الفصل 25 | من 26 فصل

رواية في هواها متيم الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
17
كلمة
5,249
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

انتظر أن تجيبه الممرضة على ما سألها إياه، فهو يريد أن يبعث به أي أحد الأمل، من أنها ستكون بخير، وأن يطمئن قلبه على تلك الفتاة، التي ترقد بالداخل، وكأن ما يرقد قلبه، فهي حقاً أصبحت قلبه النابض بالحياة.

فاليوم كان يضع مخططه لإخبارها بحل اللغز، فهو كان سيجعلها تعترف بما تكنه له في قلبها مراراً وتكراراً، فكان عازماً على أن يبدأ حياتهما سوياً، وأن يحيا معها تلك الحياة التي كان يرسمها بمخيلته منذ أن رآها، وأن تصبح زوجته بصورة فعلية، وينجب منها أطفالاً، يرثوا ذلك الجمال والعناد والتمرد الذي لم يزد قلبه إلا تعلقاً بها. عاد من جديد يسألها بلهفة عما آلت إليه أمور معشوقته: "أرجوكي طمنيني هي عاملة إيه دلوقتي؟ ابتسمت

الممرضة بهدوء وردت قائلة: "الحمد لله ربنا كتب لها عمر جديد وهتبقى كويسة إن شاء الله." ملأت السعادة جنبيه، فهتف قائلاً: "الحمد لله ألف حمد وشكر لك يا رب، طب ممكن أشوفها؟ أومأت الممرضة برأسها وهي تقول: "إن شاء الله شوية كده وتشوفيها، لما الدكتور يخرج من جوا ونوديها الأوضة اللي هتقعد فيها، وألف سلامة عليها مرة تانية."

شكرها رفيق، بل أنه أخرج كل النقود التي كانت بجيبه، فوضعها بيدها شاكراً إياها. فنظرت الممرضة للنقود بيدها بشيء من الذهول، فمن يدفع مبلغ كهذا من أجل الاطمئنان على مريض؟

فلابد أنها فتاة ذات قيمة لديه. فوضعت النقود بجيبها وتبسمت له ورحلت من أمامه، بينما هو رفع كفيه يحمد الله على نجاتها، وألقى بعد ذلك على المقعد وهو يزفر بارتياح. فلو كان أصابها مكروه، لم يكن يعلم ما سيصيبه حينها، فليس بعد أن وجدها، تذهب هكذا من بين يديه، فالله قد من عليه اليوم وأعادها إليه.

فبعد أن تم نقلها لإحدى غرف المشفى، دلف رفيق إلى الغرفة، وجدها تتوسط الفراش بوجه شاحب، يسمع صوت أنفاسها المنتظمة، فهي الآن بعالم آخر. جلس بجوارها يمرر يده على وجنتها بحب قائلاً: "بعد الشر عليكي يا قلب رفيق، أنا ليا حساب مع الكلب جوز أمك ده والله لأندمه ندم عمره إن فكر يأذيكي أو قرب منك، ومبقاش رفيق رسلان إلا لو وديته في ستين داهية."

نظر لمعصمها الملفوف حوله ضماد أبيض، فأخذ يدها بين كفيه وقبل ظاهرها وباطنها، يضغط عليها برفق، وانزلقت دمعة من إحدى عينيه وهو يقول: "إنتي عارفة يا ليان لو كنتي روحتِ مني، كان جرالي حاجة، إنتي متعرفيش إنتي بقيتي إيه بالنسبة ليا، إنتي روحي وإنتي عمري وفرحتي اللي جت ليا بعد سنين." ظل يحدثها بما في قلبه، وهو جالس على المقعد بجوار الفراش، فتارة يمسد على وجنتها، وتارة أخرى يقبل رأسها، فهو ينتظرها أن تفيق.

