيت من النوم يا باسم” أماء باسم برأسه قائلاً بعجالة.
:” ايوة صحيت وبتقولك انزلى أفطرى بقى فى حد يصحى الصبح يطير طيارات ورق” تبسمت ليان وهى تجيبه. :” انت عارف إن بحب ألعب بالطايرات الورق وخصوصاً الصبح كده والجو جميل والهوا يرد الروح” سحبها باسم من مرفقها وهو يهم بالنزول فقال. :” طب يلا يا ستى انزلى بقى تعبتينى معاكى يا ليان” أنكمشت ملامح وجهها بضيق وقالت. :” وتعبتك فى إيه بقى ياسى باسم” داعب باسم طرف أنفها بإصعبه وقال.
:” تيتة كل شوية تقولى شوف ليان راحت فين نادى ليان قول لليان تيجى تاكل ليان ليان لحد ما زهقت” زاد عبوس وجهها، وضمت ذراعيها أمام صدرها وهى تغمغم. :” كده يا باسم أخس عليك أنا زعلانة منك” قبلها باسم على وجنتها وهو يقول بحنان. :” لاء وأنا مقدرش على زعل أختى الحلوة دى أنا ليا مين غيرها” قالت ليان بإبتسامة. :” ربنا يباركلى فيك يا حبيبى يلا بقى علشان أنزل أجهز الفطار” :” تيتة عملت الفطار خلاص”
قالها باسم وهو يسبقها في هبوط الدرج. بينما هي شعرت بالضيق فقالت. :” ليه كده بقى انا قيلالها ١٠٠ مرة متتعبش نفسها مفيش فايدة فيها أبداً يلا بينا ننزل”
هبطا الدرج سويا، تشعر ليان بالامتعاض بسبب إصرار جدتها على إرهاق نفسها بالأعمال المنزلية، فحالتها الصحية لا تسمح لها بذلك، ولجأ إلى الصالة، ووجدا سيدة مسنة تدعى ” علية ” تبتسم لهما، وبالرغم من كبر سنها، إلا أنها مازالت تلك المسحة الجميلة تزين وجهها وخاصة لون عينيها الملتمعتان بلون أوراق الشجر بموسم الربيع، التي أورثتها لحفيدتها. فصاحت الجدة معاتبة بلين. :” كل ده على ما تنزلوا من على السطح”
رمقتها ليان بإستياء ظاهر وقالت. :” على فكرة أنا زعلانة منك ومش هكلمك يا تيتة” وضعت علية يدها على فمها بشكل درامى. :” يااااه خبر ليان زعلانة منى إزاى كده وأنا مقدرش على زعل حبيبة قلبى” فتقدمت من ليان، وطوقتها بذراعيها تقبل رأسها، فهي المفضلة والأثيرة لديها، فتبسمت ليان على فعلتها وهى تقول. :” ايوة اضحكى عليا بقى زى عوايدك يا تيتة” مثلما قبلت رأسها قبلت وجنتها وهى تقول برفق. :” طب أنتى زعلانة ليه طيب يا حبيبة تيتة”
مسدت ليان على ذراعي جدتها بلطف وهى تقول بحنان أطل من عينيها. :” علشان أنتى بتتعبى نفسك أوى فى شغل البيت وأنا قولتلك متعمليش حاجة أنا هعمل كل حاجة أنتى صحتك متستحملش ده كله أنتى لازم ترتاحى وأنا خلاص خلصت إمتحانات الثانوية ومفيش حاجة تشغلنى عن أن أشوف شغل البيت” رفعت علية يدها اليمنى تربت على يد ليان وهى تقول. :” حبيبتى القعدة طول النهار بتزهق وأنا مش واخدة على أن أنا أرقد فى سريرى”
سحبتها ليان من يدها، حتى أجلستها على مقعد مائدة الطعام وهى تقول. :” معلش استحملى على ما ربنا إن شاء الله يشفيكى” إستند بسام بوجهه على يده وهو يقول. :” هو إحنا هناكل ولا إيه النهاردة” عبثت ليان بشعره مداعبة وقالت. :” كل يا مفجوع وانت ساكت همك على بطنك دايما” ضحكت علية على تلك المشادة الكلامية التي تحدث يومياً بين حفيديها، فهتفت بهما. :” مش هتبطلوا مناقرة ابدا” أفتر ثغر ليان عن إبتسامة وضاءة وهى تقول.
