الفصل 1 | من 12 فصل

رواية في هويد الليل الفصل الأول 1 - بقلم لولا

المشاهدات
24
كلمة
5,268
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

في هويد الليل الفصل الأول قبل خمسة وثلاثين سنة.

على سطح أحد المنازل الريفية البسيطة في واحدة من قرى الريف المصري العريق. وفي ليلة ربيعية هادئة، حيث السماء صافية والقمر ينير عتمة الليل، ورائحة طين الأرض المروية بعرق رجالها تعبق المكان وتجعل له رائحة مميزة. وصوت صرصور الحقل المميز هو فقط المسموع في تلك المنطقة. ولكن هناك صوت آخر أضاف سحراً آخر للمكان، وهي أنغام موسيقى عمر خيرت المميزة، والتي تبدد سكون الليل، مبعثة من المذياع الصغير والقديم الذي يمتلكه.

يجلس على كنبة قديمة من الخشب تسمي "الكنب البلدي"، ينظر إلى السماء ذات النجوم اللامعة في الفضاء الفسيح، ويدعو الله في داخله أن يكلل نتيجة تعبه واجتهاده على خير. فغداً موعد ظهور نتيجة الجامعة.

"يارب اكرمني وانجح بمجموع زي كل سنة. يارب أنت عارف أنا تعبت وشقيت قد إيه. يارب أنا عايز أنجح مش بس علشاني، ده علشان خاطر أبويا الراجل الغلبان الشقيان اللي نفسه يفرح بأبنه وهو بيتخرج ومعاه شهادة الهندسة. نفسي أحقق له حلمه اللي عاش يحلم بيه طول عمره ويشوف ابنه الوحيد مهندس قد الدنيا زي ما بيقول. علشان يستريح بقى وأشيل عنه الحمل."

وهنا صدح صوت مغنيه المفضل يشدو بأقرب أغنية لقلبه وقلب صديقه وتؤام روحه، والتي يحفظانها عن ظهر قلب. أخذ نفساً عميقاً من الهواء العليل حوله، يمليء به رئتيه، ثم نهض من جلسته وسار حتى سور السطح، ينظر للأراضي الزراعية والبيوت الريفية القديمة المحيطة به من كل جانب. وقف مستنداً بيديه على سور السطح، مغمض العين ولسانه يردد كلمات الأغنية بإيقاعها المميز. "في هويد الليل ولاقيتك ما اعرف جيتني ولا جيتك ما اعرف غير إني لقيت روحي

ونجيت من همي ونجيتك" ومع إعادة كلمات الكوبليه مرة أخرى، كان يفتح عينيه وينظر إلى يمينه، حيث المنزل المجاور له، عندما سمع صوتاً قادماً منه. تحرك بخطوات بطيئة يسترق النظر نحو المنزل الخالي من السكان. ولكنه وقف مبهوتاً مكانه، وعيونه مفتوحة على وسعها، تكاد تخرج من محجرها، عندما أبصر تلك الحورية الجميلة تقف على سطح منزلها مثله.

كانت جميلة، بل ساحرة، بشعرها الأسود الطويل المنسدل على ظهرها، ونسمات الريح تغازله برقة، فيعانق وجنتيها بنعومة شديدة، تحجب عنه رؤية ملامح وجهها الجميل. وقفت على سطح منزلها تستمتع بنسمات الليل الجميلة. هي تفرد ذراعيها في الهواء، مغمضة العين، وكأنها تريد أن تطير وتحلق في الفضاء الفسيح من حولها. اقترب أكثر من سور السطح، ينظر إليها من علو سطح منزله، أعلى من سطح منزلها، مما أتاح له رؤيتها بحرية دون أن تراه.

سمع صوتاً يأتي من خلفه، فأدار رأسه يلقي نظرة سريعة نحو مصدر الصوت، الذي لم يكن سوى صوت رفرفة بعض الحمام القابع داخل غية الحمام خاصته. أعاد نظره مرة أخرى ناحيتها، ولكنه لم يجدها، وكأنها تبخرت في الهواء. دقق النظر جيداً، حتى أنه مال بجسده إلى الأمام، حتى خرج نصف جسده من سور السطح، تكاد عيناه تخترق سطح منزلها، ولكنه لم يجد لها أثراً. استقام في وقفته وأخذ يحك مؤخرة رأسه، هاتفاً بتوجس: "هو أنا بخرف ولا بيتهيألي ولا إيه؟

ولا تكونش دي النداهة اللي بيقولوا عليها؟ بس دي كانت واقفة قدامي حقيقة مش خيال. لأ خيال. أيوه. البيت ده بقاله فترة فاضي مافيهوش حد وما سمعناش إن في حد أجره." نفض رأسه سريعاً، محدثاً نفسه بتقرير: "ده أكيد من القلق والتوتر علشان النتيجة بكرة. أنا هنزل أتوّضى وأصلي ركعتين وأنام أحسن بدل القلق ده علشان اليوم يخلص."