فأعتصرت ليان جفنيها بألم، فهي تشعر بثقل برأسها، وبالخدر في أطرافها، ولكن استطاعت بجهد ابتلاع لعابها وهي تقول بصوت واهن: "رفيق." سمعها تناديه، فرد قائلاً بلهفة وهو يقترب بوجهه منها ويمسد على رأسها: "نعم يا قلب رفيق، حاسة بإيه يا حبيبتي؟ أغلقت عينيها كأنها تشعر بحرق بجفونها، وربما ذلك عائد لتلك الدموع، التي بدأت تتجمع بمآقيها، فبكت رغماً عنها وخرج صوتها متحشرجاً بألم:

"كان عايز يبيعني يا رفيق، هو قال لي كده، وإنه قبض تمني كمان، كانوا هيبعدوني عنك." اقترب رفيق أكثر من الفراش، ورفع ذراعه يحيطها به، يقربها منه كأنه يريد إدخالها بين أضلعه، فقبل جبينها وهو يقول: "محدش يقدر يبعدك عني يا قلبي، اطمني، وإن كان على اللي عمله جوز أمك، والله ما هسيبه في حاله، وهدفعه التمن غالي."

ألقت برأسها على ذراعه وأقتربت منه أكثر، فمازال خوفها متملكاً من حواسها، فتريد أن تشعر بالأمان باقترابها منه وسماع صوته، فظل يهدهدها ويهمس بأذنيها ليشعرها بالأمان والطمأنينة، حتى سمع صوت انتظام أنفاسها ثانية، فوضع رأسها على الوسادة، وخرج من الغرفة، فأوصى إحدى الممرضات أن ترعاها حتى يعود، فهو لديه مهام أخرى سيؤديها ويعود إليها ثانية. ***

يرتجف بدنه من الخوف، فهو منذ هروبه من تلك الشقة، بعد عراكه مع رفيق، ورؤية ليان مسجية بدماءها، وهو لا يعلم ماذا يفعل؟ فكلما تصور أن ليان ربما تلقى حتفها وينتهي به الأمر بالزج في السجن، يتملك الخوف من قلبه أكثر فأكثر. عاد للملهى الخاص به، فالوقت مازال باكراً على توافد الزبائن، فالعاملين فقط هم المتواجدين، ويعملون على الاستعداد للعمل، ولج فاروق غرفة مكتبه بالطابق الثاني.

وما كاد يجلس على مقعده خلف المكتب، حتى رأى الباب يفتح ويلج ذلك الرجل الذي تم الاتفاق بينه وبين فوفا على الاستيلاء على الملهى. فصاح به فاروق قائلاً بصوت جهوري: "إنت إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟ يلا أمشي غور على الصالة تحت." "لأ دا إنت اللي هتغور من هنا خالص يا فاروق." قالها الرجل ببرود، وجلس على المقعد أمام المكتب واضعاً ساقه على الأخرى. فانتفض فاروق من مكانه، واقترب منه وقبض على ثيابه وجذبه حتى وقف أمامه وهو يصرخ بوجهه:

"إنت اتجننت ياض إنت ولا إيه؟ يلا غور أنا مش فايقلك." أزاح يديه القابضة على ثيابه، فالتوى ثغره بابتسامة ساخرة وهو يقول: "لأ ما اتجننتش يا فاروق، خلاص المحل ده كله بقى بتاعي وكله بالقانون، إنت زمان ضحكت عليا وخدت القرشين اللي حيلتي ونصبت عليا، بس دلوقتي أخدت المحل وهنصفي حسابنا مع بعض." أخرج الرجل من جيبه ورقة التنازل الخاصة بالملهى، فأخذها فاروق يمعن النظر بها، فاتسعت مقلتيه مما يقرأه، فأراد تمزيق الورقة.

فضحك الرجل قائلاً: "قطعها يا فاروق، دي نسخة من التنازل مش الأصل، عبيط أنا عشان أديك الأصل أقطعه." أثارت ضحكته جنون فاروق، فنشب بينهما عراك وشجار، وبدأ كل منهما في محاولة منه للنيل من الآخر، ولكن قبل أن يتأزم الأمر أكثر، رأى فاروق رجال الشرطة يطوقون المكان. فتقدم منه شرطي شاهراً سلاحه الناري بوجهه قائلاً: "سلم نفسك يا فاروق، إنت مطلوب القبض عليك." نظر فاروق خلف الضابط ووجد رفيق ينظر له بتحدٍ سافر، فتصنع الجهل قائلاً:

"مطلوب القبض عليا ليه؟ هو أنا عملت إيه؟ "حاولت تخطف مراتي وكنت ناوي تتاجر بيها وخليتها كانت هتنتحر، دا غير البلاوي التانية اللي مستنياك والأعمال الغير مشروعة اللي كنت بتعملها." لم يعد لديه منفذ أو مهرب، فالضابط أسرع بوضع الأصفاد الحديدية بيديه، ودفعه ليتقدمه بالمسير، فمر فاروق بجوار رفيق. نظر إليه رفيق بعمق ونظرة نارية وهو يقول: "هادفعك تمن اللي عملته فيها غالي."

