الفصل 6 | من 26 فصل

رواية في هواها متيم الفصل السادس 6 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
20
كلمة
4,246
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

حاول ماجد إفاقتها قدر استطاعته، وما أمكنته ذاته الخجولة من فعل ذلك، فتحسس النبض بيدها، وجده يتسارع قليلاً، ولكن جسدها المتشنج بدأ بتحريكه ببطء، فرفع وجهه لأبيه المطل عليه من علياء، وهو جالس على الأرض بجوار ليان، يعمل على إفاقتها هو وجدتها، التي بدأت بالبكاء، ولا تعلم ما أصاب حفيدتها فجأة. هتف ماجد بأبيه قائلاً: –بابا هي هتبتدي تفوق دلوقتي والنبض بدأ يبقى كويس.

قبل أن يفهم والده بكلمة، فتحت ليان عينيها، ونظرت للوجوه حولها، فاعتدلت بفزع وهي تبحث عن هاتفها، فوجدته بيد شقيقها، ينزوي بأحد الأركان، وعيناه جامدة ومتحجرة العبرات، وهو يرى الصور الواحدة تلو الأخرى. –باسم هات التليفون. قالتها ليان بتلعثم واضح، وعيناها بدأت تسكب الدموع على وجنتيها. ربما الأمر عائد لصغر سنه، مما جعله يصيح بذهول: –إيه الصور دي يا ليان؟

انتبه الجميع على قول باسم، فكان محسن أول المقتربين منه، لمعرفة عن ماذا يتحدث، فأخذ منه الهاتف، وأصابته صاعقة وهو يحدق بتلك الصور، وهو يرى وجه ولده ووجه ليان أيضاً. ضمت ليان ذراعيها، كأنها شعرت بالبرد فجأة، فما ظنهما بها الآن، فهي لم تفعل شيئاً، ويشهد الله على أنها بريئة من كل هذا، ولكن إتقان الصور، سيجعل كل من يراها، يفترض بها السوء. –مين الكلب اللي بعتلك الصور دي؟ الصور دي أكيد متفبركة.

صاح بها محسن بانفعال حاد، فهو يعلم أخلاق ولده وأخلاقها جيداً. شعرت ليان بشيء من الراحة وقالت: –مش عارفة، ده رقم غريب. وقف علي بجانب ماجد، لا يفقهان شيئاً مما يحدث، ولكن سرعان ما علما ما حدث، فشَب الغضب بصدر ماجد على ما سمعه ورآه بحقه وحق ليان. فتعالت صيحته المحتجة قائلاً: –مين اللي عمل كده وإزاي وعايز إيه؟

قبل أن يحصل على جواب يرضيه، سمعوا رنين هاتف ليان، فحثها محسن على الإجابة، مع الحرص على فتح مكبر الصوت، وليس هذا فقط، بل تقوم بتسجيل المحادثة أيضاً. فتحت ليان هاتفها قائلة بصوت مرتجف: –ألو، أيوة، أنت مين؟ ضحك بكر بصوت صاخب وهو يقول: –باين على صوتك كده إن الصور وصلتلك، بس إيه رأيك حلوة مش كده؟ توهج وجهها، ونفرت الدماء بعروقها وهي تقول بنزق: –أنت مين يا حيوان وعايز إيه وليه تعمل كده؟ هتف بكر ببرود:

–بقولك إيه، بطلي زعيق علشان دماغي وجعاني، بس حبيت أوريكي إن ممكن أدفعك تمن القلم اللي أدتهولي في السوق غالي أوي، وكمان لما رفضتي تتجوزيني، فإيه رأيك دلوقتي تتجوزيني ولا تحبي أفضحك في البلد كلها، وأنزل لك الصور الحلوة دي على النت، يووووه دا أنتي هتبقي أشهر من النار على العلم، فكري وقوليلي رأيك، ونصيحة متقوليش لحد علشان مزعلش منك. أغلق بكر الهاتف، فنظرت ليان للمحيطين بها بعد استماعهم للمحادثة، فخرج صوتها

يشوبه الصدمة وهي تقول: –ده أكيد بكر، لأن هو اللي ضربته بالقلم قريب واتخانق معايا أنا وباسم. أخذ منها محسن الهاتف، ووضعه بجيبه قائلاً: –تعالوا يلا كلنا هنروح لكبير البلد دي وهنقوله على كل حاجة، وهو اللي يتصرف معاه.

