لم يغمض له جفن في تلك الليلة، فبعد مرور يومان فقط، ستبدأ أيامه السعيدة. ظل يتقلب بالفراش يريد بزوع فجر اليوم الجديد الآن، لعله يراها على نور الصباح. فشعرت به زوجته فاستدارت إليه قائلة: –مالك يا فاروق عمال تتقلب ليه كده مش عارف تنام ولا إيه؟ أدعى فاروق الكذب وهو يقول: –لاء مفيش بس شربت قهوة في العزا ومش عارف أنام. أنا هخرج أتمشى برا في الجنينة، نامي أنتي يا حبيبتي. داهم النعاس جفنيها، فتثائبت وهي تقول:
–ماشي يا حبيبي، تصبح على خير. اليوم النهاردة كان متعب قوي. عادت إلهام ثانية إلى نومها، فخرج ذلك الرجل الخبيث، ولكن عوضًا عن الذهاب إلى الحديقة، كان يتسلل قاصدًا غرفة ليان. ظل يلتفت يمينًا ويسارًا يتأكد من عدم مجيء أحد، فهو يريد رؤيتها. لذلك مد يده على مقبض الباب يديره ببطء، ولكنه وجد الباب موصد بإحكام من الداخل. سمعت ليان صوتًا أمام باب غرفتها، ورأت تحرك مقبض الباب فابتلعت ريقها بخوف. فمن يفعل ذلك؟
تركت الفراش بحرص، واقتربت من الباب بخطوات لا تُسمع، فنظرت من ثقب الباب. لمحت أقدام شخص يقف أمام الغرفة. ثوانٍ وابتعد ذلك الشخص، فأستطاعت ليان رؤية زوج والدتها، فشعرت بالخوف يسري في أوصالها. فماذا كان يريد منها؟ فتمتمت بخوف: –وده كان عايز مني إيه؟ هو كمان في وقت زي ده. خليك معايا يارب.
بعد أن فشل في اقتحام غرفتها، عاد إلى زوجته مرة أخرى، تلك المرأة الغارقة في سبات عميق، لا تنتبه إلى ذلك الجالس بجوارها يكاد يموت غيظًا مما حدث. همس فاروق بغيظ: –هانت يا ليان، بكرة تبقي تحت إيدي. ابتسم ابتسامة ماكرة غادرة، يهيئ له شيطانه طرق الحصول على مبتغاه من تلك الفتاة. فبعقله الخبيث لم يقتصر الأمر فقط على أنه يريدها وسيلة للثراء، بل تملكت منه الدناءة، بأنه أصبح يمني نفسه بها، وأن يظفر بجمالها، قبل أن يفعل أحد آخر.
*** بأحد المنازل التي تشبه القلاع، رجال متفرقون بكل مكان، يراقبون كل صغيرة وكبيرة، وأصوات كلاب ضخمة تنبح بحديقة المنزل، فذلك المنزل ملكًا لأحد رجال الأعمال المشهورين ويدعى عامر الرفاعي. تجلس شهيرة برفقة والدها، ذلك الرجل الذي يجلس بكل غرور وكبرياء، ينفث دخان سيجاره الغالي ببرود. فهو رجل معروف عنه القوة والجبروت في سوق رجال الأعمال، وهي ابنته الوحيدة التي قام بتربيتها بدلال زائد عن الحد المطلوب والمعقول.
لاحظ حركتها المتململة وفرك يديها منذ جلوسها، فهتف بها متسائلاً: –مالك يا روح بابي؟ متعصبة ليه كده من ساعة ما جيتي؟ حاسس إن في حاجة مخبياها عليا. حكت شهيرة جبهتها، فسرعان ما نظرت لوالدها بتبرم: –أكمل يا بابي. اليومين دول مش مريحني خالص. حاسة كده كإنه مش أكمل اللي أعرفه. قطب عامر حاجبيه قائلًا: –ليه؟ عملك إيه يا حبيبتي؟ قوليلى. تركت شهيرة مقعدها، وظلت تروح ذهابًا وإيابًا أمامه وهي تقول بغيظ مفرط:
–أحواله كده مش عجباني. وكمان من كام يوم رجع هو وكنزي متأخر. لما سألته قال لي ملكيش دعوة وزعق لي يا بابي. نهض عامر عن مقعده الوثير وصاح غاضبًا: –إيه زعقلك! هو نسي نفسه ولا إيه؟ ده كمان هو مش عارف أنتِ مين وبنت مين ولا إيه؟ لو نسي، إحنا نقرصه ودنه قرصة صغيرة كده عشان يفتكر وميعملهاش تاني. أقتربت منه شهيرة وهي تقول ببرود:
–مش للدرجة دي يا بابي. ثم أنا أعرف أتصرف معاه كويس وأعرف أخليه يرجع يحترمني إزاي. تربية الحواري ده كمان. وضع عامر سيجاره بفمه، وأخذ نفسًا عميقًا، سرعان ما نفثه ببرود وهو يقول: –مش أنتي اللي صممتي تتجوزيه، وسيبتي أحسن شباب من أكبر العائلات، وطلبتي تتجوزيه. وضعت شعرها خلف أذنها وقالت: –أنا كنت عايزة واحد يبقى خاتم في صباعي وميقدرش يرفض لي طلب. مد عامر يده وداعب وجنتها بلطف:
–وهو زي الخاتم في صباعك. ولو حاول يتنمرد أنا أعرف أتصرف معاه كويس. لأن مش أي حد يقدر يزعل وحيدتي وأنا أسكت له. أنا أندمه على اليوم اللي اتولد فيه. ابتسمت شهيرة على قول والدها، وقبلته على وجنته وهي تقول: –ربنا ما يحرمني منك يا بابي. أنا لازم أمشي دلوقتي، سلام. لم ينسى عامر تقبيل جبين ابنته قبل رحيلها وقال: –مع ألف سلامة يا حبيبتي. ولو في أي حاجة بلغيني، ماشي يا شهيرة. ابتسمت شهيرة له قائلة:
–إن شاء الله يا بابي وتسلم لي يارب على الدلع ده كله. –أنا معنديش غيرك يا شهيرة وتدلعى براحتك يا حبيبتي. قالها عامر بحب لابنته الوحيدة. فتذكرت شهيرة إخباره بأمر سفرها، فنظرت إليه قائلة: –أه افتكرت. كنت عايزة أسافر اليونان يا بابي. نظر لها عامر وتساءل: –تعملي إيه هناك يا حبيبتي؟ قالت شهيرة بحماس: –أصحابي يا بابي مسافرين وعايزة أسافر أتسوح معاهم. بقالي فترة مسافرتش أي مكان. أشار عامر لعينيه بالتوالي قائلاً:
–بس كده. من العين دي قبل العين دي. أبتهجت بقول أبيها فقالت: –ميرسي أوي أوي يا بابي. أنت أجمل أب في الدنيا دي كلها. أقتربت منه تحتضنه بسعادة غامرة، متناسية أمر زوجها وطفلتها، فكل ما يهمها هي سعادتها هي فقط، فهي ابنة أنانية لأب أفسدها بدلاله الزائد. لوحت له بيدها وهي تقول: –عايز مني حاجة يا بابي قبل ما أمشي؟ رد عامر قائلاً: –سلامتك يا روح بابي. بوس لي كنزى. –يوصل. ومتنساش بقى حجز التذاكر لليونان.
قالتها شهيرة وأقتربت من باب المنزل. ولكنها سمعت صوت والدها وهو يقول: –أنتي هتاخدي كنزى معاكي اليونان يا شهيرة؟ استدارت إليه وقالت بنفي: –لاء. هسيبها هنا مع باباها. لأن لو أخدتها مش هعرف أستمتع بالرحلة. هبقى متقيدة بوجودها. لم يستحب والدها قولها، فقال بصوت مستاءًا قليلاً: –بس دي بنتك يا شهيرة. إزاي تسيبيها هنا يعني وتسافري؟ نفخت شهيرة بضيق وقالت:
–بليز يا بابي متعملش زي أكمل لما يقعد يقول لي دي بنتك خدي بالك منها. هي كنزى فيها إيه؟ عايزة أعرف. هي بتلبس أحسن لبس، بتروح أحسن الحضانات، عايشة في مستوى عالي. إيه ناقصها تاني؟ حاول عامر التخفيف من وطأة ضيقها، فهتف بها قائلاً: –اهدى يا حبيبتي. مش معنى إنك خلفتيها ضد رغبتك إنك تهمليها. دي برضه بنتك في الأول والآخر. أشاحت بيدها وهي تقول:
–أنا مأهملتهاش. أنا بس مش عايزة أبقى زي الستات اللي كل همها تاكل وتشرب وتنيم وأهمل نفسي وجمالي وأتحول لحاجة كده شبيه بست. لم يجد طائل من الجدال بينهما، فهتف بها قائلاً: –خلاص يا شهيرة يلا روحي. وبكرة التذاكر هتبقى عندك. ردت شهيرة قائلة: –أوك يا بابي. سلام. فتحت الباب وخرجت، تشعر بعصبية طفيفة من حديث والدها حول علاقتها بابنتها. ففكرت لماذا يظن الجميع أنها تكره طفلتها؟
فهي تريد أن تعيش حياتها فقط، قبل فوات الأوان، وتتحول من امرأة جميلة، إلى امرأة فاقدة الحياة وتضيع حياتها وشبابها وجمالها، في أمور المنزل المملة من وجهة نظرها. فهي رأت العديد من صديقاتها يشكين من تربية أولادهن، ورأتهن كيف تحولن من الأناقة والجمال إلى مجرد نساء يفتقرن للحياة، ويطلق عليهن نعت "نساء بائسات". ***
في الصباح الباكر، ومع تسلل أول خيوط النهار، من خلف السحابة السوداء، التي كان الليل يخيم بها على السماء، كانت ليان تاركة فراشها، فاغتسلت وتوضأت وأدت فرضها. وفكرت أن تخرج لحديقة المنزل، لاستنشاق بعض الهواء النقي، قبل استيقاظ من بالمنزل، فهي ربما على وشك أن تحرم من كل هذا. فخرجت لحديقة المنزل بحرص، فهي تنتعل حذاء خفيف لا يصدر صوتًا بسيرها.
أسفل تلك الشجيرة المفضلة لديها، كانت تجلس بارتياح. فعقدت ذراعيها وجلست بصمت تراقب المنزل، كأنها تريد حفر تفاصيل ذلك المشهد الذي تراه بعقلها. وبخضم أفكارها، لم تنتبه لخطوات ذلك الذي يقترب منها وعيناه تتأمل وجهها البريء على ضوء النهار. ولكن حدسها أنبأها بأن أحدًا قادمًا باتجاهها.
