الفصل 2 | من 26 فصل

رواية في هواها متيم الفصل الثاني 2 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
26
كلمة
5,241
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

جحظت عينيها بعد سماعها ذلك الوصف والنعت لوالدتها، فبما يقصد بتلك الكلمة المهينة؟ فهي منذ زواج والدتها وهي ترى العيون ترمقها بغرابة، فأحياناً كثيرة كانت تشعر بوجود خطب ما خلف زيجة والدتها.

ولم تنسى أيضاً امتناع بعض النسوة عن مصادقتها لبناتهن، فهي كانت تظن أن هذا بسبب ترك والدتهما لهما، فهي كل ما تعلمه عن زوج والدتها أنه يمتلك مطعماً ومقهى بالقاهرة، فهي لم تشأ البحث عن ماهية عمل زوج والدتها، فهي منذ أن رأته لم تشعر بالراحة، بل يقشعر بدنها عندما ينظر إليها، ولا تعلم سر هذا الانقباض الذي تشعر به كلما تراه. وربما هذا عائدًا لملامح وجهه الغليظة خلاف تلك الملامح الحانية التي كانت لأبيها.

خرج صوتها ضعيفًا من بين شفتيها الجافتين وهي تقول بذهول: –رقاصة. قبل أن يتمكن الشاب من قول شيء آخر، أسرع باسم بدفعه والتقط رسغ ليان يجرها معه بخطوات شبه راكضة، فلم تعى ليان ما فعله شقيقها إلا بعدما وجدت نفسها داخل السوق، فالضجيج يعم المكان، ترتفع أصوات البائعين وكل منهم حريصًا على جلب الزبائن بعرض محاسن بضائعه. فـوكزها باسم بذراعها قائلاً: –ليان يلا شوفي هتشري إيه خلينا نروح بسرعة.

نظرت لشقيقها بتيه بادئ الأمر، ولكن سرعان ما أخذت بانتقاء الخضروات والفاكهة اللازمة، فبعد شراءها ما يلزمها وضعت الأكياس البلاستيكية بحقيبة كبيرة خاصة بالتسوق. عادا للمنزل، فوضعت ليان ما بيدها، ولكنها بحثت عن جدتها لعلها تقدم لها تفسيرًا لما سمعته من ذلك الشاب بالسوق، فولجت غرفة جدتها، وجدتها تستلقي على فراشها ولكنها لم تكن غافية. فأقتربت من الفراش تناديها بإلحاح: –تيتة، تيتة. نظرت إليها علية بابتسامة هادئة وهي تقول:

–نعم يا حبيبة تيتة. جلست ليان بجانبها على طرف الفراش، بدأت بفرك يديها ببعضهما البعض، تحاول أن تجد من الكلمات ما تنمق به سؤالها، ولكن أي كلمة تستطيع أن تقولها غير ذلك النعت الذي أطلقه ذلك الشاب على والدتها، فهي تعلم مدى الجفاء بين جدتها ووالدتها، وعلى الرغم من ذلك لا تذكر جدتها والدتها بسوء، أو ربما لا تذكرها نهائيًا بهذا المنزل بعد تركها المنزل. –تيتة هو فعلاً ماما بتشتغل رقاصة؟

هكذا انطلقت الكلمات من فمها بسرعة، فغرزت أصابعها بين طيات الفراش، كأنها في انتظار سماع حكم مصيري بصدق ما سمعته أو كذبه. توترت عضلة قرب فم علية مما سمعته من ليان، فتبسمت بتوتر وقالت: –إيه اللي بتقوليه ده يا ليان؟ ومين قال لك الكلام ده يا حبيبتي؟ تركت ليان مكانها، فدارت حول نفسها وعينيها على وشك البكاء، فقال بغصة: –واحد هنا من البلد، فاكرة الشاب اللي جه طلب إيدي من حوالى شهر؟ هو ده اتخانق مع باسم

ولما ضربته بالقلم قال لي: "بتضربيني يا بنت إلهام الرقاصة". رفعت علية يدها اليمنى تشير إليها بالإقتراب، فأسرعت ليان بالإرتماء بين ذراعيها وانتحبت على صدرها، فما كان من جدتها سوى أن احتوت جسدها بين ذراعيها وهي تهدهدها بلطف. فطبعت قبلة حانية على رأسها وهي تقول: –إهدي يا قلب تيتة، ده تلاقيه بيقول كده عشان متغاظ إن إحنا موفقناش عليه لما جه يتقدملك، هو كان عايز يغيظك بس.