:” لاء يا تيتة الخناق مع باسم طعمه حلو” وضع باسم من الطعام الموضوع أمامه بفمه، فخرج صوته متحشرجاً. :” اختى الحلوة وحبيبتى دى هى النتيجة بتاعتك هتظهر أمتى” تركت ليان فتات الخبز من يدها وهى تقول بشئ من الخوف. :” بيقولوا بعد أسبوع وربنا يستر علشان أنا خايفة موت” ربتت جدتها على يدها وهى تقول بتفاؤل. :” ان شاء الله يا حبيبتى هتنجحى وتجيبى مجموع حلو” أمنت ليان على حديث جدتها وهى تقول برجاء.
:” يارب ياتيتة يارب وأدخل كلية حلوة كده” قال باسم وهو يتناول كوب الماء. :” أنتى لسه عايزة تدخلى كلية تربية” حركت ليان رأسها دليلاً على موافقتها وقالت. :” إن شاء الله ادعيلى يا باسم” أهداها شقيقها إبتسامة عريضة وهو يقول. :” ربنا يوفقك يا حبيبتى أنا بقى عايز لما اخلص ثانوية أدخل هندسة” نظرت علية له ثم عاودت النظر لليان وقالت بدعاء.
:” ربنا يوفقكم يا حبايبى يارب شد حيلك أنت يا باسم أديك هتدخل أولى ثانوي أهو عايزين نشوف شطارتك” قال باسم بجدية. :” إن شاء الله يا تيتة”
تدعو من قلبها أن يوفق حفيديها في حياتهما، فهما كل ما تملكه بعد موت إبنها الوحيد، فوالدتهما لم تشاء أن تظل معهما وتربيهما، بل تخلت عنهما بأقرب فرصة أتيحت لها بالزواج، فهي لم تكمل سوى شهور العدة حزناً على موت زوجها، كأنها كانت بانتظار موته، ذاهبة للزواج من رجل آخر، فأصرت علية على أن يظل حفيديها معها وتقوم هي بتربيتهما. ***
دقت تلك الساعة الكبيرة في بهو ذلك المنزل، الذي يعود لمالكه ” رفيق رسلان ”، معلنة عن أن الوقت أصبح الساعة الثامنة صباحاً، وهو الوقت الذي يتناول فيه أفراد هذه الأسرة الإفطار قبل ذهاب كل من الشقيقان إلى عملهما.
في غرفة الابن الأكبر ” رفيق” أنتهى من ارتداء ثيابه، وعقد رابطة عنقه باحترافية، بالرغم من أنه يشعر بالاختناق منها، فهو لايحب أن يتقيد بتلك الثياب، ولكن ظروف عمله تضطره إلى ارتداء تلك الثياب الرسمية، التي كانت عبارة عن حلة زرقاء أنيقة جدا ورابطة عنق تتماشى معها، ولما لا فهو صاحب العمل ويجب أن يبدو في أبهى صورة أمام موظفيه.
نظر إلى نفسه في المرآة تأكد من تشذيب لحيته بالشكل المناسب، فطافت عيناه بلون القهوة الداكنة، التي يحب احتساءها دائماً، على هيئته كاملة، فأمعن النظر إلى نفسه في المرآة، وعقد حاجبيه فمن يراه الآن، لا يصدق أنه هو ذلك الفتى الذي عانى الأمرين، حتى وصل إلى ما صار عليه الآن.
