تجمدت ملامح وجهه بعد رؤيتها. لم يضع بباله أن تقدم على فعل ذلك، فهو ظن أن الأمر انتهى بينهما في المطعم، عندما أخبرها أنه لم يعد كما كان، وأن ما بينهما لم يعد له وجود، ومن الأفضل لها نسيان الماضي. لم ينتشله من فيضان أفكاره سوى صوت رهف وهي تقول بسعادة غامرة: –أبيه رفيق، حمد الله على السلامة. وحشتني أوي أوي. كده سايبنا المدة دي كلها؟ تحول ببصره لوجهها، وتبسم لها قائلاً:
–معلش يا حبيبة قلبي، في حاجات عطلتني وخلاص أنا جيت أهو. انتي عاملة إيه؟ أهدته ابتسامة عريضة وهي تقول: –تمام الحمد لله. انت واقف ليه كده؟ تعال ندخل. قامت رهف بسحبه من يده، فدخلا إلى المنزل. وليان وباسم ما زالا بالسيارة. فمن رأى رفيق ورهف هو باسم، فليان لم تهتم أن تنظر إليه، فهي حتى لا تريد ترك السيارة، كأنها تنتظر أن يعود بها إلى بلدتها مرة أخرى. أحنى باسم رأسه ونظر عبر الزجاج الأمامي للسيارة وهو يقول:
–هو أبيه رفيق راح فين كده وسابنا؟ تبسمت ليان وقالت بسخرية: –أبيه رفيق! هو خلاص كل بعقلك حلاوة يا باسم، زي ما عمل مع تيتة علية الله يرحمها. أستدار باسم برأسه لها وقال: –هو الصراحة ذوق أوي ومؤدب وما شوفناش منه حاجة وحشة. همست ليان بصوت منخفض، لكي لا يسمعها شقيقها: –مؤدب! ده قليل الأدب ومترباش ولا شاف تربية.
بعد أن قالت كلماتها، التي لم تصل لمسامع أخيها، تذكرت لمساته على وجهها، ونظرة عينيه التي تفقد أي فتاة راشدة عقلها. ولكنها لن تكون تلك الفتاة أبداً، فهي تصمم بداخلها على أن تجعل أيامها في هذا المنزل، الذي يخصه، أياماً لا تطاق. فهي ستعمل جاهدة على أن تثير أعصابه حتى يأخذها هو بنفسه إلى منزلها لكي يتخلص منها.
استقبلته والدته بحفاوة، وكأنه كان مهاجراً منذ زمن. فهي تضمه بين أحضانها بحنان أمومي كبير. هو يريد التحدث ولكن شقيقته ووالدته لم يعطوه الفرصة للحديث. فقبلته منى على وجنتيه وهي تقول بحب: –يا حبيب قلبي أمك، حمد الله على السلامة يا قلبي. قبل رفيق يديها وهو يقول: –تسلميلي يا أمي يارب. بس انتوا أخدتوني كده ونستوني الضيوف اللي معايا. نظرت خلفه وقالت بتساؤل: –انت معاك ضيوف؟ هم فين دول؟ ترك رفيق يديها وقال بإبتسامة:
–أيوه موجودين معايا في العربية. ثواني بس أجيبهم. خرج رفيق إليهما ثانية، فقام بفتح الباب لباسم، تليه ليان التي تأخرت في الخروج، بسبب وقوفه بجانب باب السيارة يسد عليها الطريق بجسده. فرفعت رأسها إليه وهي تقول: –عايزة أنزل لو سمحت. نظر لها رفيق قائلاً: –ما تنزلي وأنا ماسكك. يلا انزلي. نفخت ليان بضيق فقالت: –ابعد علشان أنزل. أنت واقف سادد السكة. خدلك جنب كده اتزحزح يا أستاذ. رفع رفيق حاجبيه قائلاً: –اتزحزح!
انتي متربية فين يا ليان؟ لم تنتظر أن يمتثل لأمرها ويبتعد قليلاً، بل مدت يدها ودفعته بصدره لتجعله يتنحى عن باب السيارة وهي تقول: –في الأرياف. تعرفها بتاعة البهايم والجواميس. أنا بقى متربية هناك. عرفت بقى أنا متربية فين؟ ينظر إليها بنظرة تسلية. فتلك الفتاة التي تقف أمامه، ربما ستخرج أسوأ ما فيه، ستجعله يثور، يغضب، يلعن، يفعل أشياء لم يفعلها من قبل. فرمَقها مطولاً حتى عجزت عن النظر إليه وقال: –أنعم وأكرم يا ليان.