بدأ مفعول كلمات جدتها بالظهور على وجهها، فهي كفت عن البكاء ومدت يدها تمسح دموعها بطرف أناملها، فهي استكانت بين ذراعي جدتها، ولكن علية أخذ الخوف منها كل مأخذ بعدما سمعت ما قالته ليان. فهي وإن استطاعت تدارك الأمر، فهي تعلم أن الأمر لن يظل طي الكتمان للأبد، مثلما حرصت على إخفاءه عن حفيديها. فحاولت صرف حزنها، فأقترحت قائلة بابتسامة: –إيه رأيك نروح القاهرة ونشتري لك هدوم عشان الجامعة؟ رفعت ليان رأسها عن صدر علية وقالت:

–مش لما النتيجة تظهر بس يا تيتة وأشوف هدخل كلية إيه. –وفيها إيه يعني، حتى نزور صاحب باباكي عمك محسن، بقالي فترة مشوفتهوش وهو من ريحة الغالي أبوكي الله يرحمه وكان روحه فيه.

قالتها علية غير منتبهة هي لتلك الحمرة القانية التي ألهبت خديّ تلك الفتاة، فبإتيان جدتها على ذكر صديق والدها المقرب تذكرت هي أن بتلك الزيارة لن تراه هو فقط بل سترى أيضًا ابنه، ذلك الشاب اليافع المدعو ماجد، ولكنها تذكرت أيضًا ضرورة ذهابها لقبر أبيها، فهي تعتني بتلك الزهور والورود التي زرعتها هي أمام قبره. فأصطحبت شقيقها بعد خروجها من غرفة جدتها وإخبارها بنيتها بالذهاب للمقابر.

وصلا حيث أرادت، فجلست القرفصاء أمام القبر وتلمست الورود بحنان، ولكن عيناها فاضت بالدموع التي تساقطت تروي الورود عوضًا عن الماء، فوالدها رحل عن العالم وهي لم تكن أكملت عامها الثامن بعد، فهي كانت أشد حبًا وقربًا من أبيها، فهي مازالت تتذكر دلاله لها خلافًا لذلك الجفاء الذي كانت تشعر به دائمًا من معاملة والدتها لها، فهي لم تهتدِ لسبب هذا الجفاء والمعاملة الخشنة من جانبها. ***

ولج رفيق إلى مقر عمله بخطوات متأنية وهادئة كعادته دائمًا، يتبعه شقيقه مالك، فالعاملون بحالة تأهب وترقب شديد لمجيئه، وكأنهم بأحد العروض العسكرية، يومئ برأسه بهدوء لكل من يقابله، فبمجرد دخوله لغرفة مكتبه، التقطوا أنفاسهم التي شعروا بأنها تكاد تتلاشى من كثرة احتباسها. فـألتقطت سكرتيرته أنفاسها تحدث زميلتها في العمل قائلة بتأفف:

–أوووووف يا ساتر يارب على وقفة كل يوم دي، ده تحسي إن الواحد أعصابه مشدودة ونفسه مكتوم، لو كان اتأخر شوية في دخول مكتبه كان هيغمى عليا. تبسمت صديقتها وهي فتاة تدعى نسرين وقالت: –مش عارفة لما يدخل المكان تحسي إن المكان بقى ضيق كده ليه، مع إن الشركة كبيرة بس وجوده في أي مكان بيحسسك إن المكان بقى ضيق ومفيش هوا عشان نتنفس، ولما يعلي صوته بحس إن شوية وهيجيلي طرش. ضحكت بسمة بخفوت على قول نسرين فقالت بإعجاب ظاهر:

