بدون انتظار كلمة منهما، قام رفيق بحمل علية، وذهب سريعاً إلى سيارته. وضعها بالمقعد الخلفي، وجلست ليان بجانبها، بينما جلس باسم بجواره بالمقعد الأمامي. فذهب سريعاً إلى المشفى حسبما أخبره باسم بكيفية الوصول إليها.
وصلوا إلى المشفى، فركض رفيق للداخل. وما هي إلا دقيقتين حتى خرج برفقة اثنين من الممرضين، يجران سريراً متحركاً خاصاً بالمشفى. فأسرعوا بأخذها إلى إحدى غرف المشفى، وقام الطبيب المختص بفحصها، وهي ما زالت غائبة عن الوعي. وليان تبكي بقهر، يحتضنها أخاها باسم. فتقدم رفيق من الطبيب قائلاً: –هي مالها يا دكتور؟ في إيه؟ التفت له الطبيب، ونظر له باستغراب وقال: –هو مين حضرتك؟ أنت قريب الحاجة علية؟ أومأ رفيق برأسه وهو يقول:
–حاجة زي كده يا دكتور. هي مالها؟ طمني. جذبه الطبيب من مرفقه بعيداً عن ليان وشقيقها قائلاً بأسف: –هي الصراحة حالتها حرجة جداً وصعبة، وأنا حذرتها كتير. إحنا مضطرين ندخلها العناية المركزة. شعر رفيق بالقلق من قول الطبيب، ولكنه لم يستطع سوى أن يقول: –حضرتك شوف ايه المناسب لها والأصلح واعمله. ولو محتاجة أنقلها مستشفى تانية في القاهرة أنا مستعد. حرك الطبيب رأسه قائلاً:
–للأسف مش هيفيد نقلها لمستشفى تانية بحاجة. ربنا يشفيها إن شاء الله. بعد ذهاب الطبيب، اقتربت منه ليان وعيناها باكية، تريد معرفة ماذا أخبره الطبيب بشأن جدتها. فمسحت عيناها وهي تقول: –هو الدكتور خدك على جنب كده وقالك إيه؟ زفر رفيق قائلاً بهدوء، محاولة منه أن يطمئنها لعلها تكف عن البكاء: –مفيش حاجة متقلقيش. إن شاء الله خير. لم تكتفِ منه بذلك القول، فهي تشعر بوجود شيء آخر. فهتفت به بغيظ وصياح: –بقولك قالك إيه؟
ومتحاولش تضحك عليا. أنا أعصابي مش مستحملة. رد عليا. اكتسح الغضب ما تبقى لديه من مقدرة على أن يضبط أعصابه، فصاح بوجهها غاضباً: –وطّي صوتك واحترمي نفسك بقى. هو أنتي في إيه ولا إيه؟ أنا مش فاضي لقلة أدبك دي دلوقتي. تقدم باسم منهما، وطوق كتف شقيقته يجذبها إليه، فنظر لرفيق بحزن قائلاً: –معلش يا أستاذ رفيق. قولنا هي تيتة مالها؟ أشفق رفيق على حالته، فأخفض وجهه وهو يقول بقلة حيلة:
–جدتك محتاجة تدخل العناية المركزة علشان تعبانة يا باسم. رمقته بامتعاض وهي تقول: –ومقولتش ليه كده على طول لما سألتك. لم يحتمل سماع كلمة أخرى منها، فمن الأفضل لها أن تصمت. فهو لا يعلم ما يمكن أن يفعله بها بهذا الوقت العصيب. لكنه اتخذ الحذر وسيلة له، لعلها تكف عن أقوالها وأفعالها. فرفع سبابته بوجهها آمراً: –بقولك إيه؟ أنتي اخرصي خالص ومسمعش صوتك ده نهائي. أنتي فاهمة؟
أنا على أخرى منك. وكلمة كمان صدقيني هيبقى ردي المرة دي مش هيعجبك. فأحسن ليكي تتجنبيني خالص. مفهوم؟ واقعدي مكانك واسكتي. تفوه بكلماته فحوت تهديداً ووعيداً وغيظ وغضب من تصرفاتها الحمقاء والطفولية. فهذا ليس وقت مناسب لتلك التفاهات منها. فأرتعدت ليان من صوته الصارخ بها. وأزدردت لعابها وعجزت عن الرد خوفاً منه. بل بحثت عن مكان لتجلس به بعيداً عنه.
