الفصل 6 | من 12 فصل

رواية في هويد الليل الفصل السادس 6 - بقلم لولا

المشاهدات
26
كلمة
4,199
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

يقف في شباك جناحه ينظر إلى الأراضي الخضراء الواسعة، مسترجعاً في ذاكرته ما حدث معه يوم زفاف شقيقه بعدما سقط في النوم لفترة طويلة إثر تجرعه العديد من زجاجات الخمر. ظل يدور حول نفسه كالمجنون، ومقتطفات مشوشة لحديثه مع شقيقه تدور داخل عقله. هل كان حقيقة أم مجرد حلم؟ بل كابوس؟ ومن فوره ذهب يبحث عن شقيقه كالمجنون في كل مكان ولم يجده، فقد ذهب هو وعروسه برفقة فارس وليلي لقضاء شهر عسل في إحدى المدن الساحلية.

يقضون شهر عسل، وهو يكتوي بجمر من نار! نار حقده وغيرته من فارس على ليلي. ونار خوفه من معرفة شقيقه للحقيقة. تذكر ملامح شقيقه السعيدة التي تبدلت إلى نفور وكره وشيء آخر لم يستطع تفسيره عندما طلب منه محادثته على انفراد. ووقتها تأكد من أنه لم يكن يحلم، بل كان حقيقة، وهو من اعترف على نفسه وأصبح شقيقه شاهداً عليه.

"قلت لك يا جودت، اللي بيني وبينك أبوك وبس، هو اللي ماسكني عنك ومخليني أخالف ضميري وأكتم شهادة حق وأبلغ عنك. وحاجة تانية كمان اللي ماسكاني، إن فارس طلع منها براءة، لأنه لو كان اتسجن ظلم في حاجة ما عملهاش، وقتها ما كانش في حاجة هتهمني وكنت هسجنك بنفسي." هتف جودت بغضب مكتوم مستنكراً ما تفوه به شقيقه: "مستعد تبلغ عني وتسجني وتضحي بأبوك عشان خاطر فارس؟ أجابه جواد جواباً قاطعاً غير قابل للشك: "أنا أضحي بعمري عشان فارس."

قالها وغادر من أمامه، تاركاً إياه يحدق في أثره بنظرات قاتمة مشتعلة، ونيران كرهه وحقده على فارس تشتعل أكثر وأكثر في صدره. فهذا الفارس سلب منه شقيقه والإنسانة الوحيدة التي عشقها. ومنذ ذلك اليوم والعلاقة بينه وبين جواد أصبحت معدومة، يتحدثون فقط بكلمات مقتضبة أمام والدهم فقط.

عاد من ذكرياته على تعالي أصوات ضحكاتهم في الأسفل. فاليوم هو يوم العطلة، والذي يحرص فيه الحج ليل على تجميع أولاده وفارس وليلي معاً. يقضون اليوم في جو آسر، خاصة بعد وفاة والد عم حسين والد فارس. قبض على يده بقوة وتوحشت نظراته عندما لمح فارس وليلي قادمين من بعيد، والسعادة واضحة على وجوههم، وصوت ضحكاتها يملأ المكان، وفارس يعلمها كيفيه ركوب الخيل، وخاصة فرسه العنيد "أدهم".

لمح والده يشير إليه حتى ينزل وينضم إليهم، فأومأ له موافقاً، مزيفاً ابتسامة على محياه، خافياً خلفها ليس فقط تشوه وجهه، بل أيضاً تشوه روحه. "يا ابني ارحم نفسك شوية وارحم الغلبانة اللي عمال تزغط فيها زي البطة اللي هتدبح على العيد." هتف بها فارس مشاكساً جواد الذي يطعم زوجته، بعدما سحب من أمامه طبق الفاكهة وأخذ يأكل منه ويطعم ليلي بيده.

"وانت مالك انت، ولا هو حلال ليك وحرام عليا. وبعدين أنا مراتي بتاكل لاتنين هي وولي العهد." قالها وهو يربط على بطن زوجته الكبير المنتفخ. ثم تابع مضيفاً بمزاح: "لكن انت بقي بتاكل مراتك ليه، طفاسة ولا مُحن؟ ما انت لو تبطل نشفان دماغك ده، كان زمانك بتاكلها لاتنين زيي، والعيال يكبروا ويتربوا سوا."

