وصلت ليلي إلى تلك البقعة الخضراء الساحرة ذات أشجار النخل العالية والبعيدة نسبياً عن قلب القرية وعن الأعين المتلصصة، فهذا أصبح مكانها السري هي وفارس يلتقيان به بعيداً عن الأعين حتى لا يصيبها لسانهم الحاد إذا عرفوا بعلاقاتهم.
دقائق واستمعت لصوت صهيل أدهم، التفتت للخلف تنظر إلى فارس وهو يمتطي جواده، فعلاً اسم على مسمى فهو فارس بكل ما تحمله الكلمة من معنى. اتسعت ابتسامتها ورفرف قلبها بسعادة عندما اقترب منها يطالعها بنظرة عينه التي تنطق عشقاً. "وحشتيني." هتف بها فارس بمشاعر صادقة وهو يقف على بعد بضع خطوات منها وعينيه تقبل كل شبر بها.
أطرقت ليلي رأسها أرضاً ووجنتيها تتزين بحمرة الخجل التي أعطتها مظهراً ساحراً، هتفت بصوت هامس يكاد يكون مسموعاً ولكنه وصل لقلب فارسها مباشرة: "وأنت كمان وحشتني." أخذ فارس نفساً عميقاً يهدئ به من فوران مشاعره وحجمها بدلاً من أن يتهور ويجذبها إليه ويسحق عظامها في عناق قوي، مشتاق، حتى يسكنها بين ضلوعه للأبد. "قوليلي عاملة إيه في دراستك، بتذاكري كويس؟ ثم هتف بنبرة أكثر صرامة: "في حد بيتعرض لك أو بيضايقك في الرايحة والجاية؟
صمتت ليلي قليلاً وهي تتذكر تعرض جودت لها أكثر من مرة ومضايقته لها، ترددت كثيراً أن تخبره فهي تعرف بمدى العلاقة بينه وبين جواد وجودت، إلى جانب أنها تتصدي لكل محاولاته للحديث معها والتودد إليها، فهو لم يتعد حدوده معها أبداً، مجرد تلميحات سخيفة بإعجابه بها لا أكثر. فاقت من شرودها الذي طال غالباً على صوت فارس: "حورية.. سرحتي في إيه؟
"أبداً مفيش، وبعدين أنت مش هتبطل تقولي حورية، أنا اسمي ليلي على فكرة." قالتها بغنج غير مقصود وهي تعض على شفتيها خجلاً وتوتراً من نظراته وتزيح خصلاتها الناعمة خلف أذنها بأيدي مرتعشة. هتف فارس بنبرة عاشقة: "عارف إنك ليلي، بس ليلي ده لكل الناس، لكن بالنسبة لي أنا هتفضلي الحورية الجميلة اللي طلعت لي وسط سكون الليل وخطفتني مني، خطفت قلبي وروحي وخالتني عاشق للحورية.. حوريتي أنتِ."
ذابت ليلي في موج عينيه الساحر ونبرة صوته الرخيمة وملامح وجهه البهية، إنها تعشقه بل تهيم به عشقاً منذ أن رأته. هتفت بخجل تغير الحوار فهي لن تموت خجلاً كلما يحادثها بتلك الطريقة: "هو أنت نازل القاهرة إمتى؟ فاق من تلك الغيمة الوردية على سؤالها الذي أعاده للواقع، رفع يده ينظر في ساعته
يده ثم هتف يخبرها بتقرير: "يعني ساعة وهنتحرك عشان نلحق نوصل براحتنا، أنتي عارفة إن النهاردة خطوبة جواد ودانيلا أخيراً بعد ما قدر هو والحج ليل يقنعوا والدتها اللي كانت رافضة جوازهم.. بس استسلمت في الآخر لما لقيتهم متمسكين ببعض وشافت الحب الكبير اللي بينهم.. بس الحمد لله وافقت وربنا يتمم الموضوع على خير، عشان نفسي جواد يفرح بقى." "أنت بتحب جواد أوي؟ " كانت إجابة أكثر منها سؤال. أجابها
فارس بسرعة ودون تفكير: "طبعاً.. جواد ده أخويا وصاحبي وكل حاجة ليا في الدنيا، معرفش أعمل حاجة من غيره.. وهو كمان بيحبني زي ما بحبه وأكتر، إحنا من يوم ما وعينا على الدنيا وإحنا مع بعض ما افترقناش أبداً وإن شاء الله نفضل في ضهر بعض العمر كله." تشجعت وهتفت تسأله: "طب وجودت؟ تنهيدة عميقة خرجت من جوفه وأجابها
بعد فترة صمت قليلة: "أنا مش بكرهه، ومش بحبه.. عادي.. حاولت كتير أقرب منه بس كان على طول في حاجز بينا، هو شخصيته غيري أنا وجواد.. جودت للأسف نفسيته مش صافية ناحية أي حد، وده بينعكس على كل تصرفاته مع كل الناس.. وحتى إنه مش مكمل تعليمه دي مؤثرة عليه، ومخليه بيتعامل مع كل الناس بشكل مش كويس، مع إن هو السبب في إنه مكملش تعليمه، هو اللي لعبي ومش بتاع تعليم ولا مذاكرة، كل همه الشغل مع الحج ليل والفلوس وبس."
شعرت بالخوف من جودت وقد تأكد حديثها إنه شخص سيء، فهتفت بنبرة قلقة: "ربنا يكفينا شره." هتف فارس بنبرة لطيفة ولكنها حاسمة في نفس الوقت عملت
على تبديد أي خوف بداخلها: "مفيش داعي للخوف اللي أنا شايفة في عينك ده وحاسة في نبرة صوتك، جودت على قد كده مش مؤذي وحتى لو كان هو مالهوش دعوة بينا ده أولاً، وثانياً وده الأهم، عايزك تكوني متأكدة إني مش هسمح لأي حاجة تمسك أو تقرب منك طول ما أنا موجود.. أنا هعيش عمري كله عشانك وعشان أحميكي وأحافظ عليكي من نفسي قبل أي حاجة تانية. ويلا بقى عشان ما تتأخريش على البيت وأنا كمان عشان ألحق أجهز وأروح لجواد."
ثم تابع بنبرة عاشقة: "خالي بالك من نفسك وأنا مش هتأخر عليكي بالليل هكون رجعت بأمر الله." هتفت تجيبه بنبرة حالمة: "وأنت كمان خالي بالك من نفسك.. تروح وترجع لي بألف سلامة."
وقفوا لثوانٍ يتبادلون النظرات بشوق كبير وأعينهم تحكي كلام عجز اللسان عن النطق به. ثم تحركت من أمامه مغادرة تتهادى بخطواتها الرشيقة وعينه تودعها وتقبل كل شبر بها حتى ابتعدت لمسافة كافية، فامتطى جواده وسار به على مهل يتبعها من بعيد حتى لا يشك أحد بهم وفي نفس الوقت حتى يكون قريبًا منها إذا تعرض لها أحد، حتى وصلت إلى بيتها بأمان، فانطلق هو بجواده قاصداً منزل صديقه. ***
دلف جودت إلى غرفة جواد الذي خرج للتو من حمام غرفته ويستعد لارتداء ملابسه استعداداً للذهاب إلى عروسه في القاهرة. تحدث جواد وهو يخرج بدلته من الدولاب: "كويس يا جودت إنك جهزت، أنا خلاص بجهز أهو.. فارس وصل ولا لسه؟ أجابه جودت بعدم رضا: "لا بسلامته لسه موصلش، أنا مش فاهم لازمته إيه يعني سي فارس يجي معانا، ده مشوار عائلي، ولا أنا وأبويا مش كفاية ولا لازم فارس ابن الجنايني يكون معانا." تحدث جواد بعدم رضا وهو يعقد
رابطة عنقه أمام المرآة: "أنا مش فاهم أنت مش بتحب فارس ليه بس، مع إنه عمره ما عمل لك حاجة، وبعدين أنت عارف فارس بالنسبة لي إيه، فارس مش مجرد صاحبي وبس، فارس ده أخويا التاني." هدر
جودت بنبرة منفعلة عالية: "لا مش أخوك، أنا بس اللي أخوك.. وبعدين أوعى تكون فاكر إنه بيحبك زي ما هو بيقول، لااااااا ده على طول بيغير منك وبيحاول يقلدك في كل حاجة ومش عاوزك تكون أحسن منه. ده حتى صمم إنه يدخل هندسة زيك ونفس القسم بتاعك عشان يحط راسه براسك ويبقى ابن الجنايني زيه زيك." هتف جواد نافياً حديثه الغلوط مدافعاً
عن صديقه: "أنت بتقول إيه يا جودت، أولاً فارس مش كده، ولا دي شخصيته ولا طباعه.. فارس طول عمره صاحبي وعشرة عمري وأكتر من أخويا واللي بيني وبينه أكبر بكتير من إنه يتحط له وصف. وبعدين أنت ناسي إن مجموعه في الثانوية كان أكتر من مجموعي وكان ممكن يدخل طب لكن هو رفض ودخل هندسة معايا عشان نبقى مع بعض وفي نفس القسم كمان.. من الآخر كده يا جودت طلّع فارس من دماغك، لأن فارس صاحبي وعمري ما هفترق عنه."
تحدث جودت بنبرة غير مكترثة مخفياً خلفها حقده وغيرته من فارس: "يا عم أنا غلطان إني جبت سيرته أصلاً، أنا إذا كنت بتكلم وبقولك كده، فده عشان أنت أخويا وخايف عليك وشايف اللي أنت مش شايفه، وعموماً أنت براحتك بس ما تجيش أنت ولا أبوك الحج في الآخر تندموا وتقولوا ياريت اللي جرى ما كان وسمعنا كلامك يا جودت."
انفتح باب الغرفة فجأة وظهر من خلفه الحج ليل مهران بطلته المهيبة مرتدياً حلة سوداء فخمة ومعلقاً عباءته السوداء الفاخرة على منكبيه ومسبحته ذات حبات العقيق الأحمر تلمع بين أنامله. هتف والده موجهاً حديثه إلى جودت بعدما استمع إلى آخر جزء من حديثهم قبل دلوفه إليهم: "نندم على إيه بالظبط يا جودت؟ أجابه جودت بنفس النبرة اللئيمة: "أبداً يا حج أنا كنت بوعي جواد وبقوله يخالي باله من فارس وما يأمنلوش أوي." هز والده رأسه
بيأس من تفكير ابنه الكبير: "مفيش فايدة فيك يا جودت هتفضل طول عمرك كده، فاكر نفسك تعرف الكوفت وأنت مش فاهم حاجة. أنا لو شاكك بس بنسبة صفر في المية إن فارس ولد مش كويس هو ولا أبوه أنا كنت قطعت رجلهم من البلد كلها مش بس يبقى صاحي أخوك وأدخله بيتي.. بس هقول إيه رينا يهدي لك نفسك يا ابني.. أصل النفس أمارة بالسوق.. ربنا يكفيك شر نفسك."
احتقن وجه جودت بنيران حقده وغيرته من شقيقه وصاحبه وغيظه من تقريع والده الدائم له، ونظرته المقللة لشأنه دائمًا. ثم وجه نظره صوب ابنه، الأقرب إلى قلبه شبيه زوجته رحمها الله والتي كان يتمنى وجودها معه اليوم ولكن القدر له رأي آخر. هتف بعيون تملؤها العبرات فرحاً بابنه
وهو يربت على وجنته بمحبة: "ما شاء الله عليك يا جواد، طالع زي البدر في ليلته تمامه، ربنا يحفظك ويحميك يا ابني وييسر لك أمورك، وأفرح بيكم وأشيل عيالكم انتوا الاتنين قبل ما أموت." قبل فارس باطن كف والده الموضوعة على وجنته ورمى نفسه في أحضانه مقبلاً كتفه باعتزاز وتقدير: "ربنا يبارك لنا في عمرك يا حج وتفرح بينا وبولادنا." ثم نظر إلى جودت الواقف مكانه بجمود: "مش كده ولا إيه يا جودت؟ اقترب جودت بخطوات ثقيلة من والده مقبلاً
كتفه بفتور: "ربنا يطول لنا في عمرك ياحج." مد والدهم ذراعيه يحيط بها أكتاف أولاده هاتفاً بعاطفة أبوية صادقة: "ربنا يبارك لي فيكم ويهديكم ويصلح حالكم.. أنتوا الأمل اللي أنا عايش علشانه في الدنيا بعد موت أمكم الله يرحمها.. نفسي أفرح بيكم وبولادكم قبل ما أروح لها." ثم وجه حديثه إلى ابنه البكر صاحب الطباع الصعبة الذي يدعو الله في كل وقت أن يهديه وينزع الكره من قلبه
ويزرع فيه الخير والحنان: "بس فرحتي النهاردة كانت هتبقى أكتر بكتير لو كنت رايح أخطب لك أنتَ وجواد، أنت الكبير وأول فرحتي.. نفسي ربنا يهديك وتتجوز واحدة محترمة وبنت ناس تصونك وتصون بيتك وتخلف لك منها عيال يشيلوا اسمك بدل ما أنت مقضيها مع البنات الشمال كده." أطرق جواد رأسه ومسح خلف رأسه من تقريع والده، ثم نظر له وشبح
ابتسامة ارتسمت على شفتيه: "هيحصل يا حج وقريب إن شاء الله، بس أنت ادعي لي كده ربنا يقرب البعيد وقريب أوي هقولك ونروح نخطبها ومش بعيد نعمل فرحي أنا وجواد مع بعض." تهللت أسارير والده وهتف بنبرة فرحة: "ده يبقى يوم المنى يا ابني، بس قولي مين هي وبنت مين و…" قاطعه جودت
قبل أن يسترسل في حديثه: "بعدين ياحج هقولك كل حاجة في وقتها، بس كل اللي أقدر أقوله لك إني حاطط عيني على واحدة وأنا واثق إنها هتعجبك.. ويلا بينا بقى عشان الوقت كده هيسرقنا واحنا لسه متحركناش وقدامنا طريق طويل والعروسة زمانها مستنية."
"عندك حق يالا توكلنا على الله." قالها الحج ليل وهو يتقدم أولاده للخارج قاصدين وجهتهم ثم تقابلوا مع فارس وذهبوا معاً إلى القاهرة، مستقلين السيارات، فارس وجواد في سيارة الأخير، وجودت ووالده في سيارة جودت. *** في سيارة جواد. هتف جواد معاتباً
صديقه بحزن مصطنع: "طبعاً ما هو أنا مش عارف ألم عليك من ساعة ما الست حورية ظهرت وأنا خلاص اتركنت على الرف وبقيت أشوفك بالصدفة، الصبح ساعتين في المكتب وبعدين تختفي وقت خروج الهانم من المدرسة وبعدين ساعتين وتجري عشان تروح تقعد تكلمها فوق السطح، ويولع جواد بقى.. ما هو أنتوا الرجالة كده تاخدونا لحم وترمونا عضم." ضحك فارس بشدة حتى دمعت
عيناه وهتف من بين ضحكاته: "إيه يا عم أنت هتعمل فيا اللي دانيلا بتعمله فيك ولا إيه.. ده أنت لو مراتي مش هتقولي كده." تحدث جواد كابتاً ضحكته: "ما تغيرش الموضوع، واعترف إنك منفض لي على الآخر ما دلقت على بوزك وحبيت الست هانم." هتف فارس بنبرة لعوب وهو يلكزه في خصره: "بتغيري عليا يا بيضا." نظروا إلى بعضهم البعض وانفجروا ضاحكين. هتف جواد بعد أن هدأت ضحكاته متحدثاً بجدية: "قولي بجد ناوي على إيه معاها." أجابه بفارس بنبرة
حاسمة لا تقبل النقاش: "هتجوزها طبعاً." "طب ومستني إيه ما تتقدم لها وخلينا ندخل القفص سوا مع بعض ونعمل فرحنا في يوم واحد." هتف بها جواد بنبرة حماسية وهو يوزع نظراته بين الطريق وصديقه.
"مش عارف يا جواد، الجواز محتاج فلوس كتير وأنا الفلوس اللي معايا من حتة الأرض اللي أمي الله يرحمها كانت ورثاها عن جدي نصها حطيتها معاك في الشركة والنص التاني يدوب أوضب بيه البيت.. ده غير إنها لسه في ثانوي وعايزة تكمل تعليمها والمشوار قدامها لسه طويل وأنا مش عاوز الجواز يأثر عليها ويعطلها." هتف جواد محاولاً
إقناعه: "يا سيدي كل ده أمره سهل، اكتب عليها وابقى اتجوز بعد ما تخلص الثانوية وفي بنات كتير بيروحوا الجامعة وهما متجوزين، وإن كان على الفلوس ما تشيلش هم الأرباح اللي هتدخل من الشغل مش هقولك خدها كلها عشان عارف إنك هترفض، خد التلات أرباع وأنا الربع واعتبرهم سلف وابقى ردهم لما الدنيا تظبط، خلينا نفرح ونفرح أهلنا وخصوصاً عم حسين اللي نفسه يفرح بيك، وبرضه أنتوا محتاجين لست معاكم في البيت تشوف طلباتكم.. ده غير إن جودت كمان
شكله طب وفي واحدة حاطط عينه عليها، لسه قايل الكلام ده قبل ما ننزل ولو الدنيا مشيت معاه ممكن هو كمان يتجوز معانا في نفس الوقت.. يا عم خلي الفرح يدق بابنا بقى، وبعدين العمر بيجري وإحنا عاوزين نلحق نفرح وندلع شوية قبل ما نكبر ونتلخم في الشغل والعيال ولا إيه يا أبو الفوارس." أنهى كلامه غامزاً بعبث.
ابتسم جواد وهو يقلب حديث صديقه داخل عقله: "ربنا يقدم اللي فيه الخير." *** تعالت الزغاريد في منزل السيدة ماتيلدا والدة دانيلا بعدما اتفقوا على كل شيء وتم تلبيس الدبل وإعلان خطوبة جواد ودانيلا. اقترب الحج ليل من خطيبة ابنه مقبلاً رأسها مقدماً لها هدية قيمة من الذهب الخالص بمناسبة خطوبتهما: "ألف مبروك يا بنتي ربنا يتمم لكم على خير." وتقدمت السيدة ماتيلدا مقبلة جواد من وجنتيه
متحدثة بلهجة مصرية متكسرة: "ألف مبروك جواد.. أنا كنت مش موافق على خطوبة داني منك خالص، بس بعد ما شوفت إنك واحد كويس، ابن أصول، وشوفت حب كبير لداني في عيونك، وافقت على طول.. وأنتي لازم تحافظي على داني وتحطيها في عنيكي عشان هي بنتي الوحيدة وأنا بخاف عليها كتير، ولو في يوم زعلتيها منك أنتِ هتشوفي ماتيلدا غير دي خالص هتشوفي ماتيلدا الإيطالية بجد." طبع جواد قبلة على
يد السيدة ماتيلدا بمشاغبة: "والله أنتِ اللي المفروض تخافي عليا من بنتك، مش تخافي عليها هي.. وبعدين بنتك إيه بس يا ماتي ده أنتِ أحلى وأصغر منها، ده أنا لو كنت شوفتك قبلها ما كنتش سبتك أبداً، وبعدين إحنا فيها إيه رأيك أجوزك أبويا وأهو يبقى زيتنا في دقيقنا." ضربته ماتيلدا على يده بخفة هاتفاً بنبرة جادة تخفي خلفها ابتسامتها من شقاوة هذا
الوسيم سارق قلب ابنتها: "اخرسي يا قليلة الأدب، إيه زيت ودقيق وكلام فارغ بتقوليه ده، احترمي نفسك بدل ما أبوظ الجوازة دي." هتف جواد معترضاً وهو يقبل كلتا يديها: "لا أبوس إيدك ده أنا ما صدقت إنك توافقي." تركها وذهب حيث محبوبته التي كانت تقف مع بعض معارفهم والتي اعتذرت منهم ما إن لمحته قادم نحوها بطلته الخاطفة للأنفاس. سحبها من يدها ودلف إلى الشرفة حتى يستطيع الحديث معها بحرية بعيداً عن الأعين الفضولية.
وقف مقابلاً لها ممسكاً بكلتا يديها بين يديه هاتفاً بسعادة: "مبروك يا داني.. أنا مش مصدق.. أخيراً حلمنا اتحقق وبقينا لبعض." أجابته بعيون تلمع بسعادة ودقات قلبها تكاد تصل لمسامعه: "أنا كمان مش مصدقة نفسي حاسة إني بحلم.. بقولك إيه اقرصني في إيدي والنبي عشان أصدق إني صاحية ومش بحلم." اقترب منها حد الخطر حتى أصبح على بعد أنشات صغيرة منها هاتفاً بأنفاس ثقيلة وعينيه مسلطة على شفتيها المغرية يريد أن
يتذوق طعم الشهد من عليها: "طب وأقرصك ليه يا حبيبتي وأوجعك وأنا ممكن أعمل حاجة تانية أحسن وتأثيرها أقوى وهتأكد لك إنك مش بتحلمي." سألته ببراءة غير عالمة بنواياه المنحرفة: "إيه هي؟ "كده…" قالها والتهم شفتيها في قبلة شغوفة مشتاقة تعبر عن شوقه وعشقه لها. انتفض جواد مفزوعاً على ضربة تحط على كتفه بقوة وصوت ماتيلدا الغاضب: "اطلعي بره يا كلبة يا قليلة الأدب أنتِ، مفيش بنات للجواز." *** في صباح اليوم التالي.
طرق المصري أفندي باب غرفة مكتب جودت مهران بعدما استدعاه الأخير إلى مكتبه. دلف إلى الداخل بعدما سمع صوته يأذن له بالدخول. اعتدل جودت في جلسته وأراح ظهره على خلف مقعده جالساً بغرور وغطرسة مشيراً إلى المصري أفندي بالجلوس. هتف المصري أفندي متسائلاً بعدم فهم: "خير يا جودت بيه، حضرتك بعت لي، في حاجة؟ هتف جودت بنبرة
واثقة وهو على نفس جلسته: "كل خير إن شاء الله.. شوف أنا رجل دغري وهدخل في الموضوع على طول من غير لف ودوران. أنا طالب إيد بنتك ليلي على سنة الله ورسوله.. وأهو زي ما بيقولوا دخلت البيت من بابه."
نظر له المصري أفندي متفاجئاً من طلبه غير المتوقع وطريقته المتغطرسة في الحديث، فهو يكره طريقته المتعالية والمتعطرسة التي يتعامل بها مع الناس. هتف بنبرة جادة تحمل في طياتها تهزيق مبطناً: "وهو ده بابه برضه يا جودت بيه.. لو حضرتك زي ما بتقول داخل البيت من بابه يبقى الأصول بتقول إنك تيجي وتتفضل أنت ووالدك لحد عندي في بيتي.. بيت ليلي وتطلب إيدها.. وساعتها أفكر أوافق ولا لأ." اغتظ جودت منه وهتف بنبرة مرتفعة وهو
يضرب على سطح المكتب بقوة: "أنت نسيت نفسك ولا إيه، أنت مش عارف أنت بتتكلم مع مين، وبعدين مش أنت اللي تقولي أقول إيه ولا أعمل إيه، أنا أعمل وأقول اللي أنا عايزه وقت ما أنا عايز مش حتة واحد شغال عندي هيقول لي أعمل إيه! نهض المصري أفندي من جلسته وهتف بنبرة قاطعة منهياً
النقاش معه: "تمام كده حضرتك قلت اللي أنت عايزه وردي على طلب حضرتك.. أنا آسف معنديش بنات للجواز.. عن إذنك." قالها وتحرك مغادراً مكتبه دون أن يستمع إلى رده وما إن وصل إلى باب مكتبه حتى أتاه صوت جودت الهادر من خلفه بتهديد صريح: "طب لو عايز تحافظ على شغلك وعلى بنتك توافق على جوازي منها وده لمصلحتك لأني بالذوق بالعافية هتجوزها.. مش جودت مهران اللي يترفض ويتقال له لأ."
خرج المصري أفندي من مكتبه دون أن يعيره أدنى اهتمام صافقاً الباب خلفه بقوة تاركاً جودت يغلي من الغضب كالأتون المشتعل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!