خمس دقائق كاملة، استغرقتها إفاقة جدتها من نوبة إغماء زارتها اليوم وأصبحت تعاني منها بكثرة في الآونة الأخيرة، فهي جالسة على الأرض تضع رأس جدتها على ساقيها وعيناها تذرف الدموع، ولكن يداها عملت على تدليك يديها لتسري الدماء بهما، ونثرت من العطر الذي ناولها إياه شقيقها باسم. فهتفت برجاء وصوت باكي: –تيتة فوقي، بالله عليكي فوقي.
انتحبت بكثرة، ولكن تبسمت من بين دموعها وهي ترى جدتها تحرك رأسها ببطء، ففتحت عيناها بإرهاق وتعب، فنادتها بصوت خافت لتجعلها تكف عن نحيبها: –ليان حبيبتي، أنا كويسة، بطلي عياط. ضمت ليان جسد جدتها بقوة، دافنة وجهها بصدرها، فالوسواس الذي نخر عقلها منذ دقائق بأن جدتها ستفارقهما للأبد، جعلها تشعر بتمزق فؤادها، فهي وشقيقها ليس لهما بعد الله سواها، لذلك فهما يخشيان عليها من إصابتها بمكروه ناتج عن مرضها الذي تعاني منه.
أمرت ليان باسم بأن يساعدها على وجه السرعة بإسناد جدتها لإيداعها بفراشها، ويذهب لجلب طبيب البلدة. فأبدت عليه رفضها لذلك بقولها: –ملوش لازمة الدكتور، أنا كويسة يا حبيبتي، هو بس حسيت بدوخة ووقعت ودلوقتي هبقى كويسة، متقلقوش. حتى وإن حاولت تهدئة خوفهما، فليان لم تستطع الاقتناع بما قالته، فعاودت إلحاحها لباسم قائلة: –لأ يا باسم، روح شوف الدكتور وهاته معاك بسرعة. قبل أن يبتعد باسم، كانت جدته الأسرع بالتقاط ذراعه،
فهتفت به بوهن: –والله ما أنت رايح في حتة، اسكتوا بقى، أنا كويسة، روحي بس يا ليان أعمليلي حاجة آكلها من إيدك الحلوة وأنا هبقى كويسة، وغلاوتي عندكم تسمعوا الكلام.
حاولت علية بشتى الطرق إثناءهما عن قرارهما، فلم تجد ليان مفرًا سوى الذهاب للمطبخ وإعداد الطعام لها، فوقفت ليان أمام الموقد تعمل على تحضير الحساء الذي تحب جدتها احتساءه دائمًا، ولكنها شردت بتفكيرها بما حدث لها اليوم منذ مقابلتها لماجد حتى عودتها للمنزل ورؤية جدتها فاقدة الوعي، ولم يرحمها عقلها من كثرة التفكير بأن كيف سيكون مصيرها هي وشقيقها إذا رحلت جدتها عن عالمهما.
فبتلك الخاطرة، عادت دموعها تنسكب بغزارة على وجنتيها التي أصابها الشحوب منذ سماع شقيقها باسم يخبرها بما حدث لجدتها. *** ولج أكمل إلى مكتب صديقه بتلك الملامح العابسة التي أصبحت ملازمة له دائمًا، فعندما رآه رفيق علم أن أكمل ربما تشاجر مع زوجته كعادتهما. فنظرة إليه نظرة عابرة قبل أن يعود للأوراق أمامه وقال: –مالك داخل وشك مقلوب وبتقول يا شر اشتري ليه كده. ارتمى أكمل على المقعد وهو ينفخ بضيق، فصاح بصوته بعصبية:
–الله يخرب بيت الجواز على اللي يفكر يعملها يا أخي. تبسم رفيق قائلاً بسخرية: –وهو حد كان قالك اعملها يا أخويا. ضرب أكمل بيده على سطح المكتب وهو يقول: –قلة عقل، غباء مني، ما كنتش عارف يوم فرحي تسميني ولا تضربني بالنار يا رفيق. رفع رفيق رأسه وشخص ببصره له قائلاً بهدوء: –يا ساتر يارب، ليه ده كله، شكل خناقة النهاردة كانت كبيرة قوي. وضع أكمل رأسه بين يديه مغمغمًا: –أنا اتخنقت، مبقتش قادر يا رفيق.