رد فارس معقباً وهو ينظر إلى عين حوريته بعشق، وهو يطعمها حبات الفراولة الطازجة التي تشبه شفتيها الرقيقه التي لا يشبع من تقبيلها أبداً: "مالكش دعوه، مصلحة ليلي عندي أهم، تخلص جامعتها الأول وبعدين نبقى نشوف موضوع الخلفه ده، أنا مش عاوز حاجة تشغلها عن دراستها. هندسة صعبة ما انت عارف." "واضح إنك بتحبها أوي يا فارس." قالها جودت وهو يجلس في المنتصف بينه وبين جواد. أجابه فارس بنبرة صادقة وهو يطبق على

كف يدها من أسفل الطاولة: "انت عندك شك في كده؟ أنا ما فيش في حياتي أغلى من ليلي، وهي عارفة ده كويس أوي." ضحك جودت ساخراً وتابع مضيفاً بمكر وهو يقضم قطعة كبيرة من التفاح يلوكها داخل فمه: "ومدام انت بتحبها أوي كده، تقوم تحرمها من الخلفه؟ يارجال ده الواحد ما بيصدق يتجوز اللي بيحبها عشان يخلف منها حتة عيل، مش يتطلع حجج فارغة زي ما انت بتعمل." كاد كل من جواد وفارس أن يردا عليه، إلا أن ليلي قد سبقتهم ورد

بما ألجمه وأصابه بالخرس: "متهيألي يا جودت إن ده موضوع خاص بيا أنا وفارس بس، وبدل ما انت شاغل بالك بينا أوي كده، روح انت اتجوز وخلف زي ما انت عاوز! كز جودت على أسنانه بغيظ من إحراجها له بهذا الشكل أمام غريمه، بينما نظر له جواد بحنق، فهو أصبح لا يعرف شقيقه، ومن الواضح أنه لا يزال يضع ليلي في رأسه ويحاول أن يوقع بينها، وهذا ما لم يسمح به أبداً. "قوليله يا ليلي يا بنتي...

ده أنا غلبت معاه رافض يتجوز نهائي، عاوز أطمن عليه وأفرح بيه زي أخوه، بس هو اللي مش راضي... " هتف بها الحج ليل رداً عليها وهو يطالع ابنه بنظرات لائمه. قطع جودت استكمال حديثهم عنه عندما نهض واقفاً ملتقطاً أشياءه هاتفاً بفتور: "ريح دماغك مني يا حج، أنا مش ناوي أتجوّز، كفاية عليك جواد، عن إذنكم عندي شغل." ثم انصرف مسرعاً من أمامهم وهو يغلي من الغضب وهمس من بين أسنانه المطبقة: "بقي عاوزاني أتجوّز يا ليلي...

حاااااضر هتجوز، بس هتجوزك انتي، وده وعد مني، بس لما أرجع جودت مهران بتاع زمان قبل ما الحادثة تشوهه." "ااااااااااه الحقني يا جواد شكلي بولد." هتفت بها دانيلا صارخة بألم عندما داهمتها آلام المخاض. الدقائق بل الساعات تمر ببطء شديد، والجميع في حالة قلق وترقب. الكل يدعو ويبتهل إلى الله، وصوت صرخات دانيلا تشق سكون الرواق الخاص المخصص للولادة.

"اهدي يا جواد يا ابني إن شاء الله خير وهتقوم بالسلامة هي والمولود." هتف بها الحج ليل وهو يربط على كتف ابنه يواسيه بحنان، والذي كان يموت من القلق على زوجته وصوت صراخها يزيده جنوناً عليها. "دي طولت أوي جوه بقالها أربع ساعات عمالة تصرخ ومش عاوزين يولدوها! "معلش يا ابني مش الدكتور طمنك وقالك إن الوضع ده طبيعي عشان دي بكرية وبتطول شوية. ادعي لها انت بس وإن شاء الله خير." "يارب يا حج ادعي لها انت كمان والنبي."