فالتفتت ليان جانبها، فرأت رفيق يقترب منها، ولكن عوضًا عن نهوضها لتعود للمنزل، ظلت ساكنة مكانها، كأن قدميها لن تستجيب لأمرها، أو ربما لا يعنيها أمر وجوده. –صباح الخير. عاملة إيه دلوقتي؟ قالها رفيق وهو يقف بالقرب منها عاقدًا ذراعيه. فاحتشت النظر إليه وردت باقتضاب: –صباح النور. الحمد لله نحمد ربنا. خير؟ كنت عايز حاجة؟ التوت ثغره بابتسامة قائلاً: –عايز سلامتك يا ليان. هعوز منك إنتي إيه يعني؟
نظرت إليه بسرعة ولمحت في عينيه هذا البريق من السخرية غير المتناغمة، وهذا ما جعلها تجفل. إذ أن وجهه لم يكن ينم عن شيء، بل كان أشبه بالبريق المضيء بليلة معتمة. كان ذلك البريق علامة للهيمنة. فتذكرت ليان أن رفيق كان منذ أن رأته لم يكن سوى رجل فظ غليظ القلب. فزفرت بخفوت وهي تشعر بالاستياء: –أحسن برضه إنك مش عاوز مني حاجة. ريحتني والله. ضم ذراعيه أمام صدره وقال:
–مش بالظبط كده يا ليان. أنا بس كنت حابب أعرف خططك إيه لأيامك اللي جاية، لأن لازم أعرف ناوية على إيه. –ده شئ ميخصك. قالتها ونظرت إلى ملامحه الجانبية، وخاصة شعره الكثيف، وأثر تلك الندبة بوجهه. كان مزيجًا من القوة والنضوج والرهبة، وهذا ما أزعجها كثيرًا. نظر إليها عن عمد وقال: –ميخصنيش إزاي؟ وأنتي وأخوكي جدتك سابتكم أمانة في رقبتي، وأنتي بقيتي أمر واقع في حياتي. كزت ليان على أسنانها وقالت بغيظ:
–ممكن أوي تتخلى عننا ويكون أفضل للكل، لأن أنا الصراحة لا طايقاك ولا طايقة أشوف وشك ولا حتى أسمع صوتك. قال رفيق بهدوء: –أنا بس هعذرك علشان الظروف اللي أنتي فيها، وبعد كده هيبقى ليا كلام وتصرف تاني معاكي يا ليان. لأن مش من طبعي أستغل حد في ظروف ضعفه. قالت ليان وهي تبتسم بسخرية: –شهم أوي أنت الصراحة يا أستاذ رفيق. هتخليني أعيط من فرط شهامتك. تعمقت ابتسامة صغيرة خطوط السخرية المحيطة بفمه وهو يقول:
–المشكلة يا ليان إن عقلك لسه بيفكر بمنطق الأطفال. بس معذورة، أنتي لسه برضه مراهقة ومتعرفيش توزني كلامك أو أمورك كويس. لازم حد يوجهك. وجايز الحاجة الوحيدة اللي كنت بعتب على الحاجة علية الله يرحمها فيها، أنها دلعتك بزيادة ومخلتكيش تعرفي تحطي حدود لكلامك مع حد. سواء كنتي بتحبيه أو بتكرهيه. ودي الصراحة تبقى اسمها قلة أدب ودلع فارغ وتفاهة.
التقطت ليان أنفاسها المتتابعة، ومازالت كلماته يدوي صداها بعقلها. فذلك الرجل الطويل غير المبتسم، والذي يقف أمامها كالمارد، ليس بشاب يمكن أن ينمق حديثه من أجل إرضاء أحد سواء صغيرًا أو كبيرًا. لقد أخافها بوجهه الجامد وملامحه البارزة وعينيه الحادتين وسخريته اللاذعة. فانسابت دموعها رغماً عنها، ولكن عملت على إزالتها، وهبت واقفة أمامه وهي تصرخ بوجهه: –أنت واحد قليل الذوق ومعندكش دم كمان.
أنهت عبارتها ورفعت يدها لتصفعه على وجهه، فأنتهى بها الأمر. وكفه العريض قابضاً على أصابعها، تشعر بسحقه لعظام يديها. يأساً حاولت تخليص يدها من بين أصابعه القابضة عليها كقضبان من الحديد. تحركت بعصبية وهي ترى نفسها تكاد تشعر بأنفاسه تحرق وجهها. وفجأة كفت عن التحرك، فنظرت بعينيه تحاول سبر أغوارها، لمعرفة لما يظل يزعجها إلى هذا الحد.
رأى هدوءها، ففضل ترك يدها، ربما هي تأذت من فعلته. فنظر إليها، فتحاشت هي النظر إلى أعماق عينيه. فسألها: –أنتي ليه بتعملي كده يا ليان؟ ماهو مش معقول كرهك ليا ده كله بسبب إن اشتريت أرض باباكي. أنا حاسس كده زي ما يكون فيه سبب تاني. أحنت رأسها وهي تدلك يدها، لتخفف شعورها بالألم، فأجابته بتبرم: –لا تاني ولا تالت. هو مش فيه ناس أول ما تقابلها تكرهها من غير سبب؟ أهو أنا كده كرهتك من غير سبب.
