قال مطرف بن عبد الله -رضي الله عنه -: “صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية”. كلما سنحت له قواه بإستعاده وعيه، فهو ينادى صغيرته بصوت ملتاع، فتعود وتأخذ الدموع مجراها بعينيه. كلما تذكر رؤيتها وهى مسجاه بدماءها، فهو ظن أنه خسرها للأبد. ولكن تلك اليد التى ربتت على كتفه، جعلته يفتح عيناه ببطئ. فرآى وجه رفيق يطل عليه بإبتسامة وعيناه مغرورقتان بالدموع لرؤيته على تلك الحالة. فبكى أكمل قائلاً بألم وصوت خافت:
–كنزى يا رفيق كنزى راحت منى. مد رفيق يده ومسح عيناه وهو يقول: –أهدى يا أكمل. كنزى كويسة، هي أتعورت بس إن شاء الله هتخف، متقلقش. بفرحة عارمة حاول أكمل رفع رأسه بعد سماع قول رفيق، فهتف بعدم تصديق: –بجد يا رفيق؟ كنزى كويسة؟ هي عايشة؟ طب شهيرة عاملة إيه؟ هي كمان كويسة؟ إبتلع رفيق لعابه قائلاً بأسف: –للأسف شهيرة ماتت يا أكمل، الله يرحمها. مقدروش ينقذوها، كانت حالتها أصعب منك أنت وبنتك. ماتت النهاردة الصبح.
أغمض أكمل عينيه وتحركت رأسه على الوسادة، ودمعت عيناه بسماع خبر وفاة شهيرة. فعلى الرغم مما كان يحدث بينهما، إلا أنه لم يكن يريد لها نهاية كهذه. فرد قائلاً بحزن: –الله يرحمها ويغفر لها ويسامحها. ربت رفيق على صدره بهدوء وهو يقول: –أنا كلمت الدكتور وطمنى عليك أنت وكنزى. بس هتفضلوا هنا فى المستشفى شوية علشان الكسور اللى فى جسمكم، ماشى يا حبيبى. ولو أحتاجت أى حاجة قولى وأنا عيوني ليك يا أكمل. –شكراً يارفيق، تسلملى يارب.
قالها أكمل وهو يشعر بثقل رأسه من أثر العقاقير الطبية، فأسدل جفنيه وأنتظمت أنفاسه. بينما خرج رفيق من الغرفة للعودة للمنزل. فهو منذ علمه بما حدث لصديقه، وهو جالساً هنا بالمشفى، ورفض الرحيل قبل إفاقته والإطمئنان على أحواله. فهو بإمكانه العودة لمنزله الآن، لينال قسط من الراحة ويعود إليه ثانية. ***
منذ علمها بوقوع الحادث وهى لا تهدأ. فوالدتها قد منعتها أن تذهب إلى المشفى لرؤياه. وهى باتت تعلم أن والدتها لن تتراجع عن قرارها، ولكن ماذا تفعل هي؟ فهى إن وافقت على الزواج من طارق، ستكون بذلك ظالمة بحقه وهي تشعر بالحب نحو شخص آخر. فأقتربت منها والدتها وهى تقول بإنفعال: –قولتى إيه يا سارة بخصوص موضوع جوازك من طارق؟ موافقة ولا لاء؟ هبت سارة من مكانها وهى تصرح برفضها القاطع قائلة:
–لاء مش موافقة ياماما، مش موافقة ومش هوافق اتجوزه. حاولت والدتها مقابلة ثورتها بلطف، لعلها تتخلى عن تصلبها برأيها. فهي لن توافق على أن تتزوج من رجل لديه زوجة أخرى. فأقتربت منها تمسد على ذراعها وقالت بحنان: –يابنتى حرام عليكى، متميليش بختك. يعنى ملقتيش الا الراجل المتجوز ده وكمان عنده بنت؟ أنتي عايزة تجننيني معاكى؟ طفرت الدموع من عينيها وهى تقول بغصة: –مش بايدى يا ماما أعمل إيه يعني؟
حتى مش راضية تخلينى أروح أشوفه فى المستشفى. أنا لما نسرين قالتلى فى التليفون على موضوع الحادثة، أتصدمت. وكل اللى عرفته أن هو وبنته ومراته فى المستشفى. ومعرفش حاجة تانى. أنتفخت أوداج والدتها مما سمعته منها، فقبضت على ذراعها وهى تقول بغضب: –انسيه يا سارة، شليه من دماغك خالص. وده اخر كلام عندى. وأديكى قولتيها بلسانك: مراته هي كمان فى المستشفى، يعني افتكري أنه مش حر. تركتها بعد أن اسمعتها ما لا تريد سماعه. فماذا تفعل؟