قبل أن يتمكن فاروق من الرد على ما قاله رفيق، كان الشرطي يدفعه ليكمل سيره. شعر رفيق بالراحة من أنه حرص على التخلص من شرور ذلك الرجل، فبعد إلقاء القبض على فاروق، عاد رفيق للمشفى ثانية. ***

ولج رفيق الغرفة وهو يحملها بعد جلبه لها من المشفى، تريح هي رأسها على منكبه العريض، وتحيط عنقه بذراعيها، تغمض عينيها تشعر بالراحة من وجوده قريباً منها، فوضعها بالفراش، ورأى والدته ورهف وباسم يدلفون الغرفة لرؤيتها، فهو لم يخبرهم بشأن ما حدث لها إلا وهو عائد بها للمنزل. فأقتربوا ثلاثتهم منها بخوف ولهفة وكل منهم يسرع بسؤالها عما حدث لها. فجلست والدته بجوارها وضمتها إليها قائلة:

"بعد الشر عليكي يا حبيبتي وألف سلامة، كده يا رفيق متقولناش على اللي حصل إلا وإنت راجع بيها كده." دلك رفيق مؤخرة عنقه بإرهاق وهو يقول: "محبتش أخضكم يا أمي، لأن عارف إنكم كنتوا هتصمموا تروحوا ليها المستشفى." فأخذت رهف دورها بالتعبير عن خوفها لصديقتها، فجلست على الجانب الآخر من الفراش وهي تحتضنها بحب وقالت: "ألف سلامة عليكي يا ليان، أنا لما شوفتك كده خوفت عليكي أوي والله." تبسمت لهما ليان وهي تقول:

"ربنا ما يحرمني منكم أبداً يا رب." نظرت لشقيقها الذي يحاول أن يكبت دموعه، فأشارت له بالاقتراب، فتركت رهف مكانها لتسمح له بالجلوس بجانبها، فأنهار باسم بين ذراعيها باكيًا بصوت مسموع وهو يغمغم: "إزاي ده حصل يا ليان؟ بعد الشر عليكي." مازال جسده يرتجف من أثر بكائه وهي تضمه إليها وتربت عليه، لعله يهدأ ويكف عن البكاء كالطفل الصغير الذي يبكي من أجل والدته، فقبلت رأسه وهي تقول:

"إهدي يا حبيبي بالله عليك، أنا كويسة أهو قدامك فمتعيطش يا باسم، بس يا حبيبي." لم تأتِ محاولتها لتهدئته بأي نتيجة، فما كان من رفيق سوى جذبه إليه حتى استقام بوقفته، فقربه منه وهو يربت عليه قائلاً: "خلاص يا باسم أهدى، أختك الحمد لله كويسة وطول ما أنا عايش مش عايزكم تخافوا من حاجة، ويلا روح اغسل وشك." امتثل باسم لأمره وخرج من الغرفة، فنهضت والدته وهي تقول:

"ارتاحي إنتي دلوقتي يا ليان على ما هروح أعمل لكم حاجة تاكلوا، يلا يا رهف عشان تساعديني." ردت رهف بتفكه كالعادة: "المساعد ربنا يا حاجة، مش حمل فرهدة في المطبخ، أنا هقعد أنا وليان نرغي ونأكل لبن." ناداها شقيقها قائلاً: "رهف." علمت هي مغزى نداءه لها، فابتسمت له قائلة: "إما مكنتش تحلف بس يا أبيه، يلا بينا يا مامتي."

