صرخ رفيق بوجهها، فانتفضت ماهيتاب من حدة صوته الهادر بها، فشعرت بارتجافة قوية تغزو أطرافها. وعلى الرغم من خوفها الشديد من هيئته، إلا أن قدميها لم تسعفها بحملها لتهرب من أمامه. فرفعت يدها على وجنتها تتحسس مكان تلك الصفعة التي ناولها إياها. نظرت إليه قائلة بدهشة: –أنت بتضربني يا رفيق ده كله علشان قولتلك بحبك؟ هو غلط إني أحبك؟ ماذا يفعل معها؟
ذلك هو السؤال الذي تبادر لذهنه، بعد رؤية جنونها. فحتماً هي أصيبت بالجنون، حتى تتخلى عن كل معالم الأخلاق والقيم، وتخبر شقيق خطيبها بأنها تفضله هو عن شقيقه. –أنت شكلك فعلاً اتجننت يا ماهيتاب، فوقي يا بنتي فوقي. ده مينفعش، مينفعش ومستحيل يحصل. قالها رفيق بصراخ، لعلها تعي تلك الحمقاء حقيقة كونه من المحال أن تظل تفكر بتلك السخافات بعقلها. قال مالك بصوت معبأ بالدهشة والصدمة والخيبة:
–يعني كل كلام الحب بتاعك ده يا ماهي، بتضحكي عليا عشان تبقي قريبة من رفيق؟ ولو كنا اتجوزنا كان هيبقى عندك استعداد تخونيني؟ شق الحرج والشفقة قلب رفيق من قول مالك. فهو من المحال أن يقدم على التسبب له بإيذاء أو أن يكسر أواصر علاقة الأخوة والمحبة بينهما. فهو ابنه قبل أن يكون شقيقه. –بره يا ماهيتاب، قولتلك ومش عايز أشوف وشك تاني. وعلاقتك بأخويا انتهت لحد كده، خلاص بررررررا.
صرخ بها رفيق بوجهها ثانية، فهو يريد اختفاءها من أمامه. فيكفي نظرات الألم التي يراها بعين شقيقه. فلم تنتظر ماهيتاب أن يقولها ثانية، فأخذت حقيبتها التي سقطت منها أثناء صفع رفيق لها، فركضت خارج الغرفة تهرول مسرعة، قبل أن تتلقى صفعة أخرى منه. ربما هذه المرة سيجعلها تبصق أسنانه.
نظر رفيق إلى شقيقه، فهو يعلم ما يشعر به الآن. وجد نفسه يقترب منه ويضمه إليه بحنان أبوي، فهو لم يكن يريد أن يكون المتسبب بكسر قلبه، بسبب جنون وهوس تلك الفتاة به. فربت على ظهره قائلاً بحنان: –مالك حبيبي، متزعلش من اللي حصل ده كله. جايز ده خير وأحسن ليك. أبتعد مالك عنه ونظر إليه ودمعة حارة فرت من إحدى عينيه وهو يقول: –طلعت ده كله بتضحك عليا وواخداني سكة عشان توصلك؟ إزاي كنت مغفل ومأخدتش بالي ده كله؟ إزاي؟
صرخ مالك بكلمته الأخيرة. فأسرع رفيق بالقبض على مرفقيه، لعله يهدأ قليلاً، فهتف به قائلاً: –خلاص يا مالك، متفكرش في اللي حصل كتير. ربنا هيعوضك باللي أحسن منها إن شاء الله. وكويس إنك عرفت دلوقتي قبل ما تتورط بجوازك منها.
ربما شقيقه محق بما قاله. فالله قد أرسله بذلك الوقت ليسمع بأذنيه حديث تلك الفتاة، ليعلم أنها لن تكون له يومًا. فعلى الرغم من تلك النيران التي تغير بصدره، إلا أنه لا يلوم شقيقه الأكبر على ما حدث. فهو مثله ليس مذنبًا بتلك القصة. فربما هذا أفضل من أن تندلع الكراهية بينهما فيما بعد، إذا كان تزوج من ماهيتاب وهي تفكر بشقيقه، وتتسبب بتحطيم كل الروابط بينهما.
عندما وجد رفيق أن صمته قد طال، ولكن بدأت معالم الغضب والألم تنحسر عن وجهه تدريجيًا، عاد وضمه إليه ثانية. وتلك المرة شدد مالك من احتضان شقيقه. فتلك رسالة أبلغ من الحديث، بأن رفيق سيظل شقيقه وراعيه وأبيه، الذي لن يسمح لأي أحد بتعكير صفو تلك المحبة بينهما. ***
تلك الليلة التي تسبق الزفاف، أقيم حفل الحناء بمنزل رفيق. فتجمعت الفتيات وجاءت سارة هي الأخرى، فبالغد سيكون زفافهما سوياً. فاجتمعت الفتيات بالداخل، بينما تجمع الرجال بالخارج. ينظر رفيق من وقت لآخر لشقيقه مالك، فتارة يراه صامتًا وتارة أخرى يجده يتحدث ويضحك، ولكنه يعلم أنه لن يتجاوز الأمر بسهولة، ولكن هو بحاجة لمزيد من الوقت. فانتبه رفيق على نداء أكمل له وهو يقول: –إيه يا عمنا روحت فين كده؟
تبسم رفيق ابتسامة هادئة قائلاً: –معاكم أهو، بس قولي أنت دلوقتي بقيت كويس ولا ناوي تفضحنا بكرة؟ فهم أكمل مغزى حديث رفيق، فوكزه بكتفه وقال: –أتلم ياض أنت. أينعم الحادثة فشفشتني، بس الحمد لله على كل حال. ربت رفيق على ساق أكمل قائلاً: –الحمد لله يا صاحبي إنك بخير. متعرفش أنا كان ممكن يجرالي إيه لو بعد الشر كان جالك حاجة. دا أنت صاحبي الوحيد وأخويا وأنت اللي عارفني أكتر من أي حد.