لم يجادله أحد منهم، بل تبعاه بصمت، ومازالت ليان تبكي شاعرة بالخوف مما حدث، ولكن جدتها التي أصابها الصمت منذ علمها بما حدث بحق حفيدتها، ظلت تربت عليها لتواسيها، فبعد دقائق معدودة، وصلا لمنزل كبير، يعود ملكيته لكبير البلدة، فهو قبلة لكل من له حق ويريد إعادته، أو رفع ظلم ورد الحقوق.

أخبره محسن الواقعة بأكملها، وأسمعه تسجيل المحادثة، وجعله ملماً بجوانب الأمر كافة، بعدما قصت ليان ما حدث لها من مضايقات من هذا الشاب المدعو بكر. بعد مرور خمسة عشر دقيقة، كان بكر ووالده ماثلان أمام كبير البلدة، على مسمع ومرأ من الجميع، الذي حرص على تواجدهم، من أجل أن يشهدوا جميعهم، على تلك الجلسة، التي تشبه المحاكم العرفية. دب الرجل الأرض بعصاه قائلاً بصوت خشن:

–إيه اللي عملته ده يا بكر وإزاي تفكر إنك تعمل كده في بنت من أهل بلدك وجارتك؟ مفيش دم ولا خشية؟ تصنع بكر الجهل، على الرغم من علمه، بأن الجميع صاروا على علم بما حدث، ولكنه حاول أن ينجو بنفسه من العقاب. فقطب حاجبيه دليلاً على عدم فهمه لما يقال: –تقصد إيه يا حاج مش فاهم حاجة وأنا عملت إيه أصلاً؟ بدون مقدمات، تركت ليان مكانها، واقتربت منه وصفعته على وجهه صفعة مدوية، جعلت الجميع يشهقون بصوت واحد وخافت.

فقبل أن يهم بكر بالرد على ما فعلته، أشار الرجل بيده لوالده قائلاً: –ابنك ده مش هيقعد في البلد دقيقة واحدة مفهوم؟ ولو عايز ممكن ترحل معاه أنت كمان علشان شغل الاستعباط اللي بيعمله ده. وأشهدوا كلكم أن بكر ده حاول يوسخ سمعة بنت من بنات البلد ومفبرك ليها صور وهددها ومعايا الدليل أهو.

بدأ بتشغيل الهاتف، وأستمع الجميع للتسجيل الصوتي، فجفت الدماء بعروق والده، فهو لم يكن يعلم أنه ستصل به الأمور لهذا الحد، فنكس رأسه خجلاً من فعلته. لم يجد بكر ما يقوله، بعدما تم افتضاح أمره أمام الجميع، فأمرها كبير البلدة قائلاً: –خدي حقك منه يا بنتي بالطريقة اللي تعجبك.

نظرت له ليان بغيظ، وصدرها يعلو ويهبط، كأن نيران تتأجج بداخلها، فرفعت كفيها، وظلت تلطمه على وجنتيه يميناً ويساراً أمام الجميع، لعل تلك النيران بداخلها تهدأ ولو قليلاً، فكان بكر عاجزاً وغير قادر على إيقافها، ولكن من داخله يكاد لو أن يفتك بها، وخاصة أن تلك الفتاة، تسببت في أن يترك البلدة بأمر قهرى، ولن يستطيع مخالفته. *** ولج رفيق إلى مكتب صديقه، وجده يضع رأسه بين يديه مغمض العينين، يبدو عليه علامات الاستياء.

