قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الشبع، إن القوم لما شبعت بطونهم، جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا.
لم يعد بإمكانها سحب كلماتها ثانية، فهي قد زل لسانها وانتهى الأمر. ولعل ذلك أفضل، فهي لن تقضي وقتها بأكمله تقاوم شعورها نحوه، فقد قالتها وانتهى الأمر. انتظرت أن ترى أثر عبارتها بنفسه، فوجدته ما زال يحدق بها بما يشبه الذهول، كأنما تجمدت ملامحه وتيبست أطرافه، ولن يكون قادرًا على التحرك ثانية.
أرادت لململة أذيال خيبتها، فربما هو قد سأم من أفعالها الطفولية، لذلك تجده لا يأتي حراكًا، كأنها لم تصرح له بأنها لا تفكر بأحد غيره.
خطت بقدميها صوب باب الغرفة، وهي تشعر بدموع المهانة ملحة على عينيها. ولكن قبل أن تصل للباب، كان هو قابضًا على ذراعها، فجعلها تستدير إليه، وحدق كل منهما بوجه الآخر بصمت. ولكن قبل أن تتفوه بكلمة، جاءها عناق حار منه، كادت تشعر بأن أنفاسها ذابت تحت وطأة شعورها بالخجل. أحست بأصابعه تطبق على ذراعها النحيل، ولكنها لم تستطع أن تفعل شيئًا. ولكن لمسته جعلت شعورًا جميلًا يسري بحواسها. ولكن كان عليها أن تضحي بمشاعرها، وتبتعد، فهي لا تريد الغرق بتلك الهاوية الآن، فهي تريد وقتًا كافيًا للتأقلم على وضعها. ولكنها لم تكن سريعة إلى حد كافٍ، فكفيه يقبضان على ساعديها كأنهما قفل حديدي، وبإمكانها أن تشعر بدقات قلبه الهادرة بداخل صدره.
فحاولت مرة أخرى أن تضع مسافة كافية بينهما وهي تهتف به برجاء: –رفيق أرجوك أديني وقتي اللي أقدر أتأقلم فيه عليك وعلى وضعي الجديد. انحسرت موجة جنونه العارم بسماع رجائها له، فكيف غفل عن أنها ما زالت صغيرة، وبحاجة لمزيد من الوقت. فأسرع في الابتعاد عنها وهو يقول: –آسف يا ليان أني مقدرتش أتحكم في نفسي.
لم تكن تريد اعتذاره بقدر حاجتها أن يبث بقلبها الأمان، وأن يجعلها تأمن صحبته. فقبل أن تتهدل قسمات وجهها بشعور الإحباط، كان يعود ويضمها إليه بحنان، كأب يشعر بأن ابنته بحاجة إليه ولن يخيب رجاءها به. فأستمعت له يكمل حديثه قائلاً: –أنا مستعد أستناكي عمري كله يا ليان بس أكون واثق إنك في الآخر هتكوني ليا. مش عايز أتعلق بأمل والآخر ألاقي نفسي في كابوس. أخذ قلبها يدق بعنف، وانطلقت الكلمات من بين شفتيها بهمس:
–أوعدك أني مش هكون لحد غير ليك. بس أنا عايزة أخد وقتي بحيث أكون قادرة نبدأ حياتنا مع بعض. يعني ممكن نعتبر الفترة دي فترة خطوبة أقدر أعرفك وتعرفني فيها كويس. كلماتها التي كانت تفيض حلاوة ووعودًا، قد بدا أثرها على وجهه، فرد قائلاً: –أنا موافق يا ليان بس خليكي قدام عيني متبعديش عني.
أردف بكلماته وذهب إلى فراشه ثانية وهو يسحبها من يدها بدون أن يسمع منها كلمة اعتراض. فجعلها تستلقي على الفراش ودثرها بالغطاء جيدًا. فحاولت أن تزوغ بعينيها من عيناه المتألقتين. فعلى الطرف الآخر من الفراش، كان يتمدد على جانبه الأيسر واضعًا يديه أسفل رأسه، وينظر لها لا يصدق أنها الآن قريبة منه. فتحولت بصرها عنه، فهذا الرجل بات شعور يتسلل بداخلها، أنه قادر على سلب قوة إرادتها وجعلها منصاعة له. فتخشى أن يرغب بوصالها فتطيعه على الفور، رغما عن تلك الوعود والعهود التي أخذتها عليه.