تقف ليان بجانب باب السيارة محاصرة بينه وبين ذراعه الممدودة التي يحط بها على طرف الباب المفتوح. فنادى باسم قائلاً: –احنا هنفضل واقفين كده يا أبيه رفيق؟ سحب رفيق ذراعه وأبتعد عنها قليلاً فقال: –لأ يا باسم. تعالوا معايا. تقدم رفيق بضع خطوات، يسبقهما إلى الداخل. تبعته ليان وباسم، وكل منهما يجر خلفه حقيبة الثياب الخاصة به. لمحتهما منى فابتسمت لهما، بينما رهف في المطبخ كعادتها تبحث عن شئ تأكله. فأقتربت والدته
ترحب بقدومها وهى تقول: –أهلاً وسهلاً يا حبايبي. مين دول يا رفيق؟ رفع رفيق يده يشير لباسم وليان قائلاً: –دا باسم. ودي ليان. أخته. تبقى مراتي. كأنها لم تعِ ما قاله ابنها للتو. هل يخبرها أن تلك الفتاة زوجته؟ فكيف حدث ذلك؟ رأى نظرة والدته المصدومة له، فعلم أن الأمر لن يمر بسلام. فهي كانت تلح عليه كثيراً ليتزوج وكان هو رافضاً. فيعود الآن ويخبرها بزواجه هكذا بهدوء كأنه لم يفعل شيئاً.
-وضعت ليلى القرطين الذهبيين بأذنيها، وذلك السوار بمعصمها الأبيض الغض. فنظرت بالمرآة وهي تقف أمام منضدة الزينة، تتأكد من أن كل شيء على ما يرام. فالثوب الذي ترتديه، جعلها مثال للجمال والأنوثة. فلما لا وهي تنتقي دائماً الأفضل والأجمل. فذلك هو عملها. فهي عملت بعد زواجها كمصممة للأزياء. فزوجها السابق كان يمتلك شركة خاصة بالأزياء، ولكن بعد حصولها على الطلاق منه، استطاعت مزاولة عملها ثانية، ولكن تلك المرة بامتلاكها متجراً خاص بثياب نساء صفوة المجتمع المخملي.
طَرقت الخادمة باب غرفتها، فأذنت لها بالدخول. فدخلت الخادمة على استحياء وهي تقول: –ليلى هانم. في واحد عايز حضرتك تحت. بيقول جاى بخصوص الاتفاق على عرض الأزياء اللي حضرتك ناوية تعمليه. عدلت ليلى خصيلاتها، وأزاحتها خلف أذنها، وأخذت أحمر الشفاه لتطلي شفتيها. فبعد انتهائها مدت شفتيها وهي تقول: –قدِّم له حاجة يشربها وقول له الهانم جاية.
أحنت الخادمة رأسها احتراماً، وخرجت من الغرفة. بينما ليلى تحرص على إنهاء زينتها على الوجه الأكمل. فبعد انتهاء اجتماعها بهذا الرجل، الذي ينتظرها بالأسفل، ستذهب للمنزل المجاور. فهي أرجأت أمر تقربها من عائلته حتى يعود. فهو سيرى كيف ستكون مقربة لهم. فأولاً وآخراً هي جارتهم الجديدة، والتي أرادت التعرف على جيرانها الجدد. تبسمت ليلى على تفكيرها وقالت:
–هشوف يا رفيق هتفضل مستحمل قد إيه قبل ما ترجع تاني وتقول لي بحبك يا ليلى زي ما كنت بتقولها زمان. خرجت من الغرفة بعدما أخذت هاتفها. هبطت الدرج حتى وصلت لغرفة المعيشة، وجدت رجلاً ربما بمنتصف الأربعينات ينتظرها. فعندما رآها قادمة، ترك مكانه ومد يده يصافحها وهو يقول: –أهلاً بيكي يا ليلى هانم. سعيد أن قابلت حضرتك. صافحته ليلى ودعته للجلوس قائلة: –أنا الأسعد. اتفضل اقعد.
عاد الرجل لمكانه ثانية، بينما جلست ليلى على مقعد مقابل له، واضعة ساق على الأخرى. فأسندت ظهرها لمقعدها وهي تقول: –حضرتك جاى بخصوص عرض الأزياء اللي ناوية أعمله. بس المرة دي أنا اللي عملت تصميمات الأزياء ومش هتكون خاصة بالستات بس. لأ، دي الأغلبية اللي فيها للبنات من سن المراهقة لحد بداية العشرينات. يعني هيكون تركيزي أكتر على البنات في السن ده. أومأ الرجل برأسه قائلاً:
–تمام حضرتك. وأنا جهزت صور كذا موديل علشان تشوفي اللي يناسبك منهم. اتفضلي الصور أهي. تناولت ليلى من يده الصور، وأمعنت النظر بها. ولكن لم تلق أي صورة منها استحسانها. فألقت بالصور على المنضدة وهي تقول: –مش شايفة حد فيهم ينفع. إحنا عايزين وجه جديد، تكون بنت تقدر تجذب أكبر قدر من البنات اللي هتمثلهم. دايماً الأفضل لو البنات لقت اللي تبقى شبههم، مش أجيب لهم موديل أجنبية. فكر الرجل بحديثها، فهتف قائلاً بتفكير:
–بس هنجيب البنت اللي زي كده منين؟ نظرت ليلى بهاتفها وقالت: –مش عارفة تجيبها منين. المهم تكون موجودة علشان الدفيليه هيكون على بدايات الربيع، يعني مقدمناش وقت كبير. فلازم تتصرف بسرعة، يا إما أشوف حد تاني ينظم لي العرض. أسرع الرجل قائلاً: –لأ حضرتك اطمني. إن شاء الله ألاقي الموديل اللي حضرتك عايزاها. عن إذنك.