ثم وضع علية بغرفة العناية الفائقة. فظل رفيق جالساً على أحد المقاعد بجواره باسم، وليان تجلس بعيداً عنهما. خرج الطبيب من غرفة العناية الفائقة، فهب رفيق واقفاً وهو يقول متسائلاً: –هي عاملة إيه دلوقتي يا دكتور؟ رد الطبيب قائلاً: –الحمد لله فاقت. بس هو حضرتك رفيق؟ أومأ رفيق برأسه وهو يقول: –أيوه أنا. حضرتك بتسأل ليه؟ أشار الطبيب بيده له بالدخول قائلاً: –علشان الحاجة علية عايزة تشوفك. قطب رفيق حاجبيه قائلاً بغرابة:
–تشوفني أنا؟ ولا قصد حضرتك أنها عايزة تشوف أحفادها؟ نفى الطبيب ما قاله، فأجابه بهدوء: –لأ. هي عايزة تشوفك أنت قبلهم. لم ينتظر رفيق ثانية أخرى، فدلف إلى غرفة العناية الفائقة، وجلس على مقعد بجوار السرير. فوجدها تبتسم له بوهن. فابتسم لها هو الآخر قائلاً: –أيوة يا حاجة علية. كنتي عايزة تشوفيني؟ خير؟ ربتت علية على يده المستندة على حافة الفراش وهي تقول: –خير يا ابني. إن شاء الله. رفع رفيق يده الأخرى، ووضعها على يدها،
وشد عليها برفق وقال: –حضرتك عايزة حاجة؟ أؤمري. أنا تحت أمرك. قبضت علية على كف يده وهي تقول بصوت خافت: –الأمر لله يا بني. أنا عايزة أقولك على سر. بس مش عايزة حد يعرفه. ولا حتى ليان وباسم. شب القلق بقلبه إلا أنه استطاع القول: –اتفضلي يا حاجة علية. قولي. أنصت إليها باهتمام شديد، لمعرفة ماذا تريد أن تخبره بهذا الوقت العصيب؟
وبذات الوقت كانت ليان تسير بممر المشفى، متعجبة من رغبة جدتها في رؤية رفيق بمفرده. فماذا يحدث يا ترى؟ وهي لا تعلم. *** بعد أن انتهى من عمله، خرج من مكتبه، وقد نسي تماماً أنه يصطحب طفلته معه، من كثرة العمل. فخرج يبحث عنها. رأى نسرين، فاقترب منها متسائلاً: –نسرين. فين كنزي؟ راحت فين؟ تبسمت نسرين قائلة: –مع الباشمهندسة سارة. قاعدة معاها. –أه. ماشي. شكراً يا نسرين.
ذهب أكمل إليهما، ووقف أمام الباب ينظر إليهما بابتسامة، وهو يرى سارة واضعة كنزي أمامها على المكتب، وتنهي عملها بذات الوقت، ولكن تشاكسها كنزي من وقت لآخر فتبتسم لها. شدت كنزي القلم من يدها وهي تقول: –سارة كفاية. عايزة ألعب. أخذته منها سارة ثانية وقالت بابتسامة: –أخلص بس الورق ده ونكمل لعب. علشان بابي ما يزعلش. قالت الصغيرة وهي تهز ساقيها: –ماشي. بس بسرعة.
ولكن لمحت الصغيرة والدها، يقف على عتبة الباب، فركضت إليه. فأنحنى إليها وحملها عن الأرض، فقالت الصغيرة بحماس: –بابي. مش أنا بقى عندي صاحبة جديدة؟ هي دي اسمها سارة. استقامت سارة بوقفتها وهي تقول بحرج: –أنا آسفة يا مستر أكمل. لو كنت خليتها قعدت معايا الوقت ده كله. تبسم لها أكمل قائلاً: –بتتأسفي على إيه؟ أنا اللي المفروض أشكرك على إنك أخدتي بالك منها. نظرت سارة للصغيرة المتعلقة بعنق والدها وهي تقول:
–هي الصراحة كنزي عسولة وتتحب بسرعة. ربنا يبارك لك فيها. قال أكمل بابتسامة: –شكراً يا سارة. المفروض تروحي. الوقت اتأخر. وضعت سارة ما بيدها، وأخذت حقيبتها تضعها على كتفها وقالت: –أنا كنت مستنية أخلص ورق الشغل. وكمان حضرتك علشان تاخد كنزي. عن إذنكم. رد أكمل بهدوء: –اتفضلي. مع السلامة. لوح سارة بيدها للصغيرة قائلة: –الله يسلمك. باي يا كنزي. لوحت كنزي لها وهي تبتسم: –باي يا سارة. ابقي تعالي بكرة علشان نلعب سوا. أفلتت
ضحكة قصيرة من سارة وقالت: –حاضر يا كنزي. إن شاء الله. أخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة، يتبع أثرها بابتسامة ونظرة شاردة. لم ينتبه إلا على جذب طفلته لوجهه لتجعله ينظر لها وهي تقول: –بابي. يلا بينا علشان نروح. قبلها أكمل على وجنتها قائلاً بحب: –يلا يا روح بابي. أخذ طفلته وخرج من الشركة، وهو يتمنى أن لا يعود إلى ذلك المنزل، الذي تقطنه تلك المرأة المدعوة زوجته.