تبسم له أكمل، فالعلاقة بينهما لم تقتصر على الصداقة فقط، بل كانت علاقة أخوة أكثر منها صداقة. فهو لا ينكر سعادته برؤية تلك السعادة على وجه رفيق من أنه أخيرًا نال منه العشق. بالداخل… كان صوتها هي أكثر جهورية وصخبًا، فهي لن تجد حدثًا كهذا كل يوم. فهي تتنقل بين الجالسات بمرح، بل أنها لم تكف عن التصفيق والغناء والرقص. فسحبتها ليان من يدها وهي تقول: –رهف كفاية عليكي كده، أنت هتفرهدي مننا كده. ضحكت رهف وقالت:
–يا ستي هو كل يوم أبيه رفيق القمر ده هيتجوز؟ سبوني آخد فرصتي. قالت رهف شق جملتها الأخير بتفكه، فما لبثت أن عادت للرقص ثانية، تطلق الزغاريد بصوت صادح. فشعرت ليان بجلوس والدة زوجها بجانبها، فمدت يدها وأخذتها بين كفيها، فبسطتها ووضعت بها خاتمًا ذهبيًا. فنظرت لها ليان بنظرات متسائلة: –خاتم إيه ده يا ماما مني؟ ابتسمت منى بحنين وهي تقول:
–الخاتم ده كان أول خاتم رفيق اشتراهولي من فلوسه اللي كسبها من عرقه وشقاه. فالخاتم ده غالي عليا أوي، فحبيت أهديكي بيه. زي ما ههديكي براجل لو فضلت تدوري على حد في شهامته ورجولته مش هتلاقي. وأنا مش بقول كده عشان أنا أمه وبحبه، لاء والله. رفيق فعلاً ونعم الرجال. فخلي بالك منه يا ليان. هو بيحبك وده باين عليه أوي. أنا عمري ما شفت ابني متعلق بواحدة كده. وعلشان كده أديتك أغلى ذكرى عندي. فحافظي على ابني زي ما هتحافظي على الخاتم.
أغلقت ليان كفها على الخاتم، واحتضنت والدة زوجها بحب وهي تهمس بأذنها بوعد: –هم الاثنين في عيني يا ماما منى. قبلتها منى على وجنتها، فهذا هو اليوم الذي انتظرته طويلاً. وكانت تلح على ابنها من أجل أن يجعلها تشعر بشعور الفرح برؤية وحضور زفافه. فلم تمنع نفسها هي الأخرى من إبداء سعادتها أمام الحاضرين وشاركتها والدة سارة فرحة بزفاف ابنتها هي الأخرى. فمدت رهف يدها لسارة وهي تقول بتفكه:
–يلا تعالي ارقصي معايا. عرايس إيه اللي قاعدة ساكتة دي يا أخواتي. تبسمت سارة على قولها ونهضت من مكانها وهي تقول: –خلاص يا ستي ولا تزعلي نفسك، هرقص معاكي أهو. يلا يا ليان وأنتي يا نسرين. تحولت الصالة لساحة رقص، فتعالت الضحكات والتصفيق، بل أن رهف أطلق صافرات الإعجاب بصوت مسموع. فظل الاحتفال على أشده، حتى الساعات الأولى من اليوم التالي.
فبعد أن انفض الجمع وخلد الجميع للنوم، لم يواتيها النوم. فولجت شرفة الغرفة، ورفعت يديها تنظر لتلك الرسومات على يديها وهي تبتسم. –جميلة أوي الحنة على إيدك. قالها رفيق وهو يقترب منها، فشهقت ليان بخفوت. فمن أين جاء؟ فوالدته أصرت عليه بالمبيت بمكان آخر اليوم. ولكنها تذكرت أن الشرفة متصلة بغرفة أخرى، والتي يبدو أن رفيق كان يقيم بها. فقبل أن تلوذ بالفرار منه.
كان محاصرًا إياها بإحدى الزوايا مانعًا فرارها، كغزالة صغيرة وقعت بالأسر بين يدي صياد ماهر، علم كيف يجعلها تستكين لأوامره وتطيعه بدون أن تبدي رفضًا أو اعتراضًا. فأستندت بكفيها على الجدار خلفها، كأنها تحاول النفاذ خلاله، فقالت بتوتر: –رفيق أنت جيت هنا ليه دلوقتي؟ مش المفروض تكون نايم؟ يلا روح نام. قبض على إحدى خصيلاتها ومررها بين أصابعه وهو يقول: –مجاليش نوم قبل ما أشوفك. وأنتِ منمتيش ليه أنتي كمان؟
–من كتر الفرحة والتفكير مش عارفة أنام. قالتها ليان ببساطة، فجعلت الابتسامة تسكن محياه. فظل يقترب منها، حتى شعرت بدنو عناقه لها، ففرت من أمامه بسرعة، وأغلقت باب الشرفة، تاركة إياه بالخارج. فأستندت على الباب الزجاجي للشرفة وهي تقول: –يلا يا رفيق روح نام.
ولكن طرق رفيق الباب الزجاجي، فألتفتت تنظر إليه عبر الزجاج، وهي تحرك رأسها بالرفض، من أنها لن تسمح بمروره للداخل. بل لم تكتف بذلك، بل سحبت الستائر لتحجب الرؤية بينهما. فعليه الانتظار حتى حلول الغد. *** ولجت رهف غرفة شقيقها مالك، فهم علموا بشأن فسخ خطبته من ماهيتاب. فوالدته ظلت تدعو له بصلاح الحال، وأن يعثر على فتاة أفضل منها. ولكن رهف مازالت تشعر بمدى حزن شقيقها، فلا أحد يعلم سبب فسخ الخطبة سوى هو ورفيق.