–بس الصراحة هو كاريزما أووووي وحلو كده، يخرب بيت الميكس الغريب اللي هو فيه ده. شهقت نسرين قائلة بتحذير: –أنتي اتجننتي ولا إيه يا بسمة؟ لو خطيبك سمعك هيعلقك من ودانك. رفعت بسمة شفتها العليا وهي تقول: –يا أختي اتنيلى على عينك، ما انتي كمان عينك من مالك أخوه ودايبة في أهله. بسماع قول بسمة تغشى الحزن عيني نسرين، فقالت بغصة قوية: –خلاص بقى يا بسمة، مالك خطب وهيتجوز. قالت بسمة وهي تزفر بسخط:

–اه البت الرخمة أنثى اليربوع دي اللي اسمها ماهيتاب الشريف. تبسمت نسرين بألم قائلة: –بت رخمة! انتي مش عارفة هي تبقى بنت مين يا بسمة؟ رفعت بسمة يدها تشير بها بعدم اكتراث: –علشان يعني أبوها راجل غني وواصل وإيه يعني، طظ فيها هي وأبوها كمان. أشارت لها نسرين بالصمت قائلة:

–طب اكتملي بقى متجيبيش لينا مصيبة على الصبح واحنا لسه في أول اليوم، لمستر رفيق يسمعك وهتلاقيه مدينا ورق الرفد في إيدينا واحنا ما صدقنا نشتغل ونلاقي شركة كويسة، فحافظي بقى على لقمة عيشنا الله يباركلك. أماءت بسمة برأسها وقالت: –أه أحسن، ده مبيتفاهمش كلمة ورد غطاها، معندوش يا أما ارحميني، مبيعملش خاطر لحد ابدًا، أعوذ بالله. –يعني هو وصل للنجاح ده كله بعرق جبينه، وهيسمح لحد إنه يعطله، ده يرفد واحد يعين عشرة مكانه.

قالت نسرين عبارتها وحملقت بالورق بين يديها، وهي الأوراق الخاصة بمشروعات البناء التي يعمل مالك على تنفيذها، فرفيق يعمل على شراء الأراضي الصالحة للبناء على أن يقوم مالك بتصميم عصري جديد للبنايات السكنية، فالشركة مختصة بأعمال البناء وشراء الأراضي. هتفت بها بسمة بإشادة بأخلاق رفيق: –بس تصدقي برضه عمره ما جه على ضعيف أو غلبان أو استقوى على حد، هو بس عملي وجد زيادة عن اللزوم. أماء نسرين برأسها عدة مرات وهي تقول:

–صدقتِ، أنا حتى مبشوفهوش يضحك أبدًا ولا حتى بيبتسم، مع إن أخوه وأخته ومامته عسلات ووشهم دايما مبتسم. فقالت بسمة بتفكه: –يمكن خايف يضحك وشه يشقق. تبسمت نسرين رغماً عنها من قول بسمة فقالت: –بس اللي مستغربة له إنه سايب الجرح اللي في وشه ده، مش حتى بيفكر يعمل عملية تجميل. لملمت بسمة الأوراق عن مكتبها وهي تقول:

–ده يمكن الجرح ده اللي عمل له هيبة كده رهيبة، ده زايد في وسامته مش مقللها، تحسي إنه راجل كده مالي مركزه مش زي شباب اليومين دول. أطلقت نسرين تنهيدة شابها الحزن قائلة: –إحنا هنفضل نرغي ومش هنعمل حاجة في يومنا ده، أنا هروح أشوف مستر مالك ليكون عايز حاجة. ربتت بسمة على كتفها بمواساة: –ماشي، وقلبي عندك. زادت إبتسامتها حزنًا وهي تقول: –كله نصيب يا بسمة.

ذهبت نسرين إلى مكتبها، فهي السكرتيرة الخاصة بمالك، فمنذ عملها بالشركة ووقع بصرها عليه أحبته، ولكنه ليس حراً، فهو على وشك الزواج من فتاة من وسط الأثرياء تناسبه، فما هي إلا فتاة من أسرة فقيرة، فكيف سيلاحظها أو يشعر بحبها له؟ فتنهدت بحزن شديد على حالها، فما أسوأ أن يقع الإنسان في الحب مع الشخص الخطأ. ***