–خلاص طلقها يا أكمل طالما مش مرتاح. قالها رفيق بجدية، فرفع أكمل رأسه ينظر إليه قائلاً: –طب وبنتي يا رفيق، أسيبها لشهيرة عشان تطلعها نسخة منها، والبنت بعد كده تكرهني. استند رفيق بظهره لمقعده قائلاً: –خلاص حل أمورك مع مراتك بالتفاهم. حرك أكمل رأسه عدة مرات قبل أن يقول: –مبتتفاهمش اطلاقًا، اللي في دماغها بس بتمشيه، حتى لو على حسابي أنا وبنتها. زفر رفيق بقلة حيلة قائلاً: –مش عارف أقولك إيه. صاح أكمل قائلاً بدون وعي:
–قولي إنت غبي يا أكمل. تبسم رفيق رغماً عنه وقال: –ما دي أنا عارفها من غير ما أقول. لمحة مستاءة أضاءت عيني أكمل، إلا أنه استطاع القول: –والله إنت طلعت عاقل وسيد العاقلين إنك مش راضي تتجوز. طافت عين رفيق بغرفة مكتبه، فقال بصوت خالٍ من الشعور: –أتزوج إيه يا عم، كده حلو أوي، أتزوج وأمشي أكلم نفسي زيك، لأ، أنا كده حلو أوي، بلا جواز بلا هم، يعني اللي اتجوزوا أخدوا إيه. –يا بختك يا رفيق.
قالها أكمل بشعور طفيف من الحسد على أن صديقه لم يسقط بذلك الفخ الذي سقط هو به سابقًا. هتف به رفيق قائلاً بما يشبه الأمر: –إنت هتنق عليا كمان، قوم شوف شغلك، فكر دلوقتي في شغلنا، مشاكل البيت خليها لما نبقى فاضيين نبقى نتكلم. عبس أكمل قائلاً: –بلاش أفضفض يا أخي، إيه ده، أنا لو فضلت كده هطق يا رفيق. رفع رفيق حاجبه لإغاظة صديقه وقال: –طق بعد الشغل، عايزين نشوف شغلنا، ممكن ولا مش ممكن. أكمل على أنيابه بغيظ وقال:
–يا ساتر عليك يا رفيق، ده إنت إيه ده، مفيش إحساس ولا شعور بمعاناة صاحبك وصديق عمرك. وضع رفيق الأوراق بترتيبها اللازم قائلاً: –لأ في، بس كل حاجة وليها وقتها، إحنا دلوقتي في الشركة يبقى وقتنا وتركيزنا في شغلنا، نخلص يبقى نتكلم براحتنا في مشاكلك اللي ما بتخلصش. كسا وجه أكمل احمرارًا من فرط شعوره بالغيظ، فهتف به من بين أسنانه: –أنا رايح مكتبي قبل ما أتشل من برودك يا رفيق. تبسم رفيق بسماجة قائلاً:
–سلامتك من الشلل يا صاحبي. عقد أكمل حاجبيه امتعاضًا من حديث رفيق معه، الذي لا ينفعل بأي شكل كان، فهو بارد بحديثه، لا يوجد شيء يخرجه من هذا الصقيع الذي فرضه على نفسه. فرفع أكمل شفته العليا مدمدمًا: –ده برود القطب الشمالي ميجيش حاجة في برود أعصابك يا رفيق، يا ساتر يارب.