خرج الرجل من المنزل. فظلت ليلى جالسة مكانها لعدة دقائق بعد رحيله، كأن أفكارها تتقاذفها بين ذهابها لمنزل رفيق، وبين عدم ذهابها. فهي تفكر كيف ستكون ردة فعله إذا رآها بمنزله. هل سيرحب بها كجارة لهم، أو ربما تجده يتخلى عن كل ما لديه من كياسة ويقوم بطردها من المنزل. فهي لا تأمن رد فعله. فعلى الرغم أنه لم يفعل شيئاً بذلك اليوم بالمطعم، ولكنها لا ضمان لديها بأن يظل هادئاً كلما رآها.
-احتسى كل ما قدم إليه من خمور بشراهة. فهو كلما يتذكر ما حدث، تغلي دماؤه بعروقه. فالنادل بالملهى الليلي، تعجب من أن فاروق يحتسي الخمر هكذا، بدون أي إضافات أخرى تخفف من طعمها الحارق للجوف. فهو كلما وضع كأس، يشربه دفعة واحدة، ويرجع يأمره بسكب المزيد. أقتربت إحدى الفتيات منه ووضعت يدها على كتفه قائلة بغنج: –مالك يا فاروق بيه؟ شكل مزاجك النهاردة وحش أوي.
نظر فاروق للفتاة نظرة نارية، وقام بدفعها عنه بغتة وبقسوة، حتى كادت تسقط أرضاً. فصرخ بوجهها قائلاً: –روحي شوفي شغلك يا روح أمك وملكيش دعوة بمزاجي. يلااا. أسرعت الفتاة بالإبتعاد، فربما اليوم أصابه الجنون. ولكنها لم تنسى أن تسبه وتلعنه بخاطرها وبصوت هامس. فجلست على إحدى الطاولات، فوجدت رجل من العاملين بالملهى يجلس بجانبها. فتبسم لها بدهاء وقال: –روحتيله ودلقك كالعادة مش كده؟
نظرت له بشرر من الغضب. فرفعت يدها تشير للنادل، أن يحضر لها شيئاً لتشربه. فأكتفت بعدم الرد على حديثه. لكنه لم يكتف بقوله هذا الحد، بل عاد مكملاً حديثه: –اسمعيني بس. دا أنا عايز مصلحتك. صاحت بوجهه بنزق وهي تقول: –مصلحة إيه دي ومن أمتى الحداية بتحدف كتاكيت؟ –مقبولة منك يا قمر. قالها وأصابعه تتلمس معصمها. فنفضت يده وهي تقول: –هات أخرك. عايز مني إيه؟ التفت حوله ليتأكد من عدم تنصت أحد عليهما، خاصة وهو يقول:
–أنا عايزك بدل ما انتي شغالة في المحل تبقى صاحبته وتاخدي الجمل بما حمل. قطبت حاجبيها وهي لا تفقه شيئاً من قوله. فهتفت به بغرابة وقالت: –يبقى لي إزاي يعني مش فاهمة؟ انت شكلك كده سكرت بدري وبتخرف. وضع ذراعيه على الطاولة، وأنحنى بجزعه العلوي قائلاً: –لأ مبخرفش ولا حاجة وعارف بقول إيه. هي بس لعبة صغيرة هنلعبها سوا وهناخد المحل ده من فاروق. نظرت إليه بإهتمام وقالت: –لعبة إيه دي اللي هنلعبها؟ فهمني أكتر. أقترب بوجهه
أكثر منها وهو يقول بخبث: –الكلام هنا مينفعش. خلينا نقعد قعدة حلوة كده وهرسيكي على الدور كله وهقولك نعمل إيه. ودلوقتي خلينا نشوف شغلنا. نهض من مكانه ورحل. فنظرت لأثره بتعجب. فربما هو يهذي أو يمزح معها. فمن بإمكانه أخذ الملهى من فاروق؟ وما تلك الحيلة التي يريد أن يمارسها عليه ويريد مساعدتها؟ فهي تعلم أن فاروق ليس الرجل الساذج، الذي بإمكان أي أحد خداعه. فمن الأفضل لها أن تبتعد عن طريقه، حتى لا تلقى ذلك المصير كسابقيها.