رجفة صوتها أنبأته بأنها تكذب بهذا الشأن، ولكن لا يعلم علام هي تكذب. فتطلع إلى وجهها وقد بدا شاحبًا في ضوء النهار، وفي عينيها تعبير مبهم، لا يعلم هل هو تعبير الخجل أم ماذا؟ لأن بتلك اللحظة لم يقرأ بها نظرة الكره، التي اعتاد أن يراها منها. فانحنى إلى الأمام، وأمسك معصمها بأصابعه الطويلة، فأنفعلت لرد الفعل المباغت، والرعشة التي تغلغلت في عظامها. وقال:
–مش عارف ليه مش مصدقك يا ليان. المشكلة إنك الواحد يقدر يقرأ اللي جواكي بسهولة. أينعم في الأول كان باين في عينيكي الكره، لكن في اللحظة دي لاء. وأنا زي ما قولتلك أنتي بقيتي أمر واقع في حياتي، زي ما أنا كمان بقيت أمر واقع في حياتك. أطلقت زفرة مهزوزة وقالت: –أنت مفكر نفسك دكتور روحاني وهتقعد تحلل شخصيتي وردود أفعالي. ابتسم على نحو غريب عندما قالت ذلك فرد قائلاً:
–مش دكتور روحاني ولا حاجة. بس جايز عشان عارف البنات في المرحلة دي تقريبًا بيفكروا إزاي. تقدر تقول لي إن أنا بقول كده من واقع خبرتي. صمت لهنيهة، فما لبث أن قال باهتمام بعد شعوره بارتجافها يدها بين كفه: –أنتي مالك بترتعشي ليه كده؟ أنتي بردانة ولا حاسة إنك تعبانة؟ قوليلى. لم يكتفِ بقوله، بل رفع يده اليمنى ووضعها على جبينها يخشى أن تكون أصيبت بحمى مفاجئة. ولكن لم يجد بها شيئاً، فابتسم بدهاء:
–حرارتك مش مرتفعة ولا حاجة. أمم. تكونيش مكسوفة عشان ماسك إيدك؟ عمر ما في حد مسك إيدك قبل كده؟ جفلت ليان، لأن ثقته الزائدة بأقواله، أوحت لها بأنه ربما عارك الحياة بالجيد والسيء. فهل هو رجل خبير بالنفس البشرية وخاصة النسائية، ليستطيع قول هذا أم ماذا؟ فأرادت إنهاء هذا الجدل بينهما، وسحبت معصمها من بين يده وقالت:
–الظاهر كده إنك حبيت دور الواصي عليا. بس أحب أقولها لك مش أنا اللي ممكن أسمع كلام لحد وخصوصاً لو الكلام ده مش عاجبني زي كلامك كده. وفره لنفسك. عن إذنك. تركته وعادت للمنزل. فهو يعلم أنها مهمة ليست سهلة أن يستطيع كبح جماح تلك الفتاة. فهل كان محقًا بقبول رعايتها هي وشقيقها؟ أم كان هذا حماقة من جانبه؟
أن تعيش بكنفه فتاة، كالهرة الشرسة، التي لا تستطيع إخفاء مخالبها، فتمزق كل من يقترب منها. ولكنه ظل يسأل نفسه لما يروقه شراستها؟ صاحبة تلك العينان المسكرة، فإن أراد التوبة عن خمر عينيها، فل ينال توبته أبدًا. وهذا ما أيقن منه الآن. *** زرع ماجد غرفته ذهابًا وإيابًا، يكاد يموت قهرًا، كلما تذكر ذلك المشهد، الذي رآه بالمشفى، وكيف كان هذا الرجل يحتويها بين أحضانه واضعًا ذراعيه حولها.
ظل يضرب بقبضة يده بغضب عارم على مكتبه، حتى شعر بألم شديد في يده. ولم يكتفِ بهذا، بل قام بنثر الأوراق والكتب التي كانت أمامه محدثًا جلبة في الغرفة. دخلت على إثرها والدته تنظر إليه بتعجب. فانحنت تلملم الكتب وهي تقول بغرابة: –في إيه يا ماجد؟ أنت رامي كتبك كده ليه على الأرض؟ إيه اللي حصل؟ أطلق ماجد زفرة قوية وهو يرتمي على مقعده مغمغمًا: –مفيش يا ماما. بس هم وقعوا مني غصب عني. وضعت صابرة الكتب من يدها على سطح المكتب،
فرمقته بتساؤل قائلة: –هو فيه إيه اللي حصل في العزا يا ماجد؟ من امبارح ومن ساعة ما رجعنا وانت مش طايق نفسك. حتى أنت وأبوك فضلتوا لآخر العزا ورجعت أنا لوحدي من عزا الستات. مسح ماجد وجهه بيده وهو يقول: –عشان بابا كان عايز يطمن على ليان وباسم. هيعملوا إيه بعد موت جدتهم. تساءلت صابرة بشيء من الفضول: –آه وهيعملوا إيه بقى يا ماجد؟ شعر ماجد بنبرة الفضول بصوت والدته، ولكنه يعلم أنه فضول من أجل رغبتها في إبعاد ليان عنه.