*** منذ سماعه بخبر استقالتها من الشركة واحتمال خطبتها، وهو يسير في رواق المنزل ذهابًا وإيابًا، كأسد جريح لا يقوى على أن يتحمل جراحه الثخنة. فلم الحياة تعانده، فمن تكون زوجته، غير مبالية به، لا تهتم سوى بنمط حياتها الذي يثير في نفسه الحنق والغضب. فرآها تخرج من غرفة النوم بعد انتهاء زينتها، التي تبدو على أكمل وجه. فأستوقفها بصوته قائلاً: –شهيرة أنتي راحة فين؟ رفعت شهيرة يدها تزيح شعرها من على جبهتها وهي تقول:
–راحة عيد ميلاد واحدة صاحبتي وإحتمال كمان أبات عندها النهاردة. فغر أكمل فاه بعد قولها، فهل وصل بها الأمر للمبيت خارج المنزل. فهي قضت على آخر ذرة عقل لديه، فصرخ بوجهها قائلاً: –تباتي إيه! أنتي عايزة توصلي بينا لفين؟ عايز أعرف أنا خلاص زهقت وطهقت. نفخت شهيرة بضيق وقلبت عيناها بملل وقالت: –بقولك أيه يا أكمل مش هنبدأ بقى الحوار ده من تاني ولا تحب أخلي بابي المرة دي ينفذ تهديده ويخرب بيتك أنت وصاحبك؟
باي يا بيبي وخلي بالك من كنزى على ما أرجع. خرجت من الباب، وهو ما زال يحدق بأثرها بشيء من الحدة. فماذا يفعل أكثر مما يفعله معها، فهو تخلى عن كبريائه من أجل ضمان سلامته وسلامة صديقه من أذى عامر لهما. فهو عندما ظهرت له فتاة، شعر بالحب نحوها، كان غير قادر على أن يخطو خطوة إيجابية، بسبب تلك المرأة التي يشعر أنها تكبل روحه بأغلال وأصفاد لا سبيل له على التحرر منها. لم يفق من عواصف أفكاره إلا على صوت صغيرته
تناديه وهي تقول بتذمر: –بابي بابي عايزة اخرج يا بابي انا زهقت من اللعب في البيت. أنحنى إليها وجلس أمامها قائلاً: –عايزة تروحي فين يا حبيبتي؟ صفقت كنزى بيدها وقالت بحماس: –عايزة اروح عند سارة. فمالها تلك الطفلة تتحالف مع أفكاره، التي تدور بذهنه، فلم ينتظر أن تزيد ابنته كلمة أخرى، وجد نفسه يأخذ بيدها يتجه إلى سيارته، ليذهب إلى منزلها، فتلك النيران في قلبه لا تهدأ، فكثرة التخيلات، ربما ستصيبه بالجنون.
وصل إلى تلك البناية التي تقطن بها، وخرج من سيارته يصطحب طفلته. وصل إلى تلك الغرفة، التي تسكنها، فطرق الباب وفتحت سارة الباب بدهشة جلية على وجهها، وهي تراه يقف على الباب يلتقط أنفاسه، بسبب الدرج العالي الذي تسلقه ليصل إليها. فقطبت حاجبيها وقالت: –أستاذ أكمل. رد أكمل وهو يحاول التقاط أنفاسه: –أنا آسف إن أنا جيت في وقت زي ده بس كنزى كانت عايزة تشوفك. تبسمت سارة للصغيرة وهي تقول: –أهلا كنزى نورتي الدنيا كلها.
فردت الصغيرة بخجل قائلة: –شكرا يا سارة وحشتيني. سمعت والدتها صوت أحد يحدثها، فتركت ضيوفها وخرجت لترى من القادم. فدهشتها لم تقل عن دهشة ابنتها، ولكنها رسمت ابتسامة خفيفة على وجهها وهي ترحب بقدومهما: –أهلا يا أستاذ أكمل اتفضل نورت. حاول أكمل أن يبدي أسفه على القدوم وهو يقول: –أنا بجد آسف على أن جيت في وقت زي ده بس كنزى كانت بتعيط علشان تشوف سارة.
حاولت والدتها تقبل عذره الواهي، فهي لم تكن ساذجة، لترى نظرات ذلك الرجل. ولكن إذا صح ظنها، فهي لن تسمح له بأن يغرر بعقل ابنتها، فهو أولاً وأخيراً متزوج ولديه طفلة. فأشارت لهما بالدخول قائلة: –لا ابدا اتفضلوا دا حتى عندنا ضيوف.