-ذلك الصمت الذي حل على رؤوسهم، لم يمتلك هو الشجاعة الكافية لكسره، وخاصة أن والدته، منذ أن ألقى بوجهه ذلك الخبر المدوي، وهي تنظر إليه وعيناها متسعة، ولا تفقه بكلمة، كأن لسانها عاجزاً عن فعل ذلك. ولكن بعدما رأت منى أنها أخذت حصتها من الصمت قالت بصوت شابته الصدمة: –انت بتقول إيه يا رفيق؟ انت بتهزر صح؟ أبتلع رفيق ما أمكنه من لعابه وهو يقول: –امي أنا هفهمك وهقولك على كل حاجة. صرخت والدته بوجهه غاضبة وهي تقول:
–تقولى إيه يا رفيق؟ ها هتقول إيه؟ اتجوزت من ورايا إزاي يعني؟ متعرفناش باللي عملته إلا دلوقتي. ناشدها رفيق بأن تستمع له قائلاً بلين: –امي افهميني والله دي ظروف. بتلك اللحظة خرجت رهف من المطبخ تحمل بيدها تفاحة تقضم منها تستلذ بمذاقها. فقالت وفمها مملوء بقطع التفاح: –اممم. احنا مش هناكل بقى. أنا هموت من الجوع.
ولكنها لمحت ليان فاتسعت عيناها بدهشة وسعادة، من رؤية صديقتها. فركضت اليها تحتضنها. فاليوم هو يوم المفاجآت، أو إذا صح القول فهو يوم الصدمات. فليان لا تصدق ما تراه الآن. فماذا تفعل رهف في منزل هذا الرجل؟ طوقتها رهف بذراعيها وهي تقفز بسعادة: –إيه ده ليان! معقولة انتي عرفتي عنوان بيتي إزاي وجيتي؟ مين اللي معاكي ده؟ ابتعدت عنها ليان قليلاً وهي تقول بذهول: –دا باسم أخويا. رهف انتي بتعملي إيه في البيت ده؟
تبسمت رهف وهي تقول: –ده بيتي يا بنتي. أمال انتي جاية إزاي؟ ثواني كده أنا مش فاهمة حاجة. أبيه رفيق قال معاه ضيوف. هو انتوا الضيوف؟ قالت ليان وهي تنظر لوجه رفيق: –هو الدكتور رفيق يبقى أخوكي يارهف؟ هزت رهف رأسها بالإيجاب وهي تقول: –أيوه يا ليان. بس والله أنا مرضيتش أقولك خوفت إنك مترضيش تصاحبيني لو عرفتي إنه هو يبقى أخويا. يتابع الحوار بينهما، ولا يفقه شيئاً مما يقال. فمن أين تعرف شقيقته تلك الفتاة؟
فيبدو عليهما أنهما يعرفان بعضهما البعض جيداً. فنظر رفيق لرهف قائلاً بتساؤل: –رهف انتي تعرفي ليان منين؟ خفضت رهف وجهها وهي تقول بحذر: –ماهي تبقى صحبتي في الكلية وكمان تبقى البنت اللي انت طردتيني أنا وهي من المحاضرة. لا.. فهما على الأغلب يمزحان معه الآن. فما يحدث ليس حقيقة. فلابد أنه يحلم الآن. هل هذه هي تلك الفتاة التي قام بطردها من المحاضرة بسبب ضحكاتها العالية؟
فهو علم الآن سبب كره تلك الفتاة له وعلم أيضاً دوافعها للتعامل معه بأسلوب يميل إلى الوقاحة. فحدقها بنظرة ثاقبة وهو يقول: –يعني انتي يا ليان كنتي عرفاني ومقولتيش؟ ردت ليان قائلة ببرود: –أيوه كنت عارفة انت مين يا دكتور رفيق. علا صوته قائلاً بحدة: –ومقولتيش ليه ها؟ عملتي نفسك عبيطة وعمالة تقللي في أدبك مستغلة إن أنا مش فاكرك؟ أشاحت ليان بوجهها عنه وهي تقول: –أصلها الصراحة كانت ذكرى مش حابة أفتكرها.
أكتفت منى من متابعة الحوار بينهما. فهي وصلت لحافة صبرها. فهتفت بهم بغضب: –ممكن حد يفهمني إيه اللي بيحصل وأنا واقفة كده مش فاهمة حاجة. وانت إزاي اتجوزت يا رفيق؟ شهقت رهف قائلة: –إيه! أبيه رفيق اتجوز! انت اتجوزت بجد يا أبيه؟ اتجوزت مين وفين؟ هي دي مراتك؟ رفعت منى يدها تشير بها لليان وهى تقول: –ماهي واقفة جنبك أهي مرات أخوكي تبقى صاحبتك يا رهف.