فرد بضيق وقال: –معرفش يا ماما. محدش قال حاجة. بس أمها وجوزها شكلهم هياخدوهم معاهم على القاهرة. هيروحوا فين يعني؟ ما هو مش معقول هيعيشوا هنا لوحدهم. قالت صابرة بعدم اكتراث: –طيب ربنا يوفقهم. اعمل حسابك إحنا هنسافر وهنرجع بيتنا بكرة. اعتدل ماجد قائلاً: –بس بس يا ماما مينفعش نمشي دلوقتي ونسيبهم في الظروف دي قبل ما نطمن عليهم. عقدت صابرة ذراعيها أمام صدرها وقالت بتبرم: –بس إيه وبتاع إيه؟
ما خلاص عزينا وعملنا الواجب. نفضل هنا تاني ليه؟ عايزين نشوف مصالحنا. أنتِ ناسى إن الترم التاني في الدراسة خلاص مبقاش عليه كتير وأنت وأخواتك هترجعوا دراستكم. مش عايزة حجج فارغة. أزدرد ماجد لعابه قائلاً برجاء: –خلينا بس يا ماما اليومين دول وهنرجع البيت بعد ما بابا يطمن إن ليان وباسم هيروحوا مع أمهم وكمان تكون أيام العزا خلصت. مصمصت صابرة شفتيها وهي تقول: –أبوك برضه اللي يطمن ولا أنت اللي تطمن على ليان؟
أنا قولتك سيبك من الموضوع ده خالص. اللي في دماغك لو انطبقت السما على الأرض مش هيحصل يا دكتور. انتفض ماجد من مكانه وهو يقول بحدة: –ماما كفاية كلام بقى في الموضوع ده كل شوية حرام كده. ردت صابرة قائلة ببرود: –أنا بس بعرفك اللي فيها يا ابن بطني.
خرجت صابرة من الغرفة، فجلس ماجد هذه المرة على الفراش، ممتعضاً من حديث والدته، التي لديها الإصرار التام على التفريق بينه وبين ليان. ألا يكفي ذلك الخوف الذي زرع بقلبه منذ رؤيته ذلك الرجل المدعو… رفيق. ***
لم يكن والد زوجته بالعادة يستدعيه هكذا بوقت باكر. فأثناء خروجه من المنزل متجهًا إلى مقر عمله، جاءه اتصال ملح منه بضرورة رؤيته على وجه السرعة. فقاد أكمل سيارته، وهو يفكر بأي شأن هو يريده. فربما زوجته المصونة، ذهبت إليه شاكية، ولا يعلم تلك القدرة العجيبة التي تملكها بأن تخرج من الأمور بصورة المجنية عليها. فزفر أكمل وهو يقود السيارة، مدمدمًا بغيظ: –ياترى يا شهيرة هانم عملتي إيه المرة دي بسلامتك وأبوكي عايز مني إيه؟
يارب خلصني من الناس دي بقى. هو أنا هفضل أتعاقب على غبائي ده كتير؟ ظل يحدث نفسه طوال الطريق، حتى وجد نفسه أمام منزل "عامر الرفاعي". فأطلق بوق السيارة، ففتح الحارس له الباب، فهو يعلم أنه قائد السيارة هو صهر رب عمله. ولج أكمل بسيارته للداخل، وترجل منها. اصطحبه رجل حتى وصل للمكان المتواجد به عامر، فهو يبدو عليه أنه يتناول إفطاره. فتقدم أكمل قائلاً: –صباح الخير يا عامر باشا. رفع عامر يده بترفع يشير إليه بالجلوس:
–صباح النور. تعال اقعد أفطر. جلس أكمل على أحد المقاعد وهو يقول: –شكراً يا باشا. أنا فطرت. أنا جيت عشان حضرتك طلبتني. خير؟ وضع عامر قطعة من الجبن الأبيض بفمه، وهو يحدق بوجه أكمل. ولكن سرعان ما قال: –أنا جبتك عشان أعرف أنت مزعل بنتي شهيرة ليه. انتفخت أوداج أكمل فعلا صوته قليلاً: –أنا يا باشا اللي مزعلها؟ أنت مش عارف بتعمل إيه فيا أنا وبنتها؟ كأننا مش عايشين معاها في البيت. يرفع عامر يده قائلاً:
–وطّي صوتك يا أكمل وأنت بتتكلم مفهوم. يشعر أكمل بالكره تجاهه وتجاه ابنته المدللة بذلك الوقت. بل يشعر بالمقت الشديد لنفسه. أنه وقع بالمنتصف بينهما، ولكن إذا حاول الخروج، ربما سيتسبب ذلك بخسارة فادحة، ستتمثل بصغيرته "كنزي". استند أكمل بمرفقه على المائدة الطويلة وزفر بإرهاق: –أنت عايز مني إيه دلوقتي يا باشا؟ مسح عامر فمه بمحرمة قطنية بيضاء وهو يقول بشبه أمر:
–عايز بنتي متضايقش من أي حاجة وتعاملها كويس ومتزعلهاش. وإلا أنا كده اللي هزعل وأنت عارف زعلي وحش يا أكمل ولا إيه؟ أظن أنت مش حابب تتأذى ومش هتبقى أنت لوحدك. لا وصاحبك رفيق كمان. متنساش إنكم انتوا الاتنين شغالين في السوق بأمري أنا وممكن أمر واحد كمان وتلاقي نفسك بقيت على الحديدة. لم ينبث أكمل ببنت شفة، بل ظل صامتًا يتطلع بوجه والد زوجته بهدوء. فطالت النظرات بينهما، إحداهما فحواها تهديد صريح، وأخرى مزينة بكراهية مبطنة.
نهض أكمل عن مقعده وهو يقول بهدوء: –أي أوامر تانية يا باشا عشان اتأخرت على شغلي. بس ياريت يا باشا تفكر بنتك إن أنا جوزها وعندنا بنت. أحسن تكون ناسيه ولا حاجة. عن إذنك.