فهو ربما يعلم من يكون الضيوف، فلابد أنه العريس، الذي أخبرته عنه. فدلف أكمل إلى الغرفة ووقع بصره على ذلك الشاب، فهو شاب حقًا وسيماً، ويبدو عليه أنه شاب جيد، وهذا ما زاد في شعوره بالغيرة، التي تكاد أن تفتك بقلبه. فألقى التحية عليهما. فرفعت والدة سارة يدها تشير له وهي تقول: –ده الأستاذ أكمل صاحب الشركة اللي كانت سارة بتشتغل فيها ودى بنته كنزى. دي ست روحية جارتنا وابنها الأستاذ طارق. طارق يده يصافحه وهو يقول:
–أهلا تشرفنا يا أستاذ أكمل. صافحه أكمل قائلاً: –الشرف ليا واسف لو كنت جيت في وقت مش مناسب. تبسمت والدة طارق قائلة: –بيقولوا الخير على قدوم الواردين. تبسم أكمل بشعور خالٍ من السعادة وهو يقول: –متشكر جدا على ذوقك. جلست سارة تشعر بمشاعر صاخبة فوضوية، فلماذا أتى هو الآن؟ ألا يكفي أنها تحاول التماسك بالكاد حتى ترى إلى ماذا ستؤول أمورها؟
ولكنه أتى في تلك اللحظة الحاسمة، لينثر رماد أفكارها الواهية، يجعلها تنفض عن ذهنها ما كانت تنوي فعله. مرت عدة دقائق بصمت مطبق، كأن الجالسين يخشون أن يتفوهوا بكلمة. ولكن ابتسمت والدة طارق معتذرة لتغادر برفقة ابنها مع حصولها على وعد من والدة سارة بالرد عليها في شأن تلك الزيجة. فنهضت من مكانها قائلة بإبتسامة ودية: –إحنا هنمشي بقى يا أم سارة وأبقى ردي عليا. أماءت والدة سارة برأسها وهي تقول: –إن شاء الله شرفتونا ونورتونا.
تبسم طارق لسارة قائلاً: –السلام عليكم يا باشمهندسة سارة. أطرقت سارة برأسها وهي تقول: –وعليكم السلام. لما يلفظ اسمها ولما يناديها، فأكمل الآن ليس بوعيه، فهو كأنه يريد أن يجابه ذلك الشاب، الذي بات عقله يوسوس له بأنه سيأخذ حقًا من المفترض يكون له هو. ربما عقله أصابه الجنون، فهي ليست من حقه، ولكن قلبه قد أعلن عليه راية العصيان.
بعد ذهابهما كأنه وصل إلى حافة تحمله، فهو يجب أن يخرج ما بداخله، وإلا ربما سيتعس قلبه، لما تبقى من عمره. وجد نفسه بعد خروج طفلته للعب خارج الغرفة، ينظر لوالدة سارة يخاطبها كأنه يستجديها وهو يقول: –أنا طالب إيد بنتك سارة وأرجوكي توافقي. ذهول وصدمة تملكت من حواسهما، فماذا يقول هذا المجنون الآن؟ ردت والدة سارة قائلة بصدمة: –انت بتقول ايه يا أستاذ أكمل انت حضرتك واعي بتقول ايه. قال أكمل بإصرار:
–أيوه أنا فعلاً عايز اتجوز سارة ارجوكى توافقى. هبت والدة سارة واقفة وهي تصيح بغضب: –أستاذ أكمل أنت ناسي إنك متجوز ومخلف أنت عايزني أفرط في بنتي لراجل متجوز وأنت إزاي تفكر إنك تتجوز على مراتك أنت كده تبقى خاين لمراتك. حاول أكمل تبرير فعلته، فطفق يقول: –أنا ومراتي مفيش بينا تفاهم وأنا بجد حبيت بنتك وعايز اتجوزها. رفعت سارة رأسها، بعد سماعها تلك الكلمة منه، فماذا يقول؟ هل يصرح بحبه لها الآن؟ نظرت
له والدة سارة قائلة بجمود: –وأنا آسفة معنديش بنات للجواز واتفضل حضرتك امشي من هنا والحمد لله إن بنتي قدمت استقالتها من الشركة مع السلامة يا أستاذ أكمل. أغمض أكمل عينيه، يحاول التماسك من ذلك الشعور بالخذلان، فربما هي لديها كل الحق فيما قالته. وجد نفسه يخرج من الغرفة ويأخذ طفلته، متجه إلى منزله يكمل عمره في حياته الزوجية البائسة.