رفع رفيق إحدى حاجبيه الكثيفين، ينظر إليه بنظرة ماكرة، علم أكمل أنه ربما الآن سيصدر منه رد فعل غير متوقع، وبالفعل رأه يمد يده يسحب إحدى تلك التماثيل الصغيرة الموضوعة على مكتبه. فجحظت عين أكمل قليلاً وهو يحذره: –إياك تخبطني بالتمثال اللي في إيدك ده، هكسر المكتب على دماغك. هب رفيق واقفًا وهو يصيح به: –تكسر المكتب على دماغ مين يا بتاع إنت. أشار إليه أكمل بسبابته قائلاً:
–أنا بتاع أهو، إنت بدل ما تواسيني عايز تخبطني بالتمثال. عاد رفيق للجلوس ثانية على مقعده وقال: –يمكن عقلك يرجع لك تاني وتبطل اللي إنت بتعمله ده، وكل يوم والتاني جاي الشركة بوشك المقلوب ده اللي يقفل أبواب الرزق. اتجه أكمل ناحية الباب وهو يقول: –روح يا شيخ، أدعي عليك بأيه بس الساعة دي. رفع رفيق يده يشير له بالانصراف قائلاً: –امشي غور يلا، روح خلص شغلك. طاف الحزن بعين أكمل فقال:
–هغور، يمكن الشغل ينسيني الهم اللي أنا فيه شوية واللي شكلي هفضل فيه طول عمري لحد شبابي ما يروح. أماء رفيق رأسه مؤيدًا لحديثه: –خير ما تعمل، يلا بقى امشي من قدامي، خليني أخلص شغلي أنا كمان. –مفيش حاجة في دماغك ولا على لسانك غير الشغل وبس، صدق كلام الموظفين عليك. قال أكمل عبارته واستند على مقبض الباب. فهتف رفيق بسخرية: –إن أنا واحد معندوش قلب ولا إحساس ومش عايز غير مصلحتي وبس.
في محاولة من أكمل لإثارة حنقه هتف به مدعيًا الجدية: –وهي دي مش الحقيقة، ما إنت ساحل الكل عشان خاطرك وأنا ومالك أخوك خير دليل، ده إنت حتى مش راحمنا يا أخي. أجابه رفيق بعدم اكتراث لما قاله: –وأنا مبسوط ومرتاح بنفسي كده وميهمنيش اللي بيقولوه عليا، كلامهم لا هيقدم ولا هيأخر، كله كلام فاضي.
هو يعلم جيدًا ما يدور بين العاملين بالشركة، ويعلم أيضًا تلك الألقاب التي يطلقونها عليه، بأنه رجل بلا قلب، أو رجل مجرد من كل شعور إنساني، فعندما يسمع ذلك، جل ما يفعله أن يلتوي تغره بابتسامة ساخرة لا أكثر. *** ولجت إلى غرفتها بعد انتهائها من الاغتسال، نظرت لذلك الرجل الغارق بنوم عميق، فتبسمت ابتسامة خفيفة واقتربت منه لكي توقظه. فوقزته بخفة بذراعه وهي تقول بصوت هامس: –فاروق، فاروق، اصحى بقى يا حبيبي، بقينا العصر.
خرج صوت فاروق ناعسًا وهو يقول: –عايزة إيه يا إلهام، سبيني أنام بقى، يوووه. هزت ذراعه وهي تقول: –يا راجل قوم بقى، بقولك بقينا العصر، يوه، ده إيه ده بقى. اعتدل فاروق بفراشه متأففًا، يزفر بضيق شديد، ونظر لتلك المرأة التي تزوجها منذ أكثر من عشرة أعوام بعدما توفى عنها زوجها. سحب علبة سجائره ووضع أحدها بفمه وأشعلها وهو يقول: –اديني صحيت، عايزة إيه بسلامتك.