فهو لم يكن ذلك الفتى المدلل، الذي عاش بوسط الأثرياء منذ صغره، بل أنه كان من أسرة فقيرة، كان والده يعمل عاملاً بأحد المصانع، حتى حدث له حادث أليم توفى على إثره، تاركاً والدته حاملاً بشقيقته الصغرى، وترك له شقيق أيضاً.
وكأن قلبه وعقله نضجا قبل نضوج جسده، فهو لم يكن سوى فتى في المرحلة الإعدادية، ولكن وجد ذاته مسؤولاً عن والدته وأشقاءه، فاضطرت والدته إلى العمل حتى تستطيع أن تعيلهم، فكان هو أيضاً يساعدها، فكان يعمل بأي مهنة تقابله بجانب دراسته، وعندما وصل إلى المرحلة الثانوية، وبالرغم من حصوله على ما يؤهله للدراسة بأفضل الكليات العلمية، إلا أنه فضل الدراسة بكلية التجارة، حتى لا يثقل كاهل والدته بتكاليف دراسته، حتى أنه كان يحضر بعض من محاضراته، بجانب عمله في إحدى الشركات، وبعد تخرجه ظل يعمل بتلك الشركة، ولكن بسبب طموحه هو وصديقه المقرب استطاعا إنشاء عمل خاص بهما، فرزقهما الله من فضله الواسع، وأصبح اليوم من أهم رجال الأعمال الشباب.
مد يده تحسس تلك الندبة الغائرة في جبينه، فوق حاجبه الأيسر، والتي حصل عليها عندما كان يعمل في إحدى ورش تصليح السيارات، فصاحب العمل أصابه الغضب ذات يوم، فقام بضربه وهو فتى لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، مسبباً له في جرح عميق في وجهه، فتذكر ذلك اليوم، عندما عاد إلى منزلهم، ثيابه ملطخة بالدماء، يوجد آثار تقطيب جروح في وجهه، ففزعت أمه من منظر تلك الدماء، وأصرت عليه بعدم الذهاب إلى تلك الورشة مرة أخرى.
ظلت تلك الندبة الغائرة في جبينه، ملازمة له، فهو حتى يرفض الآن أن يقوم بعملية تجميلية لها، وكأنه يريد أن يتذكر كل حياته الماضية، ولكن من المفارقات العجيبة، أن تلك الندبة لم تخفف من وسامته بل على النقيض، فهي أضفت عليه مسحة رجولية قاسية، تجعل النساء تعجب به. أفاق من ذكرياته على صوت فتح باب غرفته، نظر خلفه وجد والدته، فابتسم لها تلك الابتسامة التي لا يراها أحد غير أسرته، فمن يعرفه يظن إنه لا يعرف الابتسام.
تقدمت منه والدته قائلة بحنان. :” صباح الخير يا حبيبى” رد رفيق قائلاً بحنان مماثل. :” صباح الخير يا أمى” أقترب أكثر منها، واخذ يدها بين يديه، ينحنى عليها يقبلها بحب، تمسد هي على شعره بابتسامة، وتربت على كتفه، فهو لم يتخلى عن تلك العادة، وهي تقبيل يد والدته منذ أن كان صغيراً. ترك يد والدته، وعاد ينظر بالمرآة ثانية وهو يقول. :” مالك ورهف صحيوا من النوم ولا لسه نايمين كالعادة” ندت عنها زفرة مطولة وهى تقول.
:” لسه نايمين أنا هروح أصحيهم أنا جيت أصبح عليك الأول” إستدار رفيق برأسه لها وقال. :” دا احلى صباح فى الدنيا دى كلها” ربتت منى على ظهره وهى تدعو له. :” حبيبى تسلملى يارب وربنا يرزقك من رزقه الواسع” أجابها رفيق بإمتنان لدعائها. :” تسلملى دعواتك الحلوة دى يا أمى” :” على ما تخلص هروح اشوف مالك ورهف” قالتها والدته قبل خروجها من الغرفة، فما كان منه سوى أن أجابها قائلاً. :” ماشى يا أمى”
خرجت منى من غرفة ابنها الأكبر، وولجت إلى غرفة ابنها الثانى، وهو شاب في الرابعة والعشرين من عمره، أنهى تحصيله الدراسي بكلية الهندسة، ويعمل مع شقيقه. أقتربت منى من الفراش ووكزت مالك برفق. :” صباح الخير يا مالك” فرك مالك عينيه وهو يتثائب فرد قائلاً. :” صباح الجمال والحلاوة يا منمن ايه ده قمر يا ناس جاى يصحينى” لوت منى فمها وهى تقول. :” بطل بكش يا واد أنت بقى ” ترك مالك مكانه وأقترب منها يقبلها على وجنتها وقال.