لاحظ وقوف سارة أمام الشركة تحاول إيقاف سيارة أجرة ولكنها لم تفلح بذلك. فاقترب منها متسائلاً: –في حاجة يا آنسة سارة؟ أرتعدت سارة بعد سماع صوته، فهي لم تلاحظ إقترابه منها، فأبتلعت ريقها قائلة: –لا أبداً يا مستر أكمل. مفيش حاجة. نظر أكمل للطريق قائلاً: –شكلك مش لاقية مواصلات. تعالي معانا. هنوصلك. رفضت سارة عرضه لها وهي تقول: –لأ شكراً لحضرتك. اتفضل أنت متشغلش بالك. تعـلقت الصغيرة بيدها قائلة:
–تعالي يا سارة. بابي العربية بتاعته كبيرة. وقامت بسحبها من يدها إلى السيارة، حتى أنها فتحت باب السيارة لتدخل إليها، فجلست سارة في الخلف وبجوارها الطفلة. فجلس أكمل خلف المقود قائلاً: –أنتي ساكنة فين يا سارة؟ شعرت سارة بحرج طفيف وهي تقول: –أنا ساكنة في السيدة زينب. –تمام. قاد أكمل سيارته، وهي تشعر بالحرج منه، ولكنها حاولت تخفيف خجلها وتوترها، بمداعبة الصغيرة. عندما وصلوا إلى وجهتهم، رفضت الصغيرة ترك سارة.
ولكن ألح عليها أكمل قائلاً: –يلا يا كنزي يا حبيبتي. رفضت الصغيرة الإنصات إليه وهي تقول: –لأ يا بابي. خلينى مع سارة شوية بس. نهرها أكمل بلطف قائلاً: –حبيبتي مينفعش كده. اسمعي الكلام. رمقته الصغيرة بإستجداء: –علشان خاطري يا بابي. رأت سارة تعلق الصغيرة بها، فلم تجد مفر من العرض عليهما الصعود معها، فقالت بحرج شديد: –طب اتفضلوا اشربوا حاجة وبعدين امشوا.
بسبب إصرار الصغيرة على مرافقة سارة، وافق أكمل على الصعود معهما. ولكن شعرت سارة بالحرج من المكان الذي تعيش به، فحتماً تلك الغرفة التي تسكنها لا تشبه بشيء منزله الفخم. فقالت سارة بغصة: –آسفة. هو المكان مش قد المقام. تبسم لها أكمل وهو يقول: –لا أبداً. متقوليش كده. قامت سارة بطرق باب الغرفة، ففتحت والدتها بابتسامة، فتعجبت من وجود رجل وطفلة مع ابنتها. فقبل أن تقول شيئاً، أسرعت سارة قائلة:
–ماما. ده الأستاذ أكمل صاحب الشركة اللي بشتغل فيها. ودي بنته. على الرغم من عدم فهمها لسبب وجود رب عمل ابنتها هنا، ولكنها لم تجد مفر من الترحيب به هو والصغيرة. فدعتهما للدخول قائلة: –أهلاً وسهلاً. اتفضلوا. نورتونا. ولو إن المكان مش من مقامكم. ولج أكمل لداخل الغرفة وهو يقول: –متقوليش كده. المكان منور بيكم.
لا يعرف كم الراحة التي شعر بها، في تلك الغرفة البسيطة. فهي تحوي دفء وحب لا يوجد بمنزله الفخم. رأى أيضاً سعادة طفلته ووالدة سارة تحدثها. قامت سارة بتحضير العشاء، وقلبها يكاد يقفز من صدرها من شدة دقاته، وهو موجود في المكان. فحاولت أن تنهره نفسها عن التمادي في مشاعرها نحوه أكثر من ذلك. فوضعت الطعام الذي أوصت عليه والدتها، بعد إصرارها على أن يأخذوا واجب الضيافة كاملاً.
جلسوا لتناول الطعام، ولدهشتها وجدته يأكل معهم بعفوية وليس بطريقة متأنفة، كما ترى بعض الأغنياء يفعلوا. حتى الصغيرة أيضاً أكلت حتى غلبها النعاس. زفر أكمل بارتياح من شعوره بالامتلاء، فنظر لوالدة سارة قائلاً بامتنان: –أنا متشكر جداً على الأكل الجميل ده. تبسمت له وهي تقول: –ألف هنا وشفا. ودي حاجة مش قد المقام يا ابني. نفض أكمل يده وهو يقول: –والله حضرتك أنا ما أكلت أكل بالطعامة والحلاوة دي من يوم أمي الله يرحمها ما اتوفت.
ردت سارة قائلة: –الله يرحمها. حضرتك الشاي بتاعك إيه؟ أجابها أكمل وهو ينظر لصغيرته الغافية بجواره: –خفيف. معلقة سكر واحدة. ذهبت سارة لإعداد الشاي، فنظرت له والدتها، فأعادت ترحيبها له للمرة التي لا تعلمها، فهي لا تجد ما تقوله: –منور يا أستاذ أكمل. الدنيا زاد نورها. –تسلمي يارب.
قالها أكمل بهدوء. فبعد الانتهاء من جلسته معهما، حمل صغيرته بين ذراعيه، وهو يشعر أنه يريد أن يظل هنا هو وابنته إلى الأبد. ولكنه عاد إلى واقعه، بأنه يجب أن يعود إلى منزله أو إلى جحيمه إذا صح القول. *** اليوم التالي مساءاً.
