الفصل 5 | من 26 فصل

رواية في هواها متيم الفصل الخامس 5 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
30
كلمة
4,123
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

أرتعشت يداها وسقط ما تحمله بين كفيها، فشل الحرج حركتها، بعدما سمعت ما تفوهت به علية. صدرها ظل يصعد ويهبط بخوف من أن ينتبه أبناؤها على مغزى حديث تلك العجوز. فقد رأت بوضوح تقطيبة حاجبي ابنتها وانفراج شفتيها، كأنها على وشك سؤال ماذا يحدث وهي لا تعلم. فابتسمت إلهام بتوتر قائلة: "قصدك إيه يا حاجة علية بكلامك ده؟ زفرت علية بخفوت وتنهيدة، فقالت وهي تحدق بباسم: "قصدي أنتي فهماه يا إلهام، إحنا مش هنضحك على بعض."

أراد فاروق فض النقاش بينهما، فهتف قائلاً: "إيه بس يا حاجة علية، صلي على النبي واستهدى بالله." التوى ثغرها بابتسامة هازئة وهي تقول: "وأنت تعرف ربنا أوي يا أستاذ فاروق." طحن فاروق أسنانه من خلف شفتيه المطبقتين، فحدث ذاته سرًا: "ولية قرشانة صحيح، أنا عارف إنتي قاعدة ومتبتة في الدنيا ليه وعزرائيل تايه عنك فين."

نظرت ليان وباسم لبعضهما البعض وهما لا يفهمان شيئًا مما يجري حولهما. فجدتهما دائمًا تصر على عدم أخذهما شيئًا من أمهما أو زوجها. سابقًا فشلت ليان في معرفة سبب ذلك، فهي لا تعلم ماهية مهنة زوج والدتها. ما تعرفه، وحدثتها به والدتها، كونه يمتلك مطعمًا فقط، ولا تعرف أكثر من ذلك. فأخذت يد جدتها بين راحتيها وتساءلت: "إنتي قصدك إيه يا تيتة؟ سحبت علية يدها وربتت على وجنتها بلطافة:

"مفيش حاجة يا حبيبتي، يلا على أوضتك إنتي وأخوكي." تركت إلهام مكانها وجلست بجانب علية وابتسمت لها بتملق: "أنا ملحقتش أشوفهم يا حاجة علية، ممكن بس نبات هنا النهاردة أشبع من ولادي، أنا عارفة إنك قلبك طيب." وافقت علية على مضض أن تظل تلك المرأة وزوجها في منزلها. فهي لا تتخيل كيف استبدلت إلهام ابنها الراحل بهذا الرجل. ابنها كان يشهد له الجميع بالخلق الحسن. فأجابتها علية بضيق: "تنوروا يا إلهام، متعودتش أقفل بيتي في وش حد."

"تسلمي يا حاجة علية، ربنا يبارك لك." قالتها إلهام بامتنان مزيف، فهي فشلت في جذب ابنتها إليها أو ابنها. فهما يتعاملان معها ببرود تام. ولما لا، فهي من تركتهما وهما صغار، مفضلة بذلك رجلاً آخر عليهما. حل المساء سريعًا، فذهبت إلهام وزوجها إلى غرفة الضيوف. جلس فاروق على الفراش، ينفث دخان سيجارته بشرود. لاحظته زوجته، فأقتربت منه تسأله عما أصابه: "مالك يا فاروق، إيه وشك متغير ليه كده؟ نفث الدخان ببطء قائلاً:

"مفيش حاجة يا حبيبتي، أنا كويس." جلست بجانبه على الفراش وقالت: "طب سرحان ليه كده؟ رفع شفته العليا مدمدمًا بشيء من الضيق والسخط: "الصراحة، الولية القرشانة اللي اسمها علية دي تنرفز. شوفتي كانت بتكلمنا إزاي، كان نفسي أقبض في زمارة رقبتها." وضعت إلهام يدها على فمه، تهتف بصوت منخفض: "بس وطّي صوتك، حد يسمعك يا فاروق، مش ناقصين كلام ومشاكل." أزاح فاروق يدها من على فمه وقال: "هي ليه مش عايزة بنتك تيجي عندنا؟ هو إحنا هناكلها؟