فغرّت رهف فاها وهي تنقل نظراتها بينهم بصدمة ممزوجة بالدهشة، أو بالأصح بالبلاهة. فقالت: –هه هه. أبيه رفيق اتجوز ليان. الحقيني يا مامتي. بعد أن انتهت من قولها، سقطت مغشياً عليها من صدمتها. فهرولت أمها وأخوها إليها، يحاولان إفاقتها. نظر إليها رفيق بخوف كبير ينمو بداخله. فربت على وجهها بحنان: –رهف حبيبتي ردي عليا حبيبة قلبي فوقي. قالت منى بقلق هي الأخرى: –مالك يا قلبي أمك جرالك إيه؟
استجابت رهف لحديثهما، ولكنها فتحت عيناها تنظر إليهما تردد كلامها مرة أخرى: –أبيه رفيق اتجوز ليان. عادت لإغماءها مرة أخرى. بينما تقف ليان وأخوها يتابعان الموقف. ولكنها أفلتت منها ضحكة عالية على صدمة صديقتها. نظر خلفه وجدها تضحك. فضيق ما بين عينيه. فعلام تضحك تلك الفتاة؟ فأقتربت ليان من رهف وهي تقول: –رهف معاكي لبان ولا شوكولاتة؟ أصلي نفسي آكل لبان. ردت رهف وهي مغمضة العينين:
–معايا في الشنطة. عايزة اللبان بالفراولة زي ما بتاكليه ولا إيه؟ قال رفيق بإستنكار: –فراولة! احنا واقفين هنموت من الخوف وانتي بتهزري يارهف. فتحت رهف عينيها وهي تقول: –والله أبداً. دا أنا مصدومة ومش مستوعبة اللي بيحصل ده يا أبيه. وكزتها والدتها بكتفها وقالت: –قومي يا أختي مش وقتك. لما أشوف حكاية جواز أخوكي دي كمان. نظر رفيق لوالدته قائلاً بوداعة: –طب ممكن ناكل ونتكلم؟
أنا جعان أوي يا أمي والله والطريق طويل. يرضيكي ابنك يفضل جعان كده؟ لم يطاوعها قلبها على أن ترد كلمته. فوجدت نفسها تخبر الخادمة بتجهيز المائدة. فمالك أيضاً على وشك أن يعود من عمله. ولا تعلم كيف سيكون شعوره هو الآخر عندما يعلم بأن رفيق عاد للمنزل ويصطحب معه زوجة.
ما أن ذهبت والدته للمطبخ لمساعدة الخادمة، أشار لليان بالنهوض وأن تتبعه لغرفة مكتبه. تعجبت بالبداية ولكنها امتثلت لأمره وولجت خلفه الغرفة. وما أن أغلق الباب حتى تجمعت سحابة من الغضب بعينيه العاصفتين. فقطبت ليان حاجبيها وقالت بدهشة: –في إيه؟ مالك بتبص لي كده ليه؟ وضع يديه بجيب بنطاله، ونظر إليها شزراً وقال:
–بصي بقى يا ليان. دلوقتي أنا عرفت إيه سبب طول لسانك وقلة أدبك عليا من ساعة ما شوفتيني وكرهك ليا. بس في حاجة حابب أنك تفهميها كويس. لو أنا سبتك الأيام اللي فاتت دي تقللي أدبك، فأنا كنت مراعي حالتك النفسية بعد موت جدتك. بس هنا انتي في بيتي. يعني تحترمني. ولو حاولتي أو فكرتي مجرد تفكير بس أنك تطولي لسانك عليا قصاد حد من عيلتي، فصدقيني هتشوفي وش عمرك ما شوفتيه. حتى مش هبقى رحيم بيكي وأطردك زي ما عملت في المحاضرة. لأ،
ممكن أكون أسوأ من تخيلاتك وتصوراتك. لأن أنا هنا ليا وضعي وسط عيلتي ووسط الناس هنا. ومش رفيق رسلان اللي عيلة زيك هتقلل منه قدام حد. فلو التزمتي بكلامي، ليكي أحسن معاملة وهتبقي زي رهف. هتاخدي نصيبك من الدلع والحنان. حاولتِ بقى تقللي أدبك، صدقيني مش هضمن رد فعلي معاكي.