يسير رفيق بحديقة المنزل شارداً، يفكر فيما حدث، وبذلك الأمر الذي أخبرته به علية. فتلك هي المرة الأولى، التي يشعر بها أنه عاجزاً عن التفكير. وجد طاولة صغيرة، فسحب أحد مقاعدها وجلس يفكر ماذا يفعل هو الآن؟ ولكنه لمح خروج ليان هي الأخرى. أنتظر أن تقترب من مجلسه، ولكن عندما وقع بصرها عليه، فضلت الجلوس بمكان آخر. فيكفي ما هي به؟
فهي لا تريد أن تتشاجر معه. ولكن عيناه ظلت تتبع أثرها، حتى رأها تجلس بالقرب من إحدى الشجيرات الصغيرة. فأستند بمرفقيه على الطاولة، وأستند بذقنه على كفيه المضمومين، وهو ما زال ينظر باتجاهها. فربما هي تلك المرة الأولى التي يمعن النظر بها. فهي حقاً جميلة، وربما جاذبيتها قادرة على جذبه إليها. فأنتفض جسده من تلك الخاطرة. فكيف له التفكير بهذا الأمر؟
فهل فتاة مثلها، ربما تركت طفولتها من وقت قريب، هي من ستجعله يتخلى عن بروده من أجلها؟ ربما هو معتوه، أو أصاب عقله شئ من الجنون. ولكن هاتان العينان، لهما تأثير الخمر على الحواس. فكم يرغب أن ينهل من خمر عينيها حتى يشعر قلبه بالثمالة. ولكن عندما وجد أفكاره تجرفه إلى ما لم يشعر به منذ سنوات طوال، هب واقفاً وذهب سريعاً إلى تلك الغرفة التي يقطنها حالياً بحديقة المنزل. فهذا أفضل له. فبعد مرور ثلاثة أيام...
لم يستطع بها رفيق العودة إلى منزله، هاتف والدته وأخبرها بحدوث أمر طارئ، سيتسبب في تأخير عودته للقاهرة. فكل يوم يصطحبها هي وأخيه إلى المشفى. فما حدث بالثلاثة أيام الماضية، جعل عالمه ينقلب رأساً على عقب.
جلست ليان في السيارة، لا تنطق بكلمة واحدة، تستند على زجاج النافذة وهي تنظر بشرود إلى الطريق. فحياتها ربما ستتخذ منحنى أشد خطورة، إذا حدث ما جعل قلبها يرجف من الخوف، وهو أن ترحل جدتها عن عالمها. فماجد ووالده لا يعلمان بما حدث، فهما عادا للقاهرة لقضاء أمر هام، بعدما أخبر محسن علية بشأن المشترى. وصلوا إلى المشفى، فدلفت ليان إلى غرفة جدتها وجلست بجوارها. فابتسمت لها تشد بيدها على كفها: –عاملة إيه يا تيتة النهاردة؟
ردت علية بصوت واهن: –الحمد لله. نحمد ربنا. متزعليش مني يا ليان على اللي حصل. حاولت ليان الابتسام من بين دموعها التي ملأت مقلتيها وهي تقول: –مش زعلانة منك يا تيتة. المهم دلوقتي تقومي بالسلامة. تلاحمت أصابع علية بأصابع ليان وهي تقول بأنفاس متتابعة: –خلي بالك من نفسك ومن أخوكي. هو باسم فين؟ هو ورفيق؟ مسحت ليان تلك الدمعة التي أنزلقت من عيناها وهي تقول: –واقفين برا يا تيتة. أخذت علية نفساً عميقاً وقالت:
–ناديهم. عايزة أشوفهم يا ليان. خرجت ليان من الغرفة، وأخبرتهما برغبة جدتها برؤيتهما في الحال. فدلف رفيق إلى الغرفة يتبعه باسم. فابتسمت لهما علية وهي تشير لهما بالإقتراب: –خلي بالك من نفسك يا باسم ومن ليان. وانت يا ابني خلي بالك منهم. دول أمانة في رقبتك. ربت رفيق على يدها وهو يقول: –إن شاء الله يا حاجة علية. بس متتعبيش نفسك بالكلام. ارتاحي انتي.