:” طب لو أنا بطلت بكش مين يبقى بكاش بقى يا منمن إحنا بناكل عيش من ورا البكش ده” ضربته والدته بخفة على ذراعه وهى تقول. :” بتاكل عيش من البكش ماشى يا سى مالك” نظر مالك حوله كأنه يبحث عن شئ، فهتف بها. :” قوليلى الكبير صحى” أماءت منى برأسها وهى تقول. :” اكيد طبعا دا بيصحى قبلنا كلنا” ضرب مالك جبهته، كأنه تذكر شيئاً فقال.
:” اه صحيح ايه السؤال الغبى اللى بسأله ده دا هو كمان اللى بيجى يدلق عليا ازازة ماية وأنا نايم علشان يصحينى بقولك ايه يا ماما أنتوا تخفوا كل أزايز الماية من البيت بلاش غارقة كل يوم دى” ضحكت منى بقوة على حديث مالك. :” ما أنت اللى نومك تقيل وأحمد ربنا إن أنا اللى جيت اصحيك وأحب اقولك برضه رفيق خلص لبس ولو مقومتش كمان شوية هتلاقيه جايلك” قفز مالك مكانه وهو يقول.
:” يا نهارى دا ممكن يجى يجرجرى من الاوضة باللبس ده وشكلى هيبقى عار” قال مالك عبارته، وبلمح البصر كان في المرحاض، ليسرع بإنتهاء اغتساله، قبل أن يرتدي ثيابه، ويجد شقيقه الأكبر رفيق في غرفته، يأخذه بأي ثياب يرتديها. ابتسمت منى على تصرفات ابنها، فهو بالرغم من حبه الشديد لأخيه، إلا أنه يخاف منه بشدة، فخرجت من غرفة مالك، متجهة إلى غرفة ابنتها الصغرى، أو كما يطلقون عليها، مدللة المنزل او مدللة أخيه.
نظرت في أرجاء الغرفة، فوجدت حولها على الفراش، العديد من القصص والروايات الخيالية، فابنتها عاشقة للقراءة، فهي في عامها الثامن عشر، وأقتربت من دخول الجامعة. أقتربت منها و مدت يدها تهز ذراعها برفق. :” رهف إصحى بقى يلا يا حبيبتى” هتفت تلك الفتاة بصوت ناعس. :” شوية بس يا ماما أخلص الحلم ده وأرجعلك على طول يا حبيبتى” سحبت والدتها غطاء الفراش الخفيف عنها وهى تقول. :” هو مشوار هتخلصيه وترجعى قومى يلا يا رهف بلاش كسل”
جذبت رهف الغطاء وهى تقول بتأفف. :” أقوم أعمل إيه أنا فى إجازة آخر السنة، سبينى أنام بقى يا ماما” فشلت والدتها في جعلها تترك فراشها، فلم تجد حل آخر سوى ذلك التهديد الذي يجدى معها نفعاً دائماً. فشهقت منى بصوت مسموع وهى تقول. :” هااا ايه ده يا رهف رفيق جاى” رن اسم شقيقها بأذنيها، فهبت جالسة بفراشها. :” إيه أبيه رفيق جاى أنا خلاص قومت أهو”
فهي عندما سمعت اسم شقيقها، هبت راكضة إلى المرحاض، تفعل مثلما فعل مالك، فدائما تلتجئ والدتهما إلى تلك الحيلة، حتى ينهضا من نومهما. *** على مائدة الطعام. اجتمعوا جميعهم لتناول الإفطار، يجلس رفيق على رأس المائدة، على يمينه تجلس والدته، وعلى يساره تجلس شقيقته وبجانبها شقيقه. رمق رفيق مالك بنظرة فاحصة، وهو يقول. :” خلصت الورق اللي قولتلك عليه يا سي مالك ولا حضرتك برضه نسيت” حمحم مالك قبل أن يقول متفاخراً.