ألقى نظرة سريعة نحو سطح منزلها المظلم، وخطي عائداً إلى بيته في الطابق الأرضي، وعقله مع تلك الحورية التي ظهرت له من العدم. *** في صباح اليوم التالي. كانت أصوات الزغاريد تملأ سرايا "آل مهران"، احتفالاً وابتهاجاً بنجاح الإبن الأصغر لـ "ليل مهران"، أحد أكابر البلدة.

ربت "ليل مهران" على كتف ابنه "جواد" وهو يضمه داخل صدره بحنان، لطالما كان يشعر ناحيته بعاطفة كبيرة، ويميزه عن شقيقه الأكبر بسبب حرمانه من والدته التي وافتها المنية وهي تضعه، فحرم من حنانها من قبل أن يعرفها. "ألف مبروك يا جواد، طول عمرك رافع راسي ومشرفني قدام الدنيا بحالها." بادله "جواد" الحضن بأقوى منه، ثم طبع قبلة تقدير واعتزاز على رأس وكف والده:

"ربنا يبارك في عمرك يا حج ويخليك لينا، الفضل لحضرتك بعد ربنا. ربنا يحفظك من كل شر يا أسد أبوك." ثم توجه ناحية "فارس"، صديق ابنه، والذي يعد بمثابة ابن آخر له، وضمه في عناق أبوي مباركاً له هو الآخر: "ألف مبروك يا فارس يا حبيبي، فرحتني وفرحت أبوك الراجل الطيب بنجاحك وتفوقك زي عوايدك." أحنى "فارس" رأسه وطبع قبلة تقدير واحترام على يد الحج "ليل مهران"، الرجل المهيب الذي يعيشون ويعملون في كنفه، ويعاملهم كأنهم عائلته:

"الله يبارك في حضرتك يا حج، ربنا يقدرني وأكون عند حسن ظنكم دايماً." ربت "عم حسين"، الرجل الكبير، على كتف والده بفخر واعتزاز بنجاح فلذة كبده: "طول عمرك رافع راسي يا فارس يا ابني، ربنا يفرحك ويسعدك زي ما فرحت قلبي يا رب." "اللي أنا فيه ده من خيرك وتعبك يا حج"، قالها "فارس" وهو يقبل رأس والده تقديراً واعتزازاً به. هتف الحج "ليل" بسعادة: "النهاردة بقى بمناسبة نجاحكم انتوا الاتنين هعمل لكم ليلة تتحاكي بيها الناحية كلها."

ثم رفع صوته منادياً على ولده البكر وذراعه الأيمن "جودت"، الواقف بعيداً عنهم يتابع ما يحدث بصمت غريب. "يا جودت... تعالي واقف بعيد ليه؟ اقترب "جودت" سريعاً منهم، راسماً ابتسامة عريضة على وجهه: "أؤمر يا حج." تابع الحج "ليل" كلامه آمراً:

"عاوزك تطلع ع المزرعة وتدبح عشر عجول وعشر خرفان وتشرف على دبحهم وتوزيعهم بنفسك. عاوز كل واحد في البلد النهاردة ياكل لحمة. النهاردة ولو مكفوش ادبح تاني، ما يهمكش. ده النهاردة ليلة عيد، دي ليلة نجاح جواد مهران وفارس المصري على سن ورمح." صاح "جودت" مهللاً: "طبعاً يا حج، ما تشيلش هم أنت وكل طلباتك مقضية إن شاء الله. بالآذن أنا بقى علشان ألحق وقتي." ثم اقترب من شقيقه معانقاً إياه: "ألف مبروك مرة تانية يا أخويا."