"كله منك انتي يا جواد، انتي السبب في تعب داني بنتي." هتفت بها السيدة ماتيلدا من شدة قلقها على ابنتها الوحيدة، والتي حضرت مع السائق الذي أحضره لها فارس على الفور. نظر لها جواد بحنق هاتفاً بغيظ: "والنبي مش وقتك يا ماتي دلوقتي خالص." "لا وقته انت واحد قليل الأدب بيهمك نفسك وبس مش مهم عندك صحة داني." ضرب جواد كفاً بالآخر متعجباً من هذه السيدة الغريبة، والتي تتهمه باتهامات باطلة. "يا ستي هو أنا كنت عملت إيه غلط؟

واحد ومراته بتولد ابنه إيه الغريب في كده، وبعدين يعني هو أنا عملت حاجة غصب عنها ما كله كان بموافقتها ورضاها دي مراتي على فكرة لو مش واخدة بالك! كادت أن ترد عليه بما يليق بوقاحته، ولكن انفتاح الباب وخروج الممرضة وهي تحمل على ذراعها لفافة صغيرة بيضاء هاتفية ببشاشة: "مبروك يا سعادة البيه، المدام قامت بالسلامة وجابت لحضرتك ولد ما شاء الله زي القمر."

بقلب مضطرب وأيد مرتجفة اقترب منها جواد يمد يده يحمل صغيره بين ذراعيه. شهور غريب اجتاح قلبه واختلجت دقات قلبه عندما نظر إلى وجهه الملائكي الصغير. كان صغير الحجم، مغمض العين، وله شعر أسود لامع كسواد الليل. دمعت عين جواد ونظر إلى أبيه هاتفاً بسعادة: "ليل... ليل جواد ليل مهران!

دمعت عين الحج ليل تأثراً برؤية حفيده، ومد يده يأخذه من ابنه مقبلاً جبينه، والدموع تغرق عينه من شدة السعادة، وأخذ يؤذن ويكبر باسم الله في أذن الصغير. "ألف مبروك يا صاحبي يتربى في عزك إن شاء الله." قالها فارس وهو يعانق تؤام روحه بسعادة حقيقية. "وعزك انت كمان ما انت عمه وانت اللي هتربيه معايا."

"بس انتي وهي مفيش حد هيربي قلب أنا غيري أنا، ولا عاوزاه يطلع قليل الأدب زيك." هتفت بها ماتيلدا وهي تحمل الصغير بين يديها بحب وحماية وغادرت مع ليلي برفقة المربية لمساعدتها في تحميمه وإلباسه ملابسه. نظر جواد في أثرها مدهوشاً مذبهلاً: "دي خدت الواد ومشيت، خدت ابني! يا ماتي... يا ماتيلدا...

انتي يا وليه استني هاتي الواد." قالها وهو يهرول خلفها، بينما ذهب الحج ليل وفارس للصلاة، أما جودت فكان يراقب ما يحدث من بعيد بغل، فدائماً جواد متميز ومتقدم عنه بخطوة كعادته. كان جالساً على الفراش يقرأ في أحد الكتب، ولكنه لم يفقه شيء مما قرأه بسببها!

تلك الحورية التي ستصيبه بنوبة قلبية في يوم ما بسبب سحرها وفتنتها التي تزداد يوم عن آخر. لقد مر عام على زواجهم، كيف ومتى مر لا يعلم. عام يعيش مع حوريته في الجنة، يذوب بها وفيها، يعشقها بشكل جنوني وتبادله هي العشق بعشق أكبر وأقوى.

لمحت نظراته لها في المرآة، تلك النظرات التي ترضي أنوثتها وغرورها. أرادت المزيد من نظراته، فزادت من الدلال والغنج حتى تشعله أكثر فأكثر. رشت بعض قطرات من عطرها الذي يعشقه، عطر عربي أصيل مزيج من المسك مع الفانيلا يجعل لها سحراً خاصاً بها وحدها. سارت نحوه بخطوات متمهلة، وأسقطت الروب الحريري عن أكتافها ببطء أفقدته صوابه وزاد من قوة رغبته بها وهو يتطلع في جسدها المهلك لأعصابه.