او كيف ستسير حياتها، التي تشعر الآن بأنها انقلبت رأساً على عقب منذ علمها بحب أكمل لها. فأرادت الإطمئنان على أحواله، بطريق غير مباشر. فخرجت من الغرفة وأستندت على سور الجدار المحيط بالسطح. فأخرجت هاتفها من جيبها تريد مهاتفة نسرين لعلها لديها أخبار جديدة. بعد لحظات جاءها صوت نسرين وهى تقول: –أزيك يا سارة؟ عاملة ايه دلوقتى؟ ردت سارة قائلة بهدوء: –الحمد لله، نحمد ربنا. طمنينى انتي ايه أخبار مستر أكمل؟ تنهدت
نسرين بصوت مسموع وقالت: –مراته ماتت فى المستشفى النهاردة. وهو وبنته يعني حالتهم مستقرة إلى حد ما. –مماتت؟ قالتها سارة بصدمة، ووضعت يدها على فمها. فبالرغم من عدم معرفتها بمن تكون زوجته، إلا أنها شعرت بالشفقة عليها. فبعد إنتهاء المكالمة بينها وبين نسرين، جلست على الأريكة الموضوعة أمام الغرفة، وهي تنظر للسماء بشرود من تلك القصة المعقدة، التي عاشتها مؤخراً. ***
مكان اشبه بالخراب، وغرفة تكاد جدرانها تتهدم، من صوت صرخات هؤلاء الفتيات، اللواتي يحاولن ايجاد مخرج للخروج من هذا المكان. فالحارس الشخصي الذي يحرس الباب، يكاد أن يصبح مختل، بسبب صراخ الفتيات. فهو بانتظار أوامر ذلك الرجل للتصرف بشأنهن. لمح سيارة سوداء ذات دفع رباعي تقف أمامه، وترجل منها حارسان، يتبعهما ذلك الرجل الذي يضع بين فمه سيجاره الغالي ينفثه ببرود. فأقترب منه قائلاً: –ها ايه الاخبار؟ رد الحارس قائلاً:
–كله تمام يا باشا. المعلمة توحة بعتت 3 بنات على 4 اللي كانوا هنا. يعني كده في سبع بنات في الاوضة جوا. بس الصراحة مش مبطلين صوات وصريخ، لما وجعولي دماغي يا باشا. دعس سيجاره بطرف حذائه قائلاً: –بعتهم زي ما قولتلها. أومأ الحارس برأسه وهو يقول: –أيوه يا باشا. بس زي ما قولتلك عماليين يصوتوا لحد ما جابولي صداع من صوتهم. وأخاف يا باشا حد يشم خبر بالموضوع ونروح كلنا في داهية. ربت على وجه الحارس قائلاً:
–هانت، كلها 3 ايام وهنسفرهم مع الشحنة. بس توحة تجيب البنت اللي فاضلة وقالت عليها. أقترب الحارس من الباب يعمل على فتح القفل وهو يقول: –تمام يا باشا. هم كمان برا بعتوا يستعجلونا، عايزين البنات. خطا الرجل بخطواته للداخل وهو يقول: –كله هيبقى في الميعاد وهيُتسلموا. بس المرة دي التمن لازم يبقى عالي أوي. دول بنات فابريكة، فلازم يدفعوا أكتر. ضحك الحارس ضحكة عالية ثم قال:
–أنا بعتلهم صور البنات ومن ساعة ما شافوهم وهم هيتجننوا. وعايزينهم النهاردة قبل بكرة، وخصوصاً البنت اللي مستنين المعلمة توحة تجيبها. ألتوى ثغره متبسماً وقال: –المهم، خلي بالك وفتح عينيك الاتنين. ماشى؟ وأنا هستعجل توحة في أنها تجيب البنت اللي فاضلة. مش عارف إيه اللي مأخرها كده. رفع الحارس إصبعه يشير لعينيه قائلاً بطاعة: –أوامرك يا باشا، من عيوني الاتنين. هي دي أول مرة اشتغل معاك يا صابر باشا؟