ابتسم بخفوت على قولها، فمدللته لن تغير من سلوكها الممازح أبداً، فبعد خروج والدته وشقيقته، جلس على طرف الفراش مقابل لها، فتلاقت أعينهما بحوار صامت، فبعد اكتفائه من الصمت، رفع يده يتلمس وجنتها بحنان وهو يقول: "حاسة بإيه دلوقتي يا حبيبتي؟ لسه جرح إيدك بيوجعك؟ حركت رأسها وهي تقول: "شويه بس أحسن من الأول." قبل أن يعمل على سحب يده، رفعت هي يدها ووضعتها عليها وقربتها من فمها تقبل باطنها وهي تقول بحب:

"شكراً يا حبيبي على كل حاجة، ربنا ما يحرمني منك أبداً يا رب، كل مرة كنت بقع في مشكلة بسبب عدم تفكيري، كنت إنت بتنقذني، عارفة إني غلطت لما سمعت كلام جوز ماما ورحت معاه من غير ما أقولك، بس والله افتكرت ماما كانت تعبانة بجد وعايزة تشوفني، بس خلاص حرمت مش هعمل حاجة تاني من غير ما أقولك." أسره بفعلتها وكلماتها الرقيقة، فما كان منه سوى أن أخذ كفيها بين يديه، ومن ثم وضعهما على صدره موضع فؤاده وهو يقول:

"الحمد لله عدت على خير يا حبيبتي، إنتي حاسة بدقات قلبي دي؟ كانت هتقف من الخوف عليكي لو كنتي روحتِ مني، ليان أنا عايز نتجوز من أول وجديد وأعملك فرح كبير، فرح يليق بيكي يا حوريتي، بس تخفي بسرعة وكمان نشوف هيعملوا إيه مع جوز مامتك."

تذكرته فاروق، اغتمت ملامحها، فهي لا تريد تذكره ولا تذكر ما حدث، فرفيق أخبرها بشأن القبض على زوج والدتها، فشعرت بالراحة كونه سينال جزاءه جراء فعلته، ظلا يتحدثان حتى وجدا رهف تلج الغرفة تحمل لهما الطعام، فتركت الصينية وغادرت. وضع رفيق الطعام أمامها قائلاً بحزم: "يلا عشان تاكلي يا حبيبتي، ومش عايزك تقولي لاء أنا مش جعانة، ماشي." هزت رأسها وقالت بطاعة: "حاضر هاكل."

بعد انتهائها من تناول طعامها، وجدت مازال جالساً بجوارها، فأستلقت على الفراش واضعة رأسها على ساقه، وعادت من جديد تتذكر ما حدث معها، فدمعت عيناها ولكن حرصت أن لا يعلو صوت بكائها، فيكفي ملمس كف يده الدافئ وهو يمرره على وجنتها وبين خصيلاتها، علاوة صوته الهادئ، الذي راح يدوي صداه بأذنيها وهو يهدئ من روعها، محاولاً أن يصرف عنها شعورها بالخوف. ***

استند أكمل بثقل على عصا يستخدمها للمشي، حتى يتماثل للشفاء بشكل نهائي من تلك الكسور، التي ألمت بجسده من جراء الحادث، فهو يحمد الله على نجاة ابنته، فلو كان أصابها مكروه، ربما كان سيفقد رغبته بالحياة. نظر إلى ذلك القبر الذي يضم جسد زوجته، التي قضت على حياتها بسبب تهورها. نفذت عنه زفرة مرتجفة يتبعها تنهيدة حارة، ودمعة فرت من عينيه، فحاول أن يسيطر على ارتجاف صوته وهو يقول:

"الله يرحمك يا شهيرة، متفتكريش إن مش زعلان على موتك، كان نفسي تكون ليا الزوجة اللي كنت بتمناها، وجايز أنا كمان مذنب زيك، بس ربنا يشهد إني حاولت إن حياتنا تبقى كويسة بس للأسف كنت لما أقرب منك خطوة تبعدي عشرة، بس استفدتي إيه يا شهيرة من اللي عملتيه؟ خسرتي حياتك، ربنا يرحمك ويغفر لك."

بعد أن تم دعاؤه لها بالرحمة والمغفرة، عاد للسيارة ثانية، فأسرع السائق بفتح الباب الخلفي له، فهو وظف سائق لديه، لأنه لن يقوى على قيادة سيارته بالوقت الحالي، فجلس بارتياح بالمقعد الخلفي، فأشار للسائق بالذهاب للمشفى، الذي مازال يرقد به عامر الرفاعي والد زوجته. قاد السائق السيارة حتى وصل للمشفى، فترجل أكمل منها بحرص، وولج للداخل حتى وصل لتلك الغرفة التي يقبع بداخلها عامر.