لوت ليان ثغرها وقالت: –هتعمل إيه؟ هتطردني من البيت هنا؟ طب ياريت تعملها وصدقني لو كنت كرهتك أول مرة علشان أهانتني وطردتني من المحاضرة، بس لو طردتني من بيتك وطلقتني هيكون جميل مش هنساهولك أبداً. وجايز ده يخليني أنسى كرهي ليك. أخرج رفيق إحدى يديه من جيبه وقبض على فكها قائلاً: –طول ما انتي بتفكري تفكيرك المحدود ده، مش هترتاحي يا ليان. شايفة إن جوازك مني مصيبة وكارثة، بس جايز جوازنا منع عنك مصايب تانية، انتي في غنى عنها.
أزاحت يده بصعوبة وقالت: –وهي إيه المصايب دي؟ قول وعرفني. فضل رفيق الصمت. فأضافت بقسوة لم تندم عليها: –شوفت انت سكت إزاي؟ مش لاقي حاجة تقولها. بس هقولك أنا. انت لقيتها فرصة إنك تفرض سيطرتك على عيلة زي ما بتقول. شكل عندك حب السيطرة وأنك تمشي حياة الناس زي ما أنت عايز. شكلك سايكو يا دكتور رفيق.
حبس أنفاسه بقوة بعد نعتها له بتلك الكلمة والتي لا تطلق إلا على المرضى النفسيين المصابين بالإضطراب النفسي وعدم الاتزان. أبتلعت لعابها خوفاً مما رأته بوجهه. فهي بدأت خطتها مبكراً من أجل أن يسأم منها. ولكنها شعرت برعونة وسخافة أفكارها وأقوالها. ولكن لدهشتها لم يقدم على صفعها، بل باغتها بعناق أراد به زهق أنفاسها وسماع توسلها له بأن يعفو ويصفح عن أفعالها وأقوالها السخيفة. أمسك بوجنتيها وضغط على جسدها ضغطاً شل قدرتها على الحركة والتفكير. شعرت بنبضات قلبه تكاد تخترق ضلوعها من التصاقها به. فهي حتى غير قادرة على الصراخ. فذراعيه كانا على وشك تحطيم عظامها، وبدا كأنه يريد عصرها أو قتلـ ـها أو خنقها بعناقه.
خافت وشعرت بالذعر. فأمسكت بشعره وشدت بأقصى قوتها وحاولت يائسة أن تتخلص من أسره لها ومن جنونه العارم. فهي لا تريد هذا، ولا تريد أن يحاول إثبات ملكيته لها. فهي ما زالت تأمل بأن يأتي اليوم، الذي ستعود به حرة مرة أخرى. ومع تضارب مشاعرها تجاهه وصراعها الدائر بخلدها، أفلتت شعره وأنزلق كفيها المرتجفين إلى وجهه الدافئ. وفجأة أبتعد عنها، بعد سماعه طرقاً على باب الغرفة، وكأن شيئاً أعادهما بعنف لأحاسيسهما السابقة. فنظر إليها
بعينان حائرتان وزائغتان ثم خرج مسرعاً من الغرفة، وأغلق الباب خلفه. تاركاً إياها تحاول لملم شتات أمرها وهندامها المبعثر، بعد تلك الحرب الضارية بينهما من المشادات الكلامية، والتي انتهت بعناقهما الأول، الذي كان كالعاصفة لا تبقي ولا تذر.
-جلست ماهيتاب بجوار مالك بسيارته، وهي لا تطيق صبراً لتصل إلى منزله، لكي ترى ذلك الغائب منذ عدة أيام. فهي علمت أنه سيعود إلى المنزل اليوم. فذهبت إلى الشركة وأصرت عليه، أن تذهب معه إلى منزله، متذرعة بحجة أنها تريد رؤية شقيقته ووالدته. سبحت بخيالها. وتعجب مالك من صمتها الغير معتاد. فنظر إليها قائلاً بإهتمام: –مالك يا ماهي؟ ساكتة ليه كده ومبتتكلميش؟ أنتبهت ماهيتاب على حديثه. فقطبت حاجبيها وقالت: –بتقول حاجة يا مالك؟
سوري ما أخدتش بالي. كنت بتقول إيه؟ نظر مالك للطريق أمامه قائلاً: –لا دا انتي مش معايا خالص وشكلك سرحانة. حاولت ماهيتاب الابتسام وهي تقول: –لا بس أنا بفكر في حاجة فسرحت. أوقف مالك محرك السيارة وتطلع لوجهها قائلاً بقلق: –لو تعبانة ولا حاجة اروحك بيتك علشان ترتاحي يا حبيبتي. ردت ماهيتاب سريعاً قائلة: –لاء أنا كويسة. ثم احنا خلاص أهو قربنا نوصل بيتكم يا حبيبي. نفذت نظرات الاهتمام والخوف من عيناه وهو يرمقها قائلاً:
–أنا خايف بس لتكوني تعبانة يا ماهيتاب ومش راضية تقولي لي. تبسمت ماهيتاب بوجهه على مضض وهي تقول: –لاء يا حبيبي أنا كويسة خالص وهبقى تمام دلوقتي. فهي تنتظر رؤيته بصبر قد نفذ. فيكفي أنها لم تراه منذ عدة أيام. لم ترى ذلك الرجل، الذي تفعل المستحيل من أجله أن ينظر إليها بنظرة ترغبها منه. وصلوا إلى المنزل. فخرج مالك من السيارة ودار حولها فتح لها الباب. فترجلت من السيارة. ولج مالك المنزل تتبعه هي، تحاول أن تطمئن لحسن مظهره.