خرج أكمل من المنزل، بينما ظل عامر جالسًا مكانه. فهو لا ينكر أن أكمل محق بما قاله. ولكن حبه الزائد لابنته، يجعله يتغاضى عن رؤية الأمور بمنظور آخر غير ما تراه هي. فهي منذ وفاة والدتها، وهو يحرص على رعايتها وتدليلها، لا يريدها أن تشعر بالحزن أو الضيق، حتى وإن كان ذلك على حساب أقرب الناس إليها. فهو حقاً أب أناني، وهو يقر بتلك الحقيقة بداخله. ***
ما يحدث أشبه بالكابوس، الذي لا طاقة لها على الخلاص منه. فكان رأسها يمتلئ بضجيج الأفكار، التي ما فتأت تعود إليها، مذكرة إياها بمصيرها المحتوم. فهي تجلس الآن بالصالة الفسيحة، وتوافدت النسوة ثانية، لتقديم المواساة لها بثاني أيام العزاء، كما تجري العادة بالقرى الريفية، من أن العزاء يقام ثلاث أيام. وضعت يديها على جانبي رأسها وانحنت للأمام، تشعر بألم يكاد يفتك برأسها. فربتت والدتها على ظهرها بقلق: –ليان مالك؟ في إيه؟
لم تفهم ليان بكلمة، بل غامت عينيها وسقطت من على مقعدها مغشيًا عليها. فصرخت إلهام بفزع وهي تركع بجانبها: –ليان ليان مالك؟ في إيه؟ ردي عليّ. تجمع النسوة الجالسات حولها، تحاول كل منهن إفاقتها، فصار الهواء ساخنًا من تجمع أنفاسهن. فأشارت لهن إلهام بالابتعاد وهي تقول: –معلش إبعدوا شوية عشان النفس كده هتتخنق أكتر.
حرج طفيف ألم بوجوههن، فسرعان بتقديم عبارات المواساة، وانصرفن سريعًا. حاولت إلهام إفاقتها ولكنها لا تستجيب لها، فجسدها أصبح باردًا كالاموتى. فلم يتبق أحد معها لمساعدتها. فجلبت كوبًا من الماء ترشقه وجهها به، ولكن لم تأتِ فعلتها بفائدة. فهربت خارج المنزل للحديقة، التي يجلس بها الرجال. فصاحت منادية: –فاروق باسم! ألحقوا ليان مغمى عليها! إلحقوني!
انتفض باسم من جوار رفيق، فركض للمنزل يتبعه رفيق وفاروق. أقترب باسم منها وهو يربت على وجهها. وطفرت عيناه بالدموع وهو يقول: –ليان ليان فوقي! متسبينيش يا ليان! لم ينتظر رفيق سماع كلمة أخرى من أحد، بل انحنى حاملاً إياها، وخرج سريعًا إلى سيارته المصفوفة أمام المنزل. وضعها بالمقعد الخلفي وهو يقول: –باسم اركب بسرعة.
جلس باسم على المقعد المجاور له، فانطلق رفيق بالسيارة. ومازال فاروق وإلهام ينظران لبعضهما البعض، فهو لم يكلف نفسه عناء إخبارهما للمجيء برفقتهم. فنظرفاروق لإلهام وشرار يتطاير من عينيه: –هو إيه اللي عمله البني آدم ده؟ هو مين اللي أداله الحق يعمل كده؟ هو مجنون ده ولا إيه؟ وخد ولادك وطار حتى مقالش تعالوا معانا. حاولت إلهام تهدئة زوجها فقالت: –جايز عشان الناس اللي بتعزي برا سابك هنا وأنا كمان فيه ستات بتيجي كل شوية. وضع
فاروق يده بخصره وهو يقول: –لا يا شيخة. وهو مين أصلًا وقاعد هنا ليه لحد دلوقتي؟ مش خلاص عمل الواجب امبارح؟ مروحش على بيته ليه؟ جلست إلهام على الأريكة خلفها وهي تمسح جبهتها: –معرفش يا فاروق. ثم يعني هنطرد الراجل من البيت ونقوله امشِ. ثم خلاص هانت بكرة والموال يتفض وكل واحد هيروح لحاله. يلا أخرج أنت برا على ما يرجعوا من المستشفى.
بجهد لا يذكر، كان رفيق يضع ليان على سرير الفحص الطبي، من أجل معاينة الطبيب لها. فبعد معاينتها، جلس الطبيب خلف مكتبه ودون أسماء عقاقير طبية وهو يقول بمهنية: –هي شكلها أغمى عليها بسبب عدم أكلها، فحصلها هبوط. لازم تاخدوا بالكم منها أكتر من كده. هي جسمها ضعيف خالص ولازم تتغذى كويس. اتفضل دي روشتة بأسماء الأدوية اللي لازم تاخدها الفترة دي.
أخذ رفيق من يده الورقة، فسمع صوت تأوهات خافتة تأتي من خلفه. فاستدار إليها وجدها بدأت باستعادة وعيها المفقود. فهمست ليان بضعف: –باسم. أقترب منها باسم، إثر سماعه لها تناديه. فأخذ يدها بين كفيه وهو يمنع نفسه بصعوبة من البكاء قائلاً: –ألف سلامة عليكي يا ليان. كده تخوفيني عليكي يا ليان. دا أنا دلوقتي مليش غير ربنا ثم أنتي يا حبيبتي. أنزلقت دموعها من بين أهدابها وهي تحاول طمأنته: –متخافش يا حبيبي. أنا معاك أهو. يلا نروح.