فطرق الباب وأدار مقبضه، نظر بداخل الغرفة ولكنه وجد الفراش خاليًا، فأستوقف إحدى الممرضات ليسألها عن والد زوجته. فهتف بها بتساؤل: "لو سمحتي المريض اللي كان هنا راح فين؟ نظرت الممرضة إليه وردت بهدوء: "البقاء لله، اتوفى الفجر وجم قرايبه استلموه." نطق أكمل بصدمة: "مات؟ أومأت الممرضة برأسها وهي تقول: "أيوة، بعد ما كانت حالته استقرت شوية جات له أزمة قلبية حادة واتوفى، الله يرحمه."

غادرت الممرضة بعدما قالت ما لديها، فلم يحتمل أكمل الوقوف كثيراً فجلس على أقرب مقعد وجده، فأستند بيديه على عصاه وأحنى رأسه عليهما وهو يبكي بصمت، فبعد أن أخذ كفايته من الجلوس، هب واقفاً ليخرج من المشفى، فعاد لسيارته، وانطلق عائدًا لبيته، فقبل أن يلج للداخل وجد سيارة أجرة تقف أمام المنزل، فترجل من سيارته، وألتفت خلفه وجدها تقف بجوار السيارة ممسكة بيد طفلته.

فابتسم ابتسامة خفيفة لها، فهي عندما علمت بالحادث الذي ألم به وبطفلته هرولت سريعًا إلى المشفى لتكون بجواره بتلك المحنة، فتعلقت الصغيرة بها أكثر من شدة عنايتها بها، فربما كانت كنزى أكثرهما حظًا بالشفاء سريعًا من ذلك الحادث الأليم. فتقدمت صغيرته منه ببطء، فساقيها ما زالتا بحاجة لمزيد من الوقت، حتى تلتئم وتعود مثلما كانت، فسارة أخذت على عاتقها مهمة ذهابها بها للمعالجة الفيزيائية، حتى تلتئم كسور جسدها سريعًا.

فنظر إليها أكمل شاكرًا صنيعها وهو يقول: "شكراً يا سارة على إنك واخده بالك من كنزى وبتراعيها." اقتربت سارة خطوتين ومدت يدها تداعب رأس الصغيرة قائلة: "متقولش كده، كنزى في عيني وربنا يتم شفاكم على خير يا رب." "وكنزى محتاجة أم محتاجة أم بمعنى الكلمة يا سارة." قالها أكمل فجأة، فاستحال وجهها للون الأحمر، فربما هو عاد راغبًا في الزواج منها ثانية. فأولته ظهرها وهي تقول محاولة الفرار من أمامه:

"لو إنت لسه عند وعدك أنا ممكن أكون الأم دي." لم تنتظر دقيقة أخرى، بل أسرعت بالابتعاد قبل سماع رده، فتجدد الأمل بداخله ثانية، فهي تصرح له الآن بأنها راغبة في تأدية هذا الدور لتلك الطفلة، وهو لم يكن أحمق ليضيع من يده هذه الفرصة التي أتته بعد عناء. ***

استطاعت ليان تجاوز محنتها التي ألمت بها مؤخرًا، وبعد امثالها للشفاء، أصرت على زوجها بالذهاب للمحكمة، فهي علمت بموعد الحكم على زوج والدتها، الذي كشفت التحقيقات عن تورطه بأعمال منافية للآداب، وكل هذا بمساعدة أحد رجال السياسة، والذي تم القبض عليه أيضًا هو وتلك المرأة المدعوة توحة، فأرادت رؤيته خلف القضبان لينال جزاء جريمته بحقها وبحق كل من تسبب بإيذائهم. فبالمحكمة...