رأى مالك رفيق فاقترب منه يحتضنه بشوق هو الآخر مغمغماً: –حمد الله على السلامة يا أبيه. ألف حمد الله على سلامتك. انت وحشتني أوي. شد رفيق من احتضان مالك كأنه يحتضن صغيره: –الله يسلمك يا حبيبي. وانت كمان وحشتني. أخبارك إيه وعملت إيه كده وأنا مسافر؟ قهقه مالك قائلاً: –أبدا والله. دا أنا غلبان خالص. تبسم رفيق على قوله. فنظر لماهيتاب قائلاً: –أهلاً ماهيتاب. أخبارك إيه؟ ردت ماهيتاب قائلة بصوت عذب وإبتسامة عريضة:
–الحمد لله. حمد الله على السلامة يا رفيق. تضغط على حروف اسمه، تنطقه بنبرة تحمل إغراء. يرتسم على ثغرها ابتسامة تحمل كل معاني الإغواء. نظر مالك لليان وباسم وهو يقول بغرابة: –احنا عندنا ضيوف ولا إيه؟ مين دول؟ أهلاً وسهلاً. أسرعت والدته بإجابته وهى تقول: –دي تبقى ليان مرات أخويا. وأخوها باسم. زوى مالك ما بين حاجبيه قائلاً بعدم فهم: –أخويا مين! هو أنا ليه أخ غير أبيه رفيق ولا إيه؟ تبسمت رهف وهي تحتضن ذراع ليان تقول بحماس:
–لاء يا مالك. دي تبقى مرات أبيه رفيق. فغر مالك فمه وأتسعت عيناه بدهشة. فدمدم بذهول: –انتوا بتهزروا صح؟ ولا دي كذبة أبريل؟ قولوا بجد انتوا بتهزروا. رد رفيق قائلاً بهدوء: –لاء مش بيهزروا يا مالك. دي فعلاً تبقى مراتي.
فلو كان صفعها أحد على وجهها فجأة، ربما كان سيكون وقع الصفعة على وجهها، أقل من صدمتها من جراء ذلك التصريح الذي قاله بكل هدوء وبرود. وكأنه يخبرهم بإحدى النكات وليس أنه يخبرهم بشأن أنه تزوج. فمن تلك التي استطاعت أن تحرك ذلك الجبل الجليدي المدعو رفيق؟ من تلك التي اقترن اسمها باسمه؟ من تكون هي؟
وماذا تملك حتى تستطيع الفوز عليها، في الحصول على ذلك الرجل الذي ركضت خلفه كل تلك المدة، تنتظر أن يأتي اليوم الذي ينظر لها فيه بنظرة مختلفة عن كونها خطيبة أخيه الأصغر. خرجت كلماتها بتلعثم واضح وهي تقول: –انننت اتتجوزت يا رفيق بجد؟ انت بتتكلم بجد؟ أومأ رفيق برأسه قائلاً: –أيوه يا ماهيتاب. أتجوزت. مفيش مبروك؟ ردت ماهيتاب وهي تقول بغصة: –ممبروك يا رفيق. لم يعِ مالك بعد ما سمعه منهم. فرمش بعينيه عدة مرات وهو يقول:
–هو شكلي كده بحلم. أصحى يا مالك. فوووق. ظل مالك يصفع وجهه، كأنه يريد التأكد أن ما سمعه الآن، حقيقة وليس حلماً يحلم به.
تعجبت ليان هي أيضاً مما يحدث. فما كل تلك الصدمات، التي تتوالى على رأسها، منذ حضور ذلك الرجل إلى منزلهم لشراء الأرض. فهو كأنه جلب معه طوفان عارم أغرقها به. تحاول هي النجاة، ولكنها لا تفلح في إنقاذ نفسها من الغرق، بل تغوص أكثر فأكثر. حتى تكاد تشعر بأن نبضات قلبها على وشك التوقف، مرسلة جسدها إلى خط النهاية. فلم تنس إقتطافه زهور شفتيها الندية بعناق، كان الأول بحياتها، والذي تخيلت مراراً أن يكون ماجد هو الطرف الآخر به بعدما تصير له زوجة. فنسجت أحلامها الوردية بهدوء وروية. ولكنها علمت اليوم معنى أن يكون الطرف الآخر بالعناق، رجلاً مسيطراً لأقصى الحدود، وكيف يجعلها خاضعة، بل يجعلها تلغي عقلها وتلقي أسلحتها جانباً وتتمنى الحب منه.