رمى الكتاب أرضاً وفتح لها ذراعيه كي تسكن في مكانها الوحيد والصحيح، داخل أحضانه تضمها ضلوعه وتهدهدها دقات قلبه النابضة بعشقها. همس بصوت رجولي جذاب: "حوريتي." وضعت رأسها فوق مضخته النابضة بجنون عشقها: "قلب وعمر حوريتك." طبع قبلة مطولة فوق جبينها مغمض العين متنهداً بعشق، واستمروا على هكذا وضع لفترة، حتى قطعت هي الصمت هاتفاً برقة: "شوفت ليل وجماله." أجابها بهمهمة وهو مازال على وضعه: "اممم." "مش نفسك يكون عندك بيبي زيه؟

أجابها نافياً بحسم: "لا مش عاوز." تصلب جسدها بين ذراعيه، فشعر بها على الفور، وفي ثواني كان يقلب الوضع ويشرف عليها بجسده الرجولي وتحاصرها أنفاسه الساخنة التي تلهب بشرتها بنيران شوقه، والموج الثائر بصخب داخل مقلتيه التي تحكي لها الكثير والكثير وتعدها بالأكثر. "طبعاً مش عاوز ولد زي ليل عشان يشاركني فيكي وفي حبك، أنا عاوز بنوتة حلوة وزي القمر زيك، تكون شبهك، وريحتها من ريحتك، ساعتها هكون أسعد رجل في الدنيا دي كلها."

اتسعت ابتسامتها العاشقة وهتفت بدلال أذابته: "واشمعنى أنا بقي تجيب لي بنوتة تشاركني حبك ليا. أنا عاوزة ولد ويكون شبهك وعنيه لون عينك." قبل أرنبة أنفها وأضاف: "أنا عاوز بنت، نفسي أول خلفة ليا تكون بنت، وبعدين أنا عاوز أكون الرجل الوحيد في حياتك مفيش رجل غيري." هتفت باستسلام: "ماشي يا سيدي أمري لله، بنت.. بس بشرط تكون عينيها بلون عينك."

أجابها وهو يخلع عنه سترته: "لا الموضوع ده محتاج تركيز كبير أوي مني عشان أقدر أظبط درجة اللون، ومن هنا لحد ما تخلصي جامعتك، أكون أنا كمان قدرت أوصل للون اللي انتي عاوزاه. بس ده بقي محتاج منك قوة تحمل وصبر عشان أنا مهندس يعني لازم أحط الأساس المتين اللي يستحمل وبعد كده أبدأ بناء."

تعالت صوت ضحكتها على تشبيهه الغريب، ولكنها لم تدم طويلاً فقد أخذ شفتيها الضاحكة في قبلة شغوفة ملتهبة، مغرقاً إياها في بحر عشقه الهادر بجنون وواضعاً أولى حجر أساس بنائه بها.

اعتدل من فوقها لاهثاً والعرق يتصبب من جسده بغزارة، فقد كان يضاجعها بقوة وجنون، ليس لرغبته بها ولكن ليخرج بها غضبه وحنقه مما يحدث معه. نهض من جانبها مرتدياً بنطاله، تناول زجاجة الخمر وأخذ يتجرع منها بنهم، وأشعل سيجاره وأخذ يسحب منها الدخان الأسود يملأ به رئتيه عله يطفي لهيب قلبه المشتعل بنيران الغضب والحنق. ارتدت ملابسها وأخذت تتطلع إليه بقلق، فحاله اليوم غريب، يشبه حالته يوم زفاف شقيقه. ابتلعت ما في جوفها واستجمعت

شجاعتها وهتفت تناديه بقلق: "جودت... سي جودت." "عاوزة إيه؟ هتفت بتوتر: "كنت عاوزة أقولك على حاجة كده." ودون أن ينظر لها، تناول محفظته وأخرج منها رزمة مالية كبيرة وألقاها على الفراش بجانبها دون أن يتفوه بحرف واحد.

غامت عيناها حزناً وهي تتطلع إلى النقود الملقاة بجانبها، ثمناً لمتعته معها. ثمناً بخساً باعت به نفسها وشرفها للرجل التي أحبته وظنت أنه يحبها مثلما تحبه، ولكن مع مرور الوقت اكتشفت أنها مجرد جسد يشتهيه يفرغ به شهوته وغضبه مثلما فعل اليوم ليس إلا. ابتلعت غصة تسد حلقها ومنعت نفسها من البكاء، فهي تستحق ما يحدث معها، هي من فرطت في شرفها وعرضها تحت مسمى الحب. "خيرك سابق مش عاوزة فلوس؟

"أومال عاوزة إيه، اخلصي، أنا مش فاضي لوجع الدماغ بتاعك ده." هتفت بنبرة مرتعشة: "أنا... أنا حامل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...