لم تستطع سارة منع دموعها وشهقاتها، التي انطلقت مع مغادرته. فنظرت لها والدتها بعين الغضب، فهي علمت الآن سبب تركها للعمل بالشركة. فأقتربت منها وقبضت على ذراعها بشيء من التعنيف وهي تقول: –بتعيطي ليه أنتي دلوقتي ها أنتي كمان حبتيه مش كده بس بقولهالك أهو يا سارة دا مش هيحصل أبداً أنا مش هبيل بختك يا فرحتي الوحيدة ولا عايزة حد يقول عليكِ إنك خطافة رجالة وأخدي الراجل من مراته.
لم تزد كلمة أخرى، فأرتمت سارة على فراشها تكتم صوت بكاءها، فربما سيصيب قلبها الشقاء أكثر وخاصة بعد علمها بحبه لها هو أيضاً. ولكن تعلم أن والدتها فعلت الصواب، فهي لا تريد أن ينظر لها الآخرون بأنها صائدة للرجال، وتسببت بخراب بيت امرأة أخرى من أجل سعادتها. ***
شعرت كأن العديد من الفراشات الملونة راحت تضرب قلبها بجناحيها منذ رؤيتها له وهو يلج القاعة الدراسية. فعودتهما للدراسة اليوم شهد صخبًا من خفقات قلب يهوى أسره. فما أن وقف أمام ذلك المكتب الصغير، وقع بصره عليها هي وشقيقته، فهما جالستان بالمقدمة، لا يفصل بينه وبينهما سوى بضع خطوات. ماستان براقتان، كل منهما ملكت شطرًا من قلبه، إحداهما مدللته والأخرى ساحرته. فإبتسم على غير عادته عندما يكون بالقاعة الدراسية، فربما ابتسامته كانت ذات وقع غريب بنفوس الطلاب، الذين لم يروه يبتسم مرة واحدة خلال تدريسه لهما منذ بدأ العام الدراسي.
ولكن جاءت عبارته الهادئة متممة لشعورهم بأن ربما من يقف أمامهم ليس ذلك المحاضر متجهم الوجه الذي كان عليه دائمًا: –أخباركم إيه كلكم، وإن شاء الله تكون إجازة نص السنة كانت إجازة سعيدة عليكم، وتكونوا عملتوا ريفريش لعقلكم، عشان تقدروا تكملوا الترم التاني، يلا بينا نبدأ بسم الله الرحمن الرحيم.
بدأ الشرح وساد الصمت، ولكن ليان شعرت بأن ذلك الهدوء والصمت ستفسده تلك الخفقات التي علا صوت طنينها بأذنيها. فمن يراها وهي تكاد تلتهمه بعينيها بشغف، لن يصدق أنها كانت تتمنى موته أحيانًا كثيرة. فبتذكرها ذلك الأمر، راحت تتمتم بصوت هامس: –بعد الشر عليه، يارب احفظه واحميه عشان خاطر الناس اللي بتحبه. ردت رهف قائلة بذات الهمس: –يارب يا أختي يارب.
أطمأنت ليان لعدم انتباه رفيق عليهما وهو يوليهما ظهره لكتابة بعض النقاط الهامة على تلك اللوحة الدراسية المتصدرة الجدار، فأدنت برأسها من رهف قائلة: –أنتي رامية ودنك في بوقي يا رهف، خلي يومنا يعدي، دا النهاردة لسه أول يوم في الترم التاني، كفاية فضيحة الترم الأول. أدعت رهف الحكمة والجدية وقالت: –متقلقيش هبقى مؤدبة ومش هضحك، بس موعدكيش أنا….
لم يسعفها الوقت بقول شيء آخر، إذ وجدت شقيقها يلتفت إليهما يزجرهما بنظراته الحادة، فأبتلعت لعابها لعلمها بأن ربما أفرطتا بهمسهما حتى بات مسموعًا، فألتزمتا الصمت حتى انتهى الوقت، فخرجتا من القاعة وظلت تبحث عنه بعينيها لترى أين ذهب؟ كأن تفقد شعورها بالأمان كلما غاب عن عيناها. ولكن نظرت بهاتفها بعد رنينه دليلاً على وصول رسالة نصية. فتحت الرسالة وقرأتها بصوت منخفض:
–أنا عارف إن لسه عندكم محاضرات تانية بس أنا روحت الشركة لشغل ضروري، أول ما تخلصوا خلوا السواق يوصلكم على البيت على طول مفهوم يا ليان. زفرت بإحباط، فإنتبهت رهف عليها، فعلمت ما أصابهما بعدما أخبرتها برحيل رفيق من الكلية، فأقترحت رهف قائلة: –أقولك بعد المحاضرات هنزوغ ونروح لأبيه الشركة إيه رأيك. سعدت ليان بإقتراحها فردت قائلة: –ماشي هو أنتي عارفة الشركة فين؟ حركت رهف رأسها بالإيجاب، وهي تقول:
–أه طبعاً، دا الموظفين هناك عارفينى برهف أم لبان وشيكولاتة.