دا أنت صابر منصور اللي الكل بيعمله ألف حساب. دا كفاية بس هيبتك في الحكومة يا باشا. تعالت ضحكات صابر من حديث الحارس. فماهو إلا أحد رجال السياسة ذو النفوذ والثراء، والذي يوارى خلف منصبه أعمال الفسق والفجور خاصته. فخرج من الغرفة بعد أن ألقى نظرة على وجوه الفتيات، اللواتي كاد أن يبتلعهن بنظرته الدنيئة الثاقبة. فما هو إلا تاجر أعراض، يهوى بيع الفتيات الصغيرات، محققا ربحا عالياً، متناسياً عذاب الواحد الأحد. ***
عاد رفيق من المشفى، لينال قسط من الراحة. فكم كانت صدمته قوية، عندما علم بحادث صديقه أكمل. فكأن شئ سقط على رأسه بتلك اللحظة التي علم بها بأمر الحادث. فأرتمى على الأريكة بألم ظاهر، يغمض عينيه يحاول أن يجمع شتات نفسه، عندما سمع صوت والدته. فتح عينيه بتعب. فأقتربت منه والدته وهى تقول بإهتمام: –أكمل عامل ايه النهاردة يا رفيق؟ رد رفيق قائلاً بإرهاق: –الحمد لله أحسن يا أمي. والنهاردة فتح عينيه وكلمته.
قالت والدته بأسى على حاله: –ربنا يشفيه ويعافيه يارب هو وبنته. أخذ رفيق نفساً عميقاً وقال: –اللهم آمين. دا لو كنزى كان جرالها حاجة، مش بعيد أكمل كان راح فيها يا أمي. ربتت والدته على كتفه وهى تقول: –ربك رؤوف رحيم. الله يرحمها شهيرة كانت السبب في ده كله بدماغها الناشفة. ولما اتصلت عليا النهاردة الصبح وقولتلي أنها ماتت، والله صعبت عليا. نهض رفيق من مكانه قائلاً:
–الله يرحمها. ميجوزش عليها دلوقتي إلا الرحمة. دا حتى كمان عرفت أن أبوها لما سمع الخبر طب وقع من طوله. وفي المستشفى هو كمان دلوقتي. تخلل الحزن صوتها وهى تقول: –لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الله يرحمها ويغفر لها ويشفيه. روح يا حبيبي غير هدومك علشان تتعشى. هز رفيق رأسه نافياً وهو يقول:
–مليش نفس يا أمي. أنا عايز أرتاح وأنام شوية. حاسس بارهاق جامد. بقالي كام يوم من ساعة الحادثة مكنتش بنام من كتر الخوف على أكمل وبنته. لمح دلوف شقيقته وزوجته وأخيها، من حديقة المنزل. فنظرت إليه ورأت على وجهه علامات الإرهاق. فهي تعلم بشأن حادث صديقه، ولا تعلم كيف تواسيه؟ فهي لم تراه منذ بضعة أيام، فهو بحالة لا تسمح له بتحمل مزيد من الأسئلة التي كانت تريد طرحها عليه. فلتدعه ينال راحته أولاً.
نظر إليها نظرات صامتة، ولكنها قرأت بعينيه الكثير. فربما هو بحاجة إليها الآن، ولكنه لن يجرؤ على أن يقولها صريحة. فصعد الدرج يريد الذهاب لغرفته، فهو بحاجة إلى النوم، لعل النوم ينسيه ولو مؤقتاً تلك الهموم التي تراكمت على قلبه. فأقتربت رهف منه وهى تسأله بإهتمام: –ايه يا أبيه؟ مش هتتعشى معانا قبل ما تنام؟ إلتفت إليها رفيق قائلاً بإبتسامة واهنة: –كلوا أنتوا يا حبيبتي. أنا عايز أنام. تصبحوا على خير.
لم يتفوه بكلمة أخرى، فذهب قاصداً غرفته، يريد أن يريح جسده، الذي يشعر بأنه بات يأن، من كثرة الألم والوجع. فنظرت رهف لوالدتها قائلة بأسى: –ابيه رفيق مش عاجبني خالص يا ماما. دا باين عليه التعب أوي. جلست منى على الأريكة خلفها، فمسحت بيدها على وجهها وهى تقول: –متنسيش أن أكمل صاحبه من وهم صغيرين. وكمان ملوش صاحب غيره. تنهدت رهف وقالت: –هو كمان صعبان عليا أوي. ربنا يشفيه هو وكنزى يارب.