:” عيب عليك يا كبير كله جاهز وفى التمام نحن نختلف عن الآخرون” رفع رفيق حاجبيه قائلاً بسخرية. :” لا يا راجل ياريت بس ميكنش نص الورق غلط واصلحه لسيادتك كالعادة” تبسم مالك بسماجة. :” قلبك أبيض بقى يا كبير ” ضيق رفيق عينيه قائلاً بغيظ. :” عمال تقولى يا كبير يا كبير انت مش عارف اسمى يا حبيبي ولا توهت” :” لاء دا انا بفخمك وبعظمك كده يا كبير” قالها مالك وهو يشير إليه باحترام. فأتسعت طاقة أنف رفيق مغتاظاً من شقيقه.
:” بطل الكلمة دى وأنت محسسني إن إحنا إتنين بنشتغل فى عصابة” أشار مالك بإصبعه لعينيه قائلاً بطاعة. :” من عينيا خلاص يا كبير هبطلها” كز رفيق على أسنانه قائلاً. :” برضه انت مفيش فيك فايدة ” نظر بجواره وجد شقيقته الصغرى، تضع رأسها على يدها تفتح جفنيها بصعوبة، فهي تريد إكمال نومها. فداعب رفيق وجنتها قائلاً بحنان. :” مالك يا رهف مبتكليش ليه” تبسمت رهف على فعلته وهى مغمضة العينين، فقالت بصوت ناعس.
:” ها بتقول ايه يا أبيه معلش ما أخدتش بالي” شد رفيق على أذنها برفق وهو يقول. :” ما هو لو أنتي تبطلي قراية الروايات المتخلفة اللي هتلحس مخك دي هتركزى وتبقى كويسة وتصحصحى شوية” زمت رهف شفتيها بطفولية، وضيقت ما بين عينيها، فهي لا تحب أن يسخر أحد من عالمها الخيالي. فقالت وهى تتصنع البكاء. :” لو سمحت يا أبيه متسخرش مني تاني أحسن هزعل منك وهعيط كمان” أجابها رفيق بلين.
:” خلاص متزعليش يا رهف أنا مش قصدي حاجة بس عايزك تبطلى سهر في قراية الروايات دي اقرأى بالنهار ونامى بدري ملوش لازمة السهر” خصته بإبتسامة جميلة وقالت. :” حاضر يا أبيه أنت تؤمر يا عسل أنت” فهو ليس شقيقها فقط، بل هو بمقام والدها، فهي لم ترى أباها، لا تعرف بحياتها سوى شقيقيها، ولكن رفيق كان لها الأب والأخ، رباها كابنته وليس كشقيقته فقط، فهو لا يرفض لها مطلباً إذا رآه مناسباً.
عاد إليهم الصمت ثانية، إلا أن والدتهم قالت فجأة. :” أنت مش ناوي تتجوز بقى يارفيق” علق الطعام بحلقه، فسد مجرى الهواء عن رئتيه، فظل يسعل بشدة، حتى تيقن الجالسين أنه أصيب بنوبة اختناق. فقالت منى بقلق وخوف. :” الف سلامة عليك يا حبيبى أنت شرقت ولا إيه” كتم مالك ضحكته بصعوبة قبل أن يقول. :” مش جبتيله سيرة الجواز لازم يشرق يا ماما” حدقته منى بنظرة غاضبة. :” أسكت يا واد أنت رفيق أنت كويس”
تناول رفيق كوب الماء، الذي أسرعت رهف بإعطائه له، فأنتظر حتى عاد إليه صوته، فقال بضجر. :” أنا تمام يا أمى بس مش احنا اتكلمنا في الموضوع ده ألف مرة قبل كده” تركت منى الملعقة من يدها وأطالت النظر به وهى تقول. :” يعني هو حرام أفرح بيك يا رفيق وأشوف ولادك” رفع رفيق يده وأشار لمالك قائلاً بصوت حاول أن يخرج هادئاً. :” عندك مالك خاطب أهو وإن شاء الله تفرحي بولاده” قالت منى وهى تنقر بأصابعها على المائدة.