أبتسمت ليان على قولها وعادت للقاعة الدراسية، فبعد انتهاء المحاضرات، أوصت رهف السائق الخاص بتلك السيارة الخاصة بها هي ووالدتها بأن يذهب بهما للشركة. فظلت ليان طوال الطريق تفكر في رد فعل زوجها إذا رآها، فهي تخشى أن يشعر بالضيق أو الاستياء لعدم سماعها لأمره بأن تعود هي ورهف للمنزل. فقبل أن تحث رهف على أن تخبر السائق بعودتهما، وجدت رهف تصيح بسعادة من أنهما وصلتا للشركة.
فتجلت ليان على مضض، كأنها تخشى أن تطأ المكان بقدميها، ولكن رهف جرتها خلفها حتى وصلوا للطابق الواقع به غرف مكاتب المدراء. فأقتربت رهف من بسمة وهي تبتسم قائلة: –هو أبيه رفيق جوا يا بسمة. ردت بسمة قائلة بإبتسامة هادئة: –لاء في أوضة الاجتماعات خمس دقايق ويرجع مكتبه. هي مين دي اللي معاكي؟ ردت ليان قائلة بسرعة: –أنا أبقى واحدة قريبتهم.
عقدت رهف حاجبيها، فقبل أن تقول شيئًا، جذبتها ليان من ذراعها لتجاريها بكذبتها، فكأنها خشيت التصريح بكونها زوجته، ولا تعلم سر تصرفها هذا. ولجتا غرفة مكتب رفيق ومرت الخمس دقائق ورآت رفيق يلج الغرفة. فما أن رآهما حتى أسرع بخطواته تجاههما وهو يقول بقلق: –أنتوا جيتوا هنا ليه حصل حاجة. أبتسمت رهف وردت قائلة: –مفيش حاجة يا أبيه متقلقش أنا جبت ليان تتفرج على الشركة. هو مالك في مكتبه أروح أرخم عليه.
هز رفيق رأسه بهدوء، فخرجت رهف من الغرفة، بينما ظلت ليان جالسة مكانها، كأنها تخشى التحرك من مكانها. فأقترب رفيق من تلك الأريكة الجالسة عليها وجلس بجوارها قائلاً: –إيه رأيك في الشركة عجبتك؟ بس كده متسمعوش الكلام وبدل ما تروحوا البيت تيجوا هنا. أزدردت ليان لعابها وردت قائلة بخفوت: –هي رهف اللي اقترحت عليا والصراحة أنا وافقت بسرعة عشان كنت عايزة أشوفك وأنت صاحب الشركة. لايق عليك الدور القيادي أوي.
لا يعلم ارتجاف يدها الملحوظ عائد لشعورها بالبرد، أم هناك سبب آخر. فما أن أخذ يديها بين كفيه، حتى زفرت ليان زفرة مطولة، كأنها بذلك تحاول إخراج ذلك الهواء الجاثم بصدرها، والذي إذا ظل عالقًا برئتيها سيصيبها بالاختناق لا محالة. فابتسم قائلاً بتسلية لعلمه بما اعتراها: –يعني عجبتك وأنا عامل مدير.
ظلت تهز رأسها بالإيجاب، تتمنى لو أن بإمكانها أن تخبره أن يطلق سراح يديها، وإلا ستظل تؤمي برأسها هكذا ببلاهة ولن تفهم بكلمة. فأمتنت لتلك الطرقات على الباب، لكونها جعلته يتركها ويأذن للطارق بالدخول. فالقادمان لم يكونا سوى رهف ومالك، فألقى مالك عليها التحية بابتسامته البشوشة. وبعد مرور نصف ساعة أعلن رفيق عن ضرورة عودتهما للمنزل.