فلوى شفتيه قائلاً: –أصبحنا وأصبح الملك لله، مالك يا أخويا؟ رفع أكمل رأسه من بين يديه، ونظر لرفيق، فهو لم يشعر به وهو يدلف إلى مكتبه فقال: –رفيق أنت دخلت أمتى؟ جلس رفيق على مقعد أمام المكتب قائلاً: –لسه دلوقتي، مالك قاعد كده زي ما يكون ماتلك ميت. خرج صوته حزيناً وهو يقول: –أنا اللي بموت يا رفيق. رمقه رفيق قائلاً باهتمام: –في إيه تاني يا أكمل؟ حصل حاجة تاني بينك وبين مراتك؟ تبسم أكمل بسخرية وقال:

–هو بيحصل بينا حاجة غير الخناق؟ لاء وكمان بتطول لسانها عليها وبتعايرني. نظر له رفيق بقلة حيلة قائلاً: –أنا حذرتك من الجوازة دي وأنت صممت تكمل فيها. –كنت حمار وغبي والله. قالها أكمل بتأنيب لذاته، على إقدامه بالزواج من شهيرة. فهتف به رفيق بهدوء: –أنت لازم تفوق بقى، أنا خلاص الدراسة قربت وأنت عارف إن أنا هبقى مشغول في الكلية، فصحصح بقى الله يباركلك، عايزين نشوف شغلنا. أماء أكمل برأسه قائلاً:

–حاضر يا عمنا، هتنيل على عيني وأفوق حاضر. إبتسم له رفيق وهو يقول: –شطور يا أكمل، خد بقى دا ورق العقود بتاعة آخر عرض متقدم للشركة، اقراه كويس وشوفه ماشي. نظر أكمل للورق، وسرعان ما عاود النظر لرفيق قائلاً:

–ماشي، اه أنا عملت إعلان على وظيفة السكرتيرة، أنت عارف السكرتيرة بتاعتي خلاص هتتجوز وعايز سكرتيرة غيرها، ماتيجي نسهر مع بعض النهاردة، عايز أتكلم معاك شوية، حاسس إن أنا هطق، ومتقوليش إنك بتنام بدري، ومبحبش السهر، بلاش شغل الفراخ اللي بتنام من المغرب ده. نظر له رفيق قائلاً بتحذير:

–لم نفسك أحسن لك، ثم خلاص يا عم أنت هتعيط، ماشي نخرج نتعشى برا وصدعني براحتك، وأمرى لله، وكمان أنا فعلاً محتاج أتكلم وخصوصاً بعد ما شفت ليلى تاني. ترك أكمل القلم من يده بعد سماع ما تفوه به رفيق، فزوى حاجبيه قائلاً بغرابة: –ليلى؟ وأنت شوفتها فين؟ أغمض رفيق عيناه، قائلاً بشيء من الإرهاق: –قابلتها من كام يوم وكمان جاية تقولي إنها لسه بتحبني وأطلقت من جوزها.

ساد الصمت بينهما، بعدما فرغ رفيق من عبارته، ففضل أكمل إرجاء الأمر للمساء، حتى يتسنى لهما الحديث بحرية، فهو يعلم مدى انزعاج صديقه، بالإتيان على ذكر تلك المرأة المدعوة ليلى، وهو أيضاً بحاجة إليه، فهو صديقه المقرب ويريد أن يخرج ما بداخله، لا يستطيع أن يختزن كل هذا الألم أكثر من ذلك، فأحياناً يشعر كأنه في نزع الموت الأخير من تلك الهموم التي تثقل كاهله. ***