أرادت ليان الصعود للغرفة لرؤية زوجها، ولكن فكرت بعمل بعض الشطائر لتأخذها له، لعله يستمع إليها ويتناول طعامه. فهتفت بهم قائلة: –طب عن إذنكم أنا. رفعت منى رأسها ونظرت إليها قائلة: –رايحة فين يا ليان؟ مش هتتعشى أنتي كمان؟ إزدردت ليان لعابها وهى تقول بخجل: –هعمل سندوتشات واخدها لرفيق علشان ياكل. طالما مش قادر يقعد ياكل معانا وهبقى أكل معاه. إبتسمت لها والدة زوجها وقالت: –ماشى يا حبيبتي، روحي اعمليه سندوتشات.
اصطبغ وجهها باللون الأحمر، لفهمها المغزى من تلك الابتسامة الجلية، على وجه والدة زوجها. ورأت أيضاً ابتسامة رهف وباسم، كأنهم على علم ودراية بما يحدث. فهتفت بها رهف بدهاء: –ماشى يا ستي، ربنا يسهله. أقتربت منها ليان وقرصت وجنتها وهى تقول بغيظ: –بطلي لؤم يا رهف، علشان عارفاكي. تألمت رهف بصوت فكاهي قائلة: –أي أي، دا أنا غلبانة وكيوتة أهو. أنا عملت إيه بقى؟ فأراد باسم ممازحتها هو الآخر فهتف بها قائلاً:
–ابقي اعمليلي ساندوتش معاكي يا ليان. وضعت ليان يديها بخصرها وهى تنظر لشقيقها قائلة: –أيوة أيوة، أنت اتعاديت من رهف أم دم خفيف. لوت رهف شفتيها وهى تقول: –سيبك من أختك النكدية دي يا باسم. تعال نلعب سوا كونكت فور. نهض باسم من مكانه قائلاً: –ماشى يلا بينا. وهغلبك برضه كالعادة. تصنعت رهف الثقة والغرور وهى تقول: –إيه يا واد الثقة اللي أنت فيها دي؟ جايبها منين؟ أنا بتغلب أه، بس بمزاجي وبكرامتي، فاهم؟
ابتسمت منى على تصرفات ابنتها، فهي لا تتغير أبداً. فهي دائما مرحة تحب المزاح. ومما زاد في مرحها وجود ليان وباسم، الذي أصبح لرهف بمثابة شقيق ثالث لها بجانب رفيق ومالك. بعد أن أنتهت ليان من إعداد الشطائر وكوب من الحليب الدافئ وبعض من الفاكهة الطازجة، التي يغري شكلها على الأكل، ترسل إلى المعدة إشارات تزيد من الإحساس بالجوع. حملت الصينية وصعدت الدرج بحرص، حتى وصلت للغرفة.
كاد أن ينتهي من صلاته، عندما دلفت الغرفة ووضعت الصينية على المنضدة الصغيرة. فعندما نظر إليها ابتسمت له ابتسامة حنونة كطفلة صغيرة تنظر إلى والدها الحبيب. فأشارت لمحتوى الصينية وهى تقول: –أنا جبتلك حاجة تاكلها. مينفعش تنام من غير ما تاكل. وتلاقيك الأيام اللي فاتت مكنتش بتاكل وتنام كويس. نهض رفيق من مكانه وأقترب منها وألقى برأسه على كتفها وهو يقول بتعب:
–انتي اللي جيباها بنفسك يا ليان. متعرفيش أنا حاسس بالتعب والارهاق إزاي. أنا اليومين اللي فاتوا كنت بموت بمعنى أصح. رفعت ليان ذراعيها وطوقته بهما وهي ترد قائلة: –بعد الشر عليك. الحمد لله أنها عدت على خير. تعال يلا علشان تاكل. مسح وجهه بكتفها مغمغماً: –بس انتي اللي هتأكليني، مش قادر أفتح عيني أساساً. –حاضر، بس تعال.