انتهى أكمل من عقد رابطة عنقه، ونثر عطره الثمين بسخاء، فهو بصدد الذهاب لعمله، ولكن استدار برأسه ينظر بسخرية لتلك المرأة النائمة بدون أدنى اهتمام به. فتحت ابنته الصغيرة ذات الأربعة أعوام باب الغرفة وولجت راكضة إليه، فابتسم لها ابتسامة عريضة، ففتح لها ذراعيه فغاصت بينهما، فاحتضنها ورفعها عن الأرض وهو يقبل وجنتيها بحب شديد ووله، فتلك الصغيرة هي من تجعل له سببًا يحيا من أجله. فقبلت الصغيرة وجنته وقالت بصوتها الرقيق:

–صباح الخير يا بابي، أنا صحيت خلاص من النوم. مسد أكمل على رأس ابنته قائلاً: –صباح النور يا قلب بابي، شطورة يا كنزى. عبثت الصغيرة برابطة عنقه وهي تقول: –مامى لسه مش صحيت يا بابي. شخص أكمل ببصره تجاه زوجته النائمة فقال بسخرية: –وهي مامى بتصحى دلوقتي برضه يا كنزى؟ –طب أنا عايزة أروح الحضانة، مين هيوديني؟ أنا مش عايزة الدادة.

قالتها الصغيرة بطيف من الحزن مر بعينيها، فهي لا تحصل على المقدار الكافي من حب ورعاية والدتها، فهي تقضي وقتًا أطول برفقة المربية عوضًا عن والدتها. فتململت تلك المرأة في فراشها متأففة من تلك الأصوات التي تزعجها أثناء نومها، فصاحت بضيق: –إيه! إيه الأصوات دي على الصبح؟ أنا مش عارفة أنام. وضع أكمل الصغيرة أرضًا وهو يقول: –ده بدل ما تقومي تشوفي بنتك وتجهزيها عشان حضانتها يا شهيرة. ضمت شهيرة حاجبيها وقالت:

–وهي فين الدادة بتاعتها؟ أجابها أكمل بنزق: –الدادة! وإنتي متأخذيش بالك من بنتك ليه؟ وراكي إيه يعني؟ بصياحه بوجهها شعرت شهيرة بالامتعاض والاستياء، فردت بحدة مماثلة: –أكمل مش هنفضل نتكلم في الموضوع ده كتير، ماشي؟ مش كفاية إنك إنت اللي غصبت عليا عشان أخلف وكمان بسبب الخلفة وزني زاد وجسمي باظ، وبـعجوبة على ما عرفت أظبط جسمي تاني. أصدرت أسنانه صوت صرير قوي وهو يسحق فكيه من الغيظ: –والله هو ده اللي هامك؟

مش هامك بنتك ولا هامك جوزك، المهم رشاقتك ولياقتك وخلاص. دي عيشة تقصر العمر. قالت شهيرة بتأفف وبرود: –أوووف بليز يا أكمل متكملش، ومش خلصت؟ أتفضل روح على شغلك وكنزى خلي الدادة توديها الحضانة، وياريت تقفل الباب وراك.

أنهت حديثها وسحبت الوسادة تضعها على رأسها معلنة بذلك نهاية الحديث، فأخذ ابنته وخرج من الغرفة وهو يشعر بكل شياطين العالم كله تتراقص أمام عينيه من غضبه من تلك المرأة الأنانية التي لا تفكر بأحد سوى نفسها فقط، غير مبالية به أو بابنتها الوحيدة. نظرت الصغيرة لأبيها وهي تقول بحزن: –هي مامى مش هتوديني الحضانة يا بابي؟ أخذ كفها الصغير بين كفه الضخم وهو يقول بحب: –تعالي يا حبيبتي أنا هوديكِ الحضانة وبعدين هروح الشغل.