صاحت رهف بإعجاب من رؤية وسامة شقيقها بحلته السوداء وهي تقول: –إيه يا لوكا الجمال ده كله؟ قمر يا ناس. تبسم مالك على اللفظ التحببي، الذي تطلقه عليه شقيقته، فقرص وجنتها برفق وهو يقول: –مش قولتلك بطلي كلمة يا لوكا دي؟ محسساني إني أبقى ابن أختك وبتدلعيه. ضحكت رهف وقبلت وجنة شقيقها قائلة: –يا خراشي على القمر. هو أنا أطول يبقى عندي ابن أخت عسالاية كده.
علم مالك بأن ما تفعله رهف ما هو إلا رغبة منها في الترويح عنه، فعاود النظر بالمرآة ليتأكد من حسن مظهره، فاليوم زفاف شقيقه الأكبر، ويجب أن يبدو بأبهى طلة. فرفعت رهف يدها وربتت على كتفه وهي تقول بجدية: –متزعلش يا مالك من اللي حصل. ربنا يعوضك بأحسن منها. أنا مش عارفة أنت إزاي مش واخد بالك من حب نسرين ليك دي؟ أي حد عنده نظر هيعرف أنها ميتة في هواك.
لا تعلم كيف أنسابت الكلمات من بين شفتيها، فرعونتها أحيانًا تجعلها تتفوه بما لا يصح، كما فعلت من قبل وأخبرت رفيق بشأن حب ليان لماجد. فوضعت يدها على فمها، كأنها أدركت ذلة لسانها فجأة، فتيبس جسد مالك، بعد سماع ما قالته رهف، فقبل أن يستدير إليها للسؤال عن صحة قولها، كانت تفر هاربة من الغرفة. ففغر فاه وهو يقول في دهشة: –نسرين.
رمش مالك بعينيه عدة مرات، كأنه يحاول أن يعي ما سمعه من شقيقته، فهل ما قالته صدقًا، أم أنها تمزح معه كعادتها. فهو لم يفكر مطلقًا بشأن نسرين، فهو كان يرى أفعالها معه، على أنها تقدير واحترام منها لرب عملها، ولكن أن يكون كل هذا بدافع الحب من جانبها، فهذا لم يفكر به مطلقًا من قبل. ***
في إحدى القاعات الفخمة، الخاصة بحفلات الزفاف، ولجت فتاتان بكامل أناقتهما، فمن يراهما يجزم أنهما حوريتان وليسوا بشريتان. فاليوم يوم زفاف رفيق وصديقه أكمل، فهما أصروا على إقامة حفل زفاف واحد، ليتشاركا فرحتهما سوياً. تأبطت كل منهما ذراع زوجها، ووجوههما تكاد تنفجر منها الدماء، من فرط خجلهما، فتعالت الزغاريد بالقاعة، فكل الوجوه مبتسمة وسعيدة، والأجواء مفعمة بالحب والعشق.
رفع رفيق الوشاح الأبيض من على وجهها، فهو لم يصدق بعد أنها هي الآن عروسه، تلك الفتاة التي أرهقت قلبه كثيرًا، ولكن وصل بالنهاية إلى أن تصبح ملكه وسيشهد الجميع على ذلك. فهمس لها قائلاً بحب: –مبروك يا حوريتي. أطرقت برأسها أرضاً وهي تقول بخجل: –الله يبارك فيك يا حبيبي. أطلق رفيق نهدة حارة وهو يقول: –أنا مش مصدق نفسي لدلوقتي إنك بقيتِ ليا يا ليان. حاسس إني لسه بحلم. عضت على شفتها السفلى لتوقف ارتجافها، فما
لبثت أن قالت بصوت مبحوح: –لاء صدق يا رفيق. إحنا دلوقتي مع بعض أهو. رد رفيق قائلاً بعشق: –أنتِ قلبي يا ليان. سمع اسمه منها، مثلما كان يحلم دائمًا، فهمسها باسمه لم يزد قلبه إلا تعلقًا بها. ذلك القلب الذي كان منذ سنوات يحيى بسبات عميق، ويرفض أي أنثى أن تقترب منه لتوقظ الحب بقلبه، حتى جاءت تلك الصغيرة، تذيب بحرارة عشقها ذلك الجليد الذي كان يحاوط قلبه إحاطة السوار بالمعصم.
ابتسم أكمل وهو يرى ابنته تقفز فرحًا من مكان لآخر، تأتي إليهما ثم تذهب للعب مع الأطفال. يبتسم لها ويبتسم لتلك الجميلة بجواره، تلك الفتاة التي جعلته يشعر بتلك المشاعر الجميلة والصاخبة، تجعله عازمًا على أن يحيا حياة جميلة معها. فيكفي سنوات عمره التي هُدرت وهو يعيش حياة أشبه بالموت. تعجبت سارة من تحديقه المستمر بها، فتبسمت له قائلة: –أنت بتبصلي كده ليه؟ بادلها أكمل الابتسام وهو يقول: –معجب فيها. حاجة دي يعني؟
حمحمت سارة كأنها تدعي الجدية فقالت بمزاح: –امممم طب اسكت أحسن أقول لجوزي عليكِ. –قولى وربنا كده؟ هتقولي لجوزي؟ قالها أكمل ليجاريها بمزاحها، فحركت سارة رأسها وهي تقول: –اه طبعًا هقوله إن فيه راجل حليوة كده بيعاكسني وبيقولي أنا معجب. وقولتله إن أنا هقول لجوزي وقالي إيه يعني؟ وراح مشوح بإيده كده كأنه مش همه حاجة. رد أكمل قائلاً: –أنا بحبك يا سارة. اجتاح اعترافه لها حواسها، فخرجت الكلمات من فمها بإنسيابية وهي تقول:
–وأنا كمان بحبك قوي. يقف مالك بجوار شقيقته رهف، التي لمحت مجيء نسرين فابتسمت لها وهي تقبلها على وجنتيها وتقول: –نسرين نورتي الفرح. عقبال عندك إن شاء الله. ردت نسرين قائلة بابتسامة: –تسلمي يا رهف. وعقبالك انتي كمان وعقبال عندك يا مستر مالك إن شاء الله. –تسلمي يا نسرين. وهنا أنا اسمي مالك. مفيش رسميات النهاردة.