حاولت الجلوس، فأسرع باسم بمساعدتها. فأستندت على كتفي شقيقها، وهي تترك مكانها. فهي تشعر بأن قدميها رخوتين، ولن تستطيع حملها. كادت تسقط أرضًا لولا ذلك الذراع القوي، الذي امتد إليها ليحول بين سقوطها. سحبت يدها سريعًا كأن ماسًا كهربائيًا أصابها. فأتخذت من ذراع شقيقها متكأ. فعلى الرغم من علمها بأن بنية باسم الجسدية ليست بقوة بنيته، ولكنها لن تفكر مطلقًا بأن تسمح له بالاقتراب، حتى وإن كان له الحق بذلك. ***
جلست بالشرفة تراقب النجوم التي ألتمعت بالسماء. فحبها يشبه تلك النجوم، فهو لامع براق ولكنه أيضًا بعيد ومستحيل المنال. وضعت وجنتها على يدها وهي تتنهد من وقت لآخر. فإلى متى ستظل هكذا؟ لم تشعر بمجيء بسمة، إلا بعدما رأتها تفرقع بأصابعها أمام وجهها: –هااااا يا بنتي؟ روحت فين؟ أرتعشت نسرين فجأة فقال بصوت كاد يذوب من الخوف: –الله يسامحك يا بسمة. رعبتيني يا شيخة وقطعتي خلفي. قهقهت بسمة وهي تجلس بجانبها،
فوكزتها بكتفها وهي تقول: –اللي واخد عقلك يا حبيبتي يتهنى بيه. عادت نسرين ثانية لتأمل النجوم وهي تقول: –هو واخد عقلي بس عقله هو خدها واحدة تانية. شكلي هفضل طول عمري مليش حظ في حاجة أبدًا يا بسمة. ربتت بسمة على ساقها بإشفاق: –يبقى خلاص سيبك منه بقى وشوفي حالك يا بنتي. أنتي هتفضلي عمرك كله كده؟ دا حتى ميرضيش ربنا. –عايزاني أعمل إيه يعني يا بسمة؟ قالتها نسرين وهي تستدير برأسها لها. فتبسمت بسمة قائلة:
–عايزك تشوفي حالك بقى وبطلي ترفضي العرسان. دا أنا حتى خطيبي جايب لك حتة عريس لقطة زميله في الشغل وهو وحيد أبوه وأمه وعنده شقة وعربية وحالته متيسرة. ابتسمت نسرين رغماً عنها وهي تقول: –هو أنتي وخطيبك بقيتوا فاتحين مكتب جواز وبتوفقوا راسين في الحلال يا بسمة؟ وكزتها بسمة بضيق وهي تقول:
–ده جزائي يا بت إن جيبالك عريس قيمة وسيما. دا أنا استخسرت أوديه لحد تاني قلت أنتي أولى بيه. وفكك بقى من الباشمهندس مالك ده اللي مش هيجيلك من وراه إلا وجع القلب. كممت نسرين فم بسمة، حتى لا يستمع أحد لقولها، خاصة أن صوتها عالٍ. فهتفت بها قائلة: –اكتمي يا بسمة بصوت ده هتفضحيني. منك لله. أزاحت بسمة يد نسرين من على فمها وقالت:
–ما أنتي تغيظي يا نسرين. فوقي بقى من أوهامك دي. خليكي عملية شوية بلاش رومانسية المسلسلات التركية دي اللي هتوديكِ في داهية. هو يا حبيبتي غرقان لشوشته في حب أنثى اليربوع اللي اسمها ماهيتاب الشريف دي، يبقى أنتي بقى شيليه من دماغك وشوفي العريس ده مش جايز يعجبك وتستلطفينه. صمتت نسرين فهي لا تجد ما تقوله. فربما بسمة محقة بكل كلمة تفوهت بها. عندما رأت بسمة أنها استكانت لحديثها. مسحت على ذراعها وقالت بلطف:
–صدقيني أنا عايزة مصلحتك يا نسرين وأنتي عارفة أنا بحبك قد إيه. فعلشان كده بقولك أدي نفسك فرصة وقابلي العريس ده. ارتحتي للموضوع كان بها. ما ارتحتيش يا دار ما دخلك شر وربنا يبعت لك نصيبك اللي يريح قلبك.
وضعت نسرين رأسها بين يديها وهي تفكر بما اقترحته بسمة، فحديثها يحمل جزءًا كبيرًا من الحقيقة، التي ترفض هي أن تراها، عازمة على أن تظل غارقة ببحر أوهامها من أنه سيأتي اليوم ويشعر مالك بحبها له. ولكن ربما ستظل منتظرة للأبد. فكم هي تشعر بالنقم على قلبها، الذي لا ينصاع لحديث العقل أبدًا. ولكن يجب عليها أن تروضه على إطاعتها. ***
سمع صوت طرقات خفيفة على الباب، فنهض من على فراشه ليرى من الطارق، في هذا الوقت المتأخر من الليل. فتح الباب فشعر بالدهشة من رؤيتها واقفة على عتبة الباب بعينان ساحرة وشعر مسدول على كتفها وحول وجهها. تضع يديها حول جسدها تتلمس الدفء في هذا الليل الشديد البرودة. برودة تغزو الأوصال وترتجف لها الأبدان، تنظر إليه بعينان حزينتان، عالق بهما آثار البكاء المرير الذي لم تكف عنه منذ ما حدث لها. فلم يمنعه دهشته وهو يقول: –ليان.