وقفت إلهام أمام منضدة الزينة تمشط شعرها، فنظرت لانعكاس صورته بالمرآة، فهتفت به قائلة: –أنا عايزة أقولك، أنا هسافر البلد عشان أشوف ولادي، بقالي فترة كبيرة أوي مشفتهمش. عندما سمع فاروق ذلك، انتبه لكلامها أكثر، فهي بنيتها أن تزور أبناءها، فلما لا يذهب معها ويرى تلك الفتاة كيف أصبحت الآن؟
فهي كل يوم تزداد جمالًا، فهو عندما يراها يسيل لعابه عليها كالكلب الذي يلهث، غير عابئ بأن ما يفعله من المحرمات والكبائر، ولكنه شخص فاسد فاسق يسيطر عليه شيطانه اللعين. فتبسم ابتسامة ذات مغزى قائلاً: –وتروحي لوحدك ليه، أنا هسافر معاكي البلد عشان تشوفي ولادك دول، واحشني أوي أنا كمان. ابتسمت له إلهام وهي تهتف بسعادة: –بجد يا حبيبي هتسافر معايا. أجابها فاروق بتأكيد: –طبعًا، ودي عايزة كلام يا حبيبتي.
أقتربت منه وجلست بجواره على السرير، فالتفت ذراعيها حول عنقه بابتسامة وهي تقول: –ربنا يخليك ليا يا حبيبي. قال ومكر يطل من عينيه: –ويخليك ليا يا حبيبتي، إنتي هتسافري امتى عشان أفضى نفسي. همست إلهام بحوار أذنه: –إن شاء الله على آخر الأسبوع كده. احتواها بين ذراعيه وهو يشخص ببصره لها، وكأنه يرى ظل ابنتها بعينيها: –حلو أوي كده، يكون الواحد فضى نفسه من الشغل برضه.
فهو يمني النفس برؤيتها، رؤية تلك الحورية الصغيرة التي بسبب إصرار جدتها لا تأتي للعيش معهما، أفكار وأفكار تدور بذهنه، فربما تلك الفتاة ستكون بمثابة مفتاح كنز سينهال عليه بسب جمالها. *** بعد مرور يومان… جالسة كعادتها بمكانها المفضل أمام جدول الماء، تدندن بصوتها العذب، فلمحت قدوم أخيها إليها، فجلس بجوارها يضع قدميه في الماء هو أيضًا. فلغط الماء بقدميه قائلاً: –إنتي حضرتك قاعدة هنا وأنا وتيتة عاملين ندور عليكي. نظرت
له ليان باهتمام وقالت: –ما إنتوا عارفين إن ده مكاني المفضل ودائمًا هتلاقوني هنا. رفع باسم قدميه من الماء وهو يحثها على النهوض: –طب يلا يا أختي عشان تيتة عايزاكي. رفعت هي الأخرى قدميها واستقامت بوقفتها وقالت: –ليه في حاجة ولا إيه، تيتة تعبت ولا حاجة يا باسم. حرك باسم رأسه نفيًا قائلاً: –لأ، هي كويسة، بس قالتلي أشوفك فين عشان عايزانا بس مش عارف ليه. أماءت ليان برأسها وهي تقول:
–طب يلا بينا نرجع البيت نشوف تيتة عايزة إيه. ارتدت حذاءها وانطلقت متجهة إلى المنزل لمعرفة ماذا تريد جدتها منها هي وشقيقها، فهي تخشى أن يكون هناك شيء غير سار في انتظارها. عادت إلى المنزل تنادي بصوتها الخلاب على جدتها، فهي تفتعل صخبًا عاليًا دائمًا عندما تدلف إلى المنزل. فصاحت تناديها: –يا لولو يا لولو، إنتي فين. وكزها باسم بذراعه وهو يقول: –ما بس بقى يا ليان، صوتك جايب لآخر الدنيا. جذبت أخاها من شعره وهي تقول:
–بس ياض إنت، أنا أزعق براحتي وأعلى صوتي براحتي. خرجت علية بابتسامة عريضة بعد سماع صوت حفيديها، فهي تعشقهما وخاصة تلك الفتاة. فتبسمت لها وقالت: –إيه يا عين لولو، إنتي كنتي فين. رفع باسم شفته العليا قائلاً: –هتكون فين يعني، قاعدة عند الأرض وحاطة رجليها في الماية وبتلعب زي عوايدها، وإحنا نقعد ندور عليها في كل حتة. امتعضت ليان من حديث شقيقها، فخاطبت جدتها قائلة: –شايفة يا تيتة باسم بيقول إيه. أخذتها علية بين ذراعيها
وهي تربت عليها بحنان: –عنده حق يا ليان، إنتي مبقتيش صغيرة، إنتي بقيتي عروسة دلوقتي، ومينفعش بقى تروحي وتقعدي هناك كده، الناس تقول عليكي إيه. عقدت ليان ذراعيها وهي تقول بتذمر: –أنا كنت قاعدة عند الأرض بتاعتنا والناس عارفة إنها أرضنا. داعبت علية ذقنها وهي تقول: –بس فيه فلاحين شغالين في الأرض وإنتي يا حبيبتي بسم الله ما شاء الله زي القمر عشان محدش يقل أدبه معاكي أو حد يعاكسك. تبسمت لها ليان وهي تقول:
–خلاص يا تيتة مش هروح إلا وباسم معايا. رد باسم باستنكار: –نعم، دا على كده مش هنرجع من هناك، لأ يا حبيبتي، شوفي حد غيري. حدقته بنظرة غاضبة وعادت تنظر لجدتها قائلة: –وهو أنا ليا مين غيركم يعني، المهم دلوقتي كنتي عايزة إيه مني يا تيتة وبعتالي باسم. أخذتها علية من ذراعها وأجلستها بجانبها على الأريكة، فأزدردت لعابها قبل أن تقول: –في موضوع مهم عايزة أكلمك فيه، الجنينة الشرقية أنا هعرضها للبيع.
سمعت ليان ذلك، هبت واقفة كمن لدغتها عقرب سام بعد سماع كلام جدتها، فتلك الرقعة من الأرض هي الأحلى لقلبها، فهي كانت مكان والدها المفضل. فخرج صوتها مشدوهًا وهي تقول: –إنتي بتقولي إيه يا تيتة، تعرضي الجنينة الشرقية للبيع إزاي يعني، وإنتي عارفة إن الجنينة دي كانت أكتر مكان بابا بيحبه وأنا كمان بحب الجنينة دي أوي. تغشى الحزن عيني علية وهي تقول بصوت أشد حزنًا:
–حبيبتي، الجنينة خلاص مبقاش ينفع يتزرع فيها تاني، حتى الشجر لازم يتقطع، خلاص مبقتش تنفع. وجدت دموعها تتساقط، فالذكرى المتبقية من والدها الحبيب سيتم بيعها، فكيف ذلك؟ فهي لا تتخيل أن يحدث هذا. وجدتها علية تبكي، فقامت باحتضانها، فهي أيضًا حزينة لبيع تلك الأرض، ولكن لا تملك ما تفعله، فهي لا تريد أن يطمع زوج أمها بتلك الأرض. ربتت على ظهرها بحركات متتابعة وهي تقول:
–أنا هبيع الجنينة وحقها هحطهالكم في البنك باسمكم عشان محدش يقدر ياخد منكم الفلوس دي ولا أنه يبيع الجنينة بعد ما أموت ويأكل حقكم، ثم هيكون فيه أرض تانية زراعية، أنا هبيع الجنينة بس. بكت ليان بقهر قائلة: –بعد الشر عليكي يا تيتة، متقوليش كده. تنهدت علية بقلة حيلة وقالت:
–وأنا مش سهل عليا أبيع الأرض يا ليان، بس إنتي شايفة باسم لسه صغير ومفيش حد يهتم بيها ويراعيها، وكمان إنتي عارفة أنا لو مت هتلاقي كتير طمعانين فيكم وفي أرضكم، فالفلوس تبقى باسمكم أحسن لأن الجنينة سعرها أغلى من باقي الأرض. بالرغم مما سمعته ليان من جدتها، إلا أنها لم تمنع نفسها من البكاء، فركضت إلى غرفتها لإكمال بكائها. فترك باسم مكانه وجلس بجوار جدته قائلاً: –وبعدين يا تيتة، ليان مش هتبطل عياط عشان بيع الأرض.