بالمنزل كانت والدتهم جالسة تتفكه مع باسم، الذي عاد بعد انتهاء يومه الدراسي بتلك المدرسة الجديدة، التي انتقل إليها، وأنهى مذاكرته وجلس مع سيدة المنزل لحين عودة باقي أفراد الأسرة. فما أن رأى شقيقته هب واقفًا واقترب منها واحتضنها وهو يقول بسعادة: –ليان المدرسة الجديدة دي حلوة أوي. ربتت ليان على ظهره وردت قائلة بحنان:
–الحمد لله يا حبيبي إن المدرسة كويسة وعجبتك. سيبني بقى أطلع أغير هدومي وأنزل تحكيلي بالتفصيل عملت إيه في المدرسة. هبت منى واقفة ورحبت بعودتهم، فأمرتهم بحزم قائلة: –يلا غيروا هدومكم وتعالوا عشان تاكلوا دا أنا عملتلكم محشي مشكل وورق عنب ومكرونة بشاميل والحلوة بسبوسة وكنافة. صاحت رهف قائلة:
–يا نهارى على الريجيم اللي هيروح في داهية النهاردة بسبب ست الحبايب يا حبيبة، بس ولا يهمني يغور الريجيم، إحنا هنعيش كام مرة، اغرفي يا ماما ثواني وهكون أول واحدة على السفرة.
صعدت رهف الدرج بخطوات شبه راكضة، وذهب كل منهم لتبديل ثيابه، فأسرعت ليان بتبديل ثيابها حتى تخرج من الغرفة، فتلك الحدود التي وضعتها معيارًا لالتزامهما بذلك الوعد المختص بأخذ وقتهما الكافي للتأقلم على طباع بعضهما البعض، جعلها تحترس أثناء وجودها معه بمكان واحد. فما أن رأت مقبض باب المرحاض يتحرك دلالة على أن رفيق انتهى من اغتساله، فرت هاربة من الغرفة وهبطت الدرج للطابق السفلي.
مر شهر كامل على المنوال ذاته، صخب عالٍ وأصوات تصم الآذان. أغمض عينيه ووضع يديه على أذنيه، لمنع تلك الأصوات من أن تتسلل إلى مسامعه، فربما لديها الإصرار أن تصيبه بالصمم. ولكن بالرغم من ذلك تصنع الهدوء محاولًا ضبط أعصابه، فهو يكره الصوت العالي بشدة. فناداها قائلاً بحزم: –ليان وطّي صوت التليفزيون شوية مش عارف أركز في شغلي كده. أسرعت ليان بإطفاء التلفاز وهي تقول:
–أنا آسفة أصل مبعرفش أتفرج على التليفزيون إلا إذا كان صوته عالي كده وأنا بردانة والجو سقعة ومكنتش قادرة أنزل تحت أتفرج على المسلسل اللي بتابعه. ابتسم رفيق على قولها وقال: –طب هو مينفعش تتفرجي على المسلسل إلا لما تعلي الصوت أوي كده دا أنتي حتى ودانك توجعك من الصوت العالي يا حبيبتي.
بالرغم من ذلك أخذته الشفقة عليها، فقام بسحب إحدى الأغطية الخفيفة ووضعها على كتفيها. فبهتت من فعلته، فعلى الرغم مما تفعله معه، إلا أنه يتعامل معها بلين ورفق. فهي مر عليها عدة أيام بمنزله، بالبداية فعلت كل ما يغضبه ولكنه قابل تصرفاتها الطفولية بصدر رحب.
وجدها تنظر إليه، ابتسم ابتسامة خفيفة، أخذت هي بتلك الغمازة، التي ظهرت بوجنته اليسرى. فكم هو حقًا وسيماً لديه ابتسامة تسترعي الانتباه. سرت رجفة قوية في أوصالها من ذلك الشعور، الذي بدأ يتسلل بداخلها قابضًا على قلبها يجعلها في تلك اللحظة لا تفكر سوى في أن تغوص بين ذراعيه بإحدى نوبات العناق الحارة، الذي بات محرمًا عليهما. فحمحمت تجلى صوتها وهي تقول:
–أنت ليه بتعمل كده يعني أنا عملت كل حاجة تنرفزك وتزهقك وبالرغم من كده أنت سكت. لو حد مكانك مكنتش استبعد إنه يضربني. اتسعت ابتسامته، فهي تتحدث معه بذلك الهدوء، الذي شب بقلبه عواصف، من رؤيتها هادئة، تتحدث بلطف ذلك اللطف الذي لم يرَ منه شيئًا منذ أن تعرف عليها، سوى بأوقات قليلة جدًا. فرد قائلاً بهدوء: –لأن أنا عندي اخت في نفس سنك وأنا اللي مربيها فتقريبًا عارف انتوا بتفكروا إزاي. مطت ليان شفتها وقالت:
–يا سلام للدرجة دي يعني أنت صبور. ترك مكانه وجلس بجانبها، فرفع يده يتلمس منبت شعرها وهو يقول بصوت متهدج: –متستغربيش يا حبيبتي، رهف بالنسبة ليا مش أخت بس دي بنتي اللي ربيتها على إيدي واللي عارف كل حاجة عنها. وجدت نفسها تهتف بداخلها، أنها يا ليتها هي الأخرى كانت تربت على يده، يعلم خباياها ويعاملها بحنان ورفق. عقدت حاجبيها، فبما تفكر هي الآن؟ وجدت نفسها تترك مكانها تبتسم بتوتر، وخطت بقدميها صوب الباب لتخرج منه.