تجلس تلك الفتاة بغرفتها، تتصفح هاتفها وتنظر لصور ذلك الرجل، فتبتسم وتضع يدها على وجهها بهيام، وهي تطلق تنهيدات حارة، من وقت لآخر، فأثارت تعجب صديقتها، التي تنظر إليها بحاجبين معقودين، متعجبة على ماذا تبتسم. فسألتها بفضول: –مالك يا ماهي عمالة تبتسمي زي الهبلة ليه كده وبتتفرجي على إيه كده؟ تبسمت ماهيتاب وعادت تنظر للهاتف بهيام وقالت: –بتفرج على صور رفيق، اه يا شيري، يجنن. صعقت صديقتها مما سمعته، فقالت بذهول:

–انتي اتجننتي يا ماهيتاب؟ بتتغزلي في أخو خطيبك؟ خرج صوتها ملتاعاً وهي تضم الهاتف لصدرها: –بحبه يا شيري، بحبه أوي. ذهول سيطر على تلك الفتاة، وهي تسمع حديث صديقتها، التي ربما فقدت عقلها، فماذا تقول تلك الحمقاء؟ هل تحب الرجل الوحيد الذي ربما لا يجب أن تفكر به هكذا؟ فربما سيصبح أخ لزوجها المستقبلي. فأعادت شيري تقول بذهول: –ماهي انتي فعلاً اتجننتي؟ بتحبي أخو خطيبك اللي قريب هيبقى جوزك؟ إستاءت ماهيتاب من قول صديقتها،

فقالت بضيق: –أنا متخطبتش لمالك إلا علشان أقرب من رفيق وياخد باله مني. أنا من أول مرة شوفته فيها وأنا هتجنن عليه ومش قادرة أطلعه من دماغي وهو ولا على باله. قربت من أخوه واتخطبنا، قولت جايز ياخد باله برضه، مفيش فايدة. قالت شيري باستنكار: –وهو هياخد باله منك إزاي؟ وانتي خطيبة أخوه؟ انتي شكلك اتجننتي واتهبلتي فعلاً يا ماهي. عادت ماهيتاب تنظر للصورة وهي تقول بإعجاب: –لو شوفتيه هتعذريني يا شيري. شخصية إيه ووسامة إيه؟

وبرضه عليه برود محصلش، كأنه فريزر. والراجل اللي بيبقى زي ده لو حب بيحب بكل كيانه، بيبقى حاجة محصلتش. يبقى قلبه ملك اللي يحبها ومش هيبص لواحدة غيرها. هيبقى متملك في حبه، وهو ده اللي أنا عايزاه، واحد يملكني مش أنا اللي أملكه. قالت شيري بتساؤل: –طب وماله؟ مالك شاب وسيم ومحترم ومتعلم وكمان بيحبك وبيتمنالك الرضا. مطت ماهيتاب شفتيها وقالت:

–في دي مقدرش أقول حاجة، بس مالك تحسيه لسه شاب زي ما بيقولوا عضمه طري، مش زي رفيق خالص. رفيق راجل، عارفة انتي معنى الكلمة دي؟ قيادي كده ومسؤول، عامل زي النسر الجارح اللي عايز يطير دايماً في السما ومينزلش الأرض، علشان كده مش عايز يتجوز. سحبت شيري الهاتف من يدها وهي تقول: –طب بطلي الهبل اللي في دماغك ده. هو مستحيل يبصلك طالما انتي خطيبة أخوه، ومظنش يعني إنه من النوع اللي ممكن يعمل كده ويكسر قلب أخوه.

أستندت ماهيتاب على الوسائد خلفها ومازال صوتها حالماً وهي تقول: –مش قادرة مفكرش فيه يا شيري، دا أنا حاسة إن عقلي وقلبي خلاص مش فيا، وإنهم بقوا ملكه هو وبس. قالت شيري بأسف: –انتي ماشية في طريق خطير يا ماهيتاب، اعقلي يا بنتي بقى. ضجرت ماهيتاب من إصرار صديقتها على ألا تفكر به، فهتفت بها باستياء: –اسكتي انتي وبلاش وجع دماغ، هو بإيدي، بس برضه مش هسيبه. أفكار وأفكار تدور بخلدها، عازمة على التقرب منه، ولكن كيف لها ذلك؟