دا إحنا هنشيلها على كفوف الراحة." تمددت إلهام على الفراش وهي تقول: "خلاص سيبها براحتها، هي حرة." استدار بنصف جسده لها قائلاً بإصرار: "حرة إيه؟ إنتي لازم تصرّي على إن بنتك تيجي عندنا. لما تروح الكلية، ولا عايزة تسيبيها في القاهرة لوحدها؟ والله أعلم إيه اللي ممكن يحصلها، ولا حد يضحك عليها." رمقته إلهام قائلة بغرابة: "وأنت مهتم أوي بالموضوع ده ليه يا فاروق؟

استلقى فاروق على الفراش، واضعًا يديه أسفل رأسه، بعدما دعس سيجارته وأطفأها، فقال بشيء من الدهاء: "بنتك وخايف عليها يا حبيبتي، بلاش يعني. ثم كده كده لو جدتها ماتت هتيجي تعيش معانا هي وأخوها." مدت إلهام يدها وأطفأت الإضاءة الجانبية للفراش وهي تقول: "اديك قولتها لما تموت، يبقى منتكلمش في الموضوع ده تاني." رد فاروق قائلاً بعبوس: "ربنا ياخدها النهاردة قبل بكرة ونسمع خبرها قريب."

بذلك الوقت، كانت علية تقف أمام باب الغرفة. فقد سمعت حديثهما منذ البداية أثناء ذهابها إلى المطبخ. فعندما استمعت لاسم ليان، وقفت مكانها. فسماعها حديث هذا الرجل المدعو فاروق، زاد خوفها على حفيديها أكثر. فماذا تفعل حتى يظل أحفادها بأمان بعيدًا عن ذلك الرجل وشروره؟ *** تجلس مقابل له على طاولة الطعام، تتناول طعامها الصحي بهدوء، غير عابئة به أو بتلك الصغيرة، التي تشعر أنها يتيمة الأم، وأمها ما زالت على قيد الحياة.

فغمر بيده وجنة صغيرته قائلاً بحب: "مش بتاكلي ليه يا كنزى يا حبيبتي؟ مطت الصغيرة شفتيها قائلة بفتور: "مش عايزة يا بابي أكل، مش جعانة." جذبها من يدها قائلاً بحنان: "طب تعالي وأنا هأكلك يا حبيبتي." ذهبت الصغيرة إليه، فأجلسها على ساقه، فرفع الملعقة لفمها، فأبتلعت الطعام وهي تبتسم له. فلم تستسغ شهيرة ذلك، فهتف بأكمل بصرامة: "كده مينفعش يا أكمل، سيب البنت تعتمد على نفسها." حدجها أكمل بنظرة نارية قائلاً بحنق:

"البنت مش بتاكل يا هانم، وإنتي مش مهتمة بيها أو بصحتها." تبسمت شهيرة بسخرية وقالت: "وأنت اللي مهتم أوي يا أكمل؟ ربت أكمل على جسد الصغيرة بحنو بالغ قائلاً: "بحاول يا شهيرة، وإنتي عارفة أنا مشغول إزاي بس، بالرغم من كده إنتي ما بتحاوليش تاخدي بالك من بنتك. هو إحنا عندنا غيرها؟ نظرت إليه ببرود، فقلبت عينيها بملل من حديثه الذي لا يكف عنه. فعادت تتناول الحساء بتروي. رأى ذلك، لعن تحت أنفاسه عقله الذي أوصله إلى تلك الحالة.

رفعت الصغيرة وجهها لأبيها وهي تقول: "بابي عايزة أروح الملاهي." أومأ أكمل لها برأسه باسماً فقال: "حاضر يا روحي، خلصي أكل ونروح." فرحت الصغيرة بموافقة أبيها، ولكن ماتت فرحتها عندما سمعت كلام والدتها وهي تقول: "مفيش خروج دلوقتي، إنتي لازم تنامي بدري." سكن الحزن عيني الصغيرة. فعندما رآها والدها هكذا، ثارت أعصابه. فيكفي ما يحدث منها إلى هذا الحد. فصاح بوجه زوجته بإنفعال:

"لأ هنخرج يا شهيرة، كنزى روحي للدادة وخليها تلبسك علشان نخرج." ركضت الصغيرة مسرعة لتنفيذ ما طلبه منها والدها، وحتى لا تسمع اعتراض والدتها. فنظرت له شهيرة تصيح بانفعال مماثل: "إنت إزاي تكسر كلمتي للبنت؟ ترك أكمل المائدة وهو يقول ببرود: "حد قالك إن أنا دلدول لحضرتك وإن لازم أقولك حاضر ونعم؟ لأ يا ماما فوقي، أنا راجل أوي، دا أنا تربية حواري." صدرت منها آهة سخرية وهي تقول:

"أيوه كده، حن لأصلك. ما لولا بابي كان زمانك لسه في الحارة اللي جيت منها، وكان زمانك قاعد على القهاوي، وإحتمال تكون بتشحت." لم يدرِ ما يفعل إلا وهو صافعها على وجنتها، فقبض على شعرها بيده، وراح يهز رأسها بعنف، بسبب غيظه من حديث تلك المتعجرفة التي لا تتوانى عن إهانته، متناسية أنه زوجها، ويجب عليها إطاعته واحترامه. صرخت شهيرة بألم، وهي تحاول تخليص شعرها من يده، فهتفت به بوعيد:

"سيب شعري يا همجي، والله لأكون قايلة لبابي كل حاجة وهخليه يشوف شغله معاك." دنا بوجهه منها وفح من بين أسنانه قائلاً بغيظ عظيم: "إنتي مفكراني هخاف منك إنتي ولا أبوكي؟ لأ فوقي، لولا إن أنا دلوقتي وعدت كنزى إني أخرج معاها، كان زماني موريكي دلوقتي تربية الحواري شكلها إيه يا بنت عامر الرفاعي."

قال ذلك وقام بدفع رأسها، حتى كادت أن تترنح من دفعه لها، وتسقط من على مقعدها. كل هذا وهي بحالة من الذهول، فأكمل لم يفعل ذلك يومًا، ولكن ربما وصل الآن إلى أقصى درجات الغضب. ذهب أكمل إلى غرفته، قام بتبديل ثيابه، وخرج من الغرفة. فنظر إليها وجدها تجلس على إحدى الأرائك تنظر إليه بعينان تطلق نيران، ولكنه لم يعرها اهتمام، فابتسم لصغيرته وأمسك كفها الصغير متجهًا صوب سيارته. استقلا السيارة، ولكنه لاحظ وجوم طفلته.

فقرص وجنتها بلطف قائلاً: "مالك يا حبيبتي، إنتي زعلانة ليه؟ أطرقت الصغيرة برأسها وهي تغمغم بصوت حزين: "عشان سمعتك إنت ومامي بتتخانقوا يا بابي. هي ماما مش بتحبني ليه؟ أخذته الشفقة على حزنها وسؤالها المتكرر له، فحاول التخفيف من حالتها، فهتف لها بحب: "حبيبتي متقوليش كده، هي بتحبك أوي. ثم النهاردة عايزين نتفسح فسحة حلوة، ماشي؟ تبسمت الصغيرة قائلة بحماس: "ماشي يا بابي."

ابتسم لطفلته، فأحيانًا كثيرة يسأل نفسه، هل هو السبب في حزن تلك الصغيرة بسبب إصراره على إنجابها أم ماذا؟ ولكنه عاد واستغفر ربه على تفكيره، فالله هو من أراد أن يرزقه بتلك الصغيرة الجميلة. ***

علم رفيق بظهور نتيجة الثانوية العامة، فجلس بجوار شقيقته لمعرفة مخططاتها المستقبلية، وأي كلية تريد الدراسة بها. فوجدها تسرع بإخباره بأنها تريد الدراسة بكلية التجارة. فتعجب شقيقها مالك ووالدتها من الأمر، فهي حصلت على مجموع يمكنها من الدراسة بأفضل الكليات، ولكنها أصرت على قرارها. فتعجب رفيق من إصرارها وقال: "اشمعنى إصرارك على كلية تجارة يعني يا رهف؟ تبسمت له رهف وهي تقول بإعجاب:

"عشانك إنت يا أبيه يا عسل إنت، وعشان إنت كمان اللي تدرسلي في الكلية ويبقالى واسطة بقى وأمشي نافشة ريشي كده في الكلية، ما الدكتور يبقى أخويا." لوى مالك شفتيه قائلاً: "نافشة ريشك يبقى أبيه رفيق هيقصلك ريشك ده، ما إنتي عارفة اللي فيها. دا مش بعيد لو اتكلمتي يطردك من المحاضرة ويبقى شكلك وحش أوي يا رهف." زوّت رهف حاجبيها قائلة بتساؤل: "بجد الكلام ده يا أبيه؟ ردت منى عوضًا عنه وهي تقول:

"بس يا مالك متخوفهاش، دا أخوها وميعملش كده فيها." تبسم رفيق لوالدته قائلاً: "لأ أعملها يا أمي، لو هي استهترت عشان أنا أخوها، أنا هبقى أخوها في البيت، في الكلية دكتورها وبس." فقال مالك متفكهًا: "يا خسارة ريشك اللي نفشتيه على الفاضي يا رهف." مد رفيق يده يحاوط كتفي شقيقته بمحبة، فقربها منه فهو رأى علامات الامتعاض على وجهها، فطبع قبلة على رأسها وقال:

"حبيبة قلبي، هتبقى شطورة وتقعد ساكتة في المحاضرات وتسمع الكلام، بس لحظة كده، أنا أساسًا مش بدرس لسنة أولى." سألته والدته بدهشة: "مش بتدرس لأولى ليه؟ مالهم هيعضوك يا رفيق؟ سمع رفيق صوت ضحكة شقيقه مالك، فخاطبه محذرًا: "بس يا ابني إنت إكتم دلوقتي، أنا برفض أدرس لأولى وكلهم في الكلية عارفين كده، بيبقوا لسه عايشين في جو الثانوية وأنا مليش دماغ لكده." مطت رهف شفتيها قائلة: "إيه البخت ده، بس برضه هدخل تجارة."

مسد رفيق على ذراعها قائلاً: "اللي يريحك يا حبيبتي، ده مستقبلك وإنتي أدرى بيه." ارتشفت منى من قدح القهوة خاصتها وهي تقول: "على فكرة إحنا معزومين على فرح يوم الخميس يا رفيق، فرح ابن واحد من الجيران اللي جنبنا عزمونا على الفرح." تبسم مالك قائلاً بمكر: "إنتي متأكدة إن إحنا معزومين يا ماما، مش حاجة تانية؟ رمقته والدته بنظرة نارية، فرفعت سبابتها بوجهه قائلة: "هش يا واد إنت واسكت شوية، تعرف ولا متعرفش."

وضع مالك يده على فمه، دليلاً على أنه سيلتزم الصمت، ولكن رفيق قال بشيء من الضيق: "يبقى أكيد يا أمي عايزاني أجي معاكي عشان تشوفيلي عروسة من الفرح، مش كده؟ قالت رهف ممازحة والدتها: "دي موضة ستيناتي أوي دي يا ماما." زفرت منى من أنفها، من تضيق الخناق عليها من أبنائها، فهتفت بهم بشيء من الصرامة: "إيه مالكم؟ دا كله عشان قولت معزومين على فرح." مسح رفيق وجهه براحتيه مغمغمًا بصوت سمعته والدته:

"نفسي يا أمي تبطلي تفكير في الموضوع ده، أنا مش عايز أتجوز يا أمي، مش عايز أتجوز." حطت منى بيدها على رأسها وهي تقول: "طب متفسرش في وشي عشان كلامك ده بيتعبني وبيرفع ضغطى، لما أشوف أول فرحتي مش عايز يفرحني بيه ولا يتجوز ولا أشوف ولاده قبل ما أموت." ترك مالك مكانه وجلس على حافة مقعد والدته قائلاً بمزاح:

"شوفت أهي ماما دخلت في دور أمينة رزق أهي، يلا يا حاجة فاضل فقرة يعني أشوف أخواتك اتجوزوا وأنت قاعد لوحدك كده من غير زوجة وعيال."

سمعوا ما قاله مالك، فلم يمنعوا أنفسهم من الضحك على مزاحه، ولكن أثناء ابتسامته، أخذته الذكريات، إلى تلك الذكرى الأليمة في حياته، والتي لا يعلم بشأنها سوى صديقه أكمل فقط. فجميعهم لا يعلمون حتى الآن، سبب عدم رغبته في الزواج. فجراح الماضي ما زالت تنزف بداخل قلبه منذ سنوات مضت، فأدمت روحه أيضًا وصار قلبه يعلن حدادًا على مشاعر الحب. فقلبه مقبرة مدفون بداخلها أحاسيس ماتت في مهده.

نظرت رهف إلى تلك الرواية التي بين يديها، والتي تقرأها بحماس شديد. فعقد رفيق حاجبيه متأففًا من عادة شقيقته في قراءة تلك الروايات، التي يرى أنها مضيعة للوقت. فقام بسحب الكتاب من بين يديها، فشهقت رهف بصوت مسموع. فحذرها قائلاً بحزم: "بطلي بقى قراية الروايات الغريبة دي." حاولت رهف أخذ الكتاب منه، فلم تفلح محاولتها، فخاطبته برجاء: "ليه كده يا أبيه؟ دا البطل انضرب بالرصاص، هات بقى أشوف مات ولا إيه؟

مش كفاية مش بنخرج إلا قليل أوي وأنا في إجازة أهو، محدش فيكم فكر ياخدني يفسحني، أخوات إيه دول مش عارفة." وضع رفيق الكتاب على الطاولة، قائلاً بوعد: "إنتي عارفة إني عندي شغل كتير وهخلصه ونسافر يومين في أي حتة." صاحت رهف بسعادة وهي تهتف: "يعيش أبيه رفيق، يحيا العدل." "اه منك إنتي يا سوسة يا اللي واكلة عقله." قالتها منى بضحكة خافتة، وهي تعاود شرب قهوتها. فقال رفيق بحب: "دي مش بس أختي، دي بنتي وتربية إيدي."