وقف ذلك الرجل، يحاول أن يتوارى من أضواء تلك الكاميرات، التي تلتقط لهم الصور، فأخبارهم ستتصدر الصفحات الأولى من الجرائد، فهذه ليست أي قضية، فهي قضية المتاجرة بالفتيات، والمتاجرة بالأعضاء البشرية، التي تورط بها ذلك الرجل المدعو الباشا، فما هو إلا أحد كبار رجال السياسة والأعمال، الذي كان يستخدم سمعته ستارا يواري خلفه حقيقة بشعة، فهو يتذكر ذلك اليوم الذي وجد رجال الشرطة يقتحمون غرفة مكتبه ويلقون القبض عليه فاتحًا بذلك الطريق، للقبض على تلك العصابة، التي تستخدم الفتيات في أعمال غير مشروعة.

فنطق القاضي بالحكم وقال بصوت جهوري سمعه كل من كان بالمكان: "حكمت المحكمة على صابر منصور وشهرته الباشا وفاروق المعداوي وتحية الزيات وشهرتها توحة بالسجن خمسة عشر عامًا مع الشغل والنفاذ. رفعت الجلسة."

بعد نطق الحكم، شعرت ليان بالسعادة، من أن ذلك الرجل سيلقى ذلك المصير الذي يستحقه، فقامت بوضع كفها الصغير في قبضة يده القوية، تنظر إليه بابتسامة صافية، ترسل رجفات بقلبه، تجعله يقبض بيده على كفها يكاد يعصره بين أصابعه، يريد أن يصدق أن ما يحدث حقيقة وأنها بجواره الآن. وعندما همت بالخروج من قاعة المحكمة، اعترضت والدتها طريقها بعيون باكية وهي تقول: "سامحيني يا ليان." نظرت إليها ليان بجمود وقالت:

"المسامح ربنا، بس أسامحك على إيه ولا إيه؟ على إنك السبب في موت بابا الله يرحمه؟ وعلى إنك رميتيني أنا وأخويا؟ ولا علشان عرفتي إنك كنتي موافقة إن جوزك يشغلني عنده في الكباريه ويستفاد من ورايا؟ أسامحك على إيه بالضبط؟ حدقت بها إلهام بدهشة وقالت: "إنتي عرفتي الكلام ده كله منين؟ كزت ليان على أسنانها لتكافح دموعها وهي تقول: "هو ده اللي هامك؟ عرفت منين؟ ربنا يسامحنا كلنا، عن إذنك."

قامت ليان بسحب يد زوجها، لتخرج من ذلك المكان، قبل أن تخونها دموعها، ولكنه لم يعِ حتى الآن من أين علمت بذلك الأمر الخاص بأبيها. فبعد أن استقلا السيارة، نظر إليها وتساءل: "ليان إنتي عرفتي منين موضوع إن مامتك السبب في موت باباكِ؟ مسحت ليان طرف عينيها بإصبعها وقالت:

"أنا عارفة من يوم ما تيتة دخلت المستشفى وإنت دخلتلها تتكلم معاها، في الوقت ده فضولي خلاني أقف أسمع كلامك وساعتها اتصدمت لما عرفت، وعرفت موضوع جوزها لما إنت حكيتلي عن تحقيقات النيابة." غمر خدها بكفه وهو يقول: "وليه مقولتليش إنك عرفتي بموضوع باباكِ؟ أحنت رأسها قليلاً فقال بصوت منخفض:

"أنا كنت في وقت حسيت إن الدنيا كلها اتقلبت، جدتي بتموت والمفروض أتجوزك وأعرف إن ماما السبب في موت بابا، حسيت الدنيا كلها اتكركبت على دماغي، دنيتي اللي كنت عايشة فيها بهدوء وراحة بال انقلبت ١٨٠ درجة." ابتسم لها قائلاً: "طب ودلوقتي يا ليان؟ ردت ليان قائلة بحب: "دلوقتي دنيتي رجعتلي لما الغزالة رجعت لصيادها تاني."