أطرقت علية برأسها أرضًا وهي تغمغم: –أعمل إيه بس يا باسم، أمر الله. في غرفتها كانت تبكي، فتركت الفراش وفتحت خزانة ثيابها، فأخرجت ألبوم الصور الخاص بها هي ووالدها الحبيب، ظلت تنظر إلى الصور بدموع غزيرة، ولكن ماذا تفعل؟ فهي على دراية بأن جدتها تعلم الصواب، فهي لا يخفى عليها أيضًا أطماع زوج والدتها. *** في أحد الملاهي الليلية، ذلك المكان الذي يرتكب فيه أبشع أنواع الحرام من سُكر وعربدة وعُرى وغضب للواحد القهار.
جلس ذلك الرجل ينفث سيجاره وهو يرى بعض الفتيات اللواتي يعملن لديه، وصوت ضحكاتهن الخليعة تملأ المكان. ابتسم ابتسامة عريضة، فهو يجني أموالاً كثيرة من ذلك المكان البغيض. فلمح دخول امرأة يعرفها جيدًا، فصاح بترحيب: –إيه ده، المعلمة توحة بذاتها عندي النهارده. تشدقت توحة بعلكتها وهي تقول: –إزيك يا فاروق، أخبارك إيه، محدش بيشوفك يعني. رفع فاروق يشير بيده للمكان قائلاً:
–مشاغل يا معلمة توحة، وإنتي عارفة إحنا في سيزون والشغل بيبقى عامل إزاي في الوقت ده. جلست توحة على مقعد بإحدى الطاولات، فأشارت إليه بالجلوس وهى تقول: –أنا عايزة كام بنت من عندك، عندي حفلة كبيرة ودي مفيهاش أي ناس، دول شيوخ عرب. أشار فاروق لعينيه اليمنى ثم اليسرى قائلاً: –عنيا الاتنين يا معلمة توحة، المكان تحت أمرك، البنات كلها أهي اللي تعجبك خديها.
ظلت توحة تجيل بنظرها في المكان يمينًا ويسارًا، تقيم الفتيات، ولكن لم تجد سوى فتاة أو اثنتين يصلحان لتلك المهمة المهينة. فحركت رأسها مستاءة: –دول مفيش غير بنتين بس يا فاروق اللي ينفعوا، والباقي كسر مينفعش. نفث فاروق دخان سيجارته وهو يقول: –أعمل إيه بقى يا معلمة، ده اللي موجود. تلمست يده الموضوعة على الطاولة قائلة: –إنت مال ذوقك كده بقى وحش، شوف لك كام بنت حلوين يشغلوا المكان، إنت كده الكباريه بتاعك هيضرب.
حك فاروق جبهته بتفكير: –هو فيه بنت، آآه يا معلمة، لو شوفتيها هتقعد البنات دول في البيت، ولا صوتها وهي بتغني عندليب. ابتهجت توحة بسماع ما قاله، فقالت بحماس: –هي فين البت دي يا فاروق، هاتها أشوفها. –دي للأسف مش تحت إيدي دلوقتي، بس مسيرها تقع تحت إيدي يا معلمة. قال فاروق عبارته وهو يجول ببصره في المكان. فنظرت له توحة وتساءلت: –إنتي تعرفيها منين دي يا فاروق. امتنع فاروق عن إجابتها عن من تكون تلك الفتاة، ولكنه قال:
–ها أعرفها وخلاص، بس صدقيني لو البنت دي اشتغلت معانا مش هلاحق أنا وإنتي على الشغل، ويبقى عندي بدل الكباريه اتنين. رفعت توحة حاجبها بعدم تصديق وقالت: –إنت شوقتني أشوفها يا فاروق. دمدم فاروق بأمل وتمني: –مش أكتر مني يا معلمة توحة، بس هانت، فات الكتير مبقاش إلا القليل.