أقترب مالك منه رغبة منه في أن يمازحه فقال: "تسلم إيدك يا كبير، إيدك أبوسها." رفع رفيق حاجبه الأيسر قائلاً: "اتلم ياض إنت، قولتلك، ما إنت كمان تربية إيدي." نظرت منى لوالدها البكر، تشعر بالسعادة كونه ابنها، وحامل لواء الأسرة، فقالت بحنان وحب جارف: "ربنا يبارك لنا فيك يا حبيبي وميحرمناش منك أبداً يارب." ترك رفيق مكانه وأقترب من والدته، فأنحنى يقبل يدها قائلاً:

"ولا منك يا أمي، تصبحوا على خير بقى، يلا يا أستاذ على أوضتك تنام وتصحى بدري، مفهوم." رفع مالك يده بجانب رأسه كأنه يؤدي التحية العسكرية فقال: "حاضر يا أبيه، مش هتشربنا اللبن كمان قبل ما أنام." قال مالك ذلك، وفر هارباً من أمام شقيقه، قبل أن يقترب منه. فهو أحيانًا بمزاحه يجعل شقيقه يريد ضربه، ولكن رفيق طوال سنوات رعايته لأشقاءه، لم يقدم على ضرب أحد منهما. فهما لا ينظران إليه على أنه شقيقهما فقط، بل هو أبيهما أيضًا. ***

بعد الانتهاء من التنسيق وملء الرغبات بالكليات المتاحة، ظهرت نتيجة التنسيق، فعلمت بها ليان، وتغيرت ملامح وجهها غضبًا وامتعاضًا. فهي لا تريد الدراسة بتلك الكلية، ولكن هذا هو قدرها. فأقترب منها باسم قائلاً بتساؤل: "ها نتيجة التنسيق إيه؟ جاتلك كلية إيه؟ كسا الحزن وجهها وهي تقول: "جالي كلية تجارة القاهرة." شعرت علية بالسعادة فقالت: "ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يوفقك." هتفت ليان بضيق وضجر:

"بس أنا الصراحة مش حابة الكلية دي ولا بحب دراسة الأرقام والرياضيات." "هتعملي إيه؟ هتحولي لكلية تانية يعني ولا إيه؟ سألها باسم رغبة منه في معرفة قرارها النهائي بهذا الأمر. فلم يكن من ليان سوى أطلقت زفرة بخفوت وهي تقول: "مش عارفة والله أعمل إيه." اقترحت جدتها قائلة: "صلي صلاة استخارة يا حبيبتي وربنا هيدلك على الحل الصح." أومأت ليان برأسها موافقة على ما أبدته جدتها من نصيحة:

"ماشي يا تيتة، بس في سؤال أنا عايزة أسألك عليه، إنتي ليه مش بتخلينا ناخد حاجة ماما جايباها لينا أو راضية تخليني أروح عندهم؟ أجابتها علية بهدوء: "وإنتي عايزة تروحي تقعدي عندهم؟ هزت ليان رأسها نفيًا وهي تقول: "لأ طبعًا، بس عايزة أعرف إيه السبب." قالت علية وهي تترك مجلسها: "مفيش حاجة، متشغليش بالك، بس إنتي لو روحتي جامعة القاهرة هتعملي إيه؟ ردت ليان قائلة:

"هقعد في المدينة الجامعية يا تيتة، لإن لو روحت من هنا للكلية كل يوم هيبقى الموضوع صعب أوي." نظر باسم لهاتفه وهو يقول: "وفي القاهرة عمو محسن هناك هو وماجد، ممكن ياخدوا بالهم منك." عندما استمعت لحديث شقيقها، اصطبغت وجهها بذلك اللون القاني، عندما تذكرت أن ماجد هو الآخر يدرس بجامعة القاهرة.