إبتعدت عنه وجذبت يده وجعلته يجلس على الأريكة، وجلست بجانبه وبدأت بإطعامه كالطفل الصغير. فكلما أبدى إكتفاءه، تعود وتنهره بلطف من أنه يجب أن ينهي طعامه. فإبتسمت على وضعهما وهي تقول: –تصدق حياتنا مع بعض كانت عاملة زي اللغز. قطب رفيق حاجبيه قائلاً: –لغز! لغز إيه ده؟ ردت ليان قائلة بإبتسامة هادئة:
–غزالة صغيرة وقعت في فخ نصبه ليها صياد، شافها حلف أنه ما يسبها، حبسها، حاولت تهرب، كل ما تهرب هو كان بيرجعها. لحد ما زهق، سابلها الباب مفتوح. صدقت خلاص حريتها رجعتلها، فضلت تجري وتجري، بس وقفت فضلت تفكر، إن حريتها اللي كانت بتجري وراها، دلوقتي مبقتش تهمها قد ما يهمها أن هي ترجع تاني للصياد، لأنها عرفت أنه أكتر واحد كان خايف عليها، بالرغم انه مكنش مبين ده، بس هي عرفت من نظرة عنيه اللي دايما بتناديها.
إبتسم رفيق بخفوت وهو يقول: –كلامك غريب أوي النهاردة يا ليان. ناولته كوب الحليب وقالت: –فكر فيها بس كويس، وأنت هتعرف الحل. والحل في إيدك أنت يا صياد.
فرت هاربة من أمامه. فما كان ينقصها، إلا أن تبوح له بأنها باتت على أتم الاستعداد لتصبح له الزوجة التي يتمناها. فهي تشعر بارتجاف قلبها بين أضلعها، كالفراشات ترفرف بداخلها، تجعلها تشعر أنها تحلق في سماء صافية كتلك الطائرة الورقية، التي كانت تهوى دائما اللعب بها. ولكن أصبحت زمام أمورها بيده هو وليست يدها. فكم أصبحت تحب ذلك الشعور، بأنه يوجد من يخشى إصابتها بمكروه ويخاف عليها ويحتويها ويتولى زمام أمورها. فما أغربها لعبة العواطف، لا تعرف شريعة ولا منهاجاً. فمن كانت تمقته بالسابق، أصبحت الآن أسيرة عينيه الباعثة على الدفء والحنان والعطف. فكم كانت غبية عندما كانت تحاول إخفاءه من حياتها، أو عندما كانت تريد نيل حريتها منه.
*** باليوم التالي، إصطحب رفيق والدته وزوجته للإطمئنان على أكمل وإبنته. فأكمل أصر على الطبيب بأن يقيم هو وصغيرته بغرفة واحدة بالمشفى. دلف رفيق يتبعه باقي أسرته. فوالدته تكن لأكمل محبة كأبنائها، خاصة أن والدته كانت صديقتها. فولجت خلف رفيق وهى تبتسم، فأقتربت من فراش أكمل وربتت على كتفه. فدمعت عيناها رغماً عنها وهى تقول: –عامل إيه دلوقتي يا أكمل؟ ألف سلامة عليك. رد أكمل قائلاً بإبتسامة:
–الحمد لله يا خالتي، نحمد ربنا. شوفتي اتفشفشت إزاي؟ بقيت شبه المومياء المتحنطة من الجبس ده. ضحك الجميع على قوله، فأقتربت ليان قائلة بخجل: –ألف سلامة عليك يا أستاذ أكمل. أجر وعافية إن شاء الله. أجابها أكمل وهو ينظر لرفيق بدهاء: –تسلمي. أنتي بقى ليان مرات رفيق، اللي جت دوبت جبل الجليد اللي كان عايش معانا. أقترب منه رفيق ووكزه بكتفه وأدنى برأسه منه قائلاً بهمس: –أتلم أحسن لك. دا أنت مفيش حتة فيك سليمة. هضربك فين؟
قال أكمل متفكهاً بهمس بأذن رفيق: –هنيالك يا عم الحاج. ربنا يسعدكم يارب. أنا مش بحسد يا خال. أن بقُر. إستقام رفيق بوقفته، وجد ليان جالسة بجوار الصغيرة على فراشها تداعبها وتبتسم لها. ولم تنسى إعطاءها تلك الدمية التي إبتاعتها لها وهم بطريقهم للمشفى. فبعد إطمئنانهم على أحوال أكمل والصغيرة عادوا للمنزل. ففضلت ليان الجلوس قليلاً بالحديقة. فعاد إليها رفيق بعد تبديل ثيابه. فجلس بجوارها قائلاً: –استنيتك تيجي بس اتأخرتي.