فرحت الصغيرة أن أباها سيصلها إلى روضتها اليوم، فهي تحب أباها بشدة، ولكن أحيانًا تشعر بأن والدتها لا تحبها، ولا تعرف لماذا؟ فعقلها الطفولي لم يستوعب بعد عدم اهتمام أمها بها. قام أكمل بإيصالها إلى روضتها، ثم ذهب إلى عمله، فهو شريك رفيق في العمل وصديقه المقرب منذ الطفولة، ظل يضرب بيده على مقود السيارة يريد تنفيس ما به من غضب من تصرفات زوجته، فإلى متى ستظل بهذه الأنانية؟ فأحيانًا كثيرة يفكر لماذا ارتبط بها وتزوجها؟

هل كان يريد أن يحصل بارتباطه بها على النفوذ؟ فهي ابنة رجل أعمال ذائع الصيت بسوق الأعمال، ولكنه بالأساس صار جائرًا بحقه وحق ابنته لكونه تزوجها وأصر عليها بالإنجاب. ***

تسير تلك الفتاة ذات الثلاثة والعشرين عامًا بخطوات رشيقة تمد يدها تعيد شعرها للخلف وترتدي نظارة شمسية من أفضل الماركات العالمية، يصدر حذاؤها صوتًا رنانًا على تلك الأرضية الرخامية، تلوّي ثغرها الغض بابتسامة جانبية من نظرات الإعجاب التي تراها في أعين هؤلاء الرجال عندما تلج لأي مكان، كأنها شبيهة بفينوس رمز الجمال والغرور. وصلت إلى مكتب مالك، فنظرت لنسرين من خلف نظارتها وقالت: –هاي مالك جوه في مكتبه.

رفعت نسرين رأسها بعد سماع صوتها الذي بعث بداخل أذنيها وقلبها نارًا تحرق الفؤاد، فابتلعت تلك الغصة بحلقها وقالت: –أيوه يا آنسة ماهيتاب، هو جوه ثواني أديله خبر. قالت ماهيتاب وهي تجلس على حافة مكتبها: –طب بسرعة بليز.

جلست على حافة المكتب تهز قدميها بلا مبالاة، فرفعت نظارتها عن وجهها ووضعتها بمنتصف رأسها، فاجتمعت خصيلاتها الحريرية على ظهرها بعدما كانت تتهدل على جانبي وجهها، لثوانٍ معدودة ظلت نسرين تنظر إليها وكأنها تقيّم حالتها وتضيف سببًا آخر للفرق الشاسع بينهما. وعندما رأت أن كثرة المقارنة ستؤدي بها في النهاية لمزيد من الحسرة، قامت نسرين بطرق باب غرفة مكتب مالك. فسمعت صوته من الداخل قائلاً: –أيوه ادخلي يا نسرين. ولجت نسرين

غرفة المكتب وهي تقول: –مستر مالك، آنسة ماهيتاب خطيبتك عايزة تقابلك، هي بره. ترك مالك مقعده بتلهف فقال متبسمًا: –خليها تدخل بسرعة يا نسرين. رأت ابتسامته وتلهفه لرؤية تلك الفاتنة، فخفضت عينيها أرضًا تمنع دموعًا على وشك التجمع بمقلتيها، فتلك الابتسامة لا تزيده إلا وسامة، وهي لا تريد أن تنجرف في ذلك الطريق الذي بدأت معاناتها فيه عندما رأته بالمرة الأولى.

فخرجت من المكتب تجر قدميها قسرًا، ونظرت لتلك الفتاة الجالسة على مكتبها، شعرت بالغيرة الساحقة، وكيف لا وهي سترى تلك الفتاة تدلف إلى مكتبه الآن؟ ستسمع بأذنيها صوت ضحكاتهما سويًا، التي ستكون مثل الخناجر المسمومة التي تطعن قلبها. فقالت نسرين بغصة قوية: –اتفضلي يا آنسة ماهيتاب، هو مستني حضرتك جوه. استقامت ماهيتاب بوقفتها وقالت بترفع: –شكرًا يا أنتِ، هو أنتي اسمك إيه؟ كل مرة أنسى اسمك. قالت نسرين بصوت فاتر:

–اسمي نسرين حضرتك. أمسكت ماهيتاب طرف سترتها كأنها تعيد ترتيبها فقالت: –أه أه ماشي. بعد أن أنهت جملتها أولتها ظهرها، فقامت بفتح الباب وولجت بتلك الابتسامة العريضة التي تسلب مالك عقله. فصاحت بصوتها ذي البحة الرقيقة: –هاي مالك. قفزت دقات قلبه بعد سماع صوتها، فما كان منه سوى أن أبدى ترحيبه بقدومها: –أهلاً ماهيتاب، نورتي الشركة. جلست ماهيتاب على مقعد أمام مكتبه الأنيق وهي تقول: –ميرسي يا حبيبي. جلس مالك بالمقعد المقابل