فأدت صلاة الاستخارة، ووجدت نفسها ذاهبة لتقديم أوراقها بتلك الكلية، فهذه هي إرادة الله، أن تكمل دراستها بها، على الرغم من عدم حبها لتلك الدراسة. فبعد الانتهاء من تقديم أوراقها، عادت إلى المنزل. فولجت البيت ولا تعلم أن هناك زائرين لهم. أحدث صوتها جلبة عالية خاصة وهي تدندن أحد الأغاني الطفولية بصوتها الخلاب: "ألف أرنب يجري يلعب يأكل جزراً حتى يشبع."

ولكن جحظت عيناها عندما وجدت من ينظرون لها بابتسامة على أفعالها، فضحك محسن قائلاً: "صوتك حلو يا ليان." توهج وجهها من شعورها بالخجل، فخرج صوتها ضعيفاً وهي تقول: "عمو محسن أزيك؟ أنا آسفة على الدوشة اللي عملتها دي." تبسم محسن وهو يدعوها للجلوس: "ولا يهمك، إنتي عاملة إيه؟ اقعدي احكيلي عملتي إيه في الكلية النهاردة." جلست ليان على استحياء وقالت: "الحمد لله، النهاردة قدمت ورقي في كلية التجارة."

فرك ماجد يديه ببعضهما البعض قائلاً: "ربنا يوفقك يا ليان." ابتعلعت ليان لعابها قبل أن تقول: "شكراً يا ماجد، هي طنط صابرة مجتش معاكم ليه؟ ساد التوتر على محيا محسن، فحاول الابتسام وهو يقول: "أصلها تعبانة شوية، مقدرتش تيجي معانا." نظرت له ليان قائلة بإهتمام: "ألف سلامة عليها، هي تيتة وباسم فين؟ رد ماجد قائلاً: "جدتك يا ستي مصرة تعملنا شاي واحنا طلبنا منها ترتاح، هي مش راضية." تبسمت ليان وقالت:

"هي تيتة كده، عن إذنكم أشوفها." خرجت من الغرفة، بخطوات مرتجفة، فهي وضعت نفسها بموقف محرج للغاية. فأنبت ذاتها وهي تقول: "داخلة أغني ألف أرنب يقول عليا إيه دلوقتي؟ هبلة شكلي بقى وحش أوي." سمعت جدتها غمغمتها، ولم تفهم منها شيئًا، فأقتربت منها وتساءلت بغرابة: "إنتي بتكلمي نفسك يا ليان، ولا إيه؟ انتفضت ليان بعد سماع صوت جدتها: "ها، لاء يا تيتة، مفيش حاجة، عنك إنتي الشاي."

قامت بحمل أكواب الشاي، وجدتها تتبعها، فدلفتا إلى الغرفة ووضعت الصينية. فولج باسم أيضًا قائلاً: "منور يا عم محسن، وإنت يا دكتور." صافح محسن يد باسم الممدودة قائلاً بحنين: "تسلم يا ابني، سبحان الله، كأني شايف أبوك يا باسم، صحيح اللي خلف مامتش. أنا سمعت يا حاجة علية إنك ناوية تبيعي الجنينة الشرقية." رد محسن قائلاً: "ربنا يسهل، الأرض دي كانت غالية أوي على سامي الله يرحمه."

تدور الأحاديث من حولها، غير واعية هي لشيء سوى ذلك الشاب الجالس بالمقعد المقابل لها. فعلى الرغم من أنها لم ترفع عينيها عن موضع قدميها، ولكن لا تعلم لما تشعر بكل هذا التوتر؟ كأنه جاء لخطبتها. أنبت نفسها على أفكارها السخيفة، فهو لم ينهِ دراسته الجامعية بعد. ولكنها تتحين تلك اللحظة بصبر كاد أن ينفذ.

سمعت صوت رنين هاتفها دليلاً على وصول بعض الرسائل لها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي. فأخذته من جيبها، لترى ما الأمر. فالصوت تردد عدة مرات كأن وصل لها العديد من الرسائل.

فتحت الهاتف تتصفح الرسائل، جحظت عيناها وهي ترى تلك الصور المخلة، وليس هذا فحسب، فوجه الفتاة بالصور وجهها هي. هبت واقفة من مكانها، فأثارت غرابتهم، خاصة وهي تقف متصنمة بوقفتها، ويداها معلقة بالهواء، مما أدى لسقوط الهاتف منها. فلم ينتهِ الأمر لهذا الحد، بل سقطت مغشيًا عليها في الحال. صرخت علية وهي تدب صدرها بخوف وصاحت قائلة: "لياااان."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...