إبتسمت ليان وردت قائلة وهى تنظر للنجوم: –حبيت أقعد هنا شوية. حولت بصرها إليه وإستطردت قائلة: –بس باين على أكمل صاحبك أنه غالي عليك أوي. تنهد رفيق ورد قائلاً بإبتسامة هادئة:
–أكمل صديق عمري الوحيد. تصدقي إن إحنا كمان اتولدنا في أسبوع واحد. أنا اتولدت قبله بيومين، وكبرنا سوا ودخلنا المدرسة سوا، حتى لما دخلنا الجامعة دخلنا تجارة. أنا وأكمل ما افترقناش يوم واحد من وإحنا صغيرين ولحد النهاردة. وغلاوته عندي زي مالك ورهف. كانوا ساعات بيقولوا علينا التؤام لأن مكنش بنسيب بعض. كل واحد فينا بيكمل التاني. أسندت ليان رأسها لكتفه بعفوية وهى تقول: –أنت عارف أنا شيفاك إزاي دلوقتي يا رفيق؟
رد رفيق قائلاً: –إزاي يا قلب رفيقتك؟ تنفس بعمق وردت قائلة بصدق: –زي الأب اللي دايما مشغول بأولاده، ومش بيرتاح إلا لما يشوف كل واحد فيهم مرتاح ومبسوط وبخير. شايل هم الكل، أهلك وأنا وباسم وكمان صاحبك وبنته، وشغلك وتدريسك في الجامعة. رفعت وجهها له وإبتسمت مستأنفة حديثها: –أنت مستحمل كل ده إزاي؟ أنا لو منك كان زماني جرالي حاجة من كتر الضغط ده كله. رفع يده ومسد على وجنتها وأسند رأسه لرأسها:
–أصل أخدت على كده من صغري. كان لازم أكون أب لأخواتي وسند لأمي. مكنش ينفع أضعف في أكتر وقت كانوا محتاجيني فيه. بس مش هنكر أن كان بيجي عليا وقت وكنت بعيط بالليل من غير ما حد يشوفني. المسئولية مكنتش هينة ولا سهلة. بس الحمد لله أن قدرت أوصل بيهم بر الأمان. أبتعدت عنه ليان قائلة: –طب يلا نطلع ننام. عندي محاضرات كتير بكرة، وأحلى حاجة أنك راجع بكرة إن شاء الله تديني المحاضرات. الكلية ملهاش طعم من غير محاضراتك.
ضحك رفيق ورد قائلاً: –دا تلاقي الطلبة كانوا بيرقصوا من الفرحة إن كنت غايب. أدعت ليان الجدية وهى تقول: –الصراحة أنت بتبقى فظيع في المحاضرة، بس هنسامحك لأنك وسيم. قطب رفيق حاجبيه قائلاً: –يعني إيه؟ مش فاهم؟ تركت ليان مكانها وقالت: –لا ولا حاجة. يلا بينا علشان بجد حاسة أني هموت وأنام.
أخذ يدها بين كفه ودلفا للمنزل حتى صعدا لغرفتهما. فما أن أبدلت ثيابها ووصلت للفراش، أنقطع التيار الكهربائي عن المنزل. ففزعت ليان من الظلام الدامس الذي ملأ الغرفة وصاحت قائلة بصوت مرتجف: –رفيق، شغل الفلاش بتاع الموبايل ينور الأوضة. الضلمة وحشة أوي. شعرت بالريبة من عدم رده عليها. فتحركت من مكانها وهى تقول بخوف: –رفيق، أنت مش بترد ليه؟ أجابها رفيق وهو يتحسس الكومود بيديه ليعثر على هاتفه:
–بدور على التليفون يا ليان. ثواني. ولكن ما أن وجد الهاتف وأضاء المصباح الخاص، وألتف خلفه حتى إصطدم بها واختل توازنهما سوياً. فهتفت ليان بصوت مختنق من شعورها بثقله الجاثم على صدرها: –رفيق، أنهموت كده. أنت واكل زلط؟ أسرع رفيق بالابتعاد عنها. فجلست ليان مكانها وهي تزفر بقوة. فجلس قبالتها وقرص وجنتها وهو يقول بغيظ: –واكل زلط! وأنا اللي قولت أن مش هسمع حاجة من لسانك الطويل ده. قهقهت ليان وقالت:
–مش قصدي والله، هي طلعت مني كده. متزعلش مني يا حبيبي. أقترب منها حتى كاد يعانقها، ولكن قبل أن يحصل على مراده، عاد التيار الكهربائي. فأرتعدت ليان وأبتعدت عنه قليلاً. فدمدم قائلاً بسخط: –هو ده وقت النور ييجي فيه. تركت ليان مكانها واستقامت بوقفتها وهى تقول بإرتباك وتوتر: –تصبح على خير يا رفيق.