بادله "جواد" العناق بمحبة صادقة، رابطاً على ظهره بقوة: "الله يبارك فيك يا جودت، ربنا يخليك ليا. سلام عليكم." قالها "جودت" مودعاً إياهم، وما إن استدار عنهم حتى تبدلت ملامحه وتغضنت بعلامات الغل والكره. اقترب "فارس" من "جواد" هامساً بصوت منخفض حتى لا يصل إلى والده ووالد "جواد" المنشغلين بالحديث معاً: "ها هتعمل إيه، ناوي تفاتح أبوك في موضوع دانيلا إمتى؟ أجابه "جواد" بنفس الهمس:

"النهاردة إن شاء الله قبل العشاء الكبير اللي عامله. بس الأول قولي إيه الموضوع اللي كنت عاوز تحكيلي عليه." سأله "فارس" بعدم فهم: "موضوع إيه؟ "الموضوع اللي قلت لي حصل معاك إمبارح." "آه. تعالي هحكيلك." *** داخل مزرعة آل مهران. تعالى صوت "جودت" منادياً على أحد العاملين، وهو يكون ذراعه الأيمن في المزرعة: "عوض.. يا عوض.. أنت يا زفت يا عوض! أتى الرجل مهرولاً يعدل ثيابه، متحدثاً بلهث: "أيوة يا جودت بيه تحت أمرك." صاح "جودت"

بعصبية شديدة: "كنت مختفي فين، عمال أنده عليك من بدري." أجابه "عوض" متلعثماً: "ككك... كنت في بيت الراحة جنابك." نظر له "جودت" نظرة حادة صارمة جعلت من "عوض" يشيح بنظره عنه، متحدثاً بتحذير شديد:

"لآخر مرة بقولها لك يا عوض، لو ما بطلتش شغل التلزيق والنحنحة أنت والبت اللي ماشي معاها دي، قسمًا بالله لأكون قاطع عيشكم انتوا الاتنين من هنا ومن البلد كلها ومش هتلاقي حد يشغلك. عاوز توسخ يبقى بعيد عن الشغل وعن المزرعة كلها، أنت فاهم! هز "عوض" رأسه سريعاً موافقاً على حديثه، خائفاً من بطشه، فهو يعرف "جودت" جيداً، إنسان فظ غليظ، لم ولن يتهاون في الخطأ حتى مع أقرب الناس إليه، فهو كما يقول المثل ليس له عزيز أو غالي.

"فاهم يا جودت باشا، مش هيتكرر تاني! تحدث "جودت" بصرامة محافظاً على ملامحه الجامدة: "المهم دلوقتي، طلع خمس عجول وخمس خرفان يتدبحوا ويتوزع منهم أربع خرفان وأربع عجول على أهل البلد، والخروف والعجل اللي باقي وديهم البيت علشان يتطبخوا علشان العشاء بتاع بالليل." أومأ "عوض" بطاعة: "أوامرك جنابك." ثم تابع "جودت" محذراً: "وطبعاً عارف لو الحج سأل دبحت كام عجل وخروف، أنت عارف طبعاً هترد تقول إيه؟ هتف "عوض" بنبرة المتفاخر بنفسه:

"عيب عليك يا باشا ودي تفوت عليا برضك، الحج لو سأل هقوله عشر عجول وعشر خرفان. ماهو سعادتك طالما قلت ندبح خمسة يبقى النص على طول زي تملي. والخمسة الثانيين هاخاليهم على جنب وأبيعهم لسعادتك زي كل مرة." ربط "جودت" على كتفه باستحسان: "عفارم عليك يا عوض، بتفهمني من غير ما أقول، وده اللي مصبرني عليك." "خدامك يا جودت بيه." تحدث "جودت" ناهياً النقاش: "طب طير أنت خلص اللي طلبته منك وخلي بالك، مش عاوزين حد ياخد باله من حاجة."

"حمامة"، قالها "عوض" وهو يجري ينفذ أوامر "جودت"، الذي أخذ ينظر إلى أثره وهو يبتعد من أمامه، متحدثاً بكره: "عاوزني أطلع عشرين دبيحة من لحمي الحي علشان خاطر يفرح بالننوس بتاعه، مش كفاية مفضلة عني في كل حاجة وخالاه يكمل تعليمه وأنا لأ، كده بقى قسمة العدل العلام ليه والفلوس وكل حاجة ليا أنا." *** في المساء.