طافت نظراتها في وجوههم وكأنها تودعهم، وأغمضت عينيها بابتسامة، وهي تنطق الشهادتين، ترحل من هذا العالم بهدوء. فزعت ليان واقتربت منها تهز جسدها بقوة وهي تقول بصوت نائح: –تيتة. تيتة. اصحي بالله عليكي. تيتة ردي عليا. أيقن رفيق أنها فارقت الحياة، فقام بسحب ليان، حتى تكف عن تحريك جسد جدتها الراحلة، فلا جدوى مما تفعله. ولكنه وجد نفسه يحتويها بين ذراعيه يحاول تهدئتها. فهمس قريباً من أذنها وهو يشعر بالحزن أيضاً:
–اهدى. البقاء لله. مينفعش اللي بتعمليه ده. ربنا يرحمها. ظلت شهقاتها تعلو أكثر فأكثر، وهي تنتحب على صدره وتنعي جدتها الراحلة، وكأن شهقاتها ستخترق صدره وضلوعه. فشدد من ضغط ساعديه عليها حتى تهدأ ولو... قليلاً. لم يكن باسم حاله يفرق عن حال شقيقته، فهو يبكي أيضاً على فراق جدته الغالية. حاول رفيق تهدئته هو الآخر فجذبه إليه.
بذلك الوقت كان يقف على عتبة باب الغرفة، كل من محسن وابنه ماجد بعد مجيئهما للمشفى لرؤية علية بعدما علما بما حدث لها. فماجد الذي عندما رأى ليان بأحضان ذلك الرجل وهى واضعة رأسها على صدره وتلف ذراعيها حول خصره، في حين أنه هو الآخر يطوقها بأحد ذراعيه والذراع الآخر يطوق به باسم، اشتعل بداخله بركان من الغضب والغيرة. فكيف له ولها أن يحتضنا بعضهما البعض هكذا؟ فتقدم منهم محسن قائلاً: –في إيه يا ولاد؟
رفع باسم وجهه وهو يبكي قائلاً: –تيتة ماتت يا عمو محسن. شعر محسن بالحزن والأسف لما سمعه، فرد قائلاً: –لا حول ولا قوة إلا بالله. إن لله وإن إليه راجعون. تقدم ماجد هو الآخر، وعيناه ترصد ليان، التي أطرقت برأسها أرضاً وتبكي بحسرة بعدما حلت ذراعيها عن جسد رفيق، الذي اتخذت من صدره مأوى لعبراتها التي بللت قميصه. فنظـر لرفيق قائلاً: –البقاء لله. هو انت مين حضرتك؟ قبل أن يقول رفيق شيئاً، رد محسن قائلاً:
–هو حضرتك اللي كنت جاي علشان تشتري الأرض؟ أومأ رفيق برأسه قائلاً: –أيوه. أنا رفيق رسلان. لم تكن تعي ما يجري حولها، فعالمها قد انهار بموت جدتها. حتى أنها لم تعِ، كيف تم تجهيز جدتها لمأواها الأخير؟ فكل ما تراه كأنها أطياف وأشباح بثياب سوداء. وجدت والدتها قادمة إليها، فهي حضرت هي وزوجها بعد علمهما بموت علية. فهما الآن ليس لديهما سواها. فأقتربت إلهام من ابنتها تطوقها بذراعيها وهي تقول: –حبيبتي. البقاء لله. شدي حيلك.
أنسلت ليان من بين ذراعيها وهي تقول ببرود وجمود: –ونعم بالله. ربتت إلهام على وجنة ابنتها بلطف ولين قائلة: –أنا لما عرفت اللي حصل لجدتك جيت أنا وعمك فاروق على طول يا حبيبتي علشان ما تبقيش انتي وباسم لوحدكم. ردت ليان بسخرية امتزجت بدموعها: –فيكم الخير والله. بس مكنش ليه لزوم تتعبوا نفسكم وتيجوا.
عادت ليان تجلس بصمت تستمع إلى صوت القرآن الكريم. شعرت إلهام بالحرج من قول ابنتها، ولكن ذلك لم يمنعها من الجلوس بجانبها. فأغمضت ليان عينيها، وهي تشعر بإنسياب دموعها على وجنتيها. استمعت لكلمات المواساة من هؤلاء النسوة، اللواتي جئن لمواستها في مصيبتها، ولكنها في عالم آخر. عالم خاوٍ من الدفء والحنان اللذان كانت تشعر بهما في صوت جدته.
بالعزاء الخاص بالرجال، كان رفيق يقف يتلقى العزاء هو وباسم، وبجوارهما محسن وماجد، وجميع الحاضرين لا يعرفون من يكون هذا الشاب؟ الذي امتعض من وجوده ماجد، وخاصة عندما رأه يحتضن ليان. فهو لم يجد الوقت المناسب على محاسبتها على فعلتها تلك. فمال برأسه لوالده وقال بصوت منخفض: –بابا. هو اللي اسمه رفيق ده واقف ياخد العزا معانا ليه؟ مطت محسن شفتيه قائلاً: –مش عارف. جايز علشان هي اتوفت وملهاش غير ابن ابنها وهو صغير. فواقف جنبه.
اصطكت أسنان ماجد وهو يقول: –بس إزاي؟ هو يستنى معاهم كده؟ ميصحش ومينفعش. شد محسن على ذراعه، لكي يكف عما يقول، حتى لا ينتبه عليه أحد: –أنا شوفت أمها وجوزها جم العزا. هما مش لوحدهم. ووطّي صوتك لحد يسمعك يا ماجد. اتسعت طاقة أنف ماجد من الغيظ فقال: –برضو إحنا منعرفش مين ده. بعد العزا نشوف مصير ليان وباسم إيه. أجابه والده بهدوء: –إحنا مالناش ندخل في حياتهم يا ابني. أمهم لسه موجودة. ومينفعش نتكلم في الموضوع ده دلوقتي.