لها وهو يقول بابتسامة: –بس إيه سبب الزيارة السعيدة دي؟ أنا كنت شوية وهكلمك. نقرت بأصابعها الرقيقة والنحيلة على طرف المكتب وقالت: –وحشتني يا حبيبي، جيت أشوفك، ولا بلاش يعني. قال مالك وهو يهم بالضغط على أحد أزرار التنبيه الموجودة على سطح المكتب من أجل استدعاء نسرين: –يا سلام دا أنتي نورتي الدنيا كلها، تشربي إيه؟ رفعت يدها تنهره بلطف عن طلب مشروب لها قائلة: –ميرسي يا حبيبي، مش عايزة حاجة.

رفع مالك يده عن الزر، فأبدى اقتراحًا: –طب إيه رأيك نخرج نتغدى برا النهاردة؟ أماء ماهيتاب برأسها موافقة وهي تقول: –أوك، ماشي يلا بينا. نهضت عن مجلسها ووقف مالك أيضًا، فسحب إحدى الملفات قائلاً: –طب ثواني هدخل الورق ده لـ رفيق وأقوله إني خارج معاكي عشان نتغدى. عندما استمعت له يذكر شقيقه، فأقترحت قائلة: –استنى أجي معاك أسلم عليه، بقالي كتير مشوفتهوش. تبسم لها مالك وقال: –ماشي يلا بينا يا حبيبتي.

خرجا من غرفة مكتبه واتجها إلى غرفة مكتب رفيق، قام مالك بطرق الباب عدة طرقات مهذبة، فسمع صوت أخيه يأتي من الداخل يقول بصوت رخيم: –أيوه ادخل. ولج مالك إلى الغرفة تتبعه ماهيتاب بخطوات متأنية، فرفع رفيق عينيه عن الأوراق أمامه ونظر لشقيقه قائلاً بتساؤل: –أيوه يا مالك خير، في إيه؟ وضع مالك الأوراق أمامه وهو يقول بشيء من الفخر: –ده الورق اللي إنت كنت طالبه مني خلاص خلصته وكله تمام. فتح رفيق الملف يتفحص محتواه فرد قائلاً:

–تمام يا مالك، إزيك يا ماهيتاب؟ تقف تضع طرف نظارتها بين شفتيها باغراء، تنظر إليه تراه يتحدث، تتابع نظره عيناه وحركة يديه وجسده، فياله من رجل يخطف الأنفاس، فمنذ أول مرة رأته بها وهو كأنه سلب منها عقلها وأنفاسها. فالتوى ثغرها بابتسامة من رؤيته وقالت: –هاي رفيق، أنا تمام، أخبارك إيه؟ رد رفيق بجدية تناسبه: –تمام الحمد لله، نورتي الشركة. تتابعت أنفاسها بهمس، كأنها بالدقيقة التالية لن تكون قادرة على التنفس،

فخرج صوتها مبحوح: –ميرسي يا رفيق، كلك ذوق، بس بقالنا كتير مش بنشوفك يعني. أجابها رفيق بهدوء: –أصل مشغول شوية، باباكي ومامتك أخبارهم إيه؟ قالت ماهيتاب بصوت أنثوي معبأ بإغراء: –تمام وبيسلموا عليك ونفسهم أوي يشوفوك، بيقولوا إنك وحشتهم أوي. رفع يده يرخي رابطة عنقه وقال: –إن شاء الله أبقى أزورهم في أقرب وقت. –أنا هخرج اتغدى أنا وماهيتاب، لو في أي حاجة رن عليا.

قال مالك عبارته وهو يتحرك ناحية الباب في انتظار أن توافيه ماهيتاب. فرد رفيق قائلاً: –ماشي، وياريت متتأخرش، مع السلامة. أنهى حديثه وعاد ينظر إلى تلك الأوراق أمامه، كانت تقف هي غير منتبهة لإلحاح مالك بالنداء، فعاد يقف بجانبها فعلاً صوته قليلاً: –ماهيتاب، ماهيتاب يلا بينا. أدركت بلاهتها بالتحديق المستمر برفيق، فردت قائلة بأسف: –سوري يا مالك، سرحت شوية، بتقول إيه؟ أجابها مالك بصوت عاشق: –بقول يلا بينا نمشي عشان نتغدى.