خيم صمت جميل، غلف الأجواء بتيارات عارمة من المشاعر الجميلة، المتغلغلة بداخل قلبين وجدا الراحة بعد عناء البحث الطويل، فقاد السيارة وهو يدنيها منه، تضع رأسها على كتفه، تنعم بقربها منه، حتى غلبها النعاس دون أن تدري. عوضًا عن ذهابهما للمنزل، أخذها لأحد المطاعم الفاخرة لتناول الغداء، فصف السيارة أمام المطعم وناداها برفق قائلاً: "ليان ليان أصحى." فتحت ليان عينيها ومسحت وجهها وهي ترد قائلة بابتسامة ناعسة:

"خلاص وصلنا البيت." نظرت من نافذة السيارة وعقدت حاجبيها قائلة بدهشة: "إحنا مروحناش البيت، جبتني هنا ليه؟ "حبيت نتغدا هنا، تعالي هأكلك أحلى أكلة سمك."

اتسعت مقلتيها بعد سماع قوله، فهي لا تتناول المأكولات البحرية، ودائمًا ما كان شقيقها باسم يغيظها بذلك الأمر، بأن يجلب العديد من أنواع السمك لتطهيه له ولجدتها الراحلة، فقبل أن تقول شيئًا، ترجل رفيق من السيارة وحثها على الخروج من السيارة، فتبعته للداخل حتى وصلا لإحدى الطاولات. أشار رفيق للنادل، الذي جاءه على وجه السرعة ودون ما أراده وذهب لجلب الطعام، فابتسم رفيق لها قائلاً: "السمك هنا حلو جدًا وهيعجبك."

أومأت برأسها بهدوء، ولم تشأ إفساد مزاجه، فوضع النادل الأطباق، فكلما تنظر للأطباق، تنقبض قسماتها كأنها ستتقيأ، بدأ رفيق تناول طعامه، ولكنه انتبه على أنها لم تضع شيئًا بفمها. فعقد حاجبيه متسائلاً: "مالك يا حبيبتي مبتأكليش ليه؟ أغمضت عينيها وردت قائلة: "رفيق أنا مبحبش السمك ولا الجمبري والحاجات دي، ودقيقتين كمان هتحصل حاجات مش ظريفة، أنا هستناك في العربية على ما تخلص أكل."

وضعت يدها على فمها وركضت قبل أن تتقيأ، فنهض رفيق ووضع النقود على الطاولة وركض خلفها، فوجدها تستند على السيارة وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها بصورة منتظمة، شعرت بتأنيب الضمير لأنها تسببت بتركه للطعام. فحدقت به وهي تقول بأسف: "أنا آسفة بجد بس مبقدرش أستحمل ريحة السمك ولا أكله، بس مكملتش أكلك ليه؟ أنا كنت هستناك في العربية على ما تخلص." رد رفيق قائلاً:

"إزاي يعني أقعد آكل لوحدي وأنا اللي عازمك على الغدا، طب عايزة تاكلي إيه طيب؟ فكرت ليان وردت قائلة متفكهة: "تعالى نتمشى شوية ونبقى نروح ناكل في البيت، دا أكل ماما منى أحلى من أكل أي مطعم، على الأقل نشمر كده ونأكل براحتنا." ضحك رفيق على قولها ورد قائلاً بابتسامة: "طب تعالى الشارع ده فيه محلات لفساتين الفرح، نختار فستان ليكي عشان فرحنا."

فرحت ليان باقتراحه، فتجولا بالمتاجر الخاصة بثياب الزفاف، فأنتقت ثوبًا أبيض أنيقًا، بتصميم مميز، فكم بدت رائعة به أثناء ارتدائها له من أجل أن ترى هل مناسبًا أم لا، فوقع رفيق بغرام الثوب وطلتها الجذابة، التي جعلت قلبه يخفق بجنون وهو يراها تدور حول نفسها وصوت حفيف ثوبها يجعل خفقات قلبه تزداد جنونًا. فهتفت ليان بسعادة: "حلو أوي الفستان ده يا رفيق، عجبني أوي." أومأ رفيق برأسه باسمًا:

"وعجبني أنا كمان، خلاص هنشتريه يا حبيبتي."