لم يتروى ماجد قبل أن يقول بحدة: –لأ. لينا. متنساش إنهم ولاد أعز أصحابك. وانت بتحبهم. ومترضاش ليان تقعد مع واحد غريب. ثم أنت مش قولتلي إنك موافق اتجوز ليان؟ الصراحة أنا مش طايق اللي اسمه رفيق ده بعد اللي شوفته في المستشفى. حدجه والده بنظرة غاضبة فرد قائلاً بصوت منخفض: –بعد العزا نشوف الكلام ده. ثم هو ده وقت غيرتك العميا يا ماجد؟ أنت شكلك اتجننت النهاردة.
فلو كان بيده، كان وقف أمام رفيق الآن، يسأله لماذا ظل هنا ولم يرحل؟ فهو يريد منه الابتعاد عن ليان وحسب. جلس فاروق يشعر بسعادة غامرة، بالرغم من أنه يرسم على وجهه علامات الحزن الزائف، ولما لا يشعر بالسعادة وحلمه أصبح على وشك التحقيق؟ فبموت تلك المرأة لم يتبقى لتلك الفتاة سواهما. فهو أصبح قاب قوسين أو أدنى من تحقيق مراده تلك المرة.
يشعر بانتشاء يسري بعروقه، بعدما علم أنه تم وضع علية بين طيات الثرى، وها هو الآن، يجلس بالعزاء الخاص بها، كمن ظفر بربح وفير. فهمس لذاته، حريصاً على ألا تتحرك شفتاه ويسمع أحد ما يقوله: –أخيراً الولية القرشانة دي ماتت. دي كانت كاتمة على نفسي. بس أهي غارت. ودلوقتي ليان مابقاش ليها غيرنا. يا فرحتك يا فاروق. هتاخد الفرخة اللي بتبيض دهب.
لو لم يكن هذا عزاء، ربما لرقص فرحاً لتفكيره في مستقبله الوردي، الذي ستكفله له تلك الفتاة من جمالها وصوتها الخلاب. بعد أن انصرف آخر فرد في العزاء، دلفت محسن وباسم وماجد وفاروق إلى المنزل. كانت ليان تجلس برفقة أمها بعد انصراف النساء. فلمحت دلوف رفيق متأخراً عنهم. فهو كان يقوم بدفع تكاليف العزاء، بعدما أصر على محسن بأنه هو من سيتكفل بالأمر. فولج يحمل سترته على ذراعه بهيبة وسطوة ونظرة مخيفة ثاقبة، جعلتها تزدرد لعابها.
همست بخوف: –يا رب استرها يا رب. رأته يلج المنزل، فشعرت بذلك الفيضان الأعمى من الكره، يتدفق بداخل قلبها. وجدت نفسها تهب واقفة، تريد الذهاب إلى غرفتها، ولكن أوقفها صوت أمها، وهي تناديها من أجل تناول شئ من الطعام، الذي زهدت به منذ الصباح الباكر. فأقتربت منها إلهام تربت على كتفها وقالت: –تعالي كلي لقمة يا حبيبتي. أنتي من صباحية ربنا ما أكلتيش حاجة. يلا أنا حضرت العشا. –مليش نفس ومش عايزة آكل.
قالتها ليان وهمت بالذهاب لغرفتها، فجذبها باسم من يدها، فهو يعلم ما تشعر به، ولكن يجب عليها أن تتناول طعامها. فنظر إليها برجاء: –علشان خاطري أنا يا ليان. لازم تاكلي.
لم تخيب رجاءه لها، فجلست على المائدة بجواره. في هذا الوقت بدأت إلهام بوضع أطباق الطعام على المائدة. جلس رفيق مقابل لها يجلس بجواره محسن وماجد وعلى رأس المائدة جلس فاروق. إلا أن شهية ليان شبه مفقودة، فوضعت من الطعام القليل بفمها. وكلما رفعت رأسها تصطدم عيناها بوجه رفيق، فهو يتناول طعامه بهدوء مميت. فظلت ليان خائفة لمدة زادت عن الخمسة عشرة دقيقة، وهي جالسة وترى الجميع يحدق بها، فأرادت الفرار إلى غرفتها. فنهضت
عن المائدة وهي تقول بخفوت: –الحمد لله شبعت. نظرت لها فاروق وهو يقول: –جهزوا حاجتكم يا ليان انتي واخوكي علشان تيجوا معانا بكرة على بيتنا في القاهرة. قالت ليان بجمود: –أنا تعبانة وعايزة أنام ومش عايزة اتكلم مع حد خالص. ثم مش همشي من البيت إلا بعد أيام العزا ما تخلص. أنهت حديثها وذهبت لغرفتها، تريد أن ترتاح قليلاً من هذا الألم، الذي تشعر به يفتت قلبها بلوعة الفراق، فراق جدتها الحبيبة.