بادلته الابتسام بابتسامة أشد إغراءً وقالت: –آه سوري يلا بينا، باي رفيق. –مع السلامة. قالها رفيق بهدوء، فهو لم يكلف نفسه عناء رفع رأسه، فهو رد على حديثها بدون أن يرفع عينيه عن الأوراق الموضوعة أمامه. أصابها الضيق من غطرسة هذا المتعجرف، فلما لا ينظر لها عندما تحدثه؟ ألا يعلم كم رجل يتمنى فقط أن يلقي عليه تحية الصباح وليس أن يتجاذب معه الحديث؟

ولكن هو هكذا منذ معرفتها به، كأنه خُلق من جليد، فهي لم تر ابتسامته إلا نادرًا عندما تذهب لزيارة والدته أو شقيقته بالمنزل، فهي لا تذهب هناك إلا من أجل رؤيته، فقلبها لا يرى أحدًا غيره، حتى وإن كانت خطيبة شقيقه، فتتمنى أن تضع قلبها بين يديه وأن تتخذه هو زوجًا، فكيف سيكون حالها عندما يتوددها هذا الرجل الجليدي؟

فربما سيكون غزله وإطراؤه يحمل طابع الخشونة، وهذا ما يستميلها، فعلى الرغم من عشق مالك لها، لكنه لم يستطع جعلها أن تشعر بكم تلك المشاعر التي تراودها بشأن شقيقه الأكبر. ***

تجلس أمام ذلك الجدول الصغير المملوء بالماء تضع قدميها به، تبتسم على تصرفاتها الطفولية، فهي ترى الفلاحين في تلك الأراضي يزرعون بدأب، فهي تعشق رؤية تلك الأراضي الخضراء، فهي كأنها جنة على الأرض، فهي نشأت على حب ذلك الجمال من المساحات الخضراء المزروعة بمختلف أنواع المحاصيل الزراعية، فتذكرت والدها الحبيب، فهو كان مهندسًا زراعيًا، غرس بها حب الطبيعة والزراعة، فتلك المساحة الشاسعة من الأرض ملك لهم، فعائلة والدها توارثت تلك الأراضي من جيل إلى جيل، حتى أصبحت هي وشقيقها ورثة لتلك الأراضي.

لم تفق من ذكرياتها إلا على صوت يناديها، فالتفتت إلى مصدر الصوت بابتسامة مشرقة، فمن يناديها ابن صديق والدها، ذلك الشاب الذي يدعى ماجد، وهو شاب يدرس بالسنة الخامسة بكلية الطب. تركت مكانها وهي تقول بسعادة: –إيه ده ماجد، حمد الله على السلامة، انتوا جيتوا امتى؟ رد ذلك الشاب الوسيم الذي يميل جسده للنحول قليلاً وعيناه تتوارى خلف نظارة طبية أنيقة: –وصلنا امبارح بالليل.

زاغت بعينيها عن وجهه وهي تشعر بحرارة شديدة تغزو وجنتيها من شدة الخجل، فخرج صوتها ضعيفًا بارتباك: –ومامتك وباباك وأخواتك أخبارهم إيه؟ أجابها ماجد مبتسمًا من رؤية خجلها وارتباكها الواضح: –الحمد لله كويسين، بيسلموا عليكي وهييجوا النهاردة بالليل عشان يزوروا تيتة علية، هي أخبارها إيه؟ زفرت ليان بصوت مرهق: –أهو الحمد لله، نحمد ربنا على كل حال. شعر بالقلق من نبرة صوتها المرهقة، فتساءل بإلحاح: –هي لسه تعبانة برضه يا ليان؟

هي مش راحت للدكتور؟ سارت ليان بضع خطوات وهي تقول: –راحت وقال لازم ليها الراحة ومتتعبش نفسها خالص، وتيتة مبتسمعش الكلام. وضع مسافة آمنة بينهما وهو يقول: –ربنا يشفيها يارب، ها وأنتِ أخبارك إيه؟ قالت ليان بخجل شديد: –الحمد لله كويسة، والنتيجة قربت تظهر. ضبط وضع نظارته على عينيه كأنه يشعر بالخجل هو الآخر، فقال بتمني: –إن شاء الله على خير، وإنتي لما تدخلي جامعة القاهرة لازم تيجي تقعدي عندنا على ما تخلصي دراسة.