قالها مالك بهدوء، فابتسمت نسرين بخجل وهي تنظر أرضًا، تشعر بأن حرارة قوية تلتهم وجهها بدون رحمة. ولكنه لا يعلم لما ظل اعتراف شقيقته رهف يرن بأذنيه بعد رؤيتها؟ ولماذا الآن عيناه تأبى النظر إلى أي شيء آخر سوى تلك الملامح الهادئة والجميلة؟ فهل من الممكن أن تكون هي بدايته الجديدة؟
ولكن ربما هو بحاجة لبعض الوقت للتخلص من مشاعره القديمة، ولكنه يحث ذاته، على الإسراع بأن يبرأ سريعًا مما به، حتى لا يأتي الوقت ويراها هي الأخرى محالة. *** الليلة خرافية عاشها المحبين بأجواء ساحرة وتمنيات بحياة زوجية سعيدة. فبالفندق المقام به حفل الزفاف، كان كل منهما يأخذ عروسه لتلك الغرفة المخصصة لهم اليوم لقضاء ليلتهم.
رفعت سارة ثوبها قليلاً حتى لا تتعثر به وولجت الغرفة يتبعها أكمل، فهي تشعر بالخجل والحياء. ولكن تبسم لها أكمل ابتسامة تشجيعية، لتترك خوفها جانباً، فبعد أن استعد كل منهما لتأدية الصلاة، وقف أكمل يأمها بالصلاة، يدعو كل منهما بأن تكون زيجة مباركة. فقبل أن تفكر بالهرب منه كان هو الأسرع بإلتقاط يدها. هتف بها قائلاً: –راحة تجري على فين كده أنتي دلوقتي؟
ضمت سارة شفتيها وزاغت عينيها بكل مكان عدا وجهه، فلم يمهلها فرصة للرد أو التفكير، بل حان وقت الشعور بكيفية الوصال بين قلبان اجتمعا سوياً برباط الزواج والعشق. على الجانب الآخر…
بعد أن دلف رفيق إلى غرفته، يحملها بين ذراعيه وهي تتعلق بعنقه، تشعر بالخجل الشديد. وقام بانزالها أرضًا، حاولت أن تهرب بنظراتها منه، إلا أنه رفع يده يثبت وجهها أمام وجهه، فمرر ابهامه على وجنتها بنعومة جعلتها تغمض عينيها من موجة المشاعر العاتية التي عصفت بكيانها. فأستمعت لصوته وهو يقول: –يلا غيري هدومك عشان نصلي. فردت قائلة بصوت خافت: –حاضر.
ذهبت لتبديل ثوب زفافها، بثوب فضفاض، وبعد أن انتهت وقفت خلفه يأمها بالصلاة، فبعد تأدية صلاتهما بخشوع جلس ووضع يده على رأسها يدعو الله أن يجعلها زيجة مباركة. وبعد الانتهاء، وجدته يسحبها معه إلى ذلك العالم، الذي تخطو به أولى خطواتها بحياتها الزوجية، خطت به بمشاعر عدة خوف وحب وعشق وجهل، يتملكها بين ذراعيه، كأنها بعالم وردي أصبحت لا ترى فيه سوى وجه ذلك الرجل الذي أصبح دنياها. فأنبعثت حروفها بأذنيه كنغمة طربية وهي تقول:
–بحبك. بحبك أوي يا رفيق. لو تعلم كم كان قلبه يتحرق لسماع تلك الكلمة منها، ولكنه أخيرًا ظفر بها وظفر بحورية سلبته عقله. فرد قائلاً بصوت أجش: –وأنا بعشقك يا قلب رفيق يا حورية رفيق. رفعت عيناها إليه وتبسمت له قائلة:
–مكنتش أعرف إني هحبك أوي كده أو إنك مفيش أطيب من قلبك وحبك وخوفك على اللي منك. كنت في الأول شايفاك واحد مغرور ومتكبر ومعندوش قلب وبيحب يجرح اللي حواليه. فمن أول ما شفتك وأنا حسيت بالنفور منك، وزاد أكتر لما طردتني من المحاضرة وأحرجتني قدام كل الطلبة. لاء وتطلع كمان المشتري لأكتر مكان بحبه وعزيز عليا، واتغصبت إني أوافق على جوازنا من غير إرادتي. فالوقت ده كنت عايزة حاجة واحدة بس إن أنت تختفي من الدنيا كله. بس لما شفت حنيتك وخوفك عليا، والصراحة كنت كل ما تقرب مني يتبخر كرهي ليك. ولما أنت قولتلي إنك بتحبني، كنت بقولك إني بكرهك عشان أداري إحساسي بالانجذاب ناحيتك، بس مقدرتش أقوم كتير ولقيت نفسي غرقانة في بحر حبك.
تركها تتحدث على سجيتها، بل أنه لم يحاول قطع حديثها، فهو يريد أن يستمع لها للنهاية. فبعد أن كفت عن الحديث، كان عناقه لها أبلغ رد على حديثها، فتغشى النعاس أعينهما بعد امتلأ قلبيهما غرامًا وهيامًا. *** فباليوم التالي أقلعت الطائرة التي حملت على متنها العروسان، متجهة لإحدى الدول الأوروبية، التي لم تطأها قدميها من قبل. فهي تسبح بخيالها في تلك الأيام، التي بإنتظارها على جزيرة الحب. ***
بعد مرور خمسة أشهر بعد ليلة الزفاف الحالمة، كانت ليان تقف بشرفة غرفتهما، تغمض عينيها لتتلذذ باستنشاق نسمات الهواء النقي، التي تلفح وجهها بنعومة. فلم تشعر بالذي دلف لتوه، يطوقها بذراعيه كنسر يضم إليه يمامة صغيرة. ارتسمت ابتسامة على ثغرها الوردي، وهو يمد يده يتحسس انتفاخ بطنها الطفيف من الحمل، فهي الآن حامل بالشهر الخامس، فثمرة عشقهما نبتت بأحشائها منذ ليلة زفافهما. فهتفت به قائلة بصوت ناعم:
–حمد الله على السلامة يا حبيبي. رد رفيق قائلاً بعشق: –الله يسلمك يا قلب رفيق. استدارت إليه وهي تقول: –يومك كان عامل إيه النهاردة في الشغل؟ قال وهو يمسد بيده على بطنها بحب: –الحمد لله تمام. أخبار حبيبة بابا إيه النهاردة؟ نظرت ليان لموضع يده على بطنها وقالت باسمة: –الحمد لله كويسة. جبتلي معاك الفراولة؟ أومأ رفيق برأسه قائلاً: –أيوه يا ستي. أنتِ شطبتي على الفراولة اللي موجودة في البلد كلها.