:” طب مش حاجة غريبة لما أخوك الأصغر منك يتجوز وأنت مش راضي تتجوز” إلحاحها المتكرر بطلبها أن يتزوج، جعله من داخله يشعر بالألم الذي حاول هو إخفاءه عن عائلته منذ سنوات، فلا أحد يعلم سر عزوفه عن الزواج، سوى صديقه المقرب، فتلك الندوب التي ملأت فؤاده، لم تجعل به مكان آخر للشعور بشيء، سوى محبة عائلته، فهو لا يملك شعوراً ومحبة ليقدمها لأحد غيرهم. فحاول صرف تفكيرها بالأمر، فهتف بها برفق.
:” أنا قولتلك يا أمي خلاص أنا مش عايز اتجوز أنا مش هجيب لنفسي وجع الدماغ ثم أنتي عايزة واحدة تانية تيجي تاخدني منك ” حاول بشق جملته الأخير أن يمازحها، إلا أن فعلته لم تأتي بثمارها، فكانت رهف هي الأسبق بالقول. :” هو الجواز وجع دماغ يا أبيه” حرك رفيق رأسه بحركات متتابعة وهو يقول.
:” اه طبعاً وجع دماغ واحدة تفضل تزن طول النهار والليل ومبتفصلش وتشك فيا وفى تصرفاتي وتزهقني وتقولي روحت فين وجيت منين وتقرفني لاء أنا كده كويس اوى” تعجب الجالسين من منطقه العجيب وحجته الواهية، فهم جميعاً على علم ودراية، بمدى قوة شخصيته، التي يستطيع فرضها على من حوله، وليس بالقوة ولكن كأن به جاذبية، تجعل الجميع يطيعونه بدون مجادلة أو نقاش. فزفرت منى بخفوت قبل أن تقول.
:” هو انت بتقدر البلاء قبل وقوعه مش يمكن ربنا يرزقك بواحدة بنت حلال ولا تزهقك ولا تخليك تزهق منها” حك رفيق جبهته بتفكير فقال. :” لو لقيتى واحدة زيك يا امى أنا مستعد اتجوز دلوقتى” فقالت منى وهى تشعر بالحماس. :” بنات الحلال كتير يا رفيق” أشار بسبابته برفض وهو يقول. :” لاء أنا عايز واحدة زيك بالظبط وشبهك وفيها كل صفاتك ويكون اسمها منى كمان” رفعت منى حاجبها وهى تقول بتعجب.