يقف "جواد" يمشط خصلات شعره السوداء ويرش عطره الآخاذ بغزارة على قميصه ناصع البياض. ألقى نظرة رضا أخيرة على مظهره قبل أن يفتح باب المرحاض الخاص به ويخرج منه "فارس" يجفف شعره بمنشفة صغيرة. هتف "جواد" مداعباً صديقه: "نعيمًا يا أبو الفوارس! "الله ينعم عليك يا سي جواد. أنا مش فاهم أنت ليه صممت إني ألبس معاك هنا، ما كنت لبست في بيتنا وجيت على الصوان بالليل مع أبويا."

هتف بها "فارس" متسائلاً وهو يلقي بالمنشفة من يده ويقف أمام المرآة يمشط خصلاته هو الآخر. اقترب منه "جواد" ولف ذراعه حول كتفه يجيبه: "أولاً علشان تكون معايا وأنا بكلم أبويا في موضوع دانيلا. ثانيًا بقى علشان خايف عليك من جنية السطح لا تظهر لك من تاني وتندهك زي النداهة، وتبقى زي أبو النوارس المجذوب اللي ندهته النداهة." تأوه "جواد" إثر لكمة "فارس" له:

"تصدق أنا غلطان أصلاً إني حكيت لك. ويلا غور انزل قول لأبوك على جوازك من دانيلا واللي إن شاء الله مش هيوافق، وأنت ساعتها اللي هتبقى مجذوب دانيلا! "فال الله ولا فالك. أنا أبويا مش بيرفض لي طلب وانت عارف. بس بطل قرك الدكر ده وكله هيبقي تمام. أنا هسبقك على تحت وانت خلص وحصلني." قالها "جواد" وغادر غرفته، تاركاً "فارس" خلفه يفكر في حورية السطح. "بس أنا متأكد إنها حقيقة مش خيال. قلبي بيقولي كده وأنا قلبي عمره ما كذب عليا."

*** دلف "جواد" إلى غرفة مكتب والده بعد أن سمح له بالدخول: "تعالي يا جواد يا حبيبي. النهاردة عامل لك ليلة تتحاكى وتتحاكي بيها البلد لسنين قدام. عقبال ما أعمل يوم جوازك. نادراً عليا لأعمل لك فرح سبع ليالي، فرح ما اتعملش لحد قبل كده ولا هيتعمل." قبل "جواد" يد والده: "ربنا يخليك لينا يا حج ويطول لنا في عمرك. ومادام حضرتك فتحت الكلام، فده يشجعني إني أقولك على اللي أنا عاوزه." تساءل والده بحيرة: "خير يا جواد، عاوز إيه؟

تنحنح "جواد" يجلي حنجرته: "بصراحة يا حج أنا بحب واحدة زميلتي وعايز أتجوزها." تهللت أسارير والده هاتفاً بفرحة حقيقية: "بجد يا جواد؟ ده يوم المنى يا ابني. قولي مين هي وأهلها مين، وأنا أروح أخطبها لك على طول." "جواد" بسعادة:

"دي واحدة زميلتي في الجامعة اسمها دانيلا، بس هي مش مصرية. أبوها وأمها إيطاليين بس عايشين في مصر من زمان. أبوها الله يرحمه كان شغال هنا في مصر واتوفى من خمس سنين، وبعد وفاته مامتها رفضت ترجع إيطاليا لأهلها وفضلوا يعيشوا هنا." "طب تمام، الموضوع مقضي بعون الله. أنت كلمها وحدد معاد مع والدتها، وإن شاء الله نروح لهم على طول." هتف "جواد" بنبرة مترددة: "بس في حاجة صغيرة." "حاجة إيه؟ " هتف بها "ليل مهران" متوجساً. "جواد"

بنبرة مترددة: "هي.. هي دانيلا مسيحية مش مسلمة." وهنا اقتحم الغرفة "جودت" بملامح متصلبة بعدما استمع لحديثهم من أوله، هاتفاً برفض قاطع: "انت اتجننت يا جواد، عاوز تتجوز واحدة مش من دينك! مش كفاية إنك بتفكر في الجواز وأنت لسه متخرج يا دوبك من ساعتين من غير حتى ما تستنى إنك تشتغل وتبني نفسك، ولا أنت عاوز تاخد كل حاجة على الجاهز وخلاص من غير ما تتعب وتشقى. بس هقول إيه، ما أنت متعود على كده طول عمرك تاخد من غير ما تدي."