–بنتك هي اللي طفسة. أعمله إيه يعني؟ قالتها ليان وهي تمسد على بطنها برفق. فتبسم رفيق وقال: –بنتي برضه اللي طفسة ولا أمها؟ رفعت وجهها إليه، وعبست ملامحها وهي تقول: –قصدك إيه يعني ها؟ قصدك إن أنا مفجوعة مش كده؟ وإن تخنت صح؟ وأن باكل كتير؟ رفع رفيق حاجباه الكثيفان قائلاً في دهشة من حديثها: –لااااا. دا هرمونات الحمل النهاردة ضربة في العالي أوي يا حبيبتي. اهدى كده. هو أنا قولت حاجة؟ دا أنتي قمر. لوت ليان ثغرها وهى تقول:
–اه بحسب. همس لها قائلاً: –بتحسبي إيه يا قلب رفيق؟ يهمس لها مدغدغًا لمشاعرها، يجعلها راغبة في سماع المزيد من كلماته بهذا الهمس الجميل، الذي يجعل قلبها يريد أن يفلت من بين ضلوعها من شدة دقاته. فنسيت ما كان من أمرها قائلة: –أنا قلبك يا رفيق. رد رفيق بعشق خالص قائلاً: –أنتِ مش قلبي بس. أنتِ عمري وروحي وحبيبتي وإن شاء الله أم بنتي. قالت ليان بهمس ناعم: –أنا بحبك وبموت فيك يا حبيبي.
صوت أنثوي خلاب، يهمهم له بعبارات كفيلة بجعله يخضع أكثر فأكثر لسلطان الحب والعشق. فهو عاشق متملك لحورية صغيرة، تجعله يعيش بجنة خاصة به، يرفض تركها أن تنسل من بين طيات قلبه، الذي عاد للحياة مرة أخرى نابضًا بعشقها. فهو حصل على غنائم العشق، التي تمثلت بإمتلاكه لها وبالسعادة التي غزت قلبه وحياته. ولم ينتهِ الأمر إلا هذا الحد، بل أنها تحمل بأحشائها ثمرة هذا العشق الحلال. ***
ظل مالك ينقر بالقلم على سطح مكتبه مرارًا، ففعلته تلك لم تزده إلا شعورًا بالتوتر والقلق. ولكنه يريد أن يفعل شيئًا يخفف به من ذلك الشعور، الذي اجتاح حواسه فجأة، خاصة بعد علمه بأنها ربما قريبًا تترك العمل من أجل زواجها. فهو جن جنونه وطار صوابه بعد علمه بهذا الشأن. فلم يكن يدري كم يهفو قلبه إليها، إلا بعد سماعه حديثها هي وصديقتها وكانت تخبرها بأن ربما قريبًا ستترك العمل.
فهضغط على الزر الموضوع على مكتبه لاستدعائها. فبثوانٍ معدودة كانت تقف أمامه قائلة بوجهها البشوش كعادتها: –أفندم يا مستر مالك. ترك مالك مقعده فجأة وهو يقول: –نسرين، هو أنتي هتسيبي الشغل فعلاً عشان هتتجوزي؟ عقدت نسرين حاجبيها وقالت في دهشة: –هو حضرتك عرفت الموضوع ده منين؟ –مش مهم ده دلوقتي. جاوبيني على اللي سألتك عليه.
قالها مالك بصيحة عالية نسبيًا، فهو الآن بوضع لا يخوله إجابتها على ماسألته إياه، بل هو من يريدها أن تجيب على سؤاله. فأطرقت نسرين رأسها أرضًا وهي تقول: –أيوة يا مستر مالك. بجد الكلام ده. ألقى مالك القلم من يده بغيظ، فتعجبت أكثر مما يفعل. فهي كانت سأمت إلحاح والديها بشأن زواجها، وقررت الموافقة حتى يهدئان، على الرغم من أنه قرارًا ليس بالهين، خاصة وأنها ما زال قلبها متعلقًا بحبائله. فمسح مالك وجهه وقال فجأة:
–نسرين، أنا عايز اتجوزك. رفرفت نسرين بأهدابها عدة مرات، كأنها تحاول أن تعي ما قاله، فربما هو يمزح معها. فعندما أرادت أن تقول شيئًا، لم يسعفها لسانها بالنطق. فسمعته يكمل حديثه قائلاً: –قولتي إيه يا نسرين؟ موافقة إن إحنا نتجوز؟ أنا مكنتش أعرف إن قلبي اتعلق بيكي كده إلا لما سمعت إنك هتتجوزي. فمقدرتش أخبي حقيقة مشاعري أكتر من كده.
فغرت نسرين فاها ونظرت إليه ببلاهة. فلم يمنع نفسه من الضحك على تعبير وجهها المصدوم، فرفع يده يفرقع بأصابعه لعلها تفيق مما هي به. فلم يكن ردها على ما قاله سوى أن تحركت صوب الباب وهي تقول: –أنت عارف عنوان بيتنا. تعال وكلم بابا.