وهذا الرجل لا يريد أي أنثى كانت، فبنات حواء لا تستهويه، وكأنه قديس عزم على العزوف عن مباهج الحياة، وخاصة تلك البهجة الأكثر إغراءاً، وهي إبنة حواء. ***

بإحدى الغرف البسيطة، على سطح إحدى البنايات السكنية، تمسك فتاة بيديها عدة جرائد، تطوف بعينيها بين صفحاتها، لعل تجد وظيفة تناسبها، فهي قد سأمت من عدم وجود وظيفة مناسبة، فمعظم المدراء لا يردون توظيفها إلا بسبب ذلك الجمال الذي تملكه، ولكنها ترفض تلك العروض المغرية، عازمة على حفظ وصون نفسها، من أي رجل تسول له نفسه بالاقتراب منها. سمعت صوت والدتها تناديها: –سارة يا سارة.

رفعت سارة وجهها إلى أمها، ترنو إليها بابتسامة من ذلك الثغر الصغير، فوالدتها هي كل ما تملكه بحياتها. –أيوة يا ماما، في إيه؟ جلست والدتها بجانبها وسألتها: –انتي بتعملي إيه كده بالجرايد دي كلها؟ قالت سارة وهي تشعر بإحباط: –بدور على وظيفة في الجرنال ياماما. ربتت والدتها على ظهرها وتبسمت قائلة: –ولقيتي يا حبيبتي خلاص؟ هزت سارة رأسها نفياً وقالت: –أهو لسه بدور، عايزة مني حاجة؟ أخرجت والدتها نقوداً من جيبها قائلة:

–كنت عايزة أنزل أشتري عيش وفطار. تركت سارة الجريدة التي بيدها، وأخذت النقود من يدها وهي تقول بحنان: –حاضر يا ماما، هلبس وأنزل أجيب الحاجة على طول. قامت من مكانها، وقبلت والدتها على وجنتها، فأمها تعاني من شلل بذراعها الأيسر، يجعلها تعجز عن تحريكه، فهي تريد البحث عن وظيفة، لتستطيع أن تعيل أمها وتعيل نفسها، فمعاش والدها، لا يكفي لسد احتياجاتهما، من المأكل والملبس والعقاقير الطبية التي تتناولها والدتها.

ارتدت ثيابها وضبطت وضع حجابها على رأسها، فخرجت إلى الشارع، لمحها ذلك الشاب، الذي لا يكف عن إثارة أعصابها بازعاجه المستمر لها، والتي قد سأمت منه حد الموت، فهو شاب لا يفعل شيئاً بحياته، سوى الجلوس هكذا على هذا المقهى وإزعاج الفتيات. فأردف بكلماته التي لا تزيدها سوى إحساس بالاشمئزاز منه ومن أفعاله: –يا حلو صبح يا حلو، طل حن علينا بقى يا جميل، بلاش القساوة دي. غمغمت سارة بصوت هامس: –ربنا ياخدك يا أخي بقى ويريحني.

واصلت سيرها فسمعت وقع أقدامه خلفها، زاد خوفها أكثر، فهو شاب وقح، ولكنها اكتفت من أفعاله المزعجة. فالتفتت إليه تنظر له بشراسة، فعينيها أصبحتا كأنهما جمرتين من نار، وإن لم يبتعد ستحرقه حياً: –فيه إيه يا أستاذ أنت؟ أبعد عن طريقي بقى، إيه قلة الأدب والذوق دي؟ خلي عندك دم شوية. تبسم الشاب بسماجة قائلاً: –مالك بس يا آنسة سارة؟ شادة حيلك علينا ليه؟ اهدى مش كده، هو أنا عملتلك حاجة؟ زجرته سارة بنظرات غاضبة وقالت بتهديد ووعيد:

–يعني انت مش هترتاح إلا لما أعملك محضر بعدم التعرض ولا إيه؟ تبسم الشاب قائلاً بسخرية: –وهو مين اللي هيوقفك؟ انتي مقطوعة من شجرة؟ مفيش غير أمك المشلولة. كلماته الوقحة أثارت اشمئزازها أكثر منه، فماله هذا الشاب الذي لا يعلم عن الأدب شيئاً، يهينها بتلك الطريقة الجارحة، فلما يذكر مرض والدتها، بتلك الكلمة الفجة والساخرة والمهينة، ولكنها وجدت قدميها تسرع الخطوات، قبل أن تسبقها عينيها في ذرف الدموع.