هرولت نحو الفراش وأندست بين طيات الأغطية الثقيلة. بل أنها سحبت الغطاء حتى أخفت وجهها. ومازالت تشعر بتلك الرجفة من خوفها من أن يقدم على معانقاتها أو مغازلتها. وربما يجدها اليوم أقل تمنعاً ورفضاً. فهي كلما تتخذ قرارها بإعلان موافقتها لبدء حياتهما الزوجية، تعود وتشعر بالخوف والجبن ثانية. فعلى الرغم من أنها باتت تحبه حقاً، إلا أن تلك النزعة الأنثوية بداخلها مازالت تشعر بالخوف والخجل. فلم تخرج من دائرة أفكارها، إلا على
سماع صوت تقلبه على الفراش كأنه لا يستساغ الشعور بملمس الفراش أسفله. فسحبت الغطاء عن وجهها بحرص. فرآته يترك الفراش وأخذ وسادة وغطاء وذهب للأريكة. فقبل أن يستلقي عليها، كانت هي تجذب ذراعه. فظل ينظر إليها بتمعن ليعلم ماذا تريد منه. وجدها تطوقه بذراعيها وتخبره بما تشعر به تجاهه، ولكنها بحاجة لمزيد من الوقت للتغلب على مخاوفها.
*** ألقى مالك الهاتف من يده بتأفف. فهو يحاول مهاتفة ماهيتاب منذ ما يقرب من الخمسة عشر دقيقة. فهو لم يراها بالأونة الأخيرة، نظراً لتلك الأعباء الملقاة على عاتقه من جانب شقيقه، الذي ترك كل شيء خلفه وظل برفقة أكمل. فهو ظن أنها أصابها الضيق منه، لذلك لم ترد على مكالماته ورسائله. بل أنه ذهب لمنزلها مرتين بالسابق ولم يجدها. –هجرب كده آخر محاولة هشوف هترد ولا لاء.
قالها مالك وهو يأخذ هاتفه ثانية. فبعد مرور لحظات عديدة، جاءه صوتها على الطرف الآخر. رد مالك قائلاً بلهفة: –أيوة يا ماهي. انتي كنتي فين ده كله؟ برن عليكى مبترديش وبعتلك رسايل برضه مردتيش. ولما جيتلك البيت ملقتكيش. هو في إيه؟ نفخت ماهيتاب وردت على حديثه بضيق: –مفيش يا مالك. كانت أعصابي تعبانة وسافرت يومين أريح أعصابي فيها. حاجة دي يعني. تعجب مالك من هجومها الضاري عليه بالحديث. فرد قائلاً بإستياء: –في إيه يا ماهي؟
ما براحة شوية. أنا غلطان يعني عشان بسأل عليكي؟ هو مش انتي خطيبتي برضه ولازم أطمن عليكي؟ أجابته ماهيتاب بعدم اكتراث قائلة: –اه اه خطيبتك. خير؟ في إيه؟ بتطمن عليا؟ أنا الحمد لله كويسة. في حاجة تاني يا مالك؟ غلى الدم بعروقه من أسلوبها الجاف بالرد عليه. فكز على أسنانه قائلاً بغيظ: –لا حاجة ولا محتاجة. أنا غلطان أساساً أن رنيت عليكي. مع السلامة.