خفضت وجهها أرضًا وهي تقول بتلعثم: –رفيق أنا أنا… شعر رفيق بالقلق فقال: –في إيه يا ليان؟ مالك؟ نظرت إليه والدموع تنهمر من عينيها قائلة: –أنا خايفة أوي يا رفيق. قطب رفيق حاجبيه قائلاً بغرابة: –خايفة من إيه؟ وإيه اللي مخوفك أوي كده؟ مسحت الدموع بظهر يدها وهي تقول: –خايفة من الدنيا واللي ممكن يجرالي منها بعد ما تيتة راحت وسابتني. حاول بث الاطمئنان بها فقال: –متخافيش يا ليان. أنا معاكي ومش هسيبك. مش عايزك تخافي.
مد يده يمسح دموعها بإبهامه، يريدها أن تكف عن البكاء. فتلك العينان لا يحق لهما سوى السعادة والفرح. وجدها تندفع نحوه تضع يديها حوله تخفي وجهها بصدره. ربما كان اختل توازنه من قوة اندفاعها، في الارتماء بين يديه. إلا أنه ظل ثابتًا، لا يصدق ما فعلته لتوها. فرفع يده ببطء يقبض ويبسط أصابعه في حركة مترددة، أيحتويها أم يدفعها عنه؟
وجد نفسه يحاوطها بقوة مغمض العينين، يستند بذقنه على رأسها. صار قلبه تقفز دقاته محدثة جلبة بين ضلوعه. فمن أين ظهرت له تلك الساحرة، التي هدمت عالمه الهادئ الخاوي من المشاعر الإنسانية في بضعة أيام قليلة قابلها فيها. فسمعها تقول بما يشبه الرجاء: –أنا مش عايزك تسيبني أبدًا. أنا مليش غيرك دلوقتي يا رفيق.
وقع اسمه منها بتلك النبرة الآسرة على مسامعه، كنغمة عذبة لاقت هوى بنفسه من سماعها. فهو يستمع لاسمه يوميًا مئات المرات. لماذا يشعر باختلاف تلك المرة؟ لأن من تتفوه به ليست كمثل أي أحد. ماذا فعلتِ بي أيتها الصغيرة؟ كيف غزوتِ قلبي وأسرتيه؟ كيف هدمتِ راحتي واستقرار قلبي؟ جعلتيه صاخبًا رافضًا الانصياع. أشعلتِ به نارًا، لا تكفي أنهار لإطفائها. فكيف السبيل إلى العودة إلى عالمي القديم؟
فأنا لا أريد مزيدًا من الجراح. فجراحي ما زالت تنزف بداخلي فأدمت قلبي، حتى بدأت أصدق أن ليس لدي قلب بين ضلوعي. فماذا أفعل أنا الآن وأنتِ قريبة تهدمين ما تبقى من عالمي بعينيكِ الآسرة وبكائك الذي يمزق نياط القلوب؟
تساؤلات عدة طرحها عقله عليه، يريد منه إجابة عن كل تلك الأسئلة، التي لا يعلم كيف سيجيب عليها. فهو قد عاد قلبه ينبض من جديد، تلك النبضات التي حطمت قلبه سابقًا، تاركة إياه ممزق الفؤاد وبروح فاقدة الحياة. ولكن بأيام ليست بالطوال عاد قلبه ثانية إلى الخفقان، ذلك الخفقان المؤلم. وكل هذا بسبب تلك الساحرة الصغيرة. فرد قائلاً بعزم وإصرار:
–أنا مستحيل أسيبك ياليان. بعد ما لقيتك عمرى ما هخليكي تبعدي عني أو أتحرم في يوم إن أشوفك فيه. يجيبها بإصرار أنه لن يجعلها تبتعد عنه حاسمًا أمره، فهو أولاً وأخيرًا آدم الذي لا يستطيع أن يعيش بدون حواء خاصته. رفعت إليه وجهها، فأحاطه بين كفيه وأغمض عينيه، وظل يقترب منها بدقات قلب عالية صاخبة جنونية. فكلما اقترب تزداد ضربات قلبه جنونًا.
فتح عينيه مرة واحدة، بعد سماعه صوت منبه هاتفه، يعلن عن بداية يوم جديد. فانتفض من فراشه ومسح وجهه بيده. فكل ما حدث، كان حلمًا هيأه له عقله أثناء نومه. وقف بجوار الفراش بأنفاس لاهثة، كأن لا يوجد هواء في رئتيه، كأنها سلبته حتى أنفاسه، من مجرد حلم. وجد نور الصباح يملأ الغرفة، فاليوم قد فاتته صلاة الفجر التي يحرص على أن يؤديها في وقتها. فدمدم مأنبًا لذاته: –استغفر الله العظيم. هو إيه اللي بيحصل ده؟ أنت اتجننت يا رفيق؟
استغفر الله العظيم. ظل يردد أدعية الاستغفار، فدلف إلى المرحاض وتوضأ وخرج بدأ صلاته، وهو يحاول تهدئة نفسه. فهو يحمد الله أن كل هذا مجرد حلم وليس حقيقة. فهو يجب عليه أن يكف عن الركض خلف تلك الأحلام، التي كانت السبب بدمار قلبه في الماضي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!