:” لا يا راجل ودى نعملها إزاي نجيبلك عروسة تفصيل” :” أنا قولتلك على شروطى أهى وشوفى أنتى بقى” قال رفيق عبارته، وعاد لطعامه ثانية، يلوكه بفمه ببطء، وبإبتسامة من رؤية الحيرة على وجوههم. فغرز مالك يده بشعره وقال. :” أنت بتحطلها العقدة في المنشار وتقولها شروطى اهى دا انت كده بتعجزنا” زادت إبتسامة رهف اتساعاً، وهى تنظر لشقيقها فقالت بثقة. :” هو أبيه بيعمل كده علشان منتكلمش معاه في موضوع الجواز تاني”
غمر رفيق وجنتها بحنان فقال باسماً. :” حبيبة قلبي اللي بتفهم شطورة يا رهف” طالعتهما منى بغيظ وقالت. :” شطورة يا رهف! اه دلعها ما هي العصفورة بتاعتك” جذب رفيق شقيقته وقبل رأسها قائلاً. :” طبعاً دي عصفورتى الحلوة” أخذت رهف كفه العريض بين كفيها فقبلته بإمتنان. :” حبيب قلبي يا أبيه ربنا يبارك لنا فيك يا رب ” :” اه وهى برضه اللي ما بيتبلش في بؤقها فولة كل حاجة تقولك عليها”
قالتها منى وهى تنظر لرهف، الذي أطرق برأسه أرضاً هرباً من عيني والدتها. فما كان من رفيق سوى أن ضحك بصوت عالٍ. :” علشان بتفتنلى على خططك علشان تجوزينى يعنى وفيها إيه”
شاركه أفراد أسرته الضحك، فمن يراه يضحك الآن لا يظن أن هذا الشخص، بعد بضع دقائق، عندما يذهب إلى عمله سيصبح إنسان لا يطاق، فهو لا يحب أن يتهاون أحد من موظفيه في عمله، لا يريد منهم سوى إنجاز ما عليهم من أعمال، وليس معنى هذا أنه يظلم أحداً منهم، فهو مقابل تلك الرواتب التي يتقاضوها، يريد منهم عملاً بإتقان. مسحت منى فمها بالمحرمة القطنية الخاصة بالمائدة فقالت.
:” اه والصراحة انت مش مقصر يا رفيق كل عروسة تطلع فيها القطط الفاطسة ” ترك رفيق مقعده واقترب منها، فأنحنى إليها يقبلها على وجنتها قبل انصرافه، فهتف برفض قاطع. :” أنا قولتلك يا أمي ريحي بالك أنا مش عايز اتجوز اقولهالك تاني يا أمى” ندت عنها زفرة وتنهيدة وهى تربت على يده. :” أنا غلبت معاك يا ابني ربنا يصلحلك الحال يارب” :” ايوة هو ده اللي انا عايزه منك الدعاء الحلو ده وانت يا استاذ مالك مش يلا بينا”
قالها رفيق وهو يشير لشقيقه بالنهوض. فأستقام مالك بوقفته قائلاً بطاعة. :” أوك يلا بينا سلام يا امى سلام يا رورو” ردت منى ورهف بصوت واحد. :” مع ألف سلامة ” غمغم رفيق قائلاً وهو يجذب شقيقه من أمام المرآة، المثبتة على أحد جدران المنزل بالبهو الخاص به. :” الله يسلمك يا أمى يلا يا أخويا أنت مش رايح تتجوز”
تبعه مالك وهو يدمدم بصوت هامس، ولكن يعلم رفيق ما يقوله، فربما يبدي استياءه على إيقاظه مبكراً، وإرهاقه له بكثرة العمل، فلما يجعل من حوله يعانون، فربما بسبب اكتسابه تلك الشخصية الجادة والمخيفة، التي ساهمت ظروفه بتشكيلها، فهو لم يحصل على الدلال بصغره، لذلك لا يأخذ به إلا من أجل شقيقته الصغرى، ولكن شقيقه لابد له من أن يكون مثله، قوياً ذا بأس شديد، وأن يحافظ على ما وصل إليه بعد عناء، فهو قضى ما يقرب من ثلثي سنوات عمره الثلاثون بشقاء، فليس ما عناه شقاء بدنياً فقط، ولكن هناك شقاء من نوع آخر، ذلك الشقاء الذي لن يبرأ منه، مثلما برأ من فقره، فشقاء القلب أقسى وأشد صعوبة على التحمل.
*** خرجت ليان من المنزل، فتأبطت ذراع شقيقها، الذي حرصت جدتها على إرساله معها إلى السوق، المقام قريباً من طرف البلدة، فهي أصرت على الذهاب لشراء ما يحتاجونه من طعام، فالسوق يقام بأحد أيام الأسبوع، فتذهب هي برفقة شقيقها، وتشترى ما يلزمهم ويكفيهم، حتى موعد السوق القادم.