-ولج أكمل إلى المنزل، فاستمع لأصوات صاخبة، ورأى نساء ترتدي ثياب غير محتشمة على الإطلاق، وصوت الأغاني يصدح بالمكان. فحديقة المنزل تعج بالحضور، الذين أتوا لتهنئتهما على ذكرى زواجهما. شعر أكمل بالغضب العارم. فهي حتى لم تقم بإلغاء الحفل، بل أنها تستمتع بوقتها، حتى وإن كان غير راغباً في إقامته بالأساس. فرآها تقف مع بعض صديقاتها المقربات، اللواتي يشبهنها في نمط حياتها. فلمحته طفلته وركضت إليه بابتسامة. فقام بحملها،
فقبلته على وجنته وهي تقول: –بابي في حفلة. مامتي عاملة حفلة وخلتني أحضر الحفلة ومش قالت لي أنام بدري. تبسم لها بدون مرح وهو يقول: –ماشي يا روحي. أقتربت منه زوجته تحاول رسم ابتسامة على شفتيها لكي لا يشك الحاضرين بأمرهما. فوضعت إحدى يديها على صدره وهي تقول: –حمد الله على السلامة يا حبيبي. كده تتأخر كل ده في الشغل. أكمل على أسنانه وهو يقول: –إيه اللي انتي عاملاه ده يا شهيرة؟ أقتربت شهيرة منه وهمست له قائلة:
–أكمل انت عارف إن النهارده في حفلة علشان عيد جوازنا وأنا قولتلك. رد أكمل قائلاً بغيظ: –قولتلي إيه! انتي قولتلي الصبح وأنا خارج وعاملة الحفلة علشان تتمنظري قدام أصحابك وتبين لهم إنك مبسوطة أوي انتي وجوزك. توهجت عيناها ببريق متوحش وقالت: –أكمل بلاش شوشرة. احضر الحفلة حتى علشان خاطر بنتك ومتفرجش الناس علينا. –ماشي يا شهيرة.
وافق على قولها من أجل طفلته فقط. فاقتربا سوياً لتقطيع قالب الحلوى، وعلا صوت تصفيق الحاضرين. قامت بوضع قطعة من الحلوى في فمه وقبلته على وجنته. فهي ترسم دورها باحترافية يحسده هو بنفسه عليها. تنقل بين الحضور، بتلك الابتسامة المزيفة على شفتيه كبالون إذا تم الضغط عليه سينفجر الآن. فلمح دخول والد زوجته، بتلك الهيبة المتغطرسة، التي أورثها لابنته.
أقترب عامر منهما. واحتضن ابنته، يتبعه حارسه الشخصي يحمل كم هائل من الهدايا. فقبلها على وجنتيها وهو يقول: –عيد جواز سعيد يا حبيبتي. تبسمت له شهيرة وهي تقول: –وانت طيب يا بابي. إيه ده كله؟ إيه الهدايا دي كلها؟ أشار عامر بيده للهدايا قائلاً بإستخفاف: –دي حاجة بسيطة يا روح بابي علشانك انتي وكنزي. أهلاً يا أكمل. كنزى حبيبة جدو الحاجات دي علشانك. ناول الصغيرة عدة حقائب لم تفلح بحملها. فردت كنزى قائلة: –شكراً يا جدو. وضع
أكمل يديه بجيبه وهو يقول: أخذ عامر نفساً عميقاً من سيجاره الغالي، ونفثه بوجه أكمل وهو يقول بغرور: –دا ميجيش حاجة في قيمة وغلاوة بنتي. انتي بقى جبتلها إيه يا أكمل؟ رد أكمل قائلاً بسخرية: –مجبتش. أصل أنا مبفهمش في الذوق يا عامر بيه. وبنتك خسارة فيا. ابتعد أكمل عنهما، قبل أن يسمع رداً منها أو من أبيها. وكأنه كان ينقصه وجودهما معاً، ليمرضانه بغرورهما. نظرت شهيرة لأثره بغيظ وهي تقول: –شايف يا بابي قلة ذوقه. حك عامر باطن
يده وهو يقول بتفكير عميق: –الواد ده شكله عايز يتظبط. سبيهولي أنا بقى. أنا هعرف إزاي أظبطه وأرجعه يبوس تراب رجليكي من تاني. ابتسمت شهيرة بثقة. فهي تعلم أن والدها، رجل لا يتوانى عن تحقيق أي شيئ هي تريده سواء كان رخيصاً أو نفيساً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!