فتعجب من فعلتها وقال: –أنتِ راحة فين كده يا ليان. أبتلعت ليان لعابها قائلة: –هنزل تحت عشان تعرف تشوف شغلك. هنزل أقعد مع رهف وماما منى. لم تزد كلمة أخرى فخرجت قبل أن تخذلها قدماها، وتخر ساقطة من وابل تلك الابتسامات التي يمطرها بها. خرجت من الغرفة كالمغيبة، فالرجل الذي كانت تتمنى اختفاءه من حياتها، أصبح يشغل قلبها وعقلها. ما ذلك الوخز الذي تشعر به في قلبها؟
ذلك الوخز المؤلم ولكن تشعر بلذة بسببه. تلك اللذة التي لم تشعر بها عندما كانت تظن أنها تحب ماجد. هل قالت تظن؟ هل ما شعرت به لماجد لم يكن حبًا؟ فربما كان إعجابًا فقط لأنها تعرفه منذ زمن بعيد. تلك الحقيقة كشفت لها أنها وقعت بذلك الفخ الجميل وهو حب رفيق، أو إذا صح القول حب… زوجها.
هبطت الدرج وهي سارحة بأحلامها، ولكنها تذكرت أنها لا ترتدي حجابها، وربما مالك جالسًا برفقة والدته وشقيقته. فعادت أدراجها ثانية وهي تهرول على الدرج. فقبل أن تدير مقبض الباب، وجدت رفيق يفتح الباب وهو يحمل حجابها، فنظر إليها بغضب: –أنتي نزلتي إزاي من غير حجاب. ردت ليان قائلة: –ملحقتش أنزل لتحت وأفتكرته ورجعت أخده.
أخذته منه ووقفت أمام المرآة، لتضبط وضعه على رأسها، ولكنها وجدت به يقف خلفها. فشعرت بالارتباك أكثر، فحاولت أن تنتهي سريعًا وتخرج من الغرفة. ولكن بمجرد استدارتها للخلف، وجدت نفسها تقع أسيرة ذراعيه، فهو يبدو عليه الاستمتاع بتوترها، ولا ينوي إطلاق سراحها. فحاولت دفعه عنها برفق وهي تقول: –رفيق في إيه أبعد شوية. أطلق رفيق نهدة عميقة وهو يقول:
–هي فترة الخطوبة دي هتطول كتير دا مش عدل أبدا أبقى شايفك قدام عيني ومش قادر أقرب منك دا إيه العذاب ده. أرتاحت يداها على صدره، فنظرت بداخل عيناه وهي تقول: –كل شيء في أوانه جميل يا رفيق. –طب أوانه ده هييجي أمتى شكل كده انتظاري هيطول. قالها رفيق بتذمر، فتبسمت هي على قوله، فهو يبدو أنه وصل لحافة صبره. أرادت منحه مكافأة صغيرة، فأقتربت منه وقبلت وجنته وقالت: –طب خليك شطور بقى وأصبر شوية كمان.
أرادت أن تمزح معه، ولكنها لا تعلم أن بفعلتها تلك، قد ساهمت بإشعال النيران بقلبه. فهو يرى أنه قد طال انتظاره لها، وهو من كان دائمًا يتحلى بالقدرة على الصبر والصمود. ولكن معها هي فالأمر يحتاج لقوة مضاعفة من الصبر، الذي ينفذ سريعًا إذا وقعت عيناه عليها وخاصة خضراواتيها. ***
ذات ليلة أخذ أكمل قراره، فهو سيتحدث معها، لعله يصل إلى حل، يرضي جميع الأطراف. فهو لن يستمر معها هكذا، فيكفي ما يحدث منها لهذا الحد. فهي تحزم أمتعتها الآن، لترحل إلى إحدى تلك البلاد، التي تقضي بها أوقاتها باستمتاع، غير مبالية به أو بطفلتها الصغيرة التي هي بحاجة إليها. فناداها أكمل بحزم قائلاً: –شهيرة أنا عايز أتكلم معاكي ضروري. ردت شهيرة بعدم اكتراث وهي تضع ثيابها بالحقيبة:
–ها خير في إيه أكمل قول بسرعة عشان مش عايزة أتأخر. وضع أكمل يديه بجيبه قائلاً ببرود: –إحنا لازم ننفصل مش هنكمل حياتنا كده يا شهيرة كفاية لحد كده كل واحد يروح لحاله. تركت شهيرة ما بيدها والتفتت له قائلة بإستنكار: –إيه ننفصل بتقول إيه حضرتك. حاول أكمل أن يتحدث بهدوء، لعلها تقتنع بصحة قراره:
–طالما مش مرتاحين مع بعض يبقى كل واحد يشوف حياته جايز تقابلي واحد أحسن مني وتعيشي مبسوطة معاه طالما لا قادرة تحبيني ولا حتى تحبي بنتك وأوعدك إن أنا وكنزى مش هنكون عقبة في طريقك. ألتوى ثغرها وتبسمت بسخرية وهي تعقد ذراعيها فردت قائلة: –قول كده بقى أنت عينك زاغت على واحدة تانية ما تقول خايف ليه. –أيوه يا شهيرة أنا بحب واحدة تانية وخلاص زهقت من حياتنا دي فنطلق أحسن مش هفضل عمري كله عايش العيشة دي.