وجدت نفسها تنفجر بالبكاء ثانية، تحاول كتم صوتها بوسادتها حتى لا يسمعها أحد من الجالسين بالخارج. نهض رفيق عن مقعده هو الآخر قائلاً: –عن إذنكم. علشان أرتاح شوية. علشان لأن أنا مرهق جداً. أسرع ماجد بالقول، بما يشبه الهجوم: –وحضرتك هتنام فين بقى؟ نهض باسم هو الآخر وقال بهدوء: –هو بينام في الاستراحة اللي في الجنينة برا. قام محسن من مكانه، فربت على كتف رفيق قائلاً بامتنان: –تشكر يا ابني على وقفتك معاهم. رد رفيق قائلاً
بهدوء: –لا شكر على واجب. عن إذنكم.
خرج رفيق من المنزل، تتبعه عيون ذلك الشاب، الذي لم يستساغ وجوده هنا. فهو يشعر بخطر قريب ولا يعرف سبباً لذلك. غير أنه لم يأمن جانب وجود رفيق قريباً من ليان. فشتان بينهما. فإن كان ماجد ما زال يافعاً وبمقتبل عمره، فرفيق رجل بإمكانه جذب الأنظار إليه، بدون بذل أي مجهود يذكر. وأولاً وأخيراً ليان ما زالت بطور نضوجها العقلي والجسدي والعاطفي. حتى وإن شعر بميلها نحوه، فهو لا يعلم ما يمكن أن يحدث بعد ذلك. شعر بالضيق من تفكيره. فهي لن ترى هذا الرجل المدعو رفيق ثانية. فالظروف هي من جعلتها تقابله. وبعدما ينتهي الأمر، سيعود كل شيء لما كان عليه سابقاً. فلا حاجة له لكثرة التفكير.
*** تملكها الملل والفتور لغياب أخيها عن المنزل، منذ عدة أيام. فهي غير معتادة على فراقه هكذا. تشعر كأن والدها قد تركها وحيدة. تشتاق لرؤياه ودلاله لها. حتى وإن كانت جالسة برفقة والدتها وشقيقها الثاني، فهي تشعر بالحزن لعدم وجود شقيقها الأكبر. فنفخت رهف بضيق وقالت: –أوووف. وبعدين بقى؟ هو ابيه رفيق مش ناوى يرجع؟ هو عجبته القاعدة هناك؟ أنا هطق. أزاحت منى يدها من على وجنتها وهي تقول:
–بيقول عنده شغل مهم يا رهف. وبطلي زن بقى. من ساعة ما رفيق سافر وأنتي مش مبطلة وجعتي دماغي من كتر الزن. تجهمت ملامح وجه رهف وهي تقول: –شغل إيه ده؟ اللي يخليه يقعد برا البيت كل ده؟ دا لو بيشتري البلد اللي رايحها كلها كان زمانه رجع. أنا مش داخل دماغي الكلام ده. رفع مالك حاجبه قائلاً بغرابة: –أنتي عاملة كده ليه يا رهف؟ زي ما تكون واحدة جوزها سابها ومستحلفاله لما يرجع. إيه الأوفر بتاعك ده؟ ثم أنا مش مالي عينك؟
تطلعت إليه رهف بوجه شابـه الحزن وقالت: –بطل هزارك ده بقى يا مالك. انت عارف ابيه رفيق يبقى إيه بالنسبة ليا؟ دا أبويا وأخويا وكل حاجة. وانت كمان حبيبي يا مالك. بس ابيه رفيق حاجة تانية. تقبل مالك قولها برحابة صدر وقال: –عارف يارهف. وهو برضه غالي عليا أوي ووحشني أنا كمان والله. اليومين دول واحشني. دلق الماية عليا الصبح. حاسس كأنك في حاجة ناقصاني. تبسمت منى وقالت بحنان وحب: –ربنا يبارك لنا فيه ويرجع بالسلامة إن شاء الله.