سبح بأفكاره ببحر المفاسد، فتلك الفتاة التي يريدها بوابة لعبوره إلى حلم الثراء، ماهي إلا ابنة زوجته، فإلهام ساهمت بأن يكون لديه ذلك الملهى الليلي، فهي تركت أبناءها من أجل رجل جردها من كل ما تملكه، وليس هذا وحسب، بل وصل به الأمر ببداية زواجهما أن تعمل إلهام كراقصة، وبعد أن حصل على المال اللازم افتتح ذلك الملهى الليلي، ولكن أطماعه لم تنتهِ لهذا الحد، فربما هناك فرصة جديدة ليحصل على مزيد من المال، فهو ينتظر فقط أن تصبح ليان بقبضة يده.
*** نظر رفيق لساعة معصمه الثمينة، فتذكر ذلك الموعد مع البائع الذي سيوافينه بالخامسة في أحد المطاعم لإنهاء تلك الصفقة المتفق عليها بينهم. بعد أن ترك مكتبه، وقبل خروجه، سمع رنين هاتفه الجوال، فأخرجه من جيبه. نظر بغرابة للهاتف، فالرقم الذي يهاتفه لا يعلم من يكون صاحبه، ففتح الهاتف قائلاً بهدوء: –ألو، أيوة مين معايا. –إزيك يا رفيق، وحشني صوتك.
اخترقت تلك الجملة مسامعه، فذلك الصوت الأنثوي يعلمه عن ظهر قلب، ولكن كيف، كيف استطاعت الوصول إليه. فعقد حاجبيه وخرج صوته حاداً وهو يقول: –إنتي عايزة مني إيه وجبتي رقمي منين. جاءه الرد على الطرف الآخر: –دي حاجة بسيطة يا رفيق، ولا نسيت أنا مين. نفخ بضيق وهو يقول: –خير، نعم عايزة مني إيه تاني. –أنا بس كنت حابة أسمع صوتك عشان وحشني أوي، بذمتك أنا كمان مش وحشاكه.
هكذا بكل بساطة تخبره باشتياقها، فهل هي لم تعد تتذكر ما فعلته به. فالتوى ثغره ساخرًا: –لا بجد الكلام ده بعد السنين دي، حسيتي إن أنا وحشك كده مرة واحدة، ثم هو فين المحروس جوزك. –إنت متعرفش إن أنا اتطلقت يا رفيق، افتكرتك متابع أخباري زي ما كنت متابعة أخبارك. –لأ مش متابع ومش عايز أعرف عنك حاجة، سلام. أغلق الهاتف ونظر له بغيظ، وتلك النيران عادت لتشتعل من جديد بقلبه، فلما عادت هي الآن؟
شعر بأن قدميه أصابتها رجفة خفيفة، فجلس على أقرب مقعد وجده ريثما يهدأ قليلًا. فأسند جبهته على كفيه المضمومين، ومازال عقله يفكر بأسباب عودتها، فربما عادت لتعكر صفو حياته ثانية، فرأى أنه من الأفضل أن يذهب لموعده لإتمام تلك الصفقة، فالعمل قادر على أن يجعله ينسى ما حدث منذ قليل.
فخرج من مقر عمله واستقل سيارته، ببادئ الأمر ظل شارداً، ولكن بوصوله للمطعم نفض ذهنه عن كل ما يفكر به، فوجد رجل أشيب بانتظاره، فبعد التحية، جلس رفيق وبدأ الحديث معه والتفاوض بشأن تلك الأرض محل البيع.
فبعد حصول رفيق على موافقة الرجل لبيع الأرض وتم إمضاء العقود وحصول الرجل على نقوده، رحل البائع، بينما ظل رفيق جالسًا بعض الوقت، عيناه تتابع حركة السيارات والمارة بالخارج، ولكن اشتم رائحة عطر أنثوي كأن صاحبته أصبحت تجلس بمكان قريب منه. لم يستدر برأسه إلا عندما سمع ذلك الصوت الأنثوي الخلاب يهتف به: –إيه رأيك في المفاجأة دي يا حبيبي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!