حملت ليان الثوب بعدما دفع رفيق ثمنه، فوصلت للسيارة ووضعته بالمقعد الخلفي بحرص، كأنها تخشى عليه من التلف، فاستقلت السيارة بالمقعد المجاور لزوجها، وانطلق عائدًا بها لمنزله، فكم بلغت سعادته ذروتها وهو يراها سعيدة وتلتفت برأسها تنظر للثوب وسرعان ما تعاود النظر له وتخبره بمدى سعادتها، فهي لم تكف عن الحديث والتفكه طوال طريقهما، فبعد وصولهما المنزل، خرجت ليان من السيارة وأخذت الثوب وأسرعت بخطواتها للداخل، فنادت رهف ووالدة

زوجها وباسم لرؤية ثوب زفافها، وكل هذا وهو يرمقها بصمت، ولا يستطيع أن يصف سعادته وهو يرى حماسها وفرحتها بشراء الثوب، فخرج من شروده على صوت الزغاريد التي راحت تطلقها والدته بصوت صادح، لا تصدق أنها أخيرًا سترى زفاف ابنها البكر، فهي انتظرت هذا اليوم بشوق ولهفة، فصعد لغرفته ووجد ليان تلج الغرفة وذهبت لغرفة الثياب ووضعت ثوب الزفاف وخرجت إليه، وجدها تتعلق بعنقه تعرب عن سعادتها البالغة بتلك الكلمة السحرية "بحبك"، التي همست

بها بأذنيه كأنها نغمة عذبة اشتاقت لها روحه كثيرًا، فلم تكف عن قولها.

*** بالشركة كان ينهي بعض الأعمال العالقة، فالأيام القادمة لن يكون حرًا، فهو سيقيم حفل زفاف لحوريته، ثم يذهب بها بعيدًا لقضاء شهر العسل، فسمع صوت طرق على باب مكتبه فأذن للطارق بالدخول وهو يقول بصوته الرصين: "ادخل." دَلفت ماهيتاب بإصرار، من أنها لابد أن تبوح له بما بداخلها، فربما يشعر بها ذلك الرجل ويعلم أنها تهيم به. فرفع رفيق رأسه ونظر إليها قائلاً بكياسة: "أهلًا يا ماهيتاب اتفضلي." خطت ماهيتاب

بخطواتها تجاهه وهي تقول: "شكرًا يا رفيق." لاحظ رفيق أنها ما زالت تقف مكانها ولم تجلس، فخشي أن يكون حدث شيئًا بينها وبين شقيقه مالك وهو لا يعلم، فترك مكانه ودار حول المكتب حتى صار وجهها لوجه معها. فنظر إليها قائلاً باهتمام: "خير يا ماهيتاب حصل حاجة؟ نظرت إليه بصمت دام لثوانٍ معدودة، فما لبثت أن قالت: "رفيق أنا بحبك."

رفع رفيق حاجبيه ونظر أمامه بأعين متسعة وغاضبة من وقاحة تلك الفتاة، التي تأتي إليه الآن وتخبره أنها تحبه، متناسية بذلك أنه الشقيق الأكبر لزوجها المستقبلي. فصاح بوجهها قائلاً بغضب: "ماهيتاب إنتي اتجننتي إيه اللي بتقوليه ده؟ "بقول اللي مش قادرة أخبيه أكتر من كده، أنا بحبك إنت مش بحب مالك."

بذلك الوقت انفتح الباب، ودلف منه مالك، الذي اخترقت مسامعه، كلمات تلك الفتاة، فنظر رفيق إلى شقيقه، الذي وقف مكانه كأنه جسد بلا روح، بعد أن سمع خطيبته تصرح بحبها له، هو شقيقه الأكبر والذي يراه دائمًا مثله الأعلى وأبيه قبل أن يكون شقيقه. فنطق رفيق اسمه بصوت خافت: "مالك." نظرت ماهيتاب حيث يقف مالك، فأعادت ما قالته ثانية ولكن هذه المرة بإصرار أكثر جنونًا:

"أيوة يا مالك أنا مش بحبك إنت، أنا بحب رفيق، بحب رفيق وعمري ما حبيتك من ساعة ما شوفته وأنا بحبه، أيوة بحبه." طفقت تردد اعترافها بحبها لرفيق، كأنها أصيبت بالهذيان، فهي كأنها وصلت إلى حد الجنون أو الهوس، غير عابئة بنتائج أقوالها وأفعالها. فلم تفق من حالتها، إلا على تلك الصفعة، التي تلقتها على وجهها من يد رفيق وهو يصرخ بها قائلاً: "اخرسي واطلعي برا وابعدي عن حياتي أنا وأخويا، يلا برااا براااا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...