"جودت! " صاح بها الأب بنبرة قوية حاسمة. "إيه يا حج؟ هتغلطني في دي كمان! هتف الأب مجيباً إياه: "أيوه هغلطك علشان أنت طول عمرك متسرع ومش بتفكر. ده غير إنك رديت على أخوك وقلت رأيك من غير ما ترجع لي ولا حتى تستنى إني أقول رأيي! هتف "جودت" بنبرة خانعة: "يا حج أنا مقصدش، أنا بس معجبنيش كلامه." هتف "ليل" بصرامة: "هقولها لك تاني علشان أهوج ومتسرع." ثم حول نظراته ناحية "جواد" المنكس رأسه بحزن:

"جواد، زي ما قلت لك كلم أهلها وحدد معاهم معاد، وأنا موافق من حيث المبدأ، وموافقتي النهائية هتكون بعد ما نروح نزورهم في بيتهم إن شاء الله." هتف "جودت" معترضاً: "موافق يا حج إنه يتجوز واحدة مش من دينه! رد الأب منهياً النقاش مع ابنه: "أخوك مش بيطلب حاجة حرام، وإحنا ما لناش سلطان على قلوبنا. وإحنا في ديننا ده مش حرام، وكلها أديان ربنا. ولو كان ده غلط مكانش ربنا أجازه وشرعه. المهم أهلها هما اللي يوافقوا."

ثم فتح أحد أدراج مكتبه وأخرج منها ورقة مطوية ومفتاح وقدمهما لجواد: "خد يا جواد، ده عقد ومفتاح مكتبك الهندسي بتاعك هدية نجاحك، علشان تقدر تفتح بيت وتتجوز زي ما أخوك قال. مش كده يا جودت؟ "كده يا حج." قالها "جودت" من بين أسنانه وهو يرى "جواد" دائماً ما ينتصر عليه. "ربنا يخليك ليا يا حج وما يحرمني منك أبداً." قالها "جواد" وهو ينحني يقبل رأس ويد والده تحت نظرات "جودت" الحانقة. ***

"يلا يا ليلي يا بنتي هنتاخر على الناس." هتف بها "المصري أفندي" والد "ليلي" والمهندس الزراعي الجديد في أرض آل مهران. خرجت "ليلي" من غرفتها بعد أن ألقت نظرة أخيرة على مظهرها: "أنا جاهزة أهو يا بابا خلاص خلصت. بس أنا هاجي معاك أعمل إيه وأنا معرفش أي حد هناك؟ أجابها والدها وهو يحثها على السير معه خارج المنزل:

"أهل البلد كلهم هناك وأنت هتبقي في السرايا من جوه مع ستات البلد وبناتها. وأهو تتعرفي عليهم، وأكيد هتلاقي اللي في سنك وتصاحبيهم، وممكن يكون منهم معاكي في المدرسة الثانوي هنا إن شاء الله."

كانت ساحة قصر آل مهران وحديقته تعج بالرجال من كل حدب وصوب من أهل البلد والبلاد المجاورة. ووقف الحج "ليل مهران" وأولاده في استقبال الضيوف. إلى جانب الشادر المقام في مأدبة كبيرة لتناول الطعام والذبائح التي تم ذبحها من أجل الاحتفال. وعلى الجانب الآخر من الشادر يوجد المسرح التي تم نصبه لصعود الفرقة الموسيقية وبعض المنشدين لإحياء تلك الليلة المميزة.

وصل "المصري أفندي" وابنته إلى قصر آل مهران، فأخذها إلى الباب الخلفي من ناحية المطبخ وأوصلها إليه، فهو لا يأمن تركها وحدها في مكان لا تعرف فيه أحد. نادى على سيدة تدعى "نبوية" تعمل في القصر وقد التقى بها هنا في وقت سابق. "يا ست نبوية.. ست نبوية! التفتت السيدة إليه وهي تحمل في يدها صينية كبيرة مملوءة بكاسات الشربات استعداداً لتقديمها للحضور. "أيوة يا سي مصري تحت أمرك يا خويا." خاطبها "المصري" بود: "تسلمي يا ست نبوية."

ثم أشار إلى ابنته الواقفة بجانبه: "بعد إذنك دي ليلي بنتي، ممكن تخليها تدخل عند الحريم جوه وتخلي بالك منها، أصلها متعرفش حد هنا خالص." أجابته السيدة بترحاب شديد: "يا سلام من عينيه الاتنين، هشيلها في عينيّه." ثم نظرت إلى "ليلي" تلك الشابة الجميلة الخجولة: "اللهم صلي على النبي، إيه الحلاوة والجمال ده كله، ربنا يحفظك من العين يا حبيبتي. تعالي معايا جوه هتتبسطي أوي، وفي بنات حلوين من سنك جوه." ثم التفتت تخاطب والدها:

"روح أنت يا سي مصري عند الرجالة وما تقلقش عليها." تركهم ورحل وصوت ثرثرة الست نبوية من خلفه. "ألا قوليلي يا حلوة، أنت عندك كام سنة؟ "أنا عندي 17 سنة وفي تالتة ثانوي السنة دي." *** مر وقت ليس بالقليل قضته "ليلي" مع ثرثرة الست نبوية، والتي حكت لها عن بيت آل مهران وكل بيت في البلد. همت "نبوية" تحمل إحدى الصواني المملوءة بالفاكهة، وسألتها "ليلي" في حملها: "عاوزة مني حاجة تانية يا خالتي؟

"لا يا روح خالتك، بس زي ما قلت لك، على بال ما أطلع صينية الفاكهة دي بارة تكوني رحتي اسطبل الخيل، شفتي الخيل ورجعتي على طول. سمعاني! "حاضر يا خالتي مش هتأخر." قالتها "ليلي" وهي تخرج في اتجاه اسطبل الخيل. وما إن ابتعدت بضعة خطوات حتى اصطدمت بحائط بشري كان عائد من نفس الطريق. "أنت عامية مش تفتحي وأنت ماشية! " قالها "جودت" بعصبية عندما اصطدم به أحدهم.

شعرت "ليلي" بالإحراج عندما اصطدمت به، وكانت سوف تعتذر منه، ولكن عندما استمعت لقلة تهذيبه، قررت أن تلقنه درساً رداً على سخافته. رفعت رأسها ونظرت له هاتفاً بعصبية: "أما إنك صحيح واحد مش محترم، ده بدل ما تعتذر علشان أنت اللي جاي في وشي وكان ممكن كمان تبعد عن طريقي، لكن بدل ده كله بتقل أدبك عليا. عموماً، أنا كان في نيتي أعتذر لك، لكن مدام طلعت قليل الأدب يبقى ما تستاهلش اعتذاري."

وتحركت من جانبه مغادرة دون أن تتفوه بحرف آخر. أما "جودت" فكان يريد أي شيء يخرج به ضيقه وغضبه من والده وشقيقه، وها قد وجده. عندما اصطدم بأحدهم، وما إن هم أن يتحدث حتى تخشب موضعه وتصلبت حواسه عندما طالعت عيناه تلك الحورية الشرسة التي أخذت تكيل له وتنهره بدلاً من أن تعتذر له، حتى أنه وقف صامتاً عاجزاً عن الكلام أمام حضورها الطاغي. وما إن تحركت من جانبه حتى خرج من صدمته ووجد نفسه يمد يده ويجذبها من ذراعها هاتفاً بافتتان:

"مش نتعرف يا قطة، ولا أنت عاوزة تخبطيني وتمشي كده من غير أحم ولا دستور؟ شعرت "ليلي" بيده يجذبها من ذراعها، فلم تشعر بنفسها وهي تستدير له بحركة سريعة جعلت من خصلاتها السوداء تتطاير من حولها بشكل خاطف للأنفاس، جعلت الواقف أمامها يخر صريعاً لهواها. ويدها الحرة صفعته على خده بقوة أجفلته هاتفاً فيه بصراخ: "إيدك بدل ما أقطعها لك يا سافل يا حقير." ثم دفعته في صدره بكلتا يديها واستدارت تجري مهرولة ناحية الاسطبل.

وقف "جودت" مكانه واضعاً يده مكان صفعتها وعينيه تتابع ركضها وشعرها الأسود الطويل يتطاير من خلفها كالمهره العربية الأصيلة. فاق من جموده على يد تضع على كتفه وصوت أنثوي يعرفه جيداً يقول: "تعيش وتاخد غيرها يا سي جودت. إيه البت علمت عليك ولا إيه يا باشا؟ هتف "جودت" بتيه وعينيه مثبتة على مكان اختفائها: "مين دي يا نعيمة.. تعرفيها؟ أجابته "نعيمة" بغيظ وهي تلوك العلكة في فمها وتصدر بها صوتاً مسموعاً منفراً:

"أنا معرفهاش، بس شوفتها وهي قاعدة جوه في المطبخ مع نبوية وسمعت إنها بنت مهندس الزراعة الجديد واسمها ليلي." ردد اسمها بخفوت وكأنه يتذوقه: "ليلي! هتفت "نعيمة" بسخط وغيره: "بس وأنت مالك بيها، ولا هي عجبتك علشان صدتك؟ لا خد بالك أنا زي الفريك ما أحبش شريك." التفتت لها "جودت" وقد استعاد نفسه من جديد هاتفاً بنبرة لعوب: "وأنا برضه ليا غيرك يا جميل، بلف ولف وأرجع لك من تاني، أنتِ الأصل يا بت."

"أيوة يا خويا اضحك على عقلي بكلامك الحلو ده." "أنا أقدر برضك. المهم الليلة بعد ما المولد ده يتفض ابقي استنيني في أوضتك، عاوزك عروسة الليلة." "تؤمر يا سيد الناس." قالتها "نعيمة" وهي تقترب بجسدها من جسده بطريقة مثيرة. "تعجبيني.. يالا بقى زوقي عجلك." قالها "جودت" ثم عاجلها بضربه وقحة على مؤخرتها، وقد نجح في صرف تفكيرها عن "ليلي" التي أصبحت شغله الشاغل الآن. *** نهض "فارس" من جلسته بصورة مفاجئة لفتت نظر "جواد"

الذي سأله بقلق: "في إيه يا فارس إيه اللي قومك كده مرة واحدة؟ أجابه "فارس" بهدوء ينافي وجيب قلبه المرتفع: "أبداً، عاوز أروح أشوف أدهم." هتف "جواد" يؤنبه: "وده وقت أدهم بذمتك؟ ده المنشد ده خلص خلاص والمغني وفرقته طالعين دلوقتي، هتسيب ده كله علشان تروح تشوف سي أدهم الحصان! "على طول مش هتأخر، دقايق هطمن عليه وأجي لك على طول." ورحل دون انتظار رد صديقه، فهناك شعور غريب يشعر به مرتبط بحصانه أدهم. ***

دلفت "ليلي" إلى داخل اسطبل الخيل وأخذت تشاهد الخيل بمتعة، حتى لفت نظرها فرس أسود جميل يضاهي سواده سواد الليل، يقف بشموخ وعظمة تليق به، وغرته السوداء الطويلة تستريح على جبهته بدلال. اقتربت منه مشدوهة بجماله وسحره، وكان هو الفرس الوحيد الطليق خارج الحظيرة، ولكنه مربوط من قدمه الخلفية. اقتربت حتى وقفت أمامه، وما إن رفعت يديها حتى تملس على رأسه حتى صهل عالياً ووقف على قدميه وكاد أن يركلها في صدرها، لولا الصوت الهادر

من خلفها بصوت جهوري: "أدهم! واليد الذي جذبتها من ذراعها في اللحظة الحاسمة وأخفتها داخل صدره. أخذت ترتجف داخل أحضانه حتى استكانت وغمرتها دفء أحضانه وصوت نبضات قلبه الهادرة تحت أذنها. خرجت من أحضانه، رفعت عينيها السوداء تطالع بها وجهه القريب منها، فاصطدمت بأمواج عاتية تموج داخل زرقة عينيه، والتي لا تزال لا تستوعب أن القابعة بين يديه حقيقة وليست خيال. إنها هي حورية السطح! همس بتيه وعينيه تجوب على كل شبر في وجهها الجميل:

"حورية! أجابته بهمس مماثل: "ليلي.. اسمي ليلي." وهنا تعانقت النظرات وتآلفت القلوب، وعلى أصوات نبضات القلوب سطرت أول سطر من قصة عشق "الفارس والحورية"! وصدح الصوت عالياً من بعيد يردد أغنيته المفضلة، والتي اكتشف أنها أصبحت تمثل قدره. "في هويد الليل ولقيتك ما اعرف جيتني ولا جيتك ما اعرف غير إني لقيت روحي ونجيت من همي ونجيتك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...