فتحت الباب واختفت من أمامه بلمح البصر، بينما تنفس هو بارتياح وعاد وجلس على مقعده خلف مكتبه ثانية. فبالمساء سيخبر عائلته بذلك النبأ السعيد، فهو يعلم أنهم سيشعرون بالسعادة من أجله وخاصة شقيقه الأكبر.. رفيق. ***
فما كادت تقترب الملعقة من فمها، حتى داهما غثيان مفاجئ. حاولت تجاوز الأمر، ولكن كلما اشتمت رائحة الطعام زادت رغبتها بالتقيؤ. فلم تمهل نفسها دقيقة بل ركضت للمرحاض وأغلقت الباب وأفرغت ما بمعدتها، حتى شعرت بتقلصات زادت من شعورها بالألم والإرهاق. نظر أكمل وكنزي لبعضهما البعض مما فعلته سارة. فترك مكانه وذهب خلفها، ترك على باب المرحاض وهو يقول بإلحاح: –سارة مالك؟ في إيه؟ أنتِ تعبانة؟
فتحت سارة باب المرحاض وهي تجفف وجهها بالمنشفة القطنية بإحدى يديها، ويدها الأخرى تضغط بها على بطنها. ردت قائلة بصوت واهن بعض الشيء: –مش عارفة. معدتي قلبت مرة واحدة وقرفت من ريحة الأكل. فتبسم أكمل وقضم شفته السفلى وسرعان ما قال: –هو أنتي حامل يا سارة؟ صمتت سارة لبرهة، ولكن سرعان ما انفرجت أساريرها وهي تقول: –تفتكر يا أكمل إن أكون فعلاً حامل؟ أمسكها أكمل من كتفيها وهو يقول باسمًا: –وليه لاء؟
تعالي نروح للدكتورة ونشوف. مش هنخسر حاجة. فبالمساء، كان أكمل يصطحبها ويصطحب صغيرته للطبيبة النسائية. فبعد حلول دورهما بالدخول، ولجت سارة وهي تدعو من داخلها بأن تكون حقًا حامل وتنجب له طفل يزيد من روابط المحبة بينهما. فبعد فحص الطبيبة لها وعمل كل ما يلزم، تبسمت لها قائلة: –مبروك يا مدام سارة. أنتِ فعلاً حامل.
اجتاحت السعادة حواسها بعد سماع ما قالته الطبيبة، فنظرت لزوجها، الذي لم يخفِ سعادته هو الآخر. فخرجوا من العيادة. ونظر أكمل لكنزي قائلاً: –هيجيلك أخ نونو يا كنزي؟ تلعبي معاه؟ قفزت الصغيرة وصفقت بحماس وقالت: –بجد يا بابي؟ هيبقى عندي أخ؟ هاا.
ابتسمت سارة على أفعال الصغيرة، التي مازالت تقفز فرحًا وتصفق بيدها، وتردد ما أخبرها به أبيها، فمسحت على بطنها بحنان وهي تدعو الله أن يأتي طفلها للعالم بخير سليمًا معافى، وحبذ لو كان يشبه والده. ***
سمعت صوت إدارة مقبض الباب، فعلمت أنه عاد من سفره، الذي دام قرابة الثلاثة أيام. فتركت فراشها، ووضعت يدها بظهرها، لعلها تخفف من شعورها بثقل حملها، فهي الآن ببداية الشهر التاسع من حملها. فسارت بخطواتها البطيئة خطوتين ووجدته أمامها. ابتسمت باتساع من رؤياه. ولما لا وهو من جعلها تغرق بعشقه لأذنيها. فلم ينسَ أن يهديها تلك الابتسامة الخاصة بها، والتي تجعلها تلتصق به ولا تريد إفلاته. فأقتربت منه أكثر ولكن حالت بطنها الحاملة لصغيرتهما بينهما، فهي حتى لا تستطيع وضع يديها حول عنقه، ولا تفعل ذلك إلا بصعوبة.
فزفرت بإحباط وهي تقول: –رفيق. علم ما تفكر به، فقبل جبينها ورفعها بين ذراعيه. فأمتنت لفعلته التي مكنتها من توسد كتفه ووضع يديها حول عنقه. فوضعها بمنتصف الفراش وجلس مقابل لها وهو يضع يديه على بطنها قائلاً: –وحشتوني أوي أوي. عانقها بحرارة، يبثها أشواقه إليها، وهي تتلقى كل ما يجود به العشق بصدر رحب. فلم تكن تعلم أنها ستشتاقه هكذا ببضعة أيام فقط، فما حال لو تركها أشهر، فربما ستصاب بالجنون. فوضعت رأسها على كتفه وهي تقول:
–خلصت شغلك على خير الحمد لله؟ أومأ رفيق برأسه قائلاً: –أه الحمد لله. كله تمام. ضحكت بخفوت، فأثارت فضوله بفعلتها، فنظر إليها وتساءل: –بتضحكي على إيه يا ليان؟ وضعت شعرها خلف أذنها وهي تقول: –أصل لما لقيتك غبت قعدت أتخيل إنك هترجع من السفر متجوز عليا، زي ما حصل وجيت عشان تشتري أرض بابا ورجعت وأنا مراتك. كانت دماغي مش مبطلة خيالات مع إنك كنت بتكلمني في اليوم كذا مرة، بس وسواسي كل عقلي.