ترصدها الأعين وهي تسير بجوار شقيقها، بجسد ليس بالممتلئ ولا بالنحيل، وقامة ممشوقة، ووجه بهي الطلة، فحتى إن لم تكن فاتنة، فهي جذابة بلونها الخمري، وخضراوتيها، وكم من شاب أبدى رغبته بالاقتران بها، ولكن جدتها رفضت ذلك، معللة بأنها ستكمل تحصيلها الدراسي بالجامعة. وقف ثلاثة شباب، بجانب أحد أعمدة الإنارة، فصفر إحداهما إعجابها عندما رآها قادمة، فوكز رفيقيه قائلاً. :” بص ياض أنت وهى البت ليان جاية أهى”
نظر رفيقيه حيث أشار، فكل منهم يمنى النفس بها، فأحدهما تذكر عندما ذهب هو ووالده لخطبتها. فردتهما جدتها خائبين. ففح بغيظ وقال. :” دي عليها جدة قرشانة لما روحت أنا وأبويا نطلبها طفشتنا بنت اللذين إما أنا متغاظ منها بشكل” -” على أساس أن أبوك كان موافق علشان سواد عينك مش علشان الأرض اللي هي ورثاها عن أبوها واللي تمنها قد كده” قالها الشاب الثالث بسخرية فجة. فأثار غضب الأخر فرد قائلاً.
:” طب ما أنت كمان كنت عايز تتجوزها علشان كده يا أخويا متعملش فيها شريف أوى” تحدث الشاب الأول قائلاً بخبث. :” أنت عارف ياض أنت وهو هي عينها من مين من الواد “ماجد محسن” ابن صاحب أبوها دا هيبقى دكتور مش زيكم بتفكوا الخط بالعافية” أثار حديثه الغضب والنقم بصدر رفيقه الثاني، فتقدم معترضاً طريقها، فنظرت إليه وهي عاقدة حاجبيها وقالت. :” في إيه يا أخ أنت أبعد عن الطريق”
ولكنه لم يتزحزح من مكانه، بل بدا أنه سعيداً بمضايقتها، فدفعه باسم بصدره وهو يقول بغضب. :” هي مش قالتلك أبعد عن الطريق يلا وسع” أخرج الشاب من جيبه نقود تمثلت بعشرة جنيهات ورقية، فوضعها بجيب قميص باسم وهو يقول. :” خد يا جدع” تبع حديثه وهو يربت على وجنة باسم، فما كان منه سوى أن سدد له لكمة قوية قرب فمه، وأخرج النقود يلقيها بوجهه. فصاح به باسم بجماع صوته الحانق. :” احترم نفسك وأنت بتتكلم عن أختي يا حيوان”
تحسس الشاب فمه، ليرى الضرر الملحق به، فلم تكن اللكمة بالقوة الكافية، ولم تتسبب له إلا شعور طفيف بالألم، ولكن شيطانه وسوس له ببدء العراك مع باسم. فجذبه مرة واحدة من ياقة قميصه، وطرحه أرضاً ووثب عليه، فأعاد إليه الضربة مضاعفة. فصرخت ليان وحاولت دفع الشاب عن شقيقها فهدرت بصوت عالٍ. :” إبعد عنه وإلا والله العظيم هوديك في داهية” نظر لها الشاب بتسلية، ومازال جاثماً على صدر باسم.
:” أستنى يا حلوة دورك جاى بس مش هعاملك زي أخوكى ليكي معاملة تانية هتنبسطي منها أوى” رفعت ليان يدها وحطت بها على وجهه بصفعة قوية وهى تقول بحنق. :” أخرس يا حيوان” تحسس الشاب مكان الصفعة وعيناه متسعة، فترك باسم ونهض قابضاً على ذراعيها بأصابع فلاذية وصاح بوجهها. :” بتضربيني بالقلم يا بنت إلهام الرقاصة”
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!