قبل إغلاق الهاتف، وجد رفيق يلج غرفة مكتبه. فنهض عن مقعده وترك الهاتف من يده قائلاً: –أهلا يا أبيه. نورت الشركة. –دا نورك أنت يا حبيبي. أنا جيت أطمن على الشغل. ماشي إزاي؟ عارف أن الحمل تقيل عليك. قالها رفيق وهو يجلس على المقعد أمام المكتب. فكل هذا استمعت إليه ماهيتاب عبر الهاتف. فمالك انشغل بالحديث مع شقيقه وغفل عن إغلاقه. فجلس مالك بالمقعد المقابل له قائلاً:
–ولا يهمك يا أبيه. المهم نطمن على أكمل يرجع بالسلامة إن شاء الله. مد رفيق يده وربت على ساق مالك قائلاً: –إن شاء الله أكمل قرب يخرج بالسلامة ونبدأ نجهز لفرحك ونفرح بيك. يبتهج مالك بما سمعه من شقيقه. فحدق به رفيق بإهتمام. فهو من كان يلح دائماً بإتمام زواجه، ولكنه لا يرى الآن معالم السعادة على وجه. فأراد معرفة ما أصابه. فنظر إليه بعمق وقال: –في إيه يا مالك؟ شايفك مش مبسوط. حصل حاجة؟ أحنى مالك رأسه قائلاً:
–مش عارف يا أبيه. حاسس أن ماهيتاب متغيرة معايا. حاسس زي ما يكون في حاجز بيني وبينها. حاولت أتجاوز ده بس الموضوع زاد أوي الفترة دي. –زاد إزاي يعني؟ مش فاهم؟ قالها رفيق بتساؤل. رفع مالك رأسه وهو يقول: –يعني بقالها فترة قاطعة الكلام معايا. أرن عليها متردش. ولما كلمتها حسيت لهجتها متغيرة معايا، زي ما تكون مش طايقة تتكلم معايا.
–جايز بس بيتهيألك يا مالك. أو تكون تعبانة ومش عايزة تقولك. فأقعد معاها وشوف مالها في إيه واتكلموا مع بعض بهدوء. حاول رفيق تصنع الهدوء، فهو يعلم مدى حب شقيقه لخطيبته. على الرغم من اعتراضه ببادئ الأمر من خطبتهما، ولكنه صمت إكراماً لشقيقه. فهو لا يريد أن يشعر مالك بالحزن. فهو بإمكانه معرفة معادن الناس بسهولة، وليس كشقيقه، الذي دائماً ما تكون العاطفة هي الغالبة على تصرفه.
فبعد أن استمعت ماهيتاب للحوار بين رفيق ومالك، أغلقت الهاتف، وألقته بجانبها وهي تسترجع من ذاكرتها كل كلمة قالها رفيق. فهي كأنما استمعت لصوته هو فقط. *** هبطت ليان الدرج بعد إنتهاءها من الإستعداد للذهاب إلى الكلية. فرفيق إستعد هو الآخر، وهبط للطابق السفلي في إنتظار مجيئها. فهي ورهف ستذهبان إلى الكلية بسيارته. فطارت قدماها وهي تتقدم بخطواتها نحو مائدة الطعام، فجلست على مقعدها وبدأت تتناول طعامها.
فرأت رهف قادمة وهي تعبث بيدها داخل حقيبتها. فإبتسمت قائلة: –جهزتي السوبر ماركت بتاعك خلاص، علشان اليوم لو طول. قالت رهف بتفكه: –بامية! أنتي بتهزري يا رهف. أرادت رهف إكمال مزحتها للأخر فقالت: –مالها البامية يا أبيه؟ مش أحسن ما أسيبها تحمض؟ قولت آخدها آكلها أنا وليان في محاضرتك. قهقه الجالسين جميعهم على قولها. فدمعت والدتها من كثرة ضحكها، فقالت بصوت متحشرج: –الله يسامحك يا رهف، هتموتيني يا سوسة. تلاعبه
رهف بحاحبيها وهى تقول: –سوسة سوسة، بس بتحبوني برضو صح يا أبيه؟ –صح يا عيون أبيه. قالها رفيق وهو يمد يده يداعب وجنتها. بل أنه جذب رأسها إليه وقبل جبينها بحنان كعادته. فظلت ليان تنظر إليه، في إنتظار حصتها هي الأخرى من دلاله. ولكن عيناه أبلغتها صراحة أن دلاله لها لا يصح أن يراه أحد. فكيف له بأن يعانقها أمام أحد؟ فإن كان دلاله لشقيقته يقتصر على ضمها إليه بحب وحنان، فمعها هي سيكون الأمر مختلف.
حاولت أن تداري إستياءها منه خلف تلك الابتسامة التي رسمتها على شفتيها. فأخذت حقيبتها ونهضت من مكانها للخروج. وقبل أن تصل لسيارته، وجدت يد تجذبها من مرفقها. فشهقت بصوت مسموع، ولكن تلك اليد التي وضعت على فمها، منعت صوتها من أن يصل لأحد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!