تبسم رفيق على قولها، فأراد ممازحتها قليلاً، فنظر إليها قائلاً بجدية مصطنعة: –دي مش وساوس يا ليان. دي حقيقة. صحيح قلب المؤمن دليله. أنا مكنتش عارف هقولهالك إزاي أو أعرفك إن اتأخرت عشان اتجوزت، بس صدقيني دي جوازة كده. بس أنتِ الحب كله. انتفضت ليان من بين ذراعيه فجأة، مسببة بذلك ألمًا لها، ولكن لم تكن تعير هذا الألم اهتمامًا، قدر سماعها ما قاله رفيق. فأستندت على مرفقها وهي تقول باستنكار: –إييييه؟ اتجوزت عليا يا رفيق؟
دا أنا حتى لسه مخالفتش أول طفل لينا. أه يا أبو عين زايغة. قبل أن يراها تترك الفراش بثورتها العارمة، جذبها من ذراعها وأعادها بين ساعديه من جديد. فما الذي دهاه حتى يمزح معها هكذا وهو يعلم مدى شعورها مرهف خاصة بحملها. قبل رأسها عدة مرات وهو يقول بصوت عاشق: –وهو أنا عيني تقدر تزوغ على حد تاني يا قلب رفيق؟ أنا كنت بهزر معاكي. ثم هو أنا قادر على كتر حبي ليكي عشان أروح اتجوز واحدة تانية؟
هدأت حركتها المتململة بعد سماع قوله. فلو كان قد صدقها القول وتزوج من أخرى، كانت ستحرص على أن تجعل أيامه جحيمًا لا يطاق. فهي باتت تغار عليه من ثيابه، فكيف تسمح لأخرى، بأن تحصل على ما تحصل عليه هي من عشق ودلال. فلا أنثى لها الحق به سواها هي فقط دائمًا وأبدًا. *** باليوم التالي مساءً.
جلست ليان على الأريكة بالصالة، ووضعت طبق الفشار أعلى بطنها المنتفخة، وبدأت بمشاهدة التلفاز. فكلما حاولت رهف مد يدها لتأخذ منه، تصفعها ليان على يدها. فتزمجر رهف بصوت منخفض، لتعيد الكرة ثانية. فتمدت يدها بداخل الطبق الزجاجي وأنتشلت ما أمكنها من الفشار وهي تقول: –فيه إيه يا شيخة؟ قربتي تاكليني؟ ما أنا هاكل فشار معاكي يعني هاكل إيه؟ الطفاسة بتاعتك دي. أخذت ليان الطبق ووضعته بجانبها بعيدًا عن يد رهف وهي تقول:
–لاء محدش هياخد الفشار بتاعي أنا وبنتي. وجدها باسم فرصة سانحة وشقيقته تتشاجر ذلك الشجار اللطيف مع رهف، فمد يده وأخذ الطبق وبدأ يأكل منه. فرآته ليان وشهقت بصوت مسموع: –حتى أنت يا باسم بتسرق الفشار بتاعي. فحاولت ترك مكانها لتأخذه منه، فتعثرت حركتها. فضحكت رهف بصوت مسموع وهي تقول: –عايزة عشرة يشدوكي أحسن. خليكي كده زي السلحفاة اللي نايمة على ضهرها. هات يا باسم الطبق ناكله هي على ما تفكر تقوم هنكون الفجر.
رأى باسم ملامح وجه شقيقته تنكمش وتمط شفتيها كأنها على وشك البكاء، فناولهالطبق وهو يقول: –خلاص يا حبيبتي خدي الطبق أهو ومتزعليش. أخذته منه ليان ونظرت إليهما وهي تقول بغيظ: –اه يا جزم. صبركم عليا بس أولد وهطلع اللي بتعملوه فيا ده على عينيكم. خرجت منى من المطبخ وهي تحمل أطباق الفشار التي أعدتها لرهف وباسم، فناولت كل منهما طبقه وهي تقول: –خدوا الفشار أهو وسيبولها الطبق بتاعها ومحدش يضايقها.
تبسمت ليان على قول والدة زوجها، فأهدتها قبلة بالهواء وقالت: –تسلميلي يا ماما منى. عايزة أقوم أبوسك بس الظروف بقى. ضحكوا جميعهم على قولها. فرأت منى ولديها عادا من العمل، فنهضت هي ورهف لاستقبالهما كالعادة. فشدت ليان رهف من مرفقها وهي تقول: –بت يا رهف عايزة لبن فراولة. نفسى هفتني عليه مش عارفة ليه. جايز الوحام. ردت رهف قائلة: –وحام إيه يا ليان دلوقتي؟ دا أنتي احتمال تولدي وأنتي قاعدة دلوقتي. دا مش وحام دي طفاسة يا روحي.
ضربتها ليان على ذراعها برفق وهي تقول: –يلا أمشي. مش عايزة منك حاجة. تبسمت رهف على أفعال ليان، فهي صارت شرهة جدًا بتناول الطعام والحلوى. ولكنها أسرعت لحقيبتها التي تجعلها بمكان قريب منها دائمًا وأخرجت لها ما كانت تريده. فناولتها علكتها المفضلة، فتبسمت لها ليان وأخذتها منها وبدأت مضغها بتلذذ. ***
بعد مرور أسبوع وبمنزل والد نسرين كانت الأجواء تعمها السعادة والزغاريد تصدح بالمنزل. فاليوم هو يوم خطبة مالك ونسرين. فبعد إخباره لعائلته بنيته بالزواج منها، ذهب مع شقيقه ووالدته لطلب يدها. وبعد موافقتها وموافقة والديها، قررا عمل حفل الخطبة بمنزل أبيها. وضعت نسرين الخاتم الذهبى بيدها اليمنى وهي لا تصدق أنها أصبحت خطيبته الآن. فلابد أنها تحلم، ولكنها لا تريد أن تستيقظ إن كان هذا حلماً. فتبسم لها مالك وقال:
–مبروك يا نسرين. ردت نسرين بصوت مبحوح: –الله يبارك فيك. أقترب منه شقيقه واحتضنه مهنئاً له على خطبته وهو يقول بسعادة: –ألف مبروك يا حبيبي وربنا يتمم بخير وعقبال الفرح إن شاء الله. ربت مالك على ظهر رفيق وهو يقول بحب: –ربنا يبارك لنا فيك يا أبيه يارب. أثناء جلوسها تصفق بيدها لطفلة صغيرة ترقص، داهمتها آلام المخاض، فبدأت تتململ بجلستها بشعور عدم الراحة. فنظرت بوجه الحاضرين تبحث عن زوجها لتخبره بما تشعر به.