قال أكمل حديثه دفعة واحدة، بدون أن يحاول التقاط أنفاسه. فنظرت إليه بعيون جاحظة، فهي لم تتخيل أن يتفوه بتلك الكلمة بهذه البساطة. ولكنها لن ترتضي بما يقول، بل ستجعله يدفع الثمن غالياً بأن عيناه رأت امرأة أخرى، ستذيقه ويلاتها وستجعله يخر عند قدميها طالبًا الصفح مما سيحدث له. فدفعته بصدره وهي تصرخ بوجهه: –أنت بتحب واحدة تانية والله لأندمك يا أكمل هخليك تقول يا ريت اللي جرى ما كان ومن دلوقتي مش هتشوفني أنا ولا بنتك. أتسعت
مقلتيه وهو يقول برفض: –لاء كنزى لاء. كزت على أنيابها بغيظ عظيم قائلة: –أنا هخليك تعيش بحسرتك على بنتك. أسرعت بالخروج من الغرفة، بل أغلقت الباب بالمفتاح حتى لا يستطيع اللحاق بها. فظل أكمل يطرق الباب وهو يصرخ بصوت عالٍ: –شهيرة افتحي الباب ملكيش دعوة بكنزى شهيرة حد يفتح الباب.
استمعت الخادمة لصوت صياحه القادم من غرفة النوم الكبيرة، فأسرعت بفتح الباب، فركض خارجًا من الغرفة، فبذات الوقت، كانت شهيرة سحبت ابنتها من يدها بعنف واستقلت سيارتها وخرجت من المنزل. أخذ سيارته ليلحق بها، كان يحاول إيقافها عما تفعل إلا أنها لم تعير ما يفعله اهتمامًا. فأقترب بسيارته من سيارتها وهو يناديها برجاء: –شهيرة اعقلي وبطلي جنان نزلي كنزى وقفي العربية بقولك. نظرت له شهيرة قائلة بحقد: –بل أنها صرخت بوجهها وهي تقول:
–اخرسي بطلي صراخ اسكتي أنتي فاهمة. صرخت كنزى وهي تنادي أباها: –بابي الحقني ااااه. كلما حاول أكمل أن يصل بسيارته إليها، تزيد من سرعة قيادة السيارة. حتى شعر أنها ستطير بالسيارة. فحاول إتباع اللين معها وهو يرجوها أن تهدأ من سرعة قيادة السيارة: –شهيرة اهدى ووقفي العربية شهيرة اسمعيني بس أنتي كده هتأذي نفسك أنتي وكنزى.
لم تستمع لتحذيره، بل أنها تجاوزته بالسيارة وهي تضغط على المكابح بقوة، إلا أنها لم تستطع التحكم بها، فأطلقت صرخة رعب مدوية، وهي ترى تلك الشاحنة التي كانت أضواءها تعمي أبصارها. صوت صرخات قوية، شقت سكون الليل بهذا الطريق، قبل أن تصطدم بهما الشاحنة، تحدث انقلابًا سريعًا في السيارتين. ألسنة لهب ودخان وأجساد مغطاة بالدماء وسيارات تحولت إلى حطام.
حاول أن يفتح عينيه ليعود ويغلقهما بصعوبة، تتنازع روحه على البقاء واعيًا يهمس باسم طفلته، وهو يراها ملقاة على وجهها والدماء تغطي جسدها. ففرت دمعة من عينيه قبل أن يغلقهما وينسحب إلى تلك الهوة السوداء لا يرى بها شيئًا سوى ظلام دامس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!