كورت ليان قبضة يدها، لعلها بذلك تستمد القوة التي تفتقر لها برؤياه: –إن شاء الله، هبقى أقعد في المدينة الجامعية. حرك ماجد رأسه برفض وقال: –يعني تقعدي في المدينة الجامعية وبيت عمك محسن موجود؟ عيب عليكي يا ليان، ولا إنتِ بتعتبرينا غرباء عنكم؟

نظر إليها فخفضت نظرها أرضًا، يتلون وجهها بألوان قوس قزح، فهي عندما تراه لا تعلم ما يصيبها، فهي تشعر بمشاعر الحب نحوه، ولما لا، فهي تعرفه منذ أن عرفت معنى الحياة، ولكنه لا يعلم بما تكنه له في قلبها، ولا يعلم أحد، فهي لم تبح له بذلك، فذلك الشعور مكنون بداخل قلبها، وتريد منه المبادرة أولاً، وليست أي مبادرة، فهي تريده أن يأتي لخطبتها.

أبتسم لها بخجل هو الآخر، فهو يريد أن يبوح بما في قلبه، ولكنه لا يستطيع الآن، فهو يريد أن ينتهي من دراسته حتى يكون جديرًا بها ويستطيع الفوز بتلك الفتاة التي يراها أجمل فتاة بعينيه، ولما لا، فهي حباها الله ذلك الجمال الممزوج بالقبول لدى الآخرين، فبها شيء لا يصمد أمامه أحد كثيرًا، كأنها لغز يحير الناظرين إليها.

فخلف إحدى الشجيرات كان يقف ذلك الشاب الذي تشاجرت معه بالسوق، بل إنها صفعته على وجهه، رفع يده يتحسس مكان تلك الصفعة وهو يتوعدها. فنظرت إليهما بشر وقال: –أخرج هاتفه من يده، ذلك الهاتف الذي توسل أبيه من أجل شرائه، وهو يمنيه بأن حلمه بالاستيلاء على تلك الأراضي التي تخص عائلة ليان ستكون بقبضة يده قريبًا، بل أنهم هم من سيتوسلونه بالزواج منها.

ففرح الأب فرحًا شديدًا بما قاله الابن، وعمل على توفير كل ما يلزمه من أجل تحقيق ذلك الحلم الذي راوده منذ سنوات طوال، فتلك الأراضي هي الأخصب والأكثر إنتاجًا للمحاصيل الزراعية بالبلدة بأكملها، وليس هذا فحسب، فالأراضي التي لم يتم زراعتها أصبحت اليوم تباع بمبالغ مالية كبيرة.

أصدر الهاتف صوتًا منخفضًا دليلاً على التقاط العديد من الصور التي هو بحاجة إليها من أجل إتمام خطته على الوجه الأكمل، فتفحص الصور الصورة تلو الأخرى، وابتسامته تزداد اتساعًا. فقال بوعيد: –شوفي بقى اللي هيجرالك يا ليان، إنتي والحبيب بتاعك، ولما تشوفي انتي المفاجأة اللي محضرهالك، وأكيد هتنبيسطي منها أوي. وضع الهاتف بجيبه وغادر مكانه بعدما رآها تودع ماجد عائدة إلى منزلها، وذهب ماجد بطريقه هو الآخر.

وصلت للمنزل وأدارت مقبض الباب، تلج بصياح كعادتها دائمًا، ولكنها وجدت شقيقها باسم يقترب منها بوجه شاب الإصفرار، فجسده وشفتاه يرتجفان. ففزعت من رؤية وجهه، فأقتربت منه تتحسس وجهه وهي تقول: –باسم مالك في إيه؟ وشك مصفر ليه كده؟ حصل إيه؟ في إيه يا ابني؟ مالك رد عليا. تلعثم باسم بقوله: –ااالحقي يا ليان في مصيبة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...