ولكنها لم تستطع كتمان صيحتها المتألمة فصرخت قائلة: –آآآآه ألحقوني شكلي بولد آآآآه. ساد الهرج والمرج بالمنزل، ولم تكف هي عن الصراخ، فأخذها زوجها سريعًا للمشفى وتبعه الآخرون. فبعد وصوله وذهابها للغرفة التي ستضع بها مولوده.
لم تمر دقائق حتى سمعوا صوت بكاء الصغيرة، فخرجت الممرضة تحملها وناولتها لوالدها، الذي شعر برجفة السعادة تنتشر بجسده وهو يحملها بين ذراعيه، فتاة صغيرة وضئيلة الحجم تغمض عينيها وتتثاءب بفمها الصغير، كأن أحدهما أزعجها من نومها. فتبسم بسعادة وهو يقول: –حبيبة بابا نورتي دنيتي. قبّلها رفيق بحرص وناولها لوالدته وخر ساجدًا شكرًا لله. فاقتربت رهف من الصغيرة وهي تقول بحماس: –قلب عمتو يا ناس يا صغننة أنتِ يا جميلة.
قبلها الجميع بحرص وأخذتها الممرضة ثانية لتذهب بها للغرفة، التي ستنتقل لها ليان بعد خروجها. فنظر مالك لنسرين التي أصرت على الحضور هي ووالديها وقال: –وش خطوبتنا حلو. ليان ولدت وأبيه رفيق بقى عنده بنت. عقبالها إحنا كمان إن شاء الله. –إن شاء الله. همست بها نسرين بأنفاس تكاد تتلاشى من شدة خجلها الممزوج بسعادتها من أن حلمها المستحيل أصبح بمتناول يدها. أقترب أكمل من رفيق يهنئه على ولادة صغيرته قائلاً:
–مليون مبروك يا حبيبي. تتربى في عزك إن شاء الله ويجعلها ذرية صالحة وتفرح بيه. رد رفيق قائلاً: –الله يبارك فيك يا صاحبي وعقبال ما تقوم سارة بالسلامة إن شاء الله. ولج رفيق الغرفة التي تم نقل ليان بها، فوجدها تنظر له بحنان وهي تداعب رأس الصغيرة، فجلس على طرف الفراش قائلاً: –حمد الله على السلامة يا حبيبتي. –الله يسلمك يا حبيبي. شوفت بنتنا جميلة إزاي. قالتها ليان وهي تتفرس بوجه صغيرتها بحب وعطف أمومي. فداعب رفيق وجنتها
وهو يقول بصوت متهدج: –طالعة جميلة زي أمها اللي بتسحر أبوها بنظرة عينيها وبتخليه أسير حبها وعشقها. غامت عيناها بالحب وهي تقول: –وأمها بتحبك وبتموت فيك كمان. أخذ يدها بين يديه وهو يضغط عليها بمحبة، فهو اليوم كأنه ربح الجائزة الكبرى، فصار لديه ابنة منها، صغيرة ستنازعه على قلبه، سيعشقها كعشقه لأمها ويدللها بحب. *** فبعد مرور بضعة أشهر.
وضعت ليان الصغيرة التي لم تكمل شهرها السادس بعد على الفراش، بعدما ألبستها ثوبها الأبيض الجميل، فاليوم هو يوم زفاف عمها مالك. فالحفل مقام بقاعة إحدى الفنادق الفخمة. فرفيق عمل على إعداد حفل زفاف تاريخي من أجل شقيقه الأصغر، وابتاع لوالدته ولها ولرهف وللصغيرة أثوابًا من الحرير المخملي، زادت من جمالهن ورقتهن.
وقفت أمام منضدة الزينة تعمل على إنهاء ارتداء حجابها، ورفعت سلسال ذهبي لتضعه حول عنقها، فقبل أن تعمل على غلق القفل الخاص به، وجدت زوجها يمد يده يغلقه هو. فنظرت له بالمرآة، فكم يبدو جذابًا ووسيماً وآسرًا بتلك الحلة السوداء التي يرتديها. فأمعنت النظر بتلك الندبة بوجهه، والتي تجزم أنها كوسام للرجولة حصل عليه بوقت مبكر.
لم يكن يدعها تذهب هكذا من بين يديه بسهولة، فلم يكن بحاجة لمزيد من التودد لها، فوجدها هي من تغدقه بما فاض بقلبها العاشق له، فسمعا صوت الصغيرة وهي تصدر أصواتًا وتضحك، كأنها سعيدة بحب أبويها. فتبسمت ليان وهي تنظر لها: –شايف بنتك مبسوطة أوي كأنها بتتفرج على التليفزيون. التفت رفيق برأسه ينظر لصغيرته الموضوعة بمنتصف الفراش، فتبسم قائلاً: –حبيبة قلبي دي وأجمل حاجة إنها أخدت لون عينيكي يا ليان. عاد ونظر إليها ثانية، فعبث
بربطة عنقه وهي تقول بدلال: –هي عيني عجباك أوي كده. –دي هي اللي خلتني أقع في حبك من أول نظرة. عيون بتسحر وبدوب القلب في ثواني. قالها رفيق وهو يمعن النظر بعينيها، كأنه يريد سبر أغوارها ويعلم سرها في أنها تأسره سريعًا بمجرد النظر إليها، ولكن كل مرة يفشل في معرفة سر تلك القوة التي تملكها عيناها.
ولكنه سعيد بإمتلاكها، فهي حوريته الصغيرة ومعشوقته وساحرته، ومن عشق عنادها قبل هدوءها. فلتسقه من خمر عينيها حتى تشعر قلبه بالثمالة. فهو لن يتوب عنها أبدًا، فإن لامه أحد أنه بالعشق ذاب قلبه مغرمًا، فيقول لا عذرًا لي سوى أن عينيها كنهر من خمر لذة للعاشقين وأني "في هواها متيم". تمت بحمد الله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!