أمن على دعاءها كل من رهف ومالك، فنهضت رهف من مكانها وهي تقول: –أنا طالعة بقى أنام. تصبحوا على خير. أقتربت من والدتها وقبلتها على وجنتها وكذلك شقيقها مالك، فصعدت إلى غرفتها. ففكرت في الاتصال بليان للاطمئنان على أحوالها، فهي لم تحدثها منذ أن أصابها الملل والحزن لسفر شقيقها رفيق، فهي هكذا إذا شعرت بالحزن، تعتزل الجميع حولها. أخرجت هاتفها من جيبها، قام بالاتصال عليها، فجاءها الرد من ليان، فأسرعت رهف قائلة:
–أيوه يا ليان. أخبارك إيه؟ وحشاني أوي. معلش انشغلت عنك اليومين اللي فاتوا. أخبارك إيه؟ ردت ليان بحزن وغصة: –وانتي كمان يارهف. متصدقيش. وحشاني قد إيه ومحتاجا لك دلوقتي. قالت رهف بقلق من رنة صوتها: –مال صوتك يا ليان؟ باين عليكي حزينة أوي. حصل حاجة يا حبيبتي؟ طمنيني عليكي. أنفجرت ليان باكية وقالت: –تيتة اتوفت يا رهف. ماتت وسابتني لوحدي أنا وباسم. فزعت رهف من قول ليان فردت قائلة بحزن هي الأخرى:
–لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. شدي حيلك يا حبيبتي. البقاء لله. ردت ليان قائلة: –ونعم بالله. –والله لو أعرف أجلك بلدكم كنت جيتلك يا ليان. متتصوريش أنا زعلت قد إيه لما قولتيلى. قالتها رهف بمودة خالصة. فأجابتها ليان قائلة: –كأنك جيتي يا حبيبتي. تسلميلي يارهف. وماتتحرمش منك أبداً يارب. ظلت رهف تواسيها بكلماتها، فهي تسمع صوت بكاءها عبر الهاتف ولا تعرف ماذا تفعل؟
لا تجد سوى الكلمات لتواسيها بها. فظلتا وقتاً لا بأس به، ورهف تحاول جعلها أن تكف عن البكاء والنحيب، فبجهد جهيد استطاعت ليان الكف عن البكاء، فأنتهت المحادثة بينهما وعادت ليان وتسطحت على فراشها تنظر لسقف الغرفة وعيناها متحجرة. تخشى أن تغمض عيناها وعندما تفتحها ثانية، تجد عالمها القديم، قد ذهب بدون عودة. ***
بعد دلوفه إلى الحجرة، قام باخراج بعض الثياب التي ابتاعها، فهو لم يكن لديه ما يرتديه، سوى الثياب التي أتى بها، فأخذ الثياب ودلف إلى المرحاض، قام بتشغيل الماء الذي تدفق على رأسه كأنه شلال، فأغلق عينيه ينشد بعض الراحة من ضغط تلك الأيام الفائتة. انتشر البخار في المرحاض، وحجب عنه الرؤية، وكأنه كان يريد النظر إلى المستقبل، الذي لم يبد له أمارات حتى الآن.
فبعد الانتهاء خرج من المرحاض، ورقد على الفراش واضعاً يديه أسفل رأسه، يفكر ويفكر حتى شعر بأن رأسه ربما ستنفجر من كثرة التفكير. فعندما جفاه النوم خرج من الغرفة، يستنشق بعض الهواء بالرغم من البرد القارص، إلا أنه بسبب ما يشغل عقله، لم يشعر بالبرد، فوضع يديه بجيبه يمشي بخطوات بطيئة بحديقة المنزل.
ولكنه لمحها تقف في شرفة غرفتها، يتلاعب النسيم البارد بخصلات شعرها، تقف بجمود تنظر إلى السماء المعتمة. فكم هي حقاً ساحرة ذات لسان سليط. ظل واقفاً مكانه يتأملها، وكأنها لوحة في إطار خرافي، يزينها سواد هذا الليل البديع والساحر ببرودته القارصة، التي لم يشعر هو بها، بل شعر بسيل من الدفء يغزو حواسه من رؤية تلك الساحرة الصغيرة، والتي لم يلقى منها معاملة حسنة. فتعجب من تفكيره، وقال بدهشة:
خفضت ليان عينيها إلى الأسفل، ورأته يقف بجوار إحدى الأشجار، فوجدت قدميها تتسابق للدخول إلى غرفتها. فهو آخر إنسان تريد رؤيته الآن. فجلست على الفراش وهي تدمدم بغيظ: –مش ناقصة. شوفته كمان تعكنن عليا حياتي. كفاية الأيام اللي فاتت وأنا حاسة كأني بموت وأنا بشوفه بيتحكم ويزعق فيها. يارب الأيام دي تعدي على خير بقى. يارب. أنا تعبت.
ظلت تناجي ربها، أن يبعث لها بأيام سعيدة، فهي تشعر أن الأيام القادمة، ستكون أيام ثقال لم تمر بحياتها من قبل. عندما رفع رفيق بصره مرة أخرى، وجدها قد اختفت، كحورية صغيرة ظهرت له من العدم، ثم اختفت في الظلام. فمنذ متى وهو يتأمل أي أنثى كانت؟ منذ متى وهو تفتنه رؤية فتاة؟
فتلك الفتاة جذابة بشكل يثير الريبة. فبالرغم من أن بداية مقابلته لها لم تكن ودية أبداً، إلا أنه الآن لا يكبح جماح نفسه من مراقبتها ورؤيتها. رؤية تلك الفتاة التي صار قلبه ينعتها ب…. الساحرة الصغيرة. نقم على تفكيره هذا، فعاد للغرفة ثانية، وأرتمى على الفراش، ولم يكتفِ بذلك، بل أنه أخذ الوسادة ووضعها على رأسه، لعل يكف عن التفكير بتلك السخافات.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!