وصلت للمخبز وابتاعت الخبز اللازم لهما، ولم تنس شراء الطعام، فتغشى عينيها سحابة من الدموع، يرجع ذلك لمعايرة ذلك الشاب لها، فكم تهفو هي لترك ذلك الحي، علها تتخلص من مضايقته لها، ولكن من أين لها بالمال، الذي يمكنها من ذلك، فهي حتى لم تعثر على وظيفة ملائمة. فبعد انتهائها عادت لوالدتها، وصعدت الدرج العالي، تكاد أنفاسها تتلاشى، فوضعت يدها على صدرها، علها تستطيع التقاط أنفاسها، فكل شيء بحياتها يتطلب منها، أن تكون قوية وصبورة، فظل لسانها ينهج بالدعاء والمناجاة لله، فالله وحده هو القادر، على تغيير حياتها وأمورها من حال إلى حال أفضل، فثقتها بالله هي من تمنحها القوة بأوقات كثيرة، عندما يتسلل لها الضعف واليأس مثبطان عزيمتها.

*** أنتهت أيام العطلة الصيفية، وبدأ العام الدراسي الجديد. كانت ليان انتهت من ترتيب إقامتها بالسكن في المدينة الجامعية، وشعرت بالحزن لفراق أخيها وجدتها. قامت من نومها، وأدت صلاتها، وبعد الانتهاء ارتدت ثيابها، تشعر بالخوف وأيضاً تشعر بالحماس، فهي ستدخل عالماً جديداً كلياً، فهي انتقلت إلى المرحلة الجامعية، فالجامعة عالم آخر جديد، بالنسبة لفتاة قادمة من إحدى القرى الريفية.

حاولت تهدئة نفسها ووصلت إلى الكلية، رأت كثير من الطلاب، تسمع صوت ضحكات من بعض الفتيات، وهناك فتيان يجلسون يمزحون، مع بعضهم البعض أو مع الفتيات ربما بشكل مبالغ به. فأنكمشت ملامح وجهها وهي تقول: –دي كلية ولا قناة ميلودي؟ دي استرها يارب. ظلت تنظر إلى مبنى الكلية، وذلك الشعار الذي كتب عليه كلية التجارة، لا تعلم لماذا ظلت تزدرد لعابها بقوة، وكأنها ستلقى حتفها، فشعرت بانقباض قوي بمعدتها وقالت:

–استغفر الله العظيم، هو فيه إيه؟ كأن أنا داخلة النار مش داخلة الكلية. اه يا بطني. انكمشت ملامحها، وكأنها تشعر بألم قوي وتريد أن تعيد أدراجها وتذهب إلى منزلها، حيث كانت تحيا بكنف جدتها مطمئنة البال، تتمتع عينيها بالمناظر الطبيعية، التي اعتادت عليها، وليس ذلك الضجيج، الذي أصبح الآن يألم أذنيها. وجدت نفسها عوضاً عن أن تتقدم بخطواتها إلى الأمام، ترتد إلى الخلف، غير منتبهة لخطواتها، فاصطدمت بأحد خلفها.

شهقت ليان واستدارت بكامل جسدها، فوجدت فتاة تنظر لقطعة الشيكولاتة، التي وقعت من يدها بسبب اصطدام ليان بها بوجه طفولي ربما أوشك على البكاء. تهدلت قسمات وجه رهف بحزن وهي تقول: –إيه ده؟ شيكولاتى وقعت. بادرت ليان بالاعتذار وهي تقول: –أنا آسفة والله آسفة، هشتريلك غيرها حالاً. تبسمت رهف وقالت بتفكه: –تدرى اللي جهرني ودخل الحزن بقلبي إن حتة الشيكولاتة دي كنت هموت عليها.

سمعت ليان ما قالته رهف، فلم يسعها سوى أن تضحك على حديثها، فهي يبدو عليها اللطف، فقالت برقة: –أنا بجد آسفة، لو عايزة تعالى هشتريلك غيرها. –يا ستي ولا يهمك، بصي شنطتي أصلاً. قالتها رهف وقامت بفتح حقيبتها، نظرت ليان وجدت بها كل أنواع الحلوى، فتعجبت من كونها تفرط بتناولها. فنظرت إليها وتساءلت بابتسامة: –دي شنطة ولا سوبر ماركت دي؟ حمحمت رهف تدعي الجدية وهي تقول:

–وحضرتك السوبر ماركت بتاعي بيقدم لك عرض مفيش منه، خدي اتنين شيكولاتة، وهتاخدي معاهم هدية، اللبانة الشقية تمضغيها تعمليها بالونة تبلعيها، كله ماشي، ولو أخدتي ٣ بسكويت هتاخدي معاهم مصاصة هدية. لم تتمالك ليان نفسها من الابتسام، فظلت تبتسم باتساع حتى شعرت بانقباض عضلات معدتها، فنظرت لرهف وهي تقول: –كفاية عروض وإغراءات بقى الله يباركلك، هضحك والناس هتتفرج عليا. قالت رهف وهي تبتسم بوجهها ومدت يدها لتصافحها:

–متشرفتش بالاسم، أنا رهف، وأنتي؟ وضعت ليان يدها بيد رهف وهي تقول: –أنا اسمي ليان. سحبت رهف يدها، بعد انتهاء المصافحة بينهما وقالت: –أهلاً وسهلاً، انتي هبلة زيي؟ لسه سنة أولى تجارة؟ أماءت ليان برأسها قائلة: –أيوه لسه سنة أولى، والصراحة كنت جاية خايفة أوي لأن دي أول مرة أسيب بلدنا. تأبطت رهف ذراعها، فجعلتها تسير معها وهي تقول: –هو انتي مش من القاهرة؟ قالت ليان بنفي:

–لاء، زي ما بيقولوا من الأرياف، بس قاعدة في المدينة الجامعية. تبسمت لها ليان قائلة: –انتي دمك خفيف أوي، شكلنا فعلاً هنبقى أصحاب، لأن أنا برضه طيبة وغلبانة وهبلة. –اه يعني اتلم المتعوس على خايب الرجا، تعالي نشوف المدرج بتاعنا فين ونشوف جدول المحاضرات. قالت رهف عبارتها، وهما تلجان لمبنى الكلية، فشعرت ليان بالاطمئنان من رفقتها، فردت قائلة: –تمام يلا بينا.

إبتسمت ليان ابتسامة صافية، فهي شعرت ببعض الراحة، عندما عثرت على رفقة تلك الفتاة اللطيفة، فالفتيات اللواتي يمكثن معها بالغرفة، لم تشعر ليان بالراحة لرفقتهن. دلفت القاعة الدراسية الخاصة بطلاب السنة الأولى بالكلية وجلسات متجاورتان، فأخرجت رهف بعض الحلوى، ومدت لها يدها بها وهي تقول: –خدي اتسلي على ما ربنا يفرجها وييجي الدكتور. أخذتها منها ليان شاكرة إياها على لطفها: –شكراً يا رهف.

تناولت من يدها الحلوى بابتسامة، وما هي إلا دقائق، وكان "رفيق" يلج إلى القاعة الدراسية، بخطوات ثابتة وهو يلعن تحت أنفاسه